الملك السعودي وابنه واقعان في الحفرة التي حفرها حمد بن خليفة للملك السعودي السابق… وعن بعض الأخطاء في السياسات السعودية الحالية

 

اليوم اتصل الرئيس الفرنسي بالملك السعودي ووبخه بشأن حصار اليمن، وطالبه بإنهاء الحصار فورا وبشكل كامل، ووضح له أن فرنسا لا ترى حلا في اليمن سوى الحل السياسي.

عندما يطالبون آل سعود بالحل السياسي في اليمن فهم يقصدون بذلك استسلامهم للحوثيين، لأن آل سعود لا يرفضون الحل السياسي بل هم يلهثون وراءه، ولكن الحوثيين (وإيران من ورائهم) يريدون تكرار نموذج حزب الله اللبناني في اليمن ويعتبرون ذلك حلا سياسيا. الحوثيون ليسوا راغبين فعلا في حل سياسي، والدول الغربية تعلم ذلك ولكنها تستخدم مصطلح “الحل السياسي” كورقة لابتزاز آل سعود.

من الواضح أن قضية اليمن تحولت إلى ورقة لابتزاز آل سعود. كلما أرادت دولة أن تبتز آل سعود فإنها تطلق تصريحات تطالب فيها آل سعود برفع حصار اليمن و”الحل السياسي”.

ترمب أخذ أموالا طائلة من آل سعود باستخدام هذه الورقة، وأيضا هو استخدمها لإرغام آل سعود على القيام ببعض الأمور المتعلقة بسورية (أشرنا إليها سابقا)، واستخدمها بعد الأحداث الأخيرة في قضية القدس لكي يرغم آل سعود على لجم الاعتراضات الشعبية. الأميركان أسرفوا في استخدام ورقة اليمن في ابتزاز آل سعود. الدول الأوروبية والروس والأتراك أيضا استخدموا هذه الورقة وما زالوا يستخدمونها.

لا أدري ما الذي تريده فرنسا الآن من آل سعود، ولكن من المحتمل أن للأمر علاقة بتطورات لبنان. بالأمس نشرت جريدة الشرق الأوسط مقابلة مع “أشرف ريفي” ورد فيها تهديد لسعد الحريري بخسارته لشعبيته في حال تحالف مع عون وحزب الله في الانتخابات القادمة. من المحتمل أن هذا الكلام هو الذي أغضب الفرنسيين لأن فرنسا (على ما يبدو) تريد قيام هذا التحالف بين الحريري وعون وحزب الله.

لا أعلم ما هو تفسير السياسة الفرنسية بشأن لبنان ولكن أغلب الظن هو أن فرنسا تبني سياستها على أساس طلبات تأتيها من حزب الله وإيران عبر شخصيات لبنانية موالية لميشيل عون. السياسة الفرنسية المتعلقة بلبنان ترسم دائما بهذا الأسلوب منذ الحرب العالمية الأولى. الفرنسيون يستمعون لشخصيات مارونية صديقة ويبنون سياستهم على أساس ما تقوله تلك الشخصيات، وفي هذه الحالة فإن الشخصيات المارونية هي في الحقيقة مجرد مراسيل لحزب الله.

من الوارد أيضا أن الفرنسيين يريدون أموالا من آل سعود. جريدة “الأخبار” ذكرت قبل فترة أن الفرنسيين أرادوا من آل سعود تمويل قوة عسكرية في أفريقيا (وإذا لم تخني الذاكرة فإنهم أرادوا أموالا لقضية أخرى). من المحتمل أن فرنسا تثير الآن قضية اليمن بهدف انتزاع أموال من آل سعود.

آل سعود هم في وضع لا يحسدون عليه. هم تحولوا إلى ملطشة.

هل المُلام على ذلك هو الملك السعودي وابنه؟

كثير من الانتقادات التي توجه إلى الملك السعودي وابنه هي مجحفة وغير محقة. مثلا الانتقادات التي توجه له بشأن قضية التقشف هي بلا أساس. عندما وصل الملك السعودي الحالي إلى الحكم كانت المملكة السعودية في حالة عجز مالي كبير بسبب السياسات العبثية للملك السابق (تحدثنا عنها بالتفصيل في حينها). في عهد ذلك الملك وصلت إلى خزينة المملكة أموال طائلة جدا من عائدات النفط، ولكنه بدلا من أن يستثمرها أهدرها على أمور غير مجدية (رواتب و”شرهات” وسرقات ونحو ذلك). بعض الأمور التي أنفق عليها الأموال (مثل افتتاح الجامعات المجانية ونحو ذلك) تحولت الآن إلى عبء يستنزف الميزانية. من يجب أن يلام بشأن التقشف الحالي في المملكة السعودية هو ليس الملك سلمان وإنما سلفه.

نفس الأمر ينطبق على السياسة الخارجية. الملك الحالي ليس هو الذي صنع أزمة اليمن. الأزمة في اليمن كانت مستفحلة قبل وصول الملك الحالي إلى الحكم. هذا الملك تدخل على عجل في اليمن بهدف وضع حد لتمدد الحوثيين، وهو نجح في تدخله وأنقذ اليمن من السقوط الكامل.

ما صنع أزمة اليمن وغيرها هي سياسة الملك السابق. ذلك الملك سمح للقطريين أن يتلاعبوا به في اليمن وفي سورية بحجة أن قطر هي دولة سنية يجب على السعودية أن تتحالف معها ضد إيران، والنتيجة كانت سقوط كل من اليمن وسورية بيد إيران.

قطر خدعت الملك السابق وتلاعبت به. القطريون هم الذين دفعوا الملك السابق للتحالف مع تركيا بدعوى أن تركيا هي دولة سنية، والآن نحن نعلم أن أردوغان كان يخرق نظام العقوبات المطبق على إيران وكان يمد إيران بأموال طائلة خلال فترة الحصار عبر رضا ضراب، ناهيك عما فعله أردوغان في سورية (بالتعاون مع قطر) من تدمير للمعارضة السنية وتمكين لبشار الأسد. تركيا وقطر عملتا بشكل مكثف في سورية لمنع المعارضة العربية السنية من التحالف مع أميركا، والنتيجة الحتمية لهذا النهج كانت انحسار المعارضة وتمدد إيران.

في النهاية أخرج أردوغان تحالفه مع إيران إلى العلن ولم يعد يخفيه. هو عقد اتفاقات علنية مع إيران في “أستانة” سمحت لبشار الأسد باحتلال حلب ودير الزور.

أردوغان فعل كل ذلك بينما كان يحصل على دعم اقتصادي هائل من السعودية (سياحة واستثمارات) بحجة أنه حليف سني ضد إيران وبحجة أنه سيتكفل بالملف السوري وسيحارب إيران في سورية، وفقا لما أقنعت به قطر الملك السعودي السابق.

قطر هي سبب استيلاء الحوثيين على صنعاء. آل سعود لم يكونوا راغبين في إضعاف علي عبد الله صالح لأنهم كانوا يدركون أهميته في التصدي للحوثيين (هو حليفهم التاريخي ضد الحوثيين)، ولكن قطر (على الأغلب بتشاور مع إيران) عملت بشكل محموم لتدمير علي صالح وعائلته وحلفائه وكل من يمت لهم بصلة. إضعاف علي صالح خلق فراغا في صنعاء، وإيران سارعت لاستغلال ذلك واستولت على صنعاء. السعوديون يقولون أن صالح تواطأ مع الحوثيين وسهل لهم الاستيلاء على صنعاء، ولكن هذا الكلام يبدو مجرد كلام فارغ أراد السعوديون من خلاله أن يغطوا على خيبتهم وخطئهم الكبير عندما سمحوا لدويلة حليفة لإيران بأن تتلاعب بهم وتخدعهم.

حاكم قطر حمد بن خليفة هو شخص يحقد على كل الدول العربية بلا استثناء (على الأغلب بسبب عقدة نقص). هدفه الاستراتيجي هو تدمير كل الدول العربية، بما في ذلك المملكة السعودية. هو شخص معتل نفسيا. هو استغل سذاجة الملك السعودي السابق واستدرجه إلى حفرة استراتيجية.

عندما وصل الملك الحالي إلى السلطة كانت المملكة واقعة فعلا في الحفرة. هذا الملك هو ليس الذي أوقع المملكة في حفرتها كما تزعم وسائل الإعلام الغربية وغيرها. هذا الملك في الحقيقة تحرك لكي يصحح بعض أخطاء الملك السابق. أهم ما فعله هو التحرك ضد قطر، ولكن التحرك يبدو فاشلا للأسف، لأن قطر ما زالت حتى الآن قادرة على التخريب وإحداث الأذى والضرر (التمدد التركي الأخير نحو السودان هو نتيجة جهد قطري، ومن الوارد جدا أن يحصل تمدد إيراني نحو السودان بعد التمدد التركي).

كان يجب على آل سعود أن يحسموا قضية قطر بسرعة. هم كانوا يستطيعون أن يخلعوا حمد وأن يرسلوه إلى مصح نفسي لو أنهم أرسلوا قوة عسكرية بسيطة إلى قطر (قوة مشتركة سعودية-إماراتية-بحرينية)، ولكنهم لم يفعلوا ذلك وسمحوا لحمد أن يظل شوكة في خاصرتهم وخاصرة العالم العربي. لقد أخطؤوا خطأ استراتيجيا كبيرا بعدم خلعهم لحمد منذ الأيام الأولى لتحركهم ضد قطر. لا أدري ما هو سبب هذا الخطأ ولكنني أتصور أنه بسبب ضغوط كبيرة تعرضوا لها من أميركا وغيرها.

لا أدري إن كان تعرضهم لضغوط يبرر ما فعلوه. إذا كنت سترضخ للضغوط فلماذا تحركت ضد قطر من الأساس؟ كان الأحرى بك أن تتنازل لإيران وتتجنب كل هذه المشكلة.

سياسة آل سعود بشأن حزب الله اللبناني هي ربما أغبى شيء في السياسة السعودية. في الماضي تحدثت كثيرا عن عدم عقلانية هذه السياسة.

كل العالم يعلم أن المتضرر الأكبر من حزب الله اللبناني هو إسرائيل، ولكن آل سعود (لسبب غامض وغير مفهوم) جعلوا من أنفسهم حائط صد عن إسرائيل. هم جعلوا أنفسهم العدو الأول لحزب الله بدلا من إسرائيل، فكانت النتيجة أن إسرائيل نفسها لم تعد ترغب في مقاتلة حزب الله. الإسرائيليون يقولون لأنفسهم: طالما أن الشيعة والسنة يقتلون بعضهم فلماذا نورط أنفسنا في هذا القتال الداخلي بين المسلمين؟ الأفضل هو أن نتفرج عليهم بينما يقاتلون بعضهم.

لهذا نرى الآن أن إسرائيل تكتفي بإطلاق التصريحات ضد حزب الله وبشار ولكنها لا تبدي جدية في محاربتهم، وهي أيضا لم تبد اهتماما بعروض التحالف المقدمة من السعودية. بدلا من أن تتجاوب إسرائيل مع “اليد السعودية الممدودة” هي قررت أن “تستغل الظرف” وأن تخلق واقعا جديدا في قضية القدس. الإسرائيليون استغلوا السعوديين كممسحة أو خرقة: هم حملوا مسؤولية ما حصل في قضية القدس للسعوديين لكي يزيحوا الغضب الإسلامي والدولي عن أنفسهم ويوجهوه نحو السعودية.

إسرائيل تتعامل مع السعودية بتعال واستخفاف. الإسرائيليون يقولون للسعودية: نحن لسنا مهتمين كثيرا بالتحالف معكم ولا نعتزم تقديم أية تنازلات إكراما لكم.

الموقف الإسرائيلي يؤثر على الأغلب في الموقف الأميركي والأوروبي من حزب الله. لو كانت إسرائيل راغبة في التصعيد ضد حزب الله لما كنا رأينا التساهل الأميركي والأوروبي مع حزب الله.

الأمور وصلت إلى درجة أن الأميركان والأوروبيين صاروا يوبخون السعودية ويبتزونها بسبب موقفها المناهض لحزب الله.

سبب هذا الذل السعودي في قضية حزب الله وإسرائيل هو أن الموقف السعودي من أساسه هو موقف خاطئ وغير عقلاني. قضية حزب الله تعني إسرائيل في المقام الأول، وما كان يجب على السعودية أن تتطوع للدفاع عن إسرائيل في هذه القضية. عندما جعلت السعودية من هذه القضية قضيتها كانت النتيجة أن الإسرائيليين وداعميهم صاروا يستخفون بالسعودية (وبالمسلمين عموما).

لا أدري ما هو أساس السياسة السعودية تجاه حزب الله، ولكن يبدو لي أن من وضعوا هذه السياسة هم أشخاص يعانون من عقد تعود إلى حقبة الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي عندما كانت بعض الأنظمة العربية تستخدم قضية فلسطين للمزايدة السياسية والتهجم (من هؤلاء الأشخاص ربما سعود الفيصل). من الغريب أن تصوغ دولة سياستها الخارجية على أساس عقد نفسية تعود إلى أزمنة غابرة.

السياسة السعودية تجاه حزب الله هي خاطئة وتحتاج لتصحيح. السعودية يجب أن توقف كل جهودها ضد حزب الله اللبناني. من يجب أن يتصدى لقضية حزب الله هم الإسرائيليون والأميركان، لأن هذه القضية تعنيهم في المقام الأول ولا تعني السعودية.

السعودية يجب أن تركز على قضيتي قطر واليمن، وفي سورية يجب عليها أن تدعم الأكراد وتشجع العرب على التحالف معهم. بالنسبة لحزب الله اللبناني (وما يدور في فلكه مثل بشار الأسد) فإن السعودية يجب أن تترك هذه القضية لإسرائيل والأميركان. لا أقصد أن السعودية يجب أن تدعم حزب الله وبشار كما يفعل أردوغان، ولكن جهود السعودية الحالية ضد حزب الله وبشار هي جهود عبثية ولا تحقق شيئا. الدول الغربية وغيرها صارت تستخدم هذه الجهود لابتزاز السعودية وإذلالها. الإسرائيليون استغلوها لإشعال قضية القدس (وهذا طبعا كان خدمة كبيرة لإيران). من الواضح أن سياسة السعودية في هذا المجال هي خاطئة وتعطي نتائج عكسية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s