الاكتفاء الغذائي في سورية… هدف خيالي أم ممكن التحقيق؟

بحيرة الأسد

 

يعجبني في السيد إيلي الحج عقليته التحليلية التي هي –والحق يقال- عملة نادرة لدى كثير ممن نقرأ لهم من الكتاب السوريين، والذين ينتمي معظمهم لجيل الشعارات الدوغمائية المعلبة الذي خرجه لنا نظام التعليم السوري في العقود الماضية.

السيد الحج ينتقد في أحد طروحاته سياسة الري والاكتفاء الغذائي التقليدية في سورية. من المعروف أن الثقافة الشعبية السائدة في سورية وكثير من الدول العربية تقدس الإنتاج الزراعي وتجعل من الاكتفاء الغذائي هدفا ساميا يسمى بـ”الأمن الغذائي”. مبدأ الأمن الغذائي هو مبدأ صحيح وجذاب، ولكن المشكلة في دولنا العربية هي أننا نعاني من شح المياه، وبالتالي فإن الحديث عن الأمن الغذائي بدون أخذ واقع مواردنا المائية في الاعتبار لا يعتبر من الحكمة أبدا. حسب السيد الحج، فإن حاجة الزراعة من المياه لإطعام شخص واحد تعادل 10 أضعاف الحاجة المنزلية للشخص الواحد؛ وفي سورية يستهلك 86% من إجمالي الموارد المائية في الزراعة. السيد الحج يرى أن الموارد المائية في سورية تكفي لإطعام 15 مليونا من البشر وليس أكثر من ذلك.

السيد الحج ينتقد أيضا مشروع سد الفرات ويقول أنه فشل في تحقيق أهدافه ويؤدي إلى هدر قدر هائل من المياه بسبب التبخر من بحيرة الأسد:

Tabqa [Dam] was built to irrigate 640,000 hectares by 2000. However, only 124,000 hectares had been achieved by 2000. 43% of the land in the Euphrates Basin was later identified by the World Bank as having drainage problems… Further, Lake Asad’s evaporation is estimated at 1.6 billion m3 per annum. Had Tabqa not been built, the lake would not have existed and Syria would have had 1.6 billion m3 per annum in additional water from the Euphrates. 1.6 billion m3 of water is sufficient to meet the household water need of 16 million people at the generous volume of 100 m3 per person annually.

 

لا شك أن ما يقوله السيد الحج فيه قدر كبير من المنطق، ولكنني مع ذلك أتوقف عند دعوته (التي هي ربما نابعة من حماسة مبالغ فيها) لإلغاء وزارة الري وإيقاف مشاريع الري واستصلاح الأراضي في سورية كليا؛ وهو يمضي حتى أبعد من ذلك حينما يلمح إلى أن هدم سد الفرات أفضل من بقائه.

الخطأ الأساسي في طروحات السيد الحج هو أنه يهمل دور التقدم العلمي والتكنولوجي كليا، ويتعامل مع الموضوع كما لو أن أساليب الري والزراعة باقية كما هي للأبد ولن تتغير. الخطأ الآخر في طروحات السيد الحج هو تعامله مع موضوع الإنتاج الغذائي بخفة أكبر من اللازم وعدم إعطائه الأبعاد السياسية والاجتماعية للموضوع الاهتمام الكافي.

أفكار السيد الحج تم تطبيقها في كثير من الدول العربية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك مصر ولبنان، ولكن إهمال القطاع الزراعي في تلك الدول أتى على حكوماتها بعواقب وخيمة لأنها خسرت تأييد وثقة قطاع كبير من السكان الذين يعملون في الزراعة والآخرين الذين يقدسونها.

الإنتاج الزراعي له قيمة معنوية ونفسية هامة لدى الشعب، وعدم الاهتمام بهذه القيمة والتعامل مع الموضوع بمنطق الربح والخسارة الاقتصادية البحتة هو خطأ شبيه بخطأ أصحاب النظريات الماركسية الذين تعاملوا مع الإنسان من منطق اقتصادي بحت وأهملوا بقية العوامل التي تدخل في تركيب نفسية الإنسان، وبالتالي كانت النتيجة الفشل الذريع لنظرياتهم وأطروحاتهم عندما تم تطبيقها على أرض الواقع. لا يجب أبدا الاستخفاف بموضوع الكرامة الوطنية لأن هذا عامل جوهري في بناء سعادة الإنسان لا يقل أهمية عن العامل الاقتصادي. إن عقلية التاجر لا تصلح دائما لإدارة الدول ولا لاتخاذ القرارات التنموية الصحيحة. صاحب القرار التنموي يجب أن يكون سياسيا بكل معنى الكلمة ويجب أن يفهم جيدا كيف ستنعكس قراراته على الناس من كل النواحي وليس الناحية الاقتصادية البحتة.

الماء المستهلك في الري في سورية يمثل تقريبا تسعة أعشار الاستهلاك السنوي الكلي من المياه، وهنا يجب أن يكون الاهتمام الأكبر في مكافحة هدر المياه. تقوم الحكومة السورية حاليا بتنفيذ مشروع للتحول من الري التقليدي بالغمر إلى الري الحديث بالرشاشات والتنقيط. الري الحديث يستهلك تقريبا نصف كمية المياه التي يستهلكها الري التقليدي، والأهم هو أن الري الحديث لا يسبب مشكلة تملح الأراضي والتي كانت سببا في إتلاف وتصحر مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في سورية والعراق وغيرها من الدول. في البداية قالت الحكومة السورية بأنها ستحول جميع الأراضي المروية بالري التقليدي إلى الري الحديث في غضون خمس سنوات، ولكن يبدو الآن أن الموضوع سيستغرق وقتا أطول من ذلك بكثير، والحكومة تتحدث عن عشر سنوات. الانتقال إلى الري الحديث سيوفر كثيرا من المياه المستخدمة الآن في الزراعة.

بالإضافة إلى الري الحديث تقوم الحكومة السورية ببناء مئات محطات معالجة مياه الصرف الصحي في المحافظات السورية. محطات المعالجة هذه يمكنها تدوير حوالي 70% من مياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة، وحتى للشرب إن أريد ذلك.

أما بالنسبة للاستخدام المنزلي، والذي يمثل تقريبا عشر الاستهلاك السوري الكلي من المياه، فالحكومة الآن تقوم بإعادة تأهيل شبكات أنابيب المياه في المدن والتي تسرب حوالي 70% من المياه المنقولة عبرها كما تقول بعض المصادر. بالإضافة إلى ذلك يجب ألا ننسى موضوع التوعية حول استخدام المياه في المنازل. الشعب السوري شعب مسرف جدا في استخدامه للمياه. إن استهلاك المواطن السوري للمياه يفوق استخدامه نظرائه في الدول الغربية التي تنعم بوفرة في المياه. الحكومة السورية لا تبذل جهدا كافيا على الإطلاق للتوعية حول هذه المسألة، ودعاياتها دائما ما تكون من نمط فاشل ومبتذل، كترداد عبارة “حافظوا على المياه” مثلا. المواطن يعلم أنه يجب أن يحافظ على المياه وهو لا ينتظر الحكومة لتعلمه بذلك. ما يجب على الحكومة أن تفعله هو توعية المواطن لكي يعدل من أنماط استهلاكه للمياه. يجب على الحكومة مثلا أن تعلم المواطنين على استخدام المماسح المبللة في مسح الأراضي وغسل السيارات بدلا من استخدام خراطيم المياه المتدفقة والدلاء المملوءة كما هو الحال الآن. إن المياه التي تهدر في سورية في “شطف” الآراضي وأدراج البنايات تكفي لإسقاء شعب كامل. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الحكومة السورية أن تبدأ في الترويج لقطع التمديدات الصحية الموفرة للمياه، كالصنابير الأوتوماتيكية والسيفونات الموفرة للمياه. إن هذه الأمور ما زالت غائبة كليا عن سورية إلى الآن.

هذه كلها حلول بسيطة وتقليدية يمكنها أن تزيد من كفاءة استهلاك  المياه في سورية بشكل كبير، وصحيح أن معظمها مطبق في بلدان أخرى مجاورة لنا منذ عشرات السنين، ولكن أن نصل متأخرين خير من ألا نصل أبدا.

بالإضافة لهذه الحلول هناك حلول حديثة سيكون لها دور هام في المستقبل، ومن المهم أن نتنبه لها باكرا ونبدأ في الاستثمار فيها منذ الآن (وهو أمر لن يحدث طبعا كما هي عادتنا، حيث أننا دائما آخر من يعلم وآخر من يعمل).

الزراعة بدون تربة

الهايدروبونيك


استصلاح الأراضي في سورية يكلف أموالا طائلة ووقتا زمنيا ليس بالقصير، ناهيك عن أنه ليس ممكنا لكل الأراضي. هناك حلول حديثة تسمح بالزراعة بدون الحاجة للتربة من الأساس. هذه الحلول تقوم على مبدأ يسمى hydroponics، ومعناه هو “الزراعة في الماء.” معلوماتي في هذا المجال محدودة، ولكنني أعلم أن أسلوب الزراعة في الماء مطبق تجاريا في عدد من الدول الغربية، وهو يتميز بعدم الحاجة للتربة إطلاقا للزراعة، حيث أن الزراعة تتم في بيوت محمية وفي وسط مائي يحتوي على عناصر مغذية ولكن بدون أي تربة.

الزراعة بهذه الطريقة توفر الماء بنسبة تقارب 95% مقارنة بالزراعة التقليدية، لأن الماء لا يخرج من النظام ويتم تدويره باستمرار مع إضافة المواد المغذية صناعيا؛ كما أن تكلفة التسميد بهذه الطريقة تقل بشكل كبير عن الزراعة التقليدية، والإنتاج يكون أغزر وأفضل، والتلوث أقل، والأمراض والآفات أقل، والأهم هو أن هذه الطريقة توفر المال الذي ينفق على استصلاح الأراضي الصحراوية والمالحة.

نملك في سورية مساحات شاسعة من الأراضي القاحلة والمتملحة التي تقع على مقربة من نهر الفرات وبحيرة الأسد، ناهيك عن أراض أخرى تعاني من انجراف التربة في المناطق الغربية. اقتراحي هو أن تقوم الحكومة بتوجيه جزء من الأموال المخصصة لاستصلاح الأراضي لإنشاء مزارع مائية وتشجيع البحث العلمي في هذا المجال، وإن نجحت التجربة فالأحرى بالحكومة أن توقف مشاريع الري التقليدية كليا وتلجأ بدلا من ذلك لهذا الأسلوب نظرا للوفر المائي والاقتصادي الهائل الذي يمكن أن يحققه. إن الهايدروبونيك إن نجح يمكن أن يزيد من إنتاج سورية الزراعي بشكل كبير ويوفر أموالا طائلة ويخلق فرص عمل كثيرة. من المؤسف أن هذا الأسلوب في الزراعة لم يجرب حتى الآن في سورية على حد علمي رغم أنه مطبق في تركيا والكيان الصهيوني.

تحلية المياه المالحة

تحلية المياه المالحة هي من أسرع المجالات التقنية تقدما في العالم، ومن غير المستبعد أن تصبح الزراعة بالاعتماد على المياه المحلاة أمرا مجديا اقتصاديا في غضون 10-15 سنة من الآن. نتمتع في سورية بساحل بحري يمكن استخدامه لإنشاء محطات لتحلية مياه البحر، وهذه المحطات يمكن أن تعمل على أشكال مختلفة من الطاقة منها الطاقة الشمسية، حيث أن هناك تجارب حديثة ناجحة في هذا المجال في السعودية.

المشكلة الأبرز بالنسبة لسورية هي نقل المياه من الساحل إلى الداخل، حيث أن الأرض ترتفع باتجاه الداخل لتكون سلسلة جبال اللاذقية بمحاذاة حوض العاصي، ونقل المياه عبر الأراضي الجبلية مكلف للغاية. ولكن هذه في نظري ليست مشكلة عويصة لأن الأراضي إلى الغرب من حمص ليست مرتفعة جدا حيث أن هذه المنطقة هي المنخفض الذي يفصل بين جبال اللاذقية وجبال لبنان (الفتحة الهوائية كما يسميها أهل حمص)؛ والمسافة التي تفصل بين الساحل وبين بحيرة قطينة ليست بالمسافة الطويلة حيث أنها 50 كم فقط. إذا تم ضخ الماء من الساحل إلى بحيرة قطينة فإن الماء سيجري بعدها بشكل طبيعي في مجرى نهر العاصي حتى يصل إلى حمص وحماة وإدلب، وبالتالي يمكن الاعتماد على مجرى نهر العاصي لبناء محطات ضخ نحو الداخل إن أريد ذلك.

بحيرة الأسد وتبخرها

حسب السيد إيلي الحج فإن الماء الذي يتبخر من بحيرة الأسد سنويا يعادل الحاجة المنزلية السنوية لـ 16 مليون شخص، وهو رقم كبير بالفعل. السيد الحج لا يرى أي حل لهذه المعضلة ما عدا هدم السد. أنا شخصيا لست مختصا في هذا المجال ولكن عقلي لا يتقبل عدم وجود حل لهذه المشكلة إلا هدم السد. العلم يتقدم ولا بد أن يظهر حل ما مستقبلا. إلى أن يظهر الحل، فإنني أستطيع الآن أن أفكر في فكرة ربما تكون ضربا من الخيال العلمي ولكنها تبدو لي غير مستحيلة تقنيا، والمختصون أدرى مني إن كان تحقيقها ممكنا أم لا.

الفكرة ببساطة هي تغطية قسم كبير من سطح البحيرة بالخلايا الكهروضوئية لتوليد الطاقة الشمسية. بالإمكان مثلا صناعة خلايا كهروضوئية عملاقة وتحميلها على مادة أخف من الماء (فلين مثلا أو شيء من هذا القبيل) ومن ثم تعويم هذه الخلايا في مجموعات كبيرة على سطح البحيرة. إن أمكن تغطية 50% من سطح البحيرة بهذه الخلايا فهذا يعني تقليل تبخرها بنسبة معتبرة وفي نفس الوقت الاستفادة من الطاقة الشمسية الساقطة عليها لتوليد الكهرباء.

إضافة: بعد البحث في الإنترنت وجدت أن فكرة شبيهة بفكرتي مطبقة فعلا وهناك شركة صهيونية-فرنسية تقوم بتسويق خلايا كهروضوئية تطفو على سطح الماء، وهي تتميز بانخفاض كلفتها مقارنة بالخلايا العادية لأنها تستفيد من طوفانها على سطح الماء لتحافظ على درجة حرارة منخفضة وبالتالي كفاءة أكبر في توليد الكهرباء.

 

خلايا شمسية تطفو على سطح الماء

الاقتصاد السوري… هل سينمو بقوة؟ وإلى متى؟

مقال السيد جورج صغير يلفت النظر مجددا إلى مشكلة سورية القديمة المتجددة، والتي تتشارك فيها سورية مع كثير من البلدان العربية والنامية، ألا وهي التسارع في النمو السكاني ونمو قوة العمل الذي يفوق معدل خلق الوظائف، وبالتالي تزايد معدل البطالة وما يستتبعه ذلك من ثورات شعبية كما حدث في تونس ومصر مؤخرا.

السيد صغير يقارن بين نموذجين؛ نموذج “فاشل” هو النموذج المصري، حيث فشلت الحكومة في تنمية الاقتصاد بوتيرة كافية لتلاقي احتياجات السكان المتزايدة للوظائف، ونموذج ناجح هو النموذج التركي، وينصح السيد صغير بتقليد تركيا وليس مصر.

الانفتاح الاقتصادي في مصر بدأ قبل ثلاثين سنة، ولكن الحكومات المتعاقبة فشلت في إحداث إصلاحات كافية، وبالتالي فإن معدل النمو وتدفق الاستثمارات الأجنبية كانا أقل من المطلوب لتحسين حصة الفرد من الناتج الإجمالي المحلي؛ وحتى عندما بدأت معدلات النمو وتدفق الاستثمارات الخارجية تتحسن بقوة في السنوات الأخيرة في ظل حكومة أحمد نظيف فإن التحسن كان في الواقع متأخرا جدا، والأسوأ أنه لم ينعكس بشكل كاف على الطبقات الدنيا من الشعب، وسبب هذا غير واضح تماما بالنسبة لي كوني غير ملم بتفاصيل الاقتصاد المصري، ولكن ما فهمته هو أن الفساد وعدم عدالة النظام الضريبي لعبا دورا في هذه المأساة التي انتهت إليها مصر بعد أن كان اقتصادها يبدي نموا قويا على الورق.

وضع الاقتصاد السوري هو بلا شك أسوأ من وضع الاقتصاد المصري، رغم أن قلة عدد السكان مقارنة بعدد سكان مصر قد خدمتنا في العقود الماضية ولهذا فإننا لم نشهد معدلات فقر مرتفعة كما هو الحال في مصر؛  ولكن لا شك أن التعويل على قلة عدد سكان سورية لم يعد يجدي نفعا خاصة مع النمو السكاني الكبير حاليا وما تردد كثيرا في العقد الأخير عن قرب نضوب النفط السوري.

النفط إما أن يكون نعمة على البلد أو نقمة عليه، وفي الحالة السورية كان النفط نقمة للأسف. لقد اصطدمت الحكومة السورية في أوائل الثمانينات بفشل النهج الاقتصادي الذي كانت تسير عليه في السبعينات، ومن المعروف أن الاقتصاد السوري عانى الأمرين في حقبة الثمانينات حيث أن النمو الاقتصادي وصل في عام 1984 إلى ما تحت الصفر (انظر إلى هذا الرسم البياني الذي يظهر نمو الاقتصاد السوري بين عامي 1960 و2009 حسب أرقام البنك الدولي)، وكانت الخزينة السورية حينها مفلسة كما روى الوزير مصطفى طلاس في كتابه عن تلك الحقبة، ورغم أن الوزير طلاس حمل مسؤولية الإفلاس لرئيس الوزارة حينها عبد الرؤوف الكسم إلا أن سبب الانهيار الاقتصادي كان في الحقيقة يعود لأسباب هيكلية أعمق من ذلك بكثير وهي تعود إلى فشل النهج الاقتصادي الذي كانت الدولة السورية تسير عليه في ذلك الوقت والذي كان مستمدا من نموذج الاتحاد السوفييتي.

حاول الرئيس حافظ الأسد بعد “الحركة التصحيحية” الابتعاد عن النموذج “الاشتراكي” الجاف الذي كان مطبقا في أواخر الستينات ولجأ بدلا من ذلك إلى نموذج اقتصاد الدولة المخطط، ورغم أن الاقتصاد السوري حقق نموا كبيرا في السبعينات إلا أن هذا النمو سرعان ما أثبت أنه غير مستدام في أوائل الثمانينات، وأسباب ذلك هي في الأساس داخلية هيكلية وليست خارجية (انظر دراسة Volker Perthes). لقد توصلت الحكومة السورية في أواخر الثمانينات إلى قناعة بحتمية الإصلاح الاقتصادي للخروج من حالة العجز والانكماش المستمر، ولكن ارتفاع إنتاج النفط السوري في تلك الفترة كان له تأثير سلبي حيث أن الدولة لجأت إلى عائداته لتغطية العجز وترقيع الاقتصاد المهترئ بدلا من الشروع في إصلاح اقتصادي جدي وعميق، ولذلك تحولت عملية الإصلاح الاقتصادي في التسعينات إلى مجرد شعار لم ينعكس على أرض الواقع إلا بخطوات بسيطة وشكلية لم تسمن ولم تغن من جوع، فاستمر الاقتصاد متخبطا في ركوده وأزماته إلى أن جاءت حكومة السيد ناجي عطري في عام 2003 وبدأ الإصلاح الاقتصادي يأخذ طابعا أكثر جدية.

لا شك أن للإصلاح الاقتصادي في سورية ثمنا سياسيا سيضطر من هو في سدة الحكم لدفعه، فالانتقال بمجتمع من نمط حياة سوفييتي إلى نمط حياة ليبرالي هو عملية ليست بالبسيطة وتنطوي على خسارة سياسية لمن يقوم بها، فلا أحد يحب أن يكون في سدة الحكم حينما تأخذ الحكومة قرارات غير شعبية من قبيل رفع أسعار المحروقات وإلغاء مجانية التعليم والاستشفاء وغير ذلك، خاصة وأن هكذا قرارات يصعب تبريرها وتوضيح الغاية منها أمام مجتمع نشأ وتربى على الشعارات السوفييتية البالية، ولهذا السبب فإن الحكومة السورية تلكأت لعقدين من الزمن عن الشروع الجدي في الإصلاح وفضلت بدلا من ذلك الاعتماد على عائدات النفط كـ”حل سحري” يقيها من التبعات السياسية لأي عملية إصلاح جدية، وهذه السياسة الهروبية أدت فقط إلى تفاقم المشكلة الهيكلية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد السوري وجعلت الإصلاح الاقتصادي أصعب وتبعاته الشعبية أكبر.

بعد مجيء الرئيس بشار الأسد إلى الحكم وتبنيه للإصلاح الاقتصادي حدث تغير في نهج الدولة السورية. لا شك أن ما تردد عن قرب نضوب النفط السوري في العقدين القادمين كان له دور ضاغط على المسؤولين السوريين للمضي قدما في عملية الإصلاح بشكل جدي، لأن الاعتماد على عائدات النفط لتغطية العجز والاهتراء هو أمر قد ينجح في تأجيل القدر المحتوم لفترة من الزمن ولكن تلك الفترة لن تكون بالطويلة.

لقد أحس المواطن السوري بـ “حرارة” الإصلاح الاقتصادي لأول مرة في عام 2007 عندما قررت الحكومة السورية رفع أسعار المازوت بعد تدبر وتأمل استمر لأشهر طويلة، وما حسم هذا التردد الطويل لم يكن في الحقيقة شجاعة الحكومة بقدر ما كان الارتفاع غير المسبوق لأسعار المحروقات عالميا في تلك الفترة والذي أجبر الحكومة إجبارا على رفع أسعار المحروقات لتفادي الإفلاس، ولكن رب ضارة نافعة، فكما أن ارتفاع الإنتاج النفطي في أواخر الثمانينات كان سببا لتعطيل الإصلاح وإضاعة عقدين من الزمن على سورية فإن ارتفاع أسعار النفط غير المسبوق في العقد الأخير والذي وصل إلى رقم قياسي هو 147$ للبرميل في تموز 2008 كان “النقرة” التي حفزت الحكومة السورية أخيرا لكي تسرع في تطبيق برنامجها الإصلاحي بشكل جدي.

ما يلي مقال ممتاز للسيد إيلي الحج عن أهم العقبات التي تواجه الاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة:

http://www.joshualandis.com/blog/?p=7710