الدماغ البشري (2)

ذكرنا في المقال السابق أن الجهاز العصبي المركزي لدى ثنائيات الجانب bilaterians الأولى كان عبارة عن حبل ممتد على طول الجسم يسمى الحبل العصبي nerve cord.

الحبل العصبي عند الحبليات chordates يمتد على طول الظهر بمحاذاة الحبل الظهري notochord (ولاحقا بمحاذاة العمود الفقري لدى الفقاريات). عند ثنائيات الجانب غير الحبلية (الديدان worms ومفصليات الأرجل arthropods) الحبل الظهري يمتد على طول البطن وليس الظهر.

في الحقيقة الديدان ومفصليات الأرجل تملك حبلين عصبيين وليس حبلا واحدا:

الجهاز العصبي لدودة مسطحة platyhelminth
الجهاز العصبي لدودة حلقية annelid (دودة الأرض earthworm)

الديدان هي الحيوانات الأكثر بدائية ضمن مجموعة “ثنائيات الجانب” bilaterians، بمعنى أنها ربما أكثر الحيوانات المعاصرة شبها بثنائيات الجانب الباكرة. ثنائيات الجانب سميت بهذا الاسم لأن أجسامها تتكون من شطرين متناظرين حول المستوي السهمي sagittal plane (المستوي الذي يمر من السطح البطني للجسم إلى السطح الظهري قاسما الجسم إلى شطرين أيمن وأيسر). لو قسمنا حيوانا ثنائي الجانب إلى شطرين أيمن وأيسر فإن الشطرين يجب أن يكونا متناظرين:

على اليمين حيوان ثنائي الجانب (من مفصليات الأرجل) وعلى اليسار كائن ذو تناظر شعاعي radial symmetry

الكائنات ذات التناظر الشعاعي radial symmetry يمكن أن نقسمها إلى شطرين متناظرين مهما كان اتجاه المستوي الرأسي-الذيلي الذي سيتم الشطر عبره. التناظر الشعاعي هو شائع لدى الحيوانات البدائية (الإسفنجيات والمِشْطِيات واللاسعات)، وأيضا موجود بكثرة في النباتات.

وجود حبلين عصبيين في الجسم (حبل أيمن وأيسر) يتوافق مع مبدأ التناظر ثنائي الجانب، وبالتالي المفترض هو أن الكائنات ثنائية الجانب الباكرة كانت تملك حبليين عصبيين كالديدان ومفصليات الأرجل (“مفصليات الأرجل” arthropods هو تصنيف يشمل الحشرات وأم أربعة وأربعين والعناكب والسرطانات).

تصوران افتراضيان لأول حيوان ثنائي الجانب urbilaterian

تطور الدماغ

الحيوانات ثنائية الجانب تتميز بأن لها رأسا يحوي كتلة عصبية (دماغ). نشوء الرأس الذي يحوي الدماغ يسمى cephalization.

نشوء الدماغ عند الحبليات الباكرة بدأ بانتفاخ في الحبل العصبي في منطقة الرأس. عند الفقاريات الباكرة الدماغ كان مكونا من ثلاثة حويصلات على نحو شبيه بهذا الشكل:

primitive brain

دماغ الفقاريات في بداية ظهوره كان يتكون من ثلاثة حويصلات هي من الخلف للأمام:

  • الدماغ الخلفي (hindbrain) rhombencephalon
  • الدماغ الأوسط (midbrain) mesencephalon
  • الدماغ الأمامي (forebrain) prosencephalon

هذه الحويصلات تظهر عند البشر في المرحلة الجنينية. الرسم التالي يعبر عن الدماغ الجنيني في بداية تكونه:

منظر ظهري لدماغ الجنين البشري
embryo brain
منظر جانبي لدماغ الجنين البشري

عند البشر البالغين ما يسمى بالدماغ “الخلفي” هو في الحقيقة “سفلي”، وما يسمى بالدماغ “الأمامي” هو في الحقيقة “علوي”. البشر يمشون على رجلين وليس أربع أرجل، ولهذا السبب الاتجاهات التشريحية لديهم تختلف عن الاتجاهات التشريحية لدي بقية الفقاريات أو ثنائيات الجانب. التسميات المتعلقة بالدماغ تعكس الواقع الحيواني وليس الواقع البشري.

في علم التشريح anatomy الاتجاه الذي يوصل نحو الأنف يسمى الاتجاه “المنقاري” rostral، والاتجاه الذي يوصل نحو الذيل يسمى الاتجاه “الذيلي” caudal. عند الحيوانات التي تمشي على أربعة أرجل الاتجاه المنقاري هو نفسه الاتجاه “الأمامي” anterior، والاتجاه الذيلي هو نفسه الاتجاه “الخلفي” posterior، ولكن عند البشر الاتجاه المنقاري يسمى “العلوي” superior، والاتجاه الذيلي يسمى “السفلي” inferior. الاتجاه الذي يوصل نحو السطح البطني للجسم يسمى الاتجاه “البطني” ventral، والاتجاه الذي يوصل نحو السطح الظهري للجسم يسمى الاتجاه “الظهري” dorsal. عند البشر الاتجاه البطني يسمى “الأمامي” anterior، والاتجاه “الظهري” يسمى “الخلفي” posterior (هذا الكلام لا ينطبق على الأعضاء البشرية ذات المحور الأفقي كالقدم مثلا)

عند الفقاريات الدماغ الخلفي (hindbrain) rhombencephalon يتحول إلى جزأين:

  • الدماغ النخاعيmyelencephalon  (يتحول لاحقا إلى النخاع المستطيل (medulla oblongata
  • الدماغ التالي metencephalon (يتحول إلى الجسر pons والمخيخ cerebellum)

الدماغ الأوسط (midbrain) mesencephalon عند الثدييات يظل عموما على حاله ولا ينقسم إلى أجزاء.

الدماغ الأمامي (forebrain) prosencephalon يتحول إلى جزأين:

  • الدماغ البيني diencephalon
  • الدماغ النهائي telencephalon

الدماغ البيني diencephalon يتحول إلى جزأين مهمين، الجزء الأول يسمى thalamus (معناه “الحجرة الداخلية” inner chamber). سوف أعرّب كلمة thalamus في هذا المقال إلى “الثَّلَم” (بعض الناس يكتبون “ثلاموس” ولكن من غير الضروري أن نكتب علامة الإعراب اللاتينية –us في الكلمة العربية).

العضو الثاني المهم الذي ينتج من الدماغ البيني هو hypothalamus (سوف أعربه إلى “ما تحت الثلم”).

الدماغ النهائي telencephalon يتحول إلى المخ cerebrum. المخ يتكون من قشرة cortex ومن عقد ganglia أو أنوية nuclei توجد تحت القشرة في بطن المخ.

ما سبب نشوء “الأدمغة”؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تقسّم دماغ الفقاريات إلى ثلاثة أدمغة (أمامي وأوسط وخلفي)؟

أنا بصراحة لم أقرأ ما يكفي في هذا المجال، وبالتالي ما سأقوله الآن هو مجرد رأي مبني على بعض القراءة المحدودة.

هناك خاصية تميز الحيوانات ثنائية الجانب bilaterian وهي أن أجسامها مقسمة تشريحيا إلى “قطع متتالية”metameres  (تسمى أيضا “قطع جسمية” somites).

القطع المتتالية تظهر بوضوح في أجسام الديدان الحلقية:

لاحظ كيف أن جسم الدودة مقسم إلى حلقات متتالية. الديدان هي الحيوانات الأكثر بدائية ضمن مجموعة ثنائيات الجانب، وهذا التقسم إلى قطع متتالية يعبر ربما عن الحالة الأصلية لدى ثنائيات الجانب

القطع المتتالية تظهر أيضا في مفصليات الأرجل arthropods:

لاحظ التقطع المتتالي metamerism لدى أم أربعة وأربعين
التقطع المتتالي لدى العقرب
التقطع المتتالي في جسم النحلة

القطع المتتالية المكونة لأجسام مفصليات الأرجل تلتحم مع بعضها لتشكل أجزاء أكبر هي الرأس head والصدر thorax والبطن abdomen.

الأجزاء الكبيرة التي تنتج من التحام القطع المتتالية تسمى tagmata (مفرد tagmata هو tagma ومعناه “المُرَتَّب” something arranged).

في أجسام الحبليات chordates (ومنها الإنسان) هناك “مرتّبات” tagmata شبيهة بالمرتبات الموجودة في أجسام مفصليات الأرجل.

القطع المتتالية metameres أو القطع الجسمية somites تظهر بشكل واضح لدى جنين الإنسان خلال المراحل الأولى من تكوينه:

صورة ظهرية لجنين الإنسان
صورة جانبية لجنين الإنسان

جسم جنين الإنسان في بداية تكوينه يكون مقطعا على نحو شبيه بجسم الدودة، ولكن القطع المتتالية تلتحم تدريجيا وتكون “مرتبات” tagmata.

ما هو سبب التحام القطع المتتالية؟ أظن أن السبب هو مبدأ “الاتحاد قوة”. التحام القطع المتتالية مع بعضها يعطيها القدرة على تكوين أعضاء كبيرة ومعقدة. هذا المبدأ هو نفس المبدأ الذي دفع الكائنات وحيدة الخلية لكي تلتحم مع بعضها وتكون الكائنات متعددة الخلايا.

بقايا التقطع المتتالي metamerism تظهر واضحة لدى الإنسان البالغ في العمود الفقري (المكون من عدد كبير من القطع المتتالية التي تسمى الفقرات vertebra). أيضا التقطع المتتالي يظهر واضحا في جدار الصدر:

المناطق التي تقع بين أضلاع القفص الصدري تسمى “المسافات بين الضلعية” intercostal spaces. هذه المسافات لها تكوين متماثل من حيث العضلات والأعصاب والتروية الدموية

التقطع المتتالي في الجهاز العصبي

ظاهرة التقطع المتتالي تظهر واضحة في الجهاز العصبي لثنائيات الجانب. الحبلان العصبيان عند الديدان يحويان عقدا عصبية قطعية segmental ganglia (العقدة العصبية ganglion هي عبارة عن تكتل من الخلايا العصبية). كل قطعة متتالية metamere تحوي عقدتين عصبيتين على اليمين وعلى الشمال، ومن كل عقدة عصبية تخرج أعصاب محركة نحو عضلات القطعة المتتالية التي تحوي العقدة. الأعصاب تقبّض عضلات القطع المتتالية بشكل متناسق وهذا ما يحرك الدودة.

في رأس الدودة توجد عقدتان كبيرتان تسميان “العقدتان المخيتان” cerebral ganglia. هاتان العقدتان هما “دماغ الدودة”. هاتان العقدتان تتصلان مع عدد من أعضاء الحس البدائية (هناك لدى دودة الأرض “عين” بدائية تستطيع أن تفعل شيئا واحدا هو تحديد وجود الضوء من عدمه، وهناك حاسة شم وذوق بدائية تستطيع التعرف على وجود بعض المواد الكيميائية، وهناك أعضاء حسية في الجلد تستطيع الشعور بالحرارة والاهتزاز وإرسال إشارات إلى العقد المخية لإبلاغها بذلك). العقدتان المخيتان تستفيدان من معطيات أعضاء الحس وترسلان إشارات إلى العضلات لتحريك الدودة بعيدا عن الضوء والاهتزاز والأمور الأخرى التي قد تهدد حياة الدودة.

هذا الجهاز العصبي البدائي الموجود لدى الديدان هو على ما أظن أساس الأجهزة العصبية المعقدة الموجودة لدى حيوانات أخرى أكثر تطورا.

مفصليات الأرجل تملك جهازا عصبيا شبيه بالجهاز العصبي الدودي، ولكن في مفصليات الأرجل هناك اندماج للعقد العصبية في وسط البطن:

الجهاز العصبي لنحلة بالغة (B) وليرقة النحل (A)

ظاهرة الاندماج بين الحبلين العصبيين هي موجودة أيضا في الحبليات، ولكن الحبل العصبي لدى الحبليات هو ظهري وليس بطنيا كما في مفصليات الأرجل.

دماغ مفصليات الأرجل هو عبارة عن عقدة عصبية كبيرة نشأت من اندماج أزواج العقد العصبية الثلاثة الأولى (المسؤولة عن تعصيب القطع المتتالية metameres الثلاث الأولى في جهة الرأس).

دماغ مفصليات الأرجل ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، الجزء الأمامي يسمى “المخ الأول”protocerebrum  وهو يتصل مع أعضاء الرؤية (الحشرات عموما لديها خمسة عيون: عينان مركبتان compound eyes تضمان عددا كبيرا من العدسات سداسية الأضلاع، وثلاث عيون بسيطة simple eyes تضم كل منها عدسة واحدة).

ichneumon was ocelli simple eyes insect
العينان المركبتان على الجانبين، والعيون البسيطة في الوسط

الجزء الثاني من دماغ مفصليات الأرجل هو “المخ الثاني” deutocerebrum الذي يتصل مع قرون الاستشعار antennae (المسؤولة عن حاسة الشم). الجزء الثالث من دماغ مفصليات الأرجل هو “المخ الثالث” tritocerebrum الذي لا أعلم ما هي وظيفته (من الممكن حسب هذا الرابط أنه مسؤول عن استقبال وإرسال البيانات إلى أعضاء الجسم الحشوية visceral).

إلى الأسفل من العقدة المخية الكبيرة هناك عقدة كبيرة مكونة من اندماج ثلاثة أزواج من العقد العصبية تسمى “العقدة تحت المريئية” subesophageal ganglion. هذه العقدة مسؤولة عن تعصيب الفكين والفم بما في ذلك الغدد اللعابية وربما حس الذوق.

أحاسيس مفصليات الأرجل هي أكثر تعقيدا من أحاسيس الديدان. وظيفة العيون البسيطة (التي تسمى “العيون الصغيرة” ocelli) هي تحديد وجود الضوء وشدته. وظيفة العيون المركبة هي رصد حركة الأجسام في محيط الحشرة (وليس “رؤية” الأجسام بالمعنى البشري للكلمة، لأن العيون المركبة هي ليست مناسبة لتكوين صورة للأجسام). قرون الاستشعار هي قادرة على الإحساس بجزيئات المواد الكيميائية المحمولة في الهواء (أي أنها قادرة على الشم). في الفم توجد على ما يبدو أعضاء حس قادرة على الإحساس بجزيئات المواد الكيميائية الذائبة (أي التذوق). جلد الحشرات يحوي مستشعرات للاهتزاز، ويبدو أن هناك في الصدر أو البطن مستشعرات قادرة على الإحساس باهتزاز جزيئات الهواء (أي أنها قادرة على السمع). هناك أيضا في أجسام الحشرات مستشعرات قادرة على الإحساس بالضغط والشد، أي أن الحشرات تملك ما يسمى بـ”الحس الذاتي” proprioception (الإحساس بالحركة في أعضاء الجسم).

التقطع المتتالي في الجهاز العصبي للفقاريات

ظاهرة التقطع المتتالي في الجهاز العصبي تظهر بشكل واضح لدى الفقاريات في العضو المسمى بالحبل الشوكي (الحبل الشوكي هو نفسه الحبل العصبي ولكن تسميته بـ”الشوكي” لدى الفقاريات تعود إلى كونه محصورا بين النتوءات العظمية “الشوكية” التي تخرج من فقرات العمود الفقري). الحبل الشوكي لدى الفقاريات يبدو في الشكل ملتحما وخاليا من العقد القطعية segmental ganglia، ولكن لو نظرنا إلى الطريقة التي يعمل بها هذا الحبل فسيتبين لنا أنه مقطّع بامتياز.

الحبل الشوكي هو مقسم وظيفيا إلى قطع تسمى spinal cord segments. كل قطعة من هذه القطع تنتج عصبين شوكيين spinal nerves (واحد من جهة اليمين وآخر من جهة الشمال). العصبان الشوكيان يخرجان من المسافات بين نواتئ الفقرات.

منظر من الجهة اليسرى للعمود الفقري يبين خروج أعصاب شوكية من بين نواتئ فقرات العمود الفقري

الأعصب الشوكية هي نفسها مقطعة وظيفيا. كل عصب شوكي يحوي قسما حسيا sensory وقسما محركا motor. الألياف العصبية الحسية المسؤولة عن نقل الإحساس من الجلد هي مقطعة وظيفيا على نحو واضح جدا.

dermatomes spinal cord segments
المناطق المخططة على الجلد تسمى “قطاعات جلدية” dermatomes. هناك عصب شوكي واحد مسؤول عن نقل الإحساس من كل قطاع جلدي على يمين الجسم وشماله. على الصورة تظهر قطع الحبل الشوكي مع أسمائها. القطع التي تبدأ أسماؤها بالحرف C هي القطع الرقبية cervical، والقطع التي تبدأ أسماؤها بالحرف T هي القطع الصدرية thoracic، والقطع التي تبدأ أسماؤها بالحرف L هي القطع القَطَنية lumbar، والقطع التي تبدأ أسماؤها بالحرف S هي القطع العَجُزِية sacral، والقطعة المسماة CX هي القطعة العصعصية coccygeal. لاحظ أن القطاعات الجلدية الأخيرة تقع حول الشرج في المنطقة التي كان يخرج منها الذيل سابقا. بالنسبة للقطاعات الجلدية الوجهية (التي تحمل الرمز V) فهي متصلة مع أعصاب تخرج من جذع الدماغ.

لو رسمنا القطاعات الجلدية dermatomes على جسم الإنسان بواسطة قلم فإن شكل جسمه سيصبح شبيها بجسم الدودة الحلقية.

الأعصاب الشوكية الحسية حافظت في وظيفتها إلى حد كبير على التقطع المتتالي الموروث من الأزمنة القديمة (من زمن ثنائيات الجانب الأولى urbilaterians). سبب ذلك هو أن جلد الإنسان لم يتكتل ويشكل أعضاء كبيرة. المبدأ الذي يعمل عليه الجلد البشري لا يختلف كثيرا عن المبدأ الذي يعمل عليه جلد الديدان.

بالنسبة للأعصاب الشوكية المحركة (المسؤولة عن تحريك العضلات) فهي لم تحافظ في وظيفتها لدى البشر على التقطع المتتالي المشاهد لدى الديدان. السبب هو أن النسيج العضلي في جسم الإنسان متكتل على هيئة عضلات كبيرة عابرة لحدود القطع المتتالية أو القطع الجسمية. الأعصاب المحركة اضطرت للتكتل لكي تجاري العضلات. نفس الأمر ينطبق على الأعصاب الحشوية visceral المسؤولة عن تعصيب الأعضاء التي تقع في جوف الجسم (هذه الأعصاب هي فروع من الأعصاب الشوكية). كثير من الأعضاء الحشوية (القلب، الرئتان، إلخ) هي عبارة عن كتل نسيجية كبيرة عابرة لحدود القطع المتتالية، ولهذا السبب أعصابها هي عبارة عن كتل من الألياف العصبية التي تعود أصولها لعدة عقد قطعية (ولكن لو نظرنا إلى الأمعاء فسنجد أن أعصابها حافظت على تقطعها المتتالي إلى حد ما، لأن الأمعاء هي أقل تكتلا من غيرها من الأعضاء الحشوية).

الأمعاء حافظت على تقطعها المتتالي سواء من حيث التروية الدموية أو التصريف اللمفي أو التعصيب أو حتى التكوين العضلي. هذا ليس مفاجئا لأن الطريقة التي تتحرك بها الأمعاء هي فعليا نفس الطريقة التي تتحرك بها الديدان. الأمعاء هي جزء من الأحشاء الفقارية حافظ إلى حد كبير على طابعه الأصلي الشبيه بالديدان

التقطع المتتالي في الدماغ الفقاري

من كل المقدمة السابقة أردت أن أصل إلى السبب الذي أدى لتكوين الأدمغة الفقارية الثلاثة (الدماغ الخلفي والأوسط والأمامي). دماغ الفقاريات هو في الأصل مجرد امتداد للحبل الشوكي، ولا بد أن دماغ الفقاريات كان في الأصل مكونا من قطع أو عقد عصبية متتالية على غرار الحبل الشوكي. لاحقا حصلت عملية التحام بين عقد دماغ الفقاريات على غرار ما هو مشاهد لدى مفصليات الأرجل. لو قارنا دماغ الفقاريات مع دماغ مفصليات الأرجل فيمكننا أن نتخيل السبب الذي أدى لالتحام العقد الدماغية المتتالية مع بعضها: هدف الالتحام كان تكوين عقد دماغية كبيرة متخصصة في التعامل مع أعضاء الحس، خاصة تلك الموجودة في الرأس (خاصة أعضاء الرؤية والشم).

نشوء الدماغ cephalization ترافق مع تجمع عدد من أعضاء الحس المهمة في منطقة الرأس. هذا الأمر لم يكن مصادفة. من الواضح أن هناك ارتباطا بين تجمع أعضاء الحس في منطقة الرأس وبين نشوء الدماغ.

القسم الأمامي من دماغ مفصليات الأرجل هو متخصص في التعامل مع العيون. القسم الثاني من دماغ مفصليات الأرجل هو متخصص في التعامل مع قرون الاستشعار المسؤولة عن حاسة الشم. القسم الثالث من دماغ مفصليات الأرجل هو مجهول الوظيفة ولكن من الممكن أن وظيفته هي ربط حسي الرؤية والشم مع الأحاسيس الأخرى القادمة من مناطق الجسم السفلى.

لو نظرنا إلى أدمغة الفقاريات البدائية فسنجد توزيعا مماثلا للوظائف:

هذا الرسم يعبر عن أدمغة الفقاريات البدائية التي تجمع عادة تحت عنوان “الأسماك”. القسم الأمامي من أدمغة الأسماك هو المخ cerebrum. شكل المخ هو معقد بعض الشيء. المخ ينشأ خلال المرحلة الجينية من القسم الأمامي من الحبل العصبي (الحبل العصبي عند الأجنة يسمى “الأنبوب العصبي” neural tube). الشكل A في الصورة التالية هو لمقطع عرضي في القسم الأمامي من الأنبوب العصبي خلال المرحلة الجنينية:

الشكل A هو مقطع في الأنبوب العصبي حيث سيتكون المخ. سقف الأنبوب العصبي (المظلل على الرسم) سوف ينفتح وهذا سوف يؤدي لنشوء شكل شبيه بالحرف V. عند الأسماك ذراعا الحرف V سوف ينثنيان نحو الخارج كما يظهر في الشكل C، وعند رباعيات الأرجل tetrapods ذراعا الحرف V سوف ينثنيان نحو الداخل كما يظهر في الشكل B.

على الصورة تظهر مناطق مرقمة بأرقام من 1 إلى 5. هذه المناطق لها أسماء. الشكل التالي يوضح أسماءها:

طبعا هذا الشكل يعبر عن مخ رباعيات الأرجل وليس الأسماك. المناطق العلوية (بالأحرى الظهرية dorsal) من المخ تسمى pallium (هذه المناطق تحمل الأرقام 3 و4 و5 على الصورة السابقة). المناطق السفلية (البطنية ventral) من المخ تسمى subpallium (الرقم 2) و septum (الرقم 1).

الأقسام المخية التي تسمى pallium هي مشتقة من النصف الظهري من الأنبوب العصبي.

معنى كلمة pallium هو الرداء الذي يرتديه البابا في هذه الصورة، أو الرداء الذي يرتديه هذا الرجل. أنا سأترجم كلمة pallium إلى “رداء” رغم أن الترجمة الأصح هي ربما “عباءة”.

على الرسومات التي في الأعلى يظهر أن “الرداء” pallium له ثلاثة أقسام:

  • الرداء الإنسي medial pallium
  • الرداء الظهري dorsal pallium
  • الرداء الوحشي lateral pallium

في التشريح كلمة “وسطي” medial (تعريبها “إنسي”) تعني الاتجاه الذي يوصل نحو المحور السهمي sagittal (أي أنها تعني اتجاه اليسار في النصف الأيمن من الجسم واتجاه اليمين في النصف الأيسر من الجسم). كلمة “جانبي” lateral (تعريبها “وحشي”) تعني الاتجاه الذي يبتعد عن المحور السهمي (اتجاه اليمين في النصف الأيمن من الجسم واتجاه اليسار في النصف الأيسر من الجسم). طبعا عندما يقال في التشريح “يمين” أو “يسار” فالمقصود هو الاتجاهات بالنسبة للكائن نفسه (مثلا “اليد اليمنى” لشخص معين هي اليد التي يراها هذا الشخص على يمينه).

الرداء الإنسي medial pallium لدى جميع الفقاريات هو مسؤول ربما عن الذاكرة (تقليديا كان بعض الناس يقولون أن الأسماك ليس لديها ذاكرة، ولكن حاليا هذا الكلام لم يعد مقبولا حسب ما أعلم).

الرداء الوحشي lateral pallium هو مسؤول عن إدراك حاسة الشم لدى جميع الفقاريات (وحاسة الذوق أيضا على ما أظن، ولكن بالنسبة للأسماك حاستا الشم والذوق هما حاسة واحدة).

الرداء الظهري dorsal pallium هو مجهول الوظيفة لدى الأسماك والفقاريات البدائية، ولكن من الممكن أن وظيفته هي الربط بين البيانات الحسية والذاكرة.

الشكل التالي يبين التوزع النهائي لمناطق الرداء في مخ سمكة عظمية (في الأسفل) ومخ حيوان قارض (من الثدييات) (في الأعلى):

القسم المخي الجنيني الذي يقع مباشرة تحت الرداء (المسمى “تحت الرداء” subpallium) يتحول في النهاية إلى مجموعة من الأعضاء المهمة التي تسمى “العقد القاعدية” basal ganglia. العقد القاعدية توجد في قلب المخ، ووظيفتها في رأيي مرتبطة بالتعلم learning (أي إضافة معلومات جديدة إلى الذاكرة).

الدراسات أثبتت قدرة الأسماك على التعلم. الأسماك تستطيع أن تتعلم ما هي الكائنات المفترسة لكي تتجنبها.

المخ لدى جميع الفقاريات (تحديدا مناطق القشرة المخية الناتجة من الرداء الوحشي lateral pallium) هو متصل مع البصلتين الشميتين olfactory bulbs اللتان تنقلان حس الشم من أعضاء الشم. حسب علمي فإن المناطق المخية المسؤولة عن إدراك حاسة الشم تقع لدى جميع الفقاريات إلى الأمام من المناطق المخية المسؤولة عن الذاكرة والتعلم. لهذا السبب لو نظرنا إلى صور أمخاخ الفقاريات فسنجد أن المناطق المخية المسؤولة عن إدراك حاسة الشم تقع دائما في مقدمة المخ.

vertebrate brains
المناطق المسؤولة عن إدراك حاسة الشم ملونة باللون الأصفر. الكائنات هي من الأعلى إلى الأسفل: lamprey (سمكة بلا فكين)، سمك القرش (سمكة غضروفية)، codfish (سمكة عظمية)، ضفدع (برمائي)، تمساح (زاحف)، إوزة (طائر)، حصان (ثديي).

من يدقق في الصورة أعلاه سوف يلاحظ أن نسبة اللون الأصفر (حاسة الشم) تقل بشكل تدريجي في أمخاخ الفقاريات كلما ازداد تطور الحيوان الفقري، وأما نسبة اللون الأزرق (المناطق المسؤولة عن الذاكرة والتعلم) فهي تزداد بشكل تدريجي كلما ازداد تطور الحيوان الفقري. عند حيوان الـ lamprey اللون الأزرق يغطي أقل من نصف المخ، أي أن معظم مخ هذا الحيوان هو مخصص لحاسة الشم.

هذا يعيدنا إلى الفكرة التي بدأت بها حديثي حول دماغ الفقاريات. أنا قارنت بين دماغ الفقاريات وبين دماغ مفصليات الأرجل، وقلت أن نشوء “الأدمغة” (الأمامية والوسطى والخلفية) كان مرتبطا بتطور الحواس. أنا أظن أن المخ (الدماغ النهائي telencephalon) نشأ لدى الفقاريات في الأصل بهدف التعامل مع حاسة الشم. وظائف الذاكرة والتعلم هي تطورات لاحقة وليست الهدف الأصلي الذي ظهر لأجله المخ.

حاليا لو نظرنا إلى مخ الإنسان فسنجد أن المناطق المسؤولة عن معالجة حاسة الشم هي صغيرة للغاية ولا تكاد تمثل شيئا من المخ، ولكن المفارقة هي أن المخ نشأ في الأصل بسبب حاسة الشم. التعامل مع حاسة الشم تطلب قدرات عصبية كبيرة نسبيا، وهذا هو ما حفز العقد العصبية القطعية (الموروثة من الحيوانات ثنائية الجانب bilaterian) على التكتل وتشكيل المخ.

brain cortex
رسم يبين موقع القشرة الشمية olfactory cortex والقشرة الذوقية gustatory cortex في المخ البشري

بنفس الطريقة يمكن في رأيي أن نفسر ظهور بقية أجزاء الدماغ لدى الفقاريات. الجزء التالي للدماغ النهائي (المخ) في دماغ الفقاريات هو الدماغ البيني diencephalon. ما هي يا ترى الوظيفة الأصلية للدماغ البيني؟

الدماغ البيني لدى الإنسان والثدييات هو من أعقد أجزاء الدماغ (وأهمها)، ولكن الوظيفة الأصلية لهذا الدماغ كانت بسيطة: الدماغ البيني كان في الأصل مسؤولا عن التعامل مع حس البصر.

أهم جزء في العينين هو الشبكية retina التي تستقبل الضوء وتحوله إلى إشارات عصبية. الشبكية تنشأ من عضوين جنينيين هما “الحويصلان البصريان” optic vesicles اللذان ينبتان من الدماغ البيني.

حس البصر ينتقل من شبكيتي العينين عبر العصبيين البصريين optic nerves ويمر عبر التصالب البصري optic chiasm ويصل إلى “الجسمين الركبيين الوحشيين” lateral geniculate bodies اللذين يقعان على الجهة الظهرية من الثلم thalamus. الجسمان الركبيان الوحشيان يرسلان بيانات حس البصر في اتجاهين:

  • الاتجاه الأهم هو نحو القشرة البصرية visual cortex في مؤخرة المخ
  • الاتجاه الأقل أهمية هو نحو “التليلتين العلويتين” superior colliculi الموجودتين على الجهة الظهرية للدماغ الأوسط (midbrain) mesencephalon

القشرة البصرية في المخ البشري هي اختراع حديث ظهر لأول مرة لدى الثدييات. الفقاريات السابقة للثدييات لم تكن تملك هذه القشرة. في تلك الكائنات بيانات حس البصر كانت تنتقل من المنطقة الظهرية للثلم thalamus نحو المنطقة الظهرية من الدماغ الأوسط التي تسمى “السقف” tectum.

سقف الدماغ الأوسط كان ربما أهم جزء في دماغ الفقاريات الباكرة. عند الأسماك سقف الدماغ الأوسط يشكل نصفي كرة على غرار نصفي الكرة المخيين، والمفارقة هي أن نصفي الكرة السقفيين هما أكبر من نصفي الكرة المخيين:

دماغ سمكة عظمية. لاحظ أن سقف الدماغ الأوسط tectum هو أكبر أجزاء الدماغ
منظر ظهري لدماغ سمكة عظمية

نصفا الكرة السقفيان المسؤولان عن معالجة حس البصر يسميان “الفصان البصريان” optic lobes. هذا الفصان ما زالا موجودين لدى الثدييات ولكنهما تقزما وأصبحا مجرد حدبتين صغيرتين لا يمكن رؤيتهما إلا بصعوبة.

منظر إنسي (من الداخل) للنصف الأيسر من مخ بشري. السهم يشير إلى بقايا الفص البصري في سقف الدماغ الأوسط. في الدماغ البشري هذا الفص يسمى “التليلة العلوية” superior colliculus (كلمة colliculus في اللاتينية هي تصغير لـ collis التي تعني “تلة”).

عند البشر هناك ثلاثة أماكن يتم فيها معالجة البيانات البصرية القادمة من شبكيتي العينين:

  • ظهر الثلم (الجسمان الركبيان الوحشيان lateral geniculate bodies)
  • ظهر (سقف) الدماغ الأوسط (التليلتان العلويتان superior colliculi)
  • ظهر المخ (القشرة البصرية visual cortex)

كل منطقة من هذه المناطق الثلاث تستخدم البيانات البصرية لتحقيق أهداف مختلفة. ظهر الثلم يستفيد من البيانات البصرية لتحديد مواقع الأجسام المحيطة بالإنسان ورصد حركتها في حال تحركت. سقف الدماغ الأوسط يستفيد من البيانات البصرية لتحريك عضلات الجسم في حال كانت هناك ضرورة لذلك. عند البشر السقف هو مسؤول عن عدد قليل من الحركات العضلية (هي تحديدا بعض الحركات اللاإرادية أو الأوتوماتيكية، خاصة حركات العينين)، ولكن في الفقاريات القديمة السقف كان يلعب دورا جوهريا في تحريك الجسم عموما.

القشرة البصرية عند البشر تستفيد من البيانات البصرية بطرق عديدة تدخل ضمن ما يسمى بالقدرة الاستعرافية cognition. القشرة البصرية هي المسؤولة عما يسمى بالإدراك البصري visual perception (الذي يسميه الناس “الرؤية” vision). لو تعرضت القشرة البصرية للتلف فإن الإنسان سيفقد الرؤية، أي أنه سيصبح أعمى (هذا يحدث بسبب الجلطات الدماغية أو الحوادث التي تقطع التروية الدموية عن القشرة البصرية).

ولكن حتى بعد تلف القشرة البصرية وإصابة الإنسان بالعمى فإن حاسة البصر تظل تعمل. هذا الأمر قد يبدو غريبا لكثير من الناس، لأن الناس يعتقدون أن الرؤية أو “الإدراك البصري” هو نفسه حاسة البصر.

هناك ظاهرة تسمى “الرؤية العمياء” blindsight. هذه الظاهرة تشاهد لدى الأشخاص المصابين بالعمى نتيجة لتلف القشرة البصرية. هؤلاء الناس لا يرون شيئا (لأنهم عميان)، ولكنهم رغم ذلك “يشعرون” بالأشياء الموجودة حولهم و”يشعرون” بحركة هذه الأشياء في حال تحركت.

تفسير هذه الظاهرة هو أن ظهر الثلم يقوم بمعالجة البيانات البصرية ويستفيد منها لتحديد مواقع الأشياء وحركتها. بما أن القشرة البصرية تالفة فالإنسان لا “يرى” الأشياء التي يدركها الثلم.

مفهوم “الرؤية العمياء” هو نفس مفهوم الرؤية لدى الحشرات. العيون المركبة compound eyes لدى الحشرات هي عمليا غير صالحة للرؤية، ولكن هذه العيون تفيد في تحديد مواقع الأشياء وحركتها. الحشرات تستطيع أن تحدد مواقع الأجسام من حولها وتستطيع أن تحدد بدقة ما إذا كانت هذه الأجسام متحركة أم غير متحركة، رغم أن الحشرات لا “ترى” أي شيء.

مفهوم حاسة البصر هو أوسع من مفهوم “الرؤية”. حاسة البصر هي موجودة لدى الحيوانات منذ الزمن الذي ظهرت فيه ثنائيات الجانب لأول مرة قبل مئات ملايين السنين، ولكن “الرؤية” هي شيء حديث ظهر لأول مرة لدى الثدييات.

الديدان تملك عيونا بدائية تسمح لها بتحديد وجود الضوء من عدمه، والحشرات تملك أيضا هذا النوع من العيون. الحشرات تملك نوعين من العيون، عينان مركبتان وثلاث عيون بسيطة.

العيون البسيطة محاطة بدائرة
العيون البسيطة ظاهرة خلف قرني الاستشعار

أنا أظن أن الثلم thalamus (والدماغ البيني عموما) نشأ لأول مرة بهدف التعامل مع عيون بدائية شبيهة بالعيون المركبة لدى الحشرات. هذه العيون لم تكن قادرة على الرؤية ولكنها كانت قادرة على تحديد مواقع الأجسام وحركتها.

في الحقيقة هناك دلائل على أن الدماغ البيني القديم كان يتعامل أيضا مع عيون بسيطة شبيهة بالعيون البسيطة الموجودة لدى الحشرات (التي تدرك شدة الضوء). من يريد أن يتوسع في هذا الموضوع يمكنه أن يرجع إلى هذا الرابط.

العين البسيطة (تسمى العين الجدارية parietal eye) هي موجودة لدى الكثير من الفقاريات (الأسماك، البرمائيات، الزواحف)، وهي تؤدي نفس وظيفة العيون البسيطة لدى الحشرات.

العين الجدارية parietal eye هي الدائرة الفضية الصغيرة بين عيني الضفدع
العين الجدارية بين عيني سحلية

“العين الجدارية” أو “العين الثالثة” تتصل بشكل مباشر مع عضو يسمى “ما فوق الثلم” epithalamus. هذا العضو يقع على الجهة الظهرية للثلم وهو جزء من الدماغ البيني. “ما فوق الثلم” يتصل مع “الغدة الصنوبرية” pineal gland التي تقع في مؤخرة الثلم.

الغدة الصنوبرية تلعب دورا في تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ، أو ما يسمى “الإيقاع اليومي” circadian rhythm. قديما كانت الغدة الصنوبرية تعتمد على العين الجدارية لتقدير شدة ضوء الشمس. عندما يكون الضوء الساقط على العين الجدارية شديدا فهذا يعني أن الوقت هو نهار، وبالتالي الحيوان يجب ألا ينام (إذا كانت حياته نهارية)، وعندما تنخفض شدة الضوء الساقط على العين الجدارية فهذا يعني أن الوقت هو ليل، وبالتالي الحيوان يجب أن ينام. الغدة الصنوبرية تلعب أيضا دورا في تنظيم درجة حرارة الجسم.

pineal
منظر إنسي (من الداخل) لنصف الكرة المخية الأيمن

العين الجدارية اختفت من عند الثدييات، والغدة الصنوبرية عند الثدييات هي حسب علمي عضو قليل الأهمية أو شبه أثري vestigial. تنظيم الإيقاع اليومي ودرجة الحرارة عند الثدييات يتم بالدرجة الأولى في منطقة “ما تحت الثلم” hypothalamus، التي هي منطقة مهمة تقع على الجانب البطني الأمامي من الثلم (وتتصل مع الجهاز الغدي الداخلي endocrine system عبر تحكمها بالغدة النخامية pituitary gland). “ما تحت الثلم” يعتمد على إشارات بصرية واردة مع العصبين البصريين لتقدير شدة ضوء الشمس. عينا الثدييات الجانبيتان تطورتا وأصبحتا قادرتين على تحديد شدة ضوء الشمس، وبالتالي لم تعد هناك حاجة للعين الجدارية (التي تسمى أيضا “العين الصنوبرية” pineal eye).

الخلاصة هي أن الدماغ البيني diencephalon كان في الأصل يشرف على نوعين من العيون: العين الجدارية والعينان الجانبيتان. هذه في رأيي (وفي رأي غيري) هي الوظيفة الأصلية للدماغ البيني التي أدت لنشوئه من الأساس.

بالنسبة للدماغ الأوسط midbrain) mesencephalon) فهو يؤدي عددا كبيرا من الوظائف في الدماغ البشري، وما لفتني في وظائفه هو أنها معقدة وذات أهمية محورية لعمل الدماغ البشري عموما. أنا لا أظن أن الوظيفة الأصلية للدماغ الأوسط كانت مجرد الإشراف على حاسة معينة. في رأيي أن الدماغ الأوسط كان منذ البداية مسؤولا عن ربط الإشارات الحسية مع الإشارات التحريكية بهدف تحفيز السلوك لدى الحيوان، أي أنه كان يلعب دورا شبيها بدور “اللوحة الأم” motherboard في أجهزة الكومبيوتر. ولكن هذا التشبيه قد تكون فيه مبالغة، لأننا لو نظرنا إلى مفصليات الأرجل مثلا فسنجد أن جهازها العصبي يخلو من “لوحة أم”. الجهاز العصبي لدى مفصليات الأرجل والديدان هو إلى حد كبير غير مركزي. الحشرة يمكنها أن تعيش لفترة طويلة حتى بعد إزالة دماغها (عقدها المخية cerebral ganglia).

الجهاز العصبي لدى الحيوانات هو من الأصل غير مركزي. تركيب أجسام الحيوانات هو قائم من الأساس على اللامركزية. السبب بسيط وأنا شرحته في الأعلى بشكل مفصل: أجسام الحيوانات تكونت وفق مبدأ “التكتل ثم التخصص”. الحياة في الأصل كانت تقوم على مبدأ الخلية الواحدة. بعد ذلك ظهرت الكائنات متعددة الخلايا بسبب تكتل الخلايا الأحادية مع بعضها. في أجسام الكائنات متعددة الخلايا حدثت عملية تخصص: كل مجموعة من الخلايا صارت تؤدي وظيفة محددة، وهذا ما أدى إلى نشوء الأنسجة الخلوية المتخصصة (نسيج عضلي ونسيج عصبي ونسيج جلدي إلخ). بعد ذلك ظهرت الحيوانات ذات التقطع المتتالي metamersim. المبدأ الذي قامت أجسام هذه الحيوانات على أساسه هو نفس مبدأ التكتل آنف الذكر—أجسام هذه الحيوانات هي عبارة عن تكتل لقطع متتالية metameres ذات تركيب نسيجي متماثل. الخطوة التالية هي التخصص مجددا—كل مجموعة من القطع المتتالية كونت “مرتبا” tagma يؤدي وظائف خاصة.

أجسام الحيوانات نشأت وفق طريقة لا علاقة لها بالمركزية. لا توجد جهة مركزية معينة أشرفت على تطوير أجسام الحيوانات وقررت أن توزع الأدوار على أجزاء الجسم المختلفة.

فكرة “الإدارة المركزية” هي في رأيي فكرة لا علاقة لها بعالم الطبيعة. هذه الفكرة هي من بنات أفكار البشر. هذه الفكرة ظهرت خصوصا بعد ظهور المجتمعات الإقطاعية، ونشوؤها في رأيي كان مرتبطا بالجهل وليس فقط بنوازع التسلط لدى البشر.

البشر بجهلهم لطالما اعتقدوا أنهم يستطيعون أن يسيروا الطبيعة وفق هواهم. كل الأفكار المركزية تقوم على منطق التحكم بالطبيعة أو البيئة. البشر كثيرا ما يكرهون العالم الذي يعيشون فيه ويعتقدون أنه فوضوي أو غير عادل إلخ، ولهذا السبب هم كثيروا ما يقررون أن يفرضوا سيطرتهم على الطبيعة وأن يسيروها وفق هواهم.

المراقبة العلمية للطبيعة التي نعيش فيها تبين أنها معقدة للغاية وتفوق بكثير قدرتنا على الإدراك والفهم. نحن بالكاد نفهم ما يجري من حولنا (سواء من الناحية البيولوجية أو المناخية أو الاجتماعية أو الاقتصادية إلخ). معظم العلوم التي تدرس الطبيعة والبيئة والمجتمع هي علوم قاصرة ولا تقدم فهما كاملا وأكيدا لما يجري من حولنا. نحن لسنا قادرين على فهم التفاعلات والتغيرات المعقدة التي تجري في الطبيعة من حولنا، فما بالك بأن نحاول التحكم بالطبيعة وتسييرها وفق عاطفتنا.

البشر بجهلهم لم يستوعبوا ذلك. هم في الغالب انطلقوا من أساس عاطفي وظنوا أن مَلِكهم يستطيع أن يتحكم بالطبيعة كما يتحكم بأفراد المجتمع (لأن الملك هو شخص ذو سلطة مطلقة، أو هو إله كما كان القدماء يعتقدون).

ظهور الأفكار المركزية في الإدارة هو مرتبط تاريخيا بظهور التقديس والتأليه للملوك. الحضارات الأولى التي قامت في الشرق الأوسط كانت تربط بين عمل الحكومات المركزية وعمل الآلهة. بالنسبة لهم قرارات الحكومات كانت قرارات إلهية مدعومة من الآلهة. ليس من الغريب إذن أن الفكر المركزي في الإدارة تعاظم لديهم إلى درجة أنه في النهاية أدى لانهيار حضاراتهم (الحضارة السومرية انهارت في حدود عام 2000 قبل الميلاد بسبب النظام الإداري والاقتصادي الفاشل الذي كان قائما على المركزية المفرطة).

الدول الاشتراكية التي رأيناها في القرن العشرين هي مثال آخر على فشل النظام المركزي. الاتحاد السوفييتي كان دولة هائلة الحجم والقدرات، ولكنه انهار في نهاية الثمانينات على نحو مفاجئ ومضحك.

النظام السوري بأفكاره المركزية والاشتراكية جعل سورية إحدى أفشل وأسوأ الدول في العالم.

الإمبراطوريات العظيمة التي استمرت لقرون عديدة كانت تقوم على اللامركزية. الإيرانيون والرومان والعرب كانوا يطبقون اللامركزية في الإدارة والثقافة، وهذا هو سبب ازدهار حضاراتهم وتأثيرها الواسع. أيضا في عصرنا الحالي الولايات المتحدة الأميركية هي مثال ممتاز على الدولة الناجحة والمرنة، لأنها قائمة على اللامركزية والحرية.

الفكر المركزي التسلطي هو مخالف للطبيعة. لا يوجد في الطبيعة التي من حولنا أي شيء قائم على الإدارة المركزية المتسلطة. الطبيعة هي نظام معقد للغاية ولا يمكن لأية جهة مركزية أن تديرها، فما بالك بإنسان أحمق يظن أنه قادر على إدارة الطبيعة وفق هواه ونظرياته؟

لنعد إلى الموضوع الأصلي. أنا كنت أريد أن أقول أن الجهاز العصبي الحيواني هو من الأصل قائم على اللامركزية. لا يوجد في الجهاز العصبي للحيوانات منطقة مركزية وظيفتها الإشراف على بقية مناطق الجهاز العصبي. من يعتقد بوجود هكذا منطقة هو ببساطة لا يفهم الجهاز العصبي. لا يوجد في عالم الطبيعة شيء اسمه “إدارة مركزية”. هذه الفكرة هي مجرد خرافة بشرية. لا يوجد شيء في الطبيعة يعمل وفق هذه الآلية الخرافية. لو كان الجسم البشري يعمل وفق آلية الإدارة المركزية لما كان البشر استمروا ولكانوا انقرضوا منذ اليوم الأول لظهورهم.

الجسم الحيواني والبيئة المحيطة به هي أمور معقدة جدا ويحكمها عدد كبير من المتغيرات. الطريقة الوحيدة الممكنة لإدارة الجسم الحيواني هي الأسلوب غير المركزي الفضفاض، وهذا هو المطبق فعلا في الطبيعة.

الفهم الصحيح للجهاز العصبي هو أنه مجموعة من العناصر المتكتلة التي يؤازر بعضها بعضا. كل عنصر من هذه العناصر هو متخصص في وظيفة معينة، ولكن هذا لا يعني أن هناك عناصر “فوق” عناصر أخرى. لا يوجد في الجهاز العصبي ملوك وأمراء أو أحزاب اشتراكية تقدمية. هناك فقط أجزاء متخصصة تتعاون مع بعضها.

لهذا السبب عند الحديث عن الجهاز العصبي أنا لا أميل إلى استخدام مصطلح “اللوحة الأم” ونحو ذلك من المصطلحات المبنية على الثقافة البشرية. في الجهاز العصبي لا يوجد أم وأب. هناك في الجهاز العصبي أجزاء وظيفتها الربط association بين البيانات القادمة من مناطق مختلفة في الجهاز العصبي. الدماغ الأوسط midbrain) mesencephalon) هو أحد هذه الأجزاء، وهو ربما أول منطقة في الجهاز العصبي لعبت هذا الدور الهام. من الممكن أن الدور الأصلي للدماغ الأوسط لدى الفقاريات هو نفس دور الدماغ الثالث لدى الحشرات.

من الممكن أن الدماغ الأوسط لدى الفقاريات القديمة كان يلعب دورا في إنشاء السلوك. الدماغ الأوسط يحصل على البيانات البصرية والشمية من الدماغ الأمامي، وهو يحصل على البيانات الحسية القادمة من المناطق السفلى من الجهاز العصبي. بالتالي هو في موقع ممتاز لكي يربط البيانات ببعضها ويقرر تحفيز السلوك من عدمه. في الحقيقة الدماغ الأوسط ما يزال يؤدي هذا الدور عند البشر، ولكن الإشارات التي ينتجها الدماغ الأوسط عند البشر هي ذات طابع فضفاض. علماء النفس والجهاز العصبي يطلقون على هذه الإشارات مسمى “الحافز” motivation أو “الدافع” drive أو “الحاجة” need. هذه الكلمات هي وصف لوظيفة الدماغ الأوسط. الدماغ الأوسط هو الذي “يحفز” أو “يدفع” أو “يحيج” الإنسان للقيام بالسلوك (مهما كانت طبيعة السلوك). إذن دور الدماغ الأوسط هو محوري بالنسبة للسلوك البشري. بدون الحافز أو الدافع أو الحاجة فإن الإنسان سيتجمد ولن يتفاعل مع بيئته (وهو ما يحصل بالفعل في بعض الأمراض التي تصيب الدماغ الأوسط، من قبيل مرض باركنسون Parkinson’s disease). هذه الوظيفة التي يؤديها الدماغ الأوسط هي فضفاضة المعنى، ولكنها رغم ذلك محورية لعمل الجهاز العصبي. هذا إن دل على شيء فهو يدل على مدى بدائية هذه الوظيفة وقدمها.

على الأرجح أن وظيفة الدماغ الأوسط كانت محددة أكثر لدى الحيوانات الفقارية القديمة. في تلك الحيوانات الدماغ الأوسط كان ربما “ينشئ” أو “يبدأ” السلوك وليس “يحفز” السلوك. هناك فرق بين “البدء” بالسلوك و”تحفيز” السلوك. التحفيز يعني وجود جهة أخرى يجب أن تتخذ القرار النهائي. في الدماغ البشري هذه الجهة هي القشرة المخية. القشرة المخية تطورت لدى الثدييات على نحو كبير وظهرت فيها مناطق واسعة تؤدي وظيفة الربط association بين البيانات. هذا التطور في القشرة المخية همش دور الدماغ الأوسط وحوله من “منشئ” أو “بادئ” للسلوك إلى “محفز” أو “دافع” له.

بما أن الدماغ الأوسط كان ربما هو صاحب قرار السلوك في الحيوانات القديمة فهذا يفسر لماذا كان حجمه كبيرا في تلك الحيوانات وكان شكله يشبه شكل المخ في دماغ الثدييات. هو كان يؤدي نفس الوظيفة التي يؤديها المخ عند الثدييات: هو كان يقرر السلوك.

في المقال القادم سأكمل بأسلوب فيه توضيح أكثر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s