موقع “العربية نت” ينشر فبركة حول مخاطر مشروبات الدايت


فبركة جديدة من موقع العربية نت بعد فبركة “الحوت الأزرق”:

إقرأ المزيد

Advertisements

العالم المنافق يتفرج على آل سعود وهم يمارسون التعذيب والاضطهاد والاستعباد الممنهج

كلما عرفت المزيد عن قوانين آل سعود كلما زادت قناعتي بأنها من وضع مجانين.

إقرأ المزيد

الدماغ البشري (15)

التحديق المزدوج conjugate gaze يعني تحريك العينين في آن واحد نحو نفس الهدف. الخلل في هذه العملية يضعف جودة الرؤية ثنائية العين binocular vision ويسبب الرؤية المزدوجة diplopia.

التحديق المزدوج يمكن أن يكون في ثلاثة اتجاهات أساسية:

  • التحديق العموديvertical gaze  (تحريك العينين إلى الأعلى أو الأسفل)
  • التحديق الجانبي أو الأفقيlateral or horizontal gaze  (تحريك العينين إلى اليمين أو اليسار)
  • المقاربةconvergence  (تحريك العينين إلى الداخل)

ocular movements eye gazeالطَّرْف والتثبيت والتعقب السلس

الطَّرْف saccade هو أحد أساليب تحريك العينين عند البشر. العينان تتحركان بهذا الأسلوب للنظر نحو جسم جديد دخل إلى مجال الرؤية.

أعضاء الحس عند البشر تتعامل في كل لحظة مع عدد هائل من المؤثرات الحسية، ولكن كثيرا من هذه المؤثرات الحسية هي قليلة الأهمية. على سبيل المثال، عندما أستمع إلى شخص يتحدث عبر مكبر صوت فإنني ربما أسمع ضجيجا مرافقا لكلامه، ولكن هذا الضجيج هو ناتج من الآلة وليس من كلام الرجل، وهو غير مهم بالنسبة لي مقارنة بالكلام الذي يقوله الرجل.

عندما أشاهد التلفاز فإنني ربما أشاهد بعض التشويش على الشاشة، ولكن هذا التشويش هو غير مهم بالنسبة لي مقارنة بالأمور الأخرى التي تظهر على الشاشة.

كثير من الأحاسيس التي تصل إلى الدماغ هي مجرد تشويش أو أحاسيس قليلة الأهمية. لهذا السبب الدماغ لا يستطيع أن يتعامل بجدية مع كل الأحاسيس التي تصل إليه وإلا فإنه سيصاب بالضياع والاستنزاف.

الدماغ يصنف الأحاسيس حسب أهميتها. الدماغ يعتبر أن بعض الأحاسيس التي تصل إليه هي أهم من غيرها، وبناء على ذلك هو يقوم بتوجيه طاقته الإدراكية نحو هذه الأحاسيس المهمة. هذه العملية تسمى “الانتباه” attention. المقصود بالانتباه هو توجيه طاقة الإدراك الحسي نحو أحاسيس معينة على حساب أحاسيس أخرى.

المؤثرات الحسية التي تجذب انتباه الدماغ أكثر من سواها تسمى مؤثرات حسية “بارزة” salient. بروز المؤثر الحسي salience يعتمد على عدة معايير. من هذه المعايير اختلاف المؤثر الحسي عن المؤثرات الأخرى المرافقة له. مثلا لو شاهدت ورقة بيضاء فيها 49 نقطة خضراء ونقطة واحدة حمراء فإن النقطة الحمراء ستجذب انتباهي، أي أنها ستكون بارزة salient. أيضا ندرة المؤثر الحسي لها دور في بروزه. مثلا لو كنت أستمع طوال اليوم إلى نغمة معينة ثم سمعت فجأة نغمة مختلفة فإن النغمة المختلفة ستجذب انتباهي.

الذاكرة أيضا تلعب دورا في تحديد بروز المؤثر الحسي. الإنسان يختزن في ذاكرته أمورا معينة تعتبر بالنسبة له أمورا مهمة، وعندما يستقبل مؤثرات حسية لها علاقة بهذه الأمور فإنه يتعامل معها بانتباه.

حركة الطَّرْف saccade هي الطريقة التي تتعامل بها العينان مع المؤثرات البصرية البارزة salient التي تدخل فجأة إلى مجال الرؤية. الطَّرْف يعني تحريك العينين بأقصى سرعة ممكنة نحو نقطة معينة في مجال الرؤية. مثلا لو كنت أراقب السماء ثم ظهرت فجأة طائرة في السماء فإن عيناي ستنفذان حركة طَرْف نحو موقع الطائرة. بعد ذلك سيقوم دماغي بتثبيت عيني على الطائرة لكي يتمكن من إدراكها. عملية التثبيت fixation تتطلب تدخل الأنوية الدهليزية vestibular nuclei في جذع الدماغ بالتعاون مع المخيخ cerebellum.

الطائرة لن تتوقف عندما أثبت عيني عليها ولكنها ستستمر في التحرك. لهذا السبب سيقوم دماغي بتنشيط آلية تحديق خاصة تسمى “التعقب السلس” smooth pursuit. ما يحدث في هذه الآلية هو أن عيناي تتحركان بنفس السرعة التي تتحرك بها الطائرة في مجال الرؤية بهدف إبقاء صورتها ثابتة على نقرة الشبكية fovea.

المؤثرات البارزة المعقدة

في الأعلى أنا ضربت أمثلة على مؤثرات حسية بارزة ذات تعقيد بسيط نسبيا (مثلا نقطة حمراء إلخ)، ولكن كثيرا من المؤثرات الحسية البارزة التي يتعامل معها الدماغ هي ذات تكوين معقد.

على سبيل المثال، الإنسان يرى في حياته اليومية الكثير من الوجوه faces. بعض الوجوه التي يراها الإنسان في حياته اليومية هي ليست بارزة (مثلا وجوه الناس المارين في الشارع)، ولكن هناك وجوها أخرى يهم الإنسان أن يتعرف على أصحابها، ولكي يتعرف على أصحابها لا بد له أن ينتبه إليها ويدقق فيها.

التمييز بين الوجوه المختلفة هو أمر صعب، لأن وجوه البشر تشبه بعضها، والإنسان يجب أن يدقق في الكثير من تفاصيل الوجه حتى يتمكن من تمييزه عن غيره. هو طبعا يجب أن يحفظ تفاصيل الوجوه في ذاكرته إن أراد التعرف عليها لاحقا. من الأمور اللافتة التي كشفتها الأبحاث الحديثة أن هناك منطقة كبيرة في قشرة المخ متخصصة في حفظ الوجوه. هذه المنطقة تقع في أسفل الفص الصدغي temporal lobe على الجانب الوحشي للتلفيف المغزلي fusiform gyrus وتسمى أحيانا “منطقة الوجوه المغزلية” fusiform face area.

منظر إنسي medial لنصف الكرة المخية cerebral hemisphere الأيسر يظهر فيه التلفيف المغزلي fusiform gyrus

عندما يرى الإنسان وجها بارزا salient فإن عينيه تنفذان عددا كبيرا من حركات الطرف بهدف التعرف على الوجه:

الرسم أعلاه يبين النقاط التي تنظر إليها العينان بهدف التعرف على وجه. من هذا الرسم يتبين أن العينين تركزان على محيط الوجه والعينين والأنف والفم.

الدماغ عندما يرى جسما معقدا (كالوجه) فإنه يركز في البداية على دراسة النقاط الأهم في هذا الجسم، لأن دراسة هذه النقاط تساعد الدماغ على التعرف على ماهية الجسم في أسرع وقت ممكن.

الأبحاث الحديثة كشفت إلى حد ما آلية الإدراك البصري visual perception في الدماغ البشري. من الأمور اللافتة التي كشفتها الأبحاث أن الدماغ يقوم بتجريد الأجسام المرئية إلى عناصر بسيطة شبيهة بـ “الكاتغوريات” categories التي تحدث عنها الفيلسوف Immanuel Kant. الدماغ عندما يرى جسما فإنه في البداية يحلل هذا الجسم وفق الكاتغوريات التالية:

  • مواقع النقاط المكونة للجسم وحدودها (الشكل الهندسي للجسم)
  • ألوان النقاط المكونة للجسم (لون الجسم)
  • اتجاه حركة النقاط المكونة للجسم (اتجاه حركة الجسم)

هذا التحليل المبدئي يتم في شبكية العين retina ويتكرر مجددا في الجسم الركبي الوحشي lateral geniculate body والتليلتين العلويتين superior colliculi والقشرة البصرية visual cortex. بعد هذا التحليل المبدئي يقوم المخ بمعالجة أكثر عمقا للجسم المرئي وفقا للمعلومات المخزنة في الذاكرة البصرية في الفص الصدغي temporal lobe ووفقا للمعالجة المنطقية في القشرة أمام الجبهية prefrontal cortex. القشرة الجدارية parietal cortex تقوم بإدراج الجسم المرئي في الخارطة الفراغية للعالم المحيط. (الخطوة الأخيرة تشبه كلام Kant عندما قال أن الفراغ والزمن space and time هما مفهومان غريزيان intuitive مزروعان في عقل الإنسان وليسا من المدركات الحسية.)

طريقة الإدراك الحسي في الدماغ البشري تتفق مع النظرية التي طرحها الفيلسوف Immanuel Kant والتي تسمى “المثالية العبارة للحدود” transcendental idealism. أنا شرحت هذه النظرية سابقا بشكل مختصر، ولدي النية لكي أعود لها في المستقبل، ولكنني الآن أردت فقط أن أشير إلى الأسلوب الذي يتعامل به الدماغ مع الأجسام المرئية. هذا الأسلوب هو بعيد عن أسلوب “الرسم النقطي” raster graphics or bitmap graphics الذي تعتمد عليه الكثير من برامج الكومبيوتر.

صورة مرسومة بطريقة raster graphics or bitmap graphics

في أسلوب “الرسم النقطي” يتم تقسيم الصورة إلى عدد كبير من النقاط الصغيرة التي تسمى بكسلات pixels. لكي يدرك برنامج الكومبيوتر الصورة لا بد له أن يدرك جميع بكسلاتها. كل البكسلات متساوية في نظر البرنامج ولا توجد أهمية لبكسل على آخر.

أسلوب “الرسم النقطي” يتميز بأنه سهل من الناحية البرمجية، بمعنى أنه لا يتطلب برمجة معقدة، ولكن مشكلته هي أنه يستنزف الكثير من مساحة التخزين وطاقة المعالجة.

هناك أسلوب آخر في الرسم الكومبيوتري يسمى vector graphics. في هذا الأسلوب يتم تحليل الصورة إلى عناصر تجريدية على نحو شبيه نوعا ما بما يتم في الدماغ البشري.

الصور المرسومة بطريقة vector graphics هي ليست مقسمة إلى بكسلات ولكنها تتكون من عناصر هندسية. مثلا لكي نرسم دائرة بهذه الطريقة يجب أن ندخل معادلة الدائرة وندخل معها الإحداثيات الهندسية. الدائرة الناتجة يمكن أن تكون كبيرة المساحة على الشاشة، ولكن تخزينها في الكومبيوتر لا يتطلب سوى تخزين سطر واحد هو معادلة الدائرة. لو أردنا أن نرسم نفس الدائرة بطريقة البكسلات فسنضطر لتخزين المعلومات الخاصة بكل بكسل من بكسلات الصورة، وهو ما يتطلب عددا كبيرا جدا من الأسطر.

الرسم بطريقة vector graphics يصبح صعبا إذا كانت الصورة معقدة وتحوي الكثير من التفاصيل الدقيقة، ولكن ميزة هذه الطريقة في الرسم هي قلة مساحة التخزين وطاقة المعالجة المطلوبة مقارنة بالطريقة الأخرى.

الدماغ البشري يحلل المدركات المرئية بطريقة شبيهة بالـ vector graphics، وهذا يسهل على الدماغ معالجة المدركات المرئية وتخزينها. بالإضافة إلى ذلك الدماغ يملك القدرة على تصنيف العناصر المكونة للمدركات وفقا لأهميتها. مثلا الدماغ عندما يتعامل مع الوجوه يركز في البداية على العناصر الأكثر أهمية فيها (المحيط، العينان، الأنف، الفم)، ولهذا السبب نجد أن العينين عندما تريان وجها فإنهما تقومان بسلسلة من حركات الطرف saccades الموجهة نحو مناطق محددة في الوجه.

باحثو الجهاز العصبي يطلقون مسمى feature detection (“رصد الخصائص”) على عملية تحليل العناصر المكونة للمؤثر الحسي وتصنيف هذه العناصر حسب أهميتها.

آلية التحديق

تحريك العين الواحدة يتم عبر الأنوية القحفية رقم 3 و4 و6. النواتان القحفيتان رقم 3 و4 (الموجودتان في الدماغ الأوسط) تحركان العين في كل الاتجاهات ما عدا الاتجاه الخارجي أو الوحشي lateral. النواة القحفية رقم 6 (الموجودة في الجسر pons) تحرك العين في الاتجاه الوحشي عبر تقليص العضلة المستقيمة الوحشية lateral rectus muscle.

التحديق المزدوج conjugate gaze يتطلب ربطا عصبيا بين الأنوية المحركة لكل من العينين. هذا الربط يتم عبر أنوية وطرق عصبية في جذع الدماغ.

ocular movements eye gaze

التحديق العموديvertical gaze  والمقاربةconvergence  لا يتطلبان تحريك العين نحو الجهة الوحشية lateral، ولهذا السبب هما لا يتطلبان تدخل العصب القحفي رقم 6 (العصب المبعد abducens).

تنسيق التحديق العمودي والمقاربة يتم عبر أنوية موجودة في التشكل الشبكي للدماغ الأوسط midbrain reticular formation بالاشتراك مع النواتين القحفيتين رقم 3 و4.

تنسيق حركة المقاربة يتم عبر نواة تسمى “النواة فوق المحركة العينية” supraoculomotor nucleus. هذه النواة توجد على الجهة الظهرية للنواة المحركة العينية oculomotor nucleus.

تنسيق حركة التحديق العمودي يتم عبر نواتين توجدان على الجهة المنقارية للنواة المحركة العينية هما:

  • Rostral interstitial nucleus of medial longitudinal fasciculus (riMLF)
  • Interstitial nucleus of Cajal (INC)

الرسم التالي يوضح موقع هاتين النواتين. هذا الرسم هو لمقطع سهمي sagittal في جذع دماغ قرد:

Sagittal section of monkey brainstem eye gaze
III: oculomotor nucleus; IV: trochlear nucleus; VI: abducens nucleus; CG: central gray; INC: interstitial nucleus of Cajal; MB: mammillary body; Med RF: medullary reticular formation; MRF: mesencephalic reticular formation; MT: mammillothalamic tract; N III: rootlets of the oculomotor nerve; N IV: trochlear nerve; N VI: rootlets of the abducens nerve; ND: nucleus of Darkschewitsch; NRTP: nucleus reticularis tegmenti pontis; NPH: nucleus prepositus hypoglossi; PC: posterior commissure; PPRF: paramedian pontine reticular formation; riMLF: rostral interstitial nucleus of the medial longitudinal fasciculus; TR: tractus retroflexus; asterisks indicate the location of cell groups of the paramedian tracts, which project to the cerebellum; the arrow refers to the Horsley-Clarke plane of section

على الرسم أعلاه تظهر النواتان INC و riMLF على الجهة المنقارية لنواة العصب القحفي الثالث III. هناك نواة ثالثة تظهر بجوارهما هي (ND) nucleus of Darkschewitsch. هذه النواة تسمى أيضا “نواة الملتقى الخلفي” nucleus of the posterior commissure لأنها تقع على الجهة الذيلية للملتقى الخلفي وهي مصدر معظم الألياف المكونة لهذا الملتقى. لا أعلم ما هي وظيفة هذه النواة، ولكن موقعها يوحي بأن لها علاقة بحس البصر.

حركة التحديق الجانبيlateral gaze  تتطلب تحريك إحدى العينين نحو الجهة الوحشية، لهذا السبب هذه الحركة تتطلب تدخل نواة العصب القحفي رقم 6 الموجودة في الجسرpons . النواة الشبكية المسؤولة عن تنسيق حركة التحديق الجانبي هي النواة الشبكية جانب المحورية paramedian reticular nucleus، وتحديدا قسمها الجسري الذي يسمى(PPRF) paramedian pontine reticular formation .

reticular formation
منظر ظهري لجذع الدماغ يبين أنوية التشكل الشبكي
مقاطع عرضية في جذع الدماغ تبين أنوية التشكل الشبكي. A: النخاع المستطيل المنقاري. B: الجسر الذيلي. C: الجسر المنقاري. D: الدماغ الأوسط عند مستوى التليلتين السفليتين.

النواة الشبكية جانب المحورية هي إحدى الأنوية الشبكية “قبل المخيخية” precerebellar (الأنوية الشبكية التي ترسل أليافها نحو المخيخ). هذه النواة تتلقى أليافا من نواة المخيخ الأَوْجِية fastigial nucleus التي أظن أنها مسؤولة عن تنسيق تحريك القسم المركزي median أو المحوري axial من الجسم (الجذع والرأس ومفاصل الأطراف القريبة من الجذع proximal دون المفاصل البعيدة عن الجذع distal).

القسم الجسري (المنقاري) من النواة الشبكية جانب المحورية PPRF هو متصل مع الأنوية القحفية المحركة للعينين بهدف تنسيق حركة التحديق الجانبيlateral gaze . هذا القسم يسمى “مركز التحديق الجانبي” lateral gaze center أو “مركز التحديق الأفقي” horizontal gaze center أو “مركز التحديق الجسري” pontine gaze center. بالنسبة للقسم النخاعي (الذيلي) من النواة الشبكية جانب المحورية فهو على ما يبدو متصل بالنواة المبهمة nucleus ambiguus ومن الممكن أن له تأثيرا مخفضا لضغط الدم depressor (بدليل ما ورد في هذه الدراسة مثلا).

lateral gaze

التحديق الجانبي نحو اليسار يتطلب تنشيط مركز التحديق الجانبي على جهة اليسار. مركز التحديق الجانبي على جهة اليسار سينشط النواة القحفية رقم 6 على جهة اليسار والنواتين القحفيتين رقم 3 و4 على جهة اليمين.

الاتصال بين مركز التحديق الجانبي (الموجود في الجسر) وبين النواتين القحفيتين رقم 3 و4 (في الدماغ الأوسط) يتم عبر طريق يسمى “الحزمة الطولية الإنسية” (MLF) medial longitudinal fasciculus. لو تعرضت هذه الحزمة لأذى (مثلا بسبب مرض التصلب المتعدد multiple sclerosis أو بسبب سكتة دماغية stroke) فهذا يمكن أن يؤدي إلى خلل في التحديق الجانبي يسمى “الشلل العيني بين النووي” internuclear ophthalmoplegia. لو أصيبت الـ MLF على الجهة اليمنى فإن الإنسان سيكون عاجزا عن التحديق المزدوج نحو اليمين (العين اليمنى ستتحرك ولكن العين اليسرى لن تتحرك)، والعكس سيحصل لو أصيبت الـ MLF على الجهة اليسرى.

هذا الشخص مصاب بـ”الشلل العيني بين النووي” internuclear ophthalmoplegia على الجهة اليسرى. هو لا يستطيع أن ينفذ التحديق المزدوج conjugate gaze نحو اليسار، ولكنه يستطيع أن ينفذ التحديق المزدوج نحو اليمين ويستطيع أن ينفذ المقاربة convergence، لأن هذه الحركات لا تتطلب تدخل مركز التحديق الجانبي الأيسر والحزمة الطولية الإنسية MLF على الجهة اليسرى. هو أيضا يستطيع أن ينفذ التحديق المزدوج العمودي (نحو الأعلى والأسفل) لو طلب منه ذلك

التحديق الإرادي

brain cortex

التحديق (كغيره من الحركات الهيكلية) يمكن أن يكون إراديا أو غير إرادي. التحديق الإرادي يتم بتأثير من ألياف نازلة من قشرة المخ نحو منظومة التحديق غير الإرادي الموجودة في جذع الدماغ.

المنطقة القشرية المسؤولة عن التحديق الإرادي تسمى “حقل العين الجبهي” (FEF) frontal eye field. موقع هذه المنطقة يختلف حسب المصادر. كثير من المصادر تقول أنها تقع في منطقةBrodmann  رقم 8 في القشرة قبل الجبهية prefrontal cortex، ولكن هذه الدراسة تقول أنها تقع في منطقة Brodmann رقم 6 قرب القسم العلوي من الأخدود قبل المركزي precentral sulcus. هذا الوصف يعني أنها تقع في القشرة قبل المحركة premotor cortex.

كثير من المصادر تتحدث عن وجود مركز قشري خاص بحركة التعقب السلس smooth pursuit الإرادية اسمه “حقل التعقب الجبهي” frontal pursuit area، ولكن مكان هذا المركز هو غير واضح. حسب الدراسة التي أشرت إليها فإن “حقل التعقب الجبهي” هو القسم الخلفي من حقل العين الجبهي، وأما القسم الأمامي من حقل العين الجبهي فهو مسؤول عن حركة الطَّرْف saccade.

طبعا حركة التعقب السلس هي بطبيعتها حركة غير إرادية، ولكن التحفيز الكهربائي لـ “حقل التعقب الجبهي” ينشط هذه الحركة، ما يدل على وجود سيطرة إرادية عليها.

حسب بعض المصادر فإن التحديق العمودي الإرادي يتنشط قشريا بطريقة تختلف عن التحديق الأفقي الإرادي. التحديق العمودي الإرادي يتطلب على ما يبدو تنشيط مناطق أكبر في القشرة المخية مقارنة بالتحديق الأفقي الإرادي.

التحديق غير الإرادي

هناك لبس وعدم وضوح في آليات التحديق غير الإرادي في جذع الدماغ، ولكن ما يبدو لي هو أن هناك آليتين منفصلتين لكل من حركة الطَّرْف saccade وحركات العين الأخرى (التثبيت fixation والتعقب السلس smooth pursuit).

كل حركات العين غير الإرادية تخضع لتأثير التليلة العلوية superior colliculus. التليلة العلوية تنقسم إلى منطقتين، منطقة سطحية (ظهرية) ومنطقة عميقة (بطنية). المنطقة السطحية تتلقى أليافا من شبكية العين ومن القشرة البصرية في المخ، وعلى ما يبدو فإن خلايا هذه المنطقة تشكل خريطة ثنائية الأبعاد لمجال الرؤية على نحو شبيه بالخريطة الموجودة في شبكية العين. المنطقة العميقة من التليلة العلوية تحوي خريطة سمعية مصدرها ألياف قادمة من التليلة السفلية inferior colliculus، وتحوي خريطة حسية جسمانية somatosensory مصدرها ألياف قادمة من الحبل الشوكي تسمى “الطريق الشوكي-السقفي” spinotectal tract. كل هذه الخرائط الحسية تتكامل وتؤثر على “خريطة تحريكية” موجودة في المنطقة العميقة وظيفتها تحريك العينين في الفراغ. خلايا “الخريطة التحريكية” تتلقى أيضا أليافا من منطقة في قشرة المخ تقع بين الفصين القذاليoccipital  والجداري parietal تسمى “حقل العين القذالي”occipital eye field  أو “حقل العين الجداري” parietal eye field. هذه الألياف تنقل ربما المزيد من المعلومات الحسية الفراغية إلى خلايا الخريطة التحريكية.

الخلايا التحريكية ترسل أليافها نحو مراكز التحديق الأفقي والعمودي في الجسر والدماغ الأوسط. بعض الألياف تذهب أيضا نحو الخلايا المحركة في القسم الرقبي من الحبل الشوكي وتسمى “الطريق السقفي-الشوكي” tectospinal tract. الباحثون يعتقدون أن وظيفة الطريق السقفي-الشوكي هي إدارة الرأس تزامنا مع التحديق؛ لهذا السبب الباحثون يعرّفون التحديق gaze بأنه حركة مشتركة للعينين والرقبة. الطريق السقفي-الشوكي لدى بعض الفقاريات هو أكثر أهمية مما هو عليه لدى البشر: هذا الطريق يستطيع أن يحرك الجسم بكامله لدى الأسماك والطيور والفئران، ما يدل على أهمية سقف الدماغ الأوسط لدى تلك الكائنات.

التليلتان العلويتان ترسلان أيضا أليافا نحو الأنوية الجسرية العميقة deep pontine nuclei. هذه الألياف تسمى “الطريق السقفي-الجسري” tectopontine tract. الأنوية الجسرية العميقة ترسل أليافها نحو المخيخ. هناك اعتقاد بأن الطريق السقفي-الجسري يوصل معلومات الخريطة الحسية السقفية إلى المخيخ عبر الأنوية الجسرية العميقة.

هناك تشابه في تكوين ووظيفة سقف الدماغ الأوسط والمخيخ، وهذا ليس مستغربا نظرا لتشابه الأصل الجنيني لهذين التكوينين.

سقف الدماغ الأوسط (كبقية المراكز التحريكية في الدماغ الأوسط) يخضع لتأثير كابح من العقد القاعدية basal ganglia. هذا التأثير الكابح هو ضروري لتنظيم التحديق ومنعه من الانفلات. دون هذا الكبح فإن العينين سوف تحدقان باتجاه مؤثرات بصرية لا تستحق التحديق نحوها (ملهيات بصرية أو تشويش بصري).

التثبيت

الطرف saccade يعني تحريك العينين بأقصى سرعة ممكنة نحو نقطة معينة في مجال الرؤية. هذا التعريف لا يشمل تثبيت العينين على تلك النقطة fixation.

على ما يبدو فإن التثبيت غير الإرادي يتم تحت إشراف التليلة العلوية superior colliculus، بدليل وجود منطقة في التليلة العلوية مسؤولة عن التثبيت. هذه المنطقة تقع في القسم المنقاري من الخريطة التحريكية وهي تسمى “منطقة التثبيت” fixation zone أو “المنطقة النقرية”foveal zone  (لأن تنشيطها يؤدي إلى تثبيت الصورة على النقرة fovea).

تنشيط منطقة التثبيت يثبط خلايا الخريطة التحريكية في التليلة العلوية، كما أنه ينشط نواة الرفاء الظهرية dorsal raphe التي تحوي خلايا مفرزة للـ GABA مسؤولة عن تثبيط حركات العين (تذكر ما قلناه سابقا عن الـ serotonin ودوره المثبط للحركة الهيكلية).

تثبيت الصورة على نقرة الشبكية fovea هو عملية صعبة لأن الرأس والجسم يتحركان باستمرار وهذا يؤدي لإزاحة الصورة عن النقرة. في جذع الدماغ هناك آلية خاصة وظيفتها تحريك العينين بما يحافظ على ثبات الصورة على النقرة. هذه الآلية تسمى المنعكس الدهليزي-العيني vestibulo-ocular reflex أو المنعكس العيني-الرأسي oculocephalic reflex.

المنعكس الدهليزي-العيني vestibulo-ocular reflex يحرك العينين في اتجاه معاكس لاتجاه حركة الرأس بهدف الحفاظ على ثبات الصورة التي تراها العينان

تنسيق المنعكس الدهليزي-العيني يتم عبر النواة الدهليزية الإنسية medial vestibular nucleus ونواة قريبة منها تسمى nucleus prepositus hypoglossi. النواة الدهليزية الإنسية تتلقى دعما من ندفة المخيخ flocculus.

SVN: superior vestibular nucleus; LVN: lateral vestibular nucleus; MVN: medial vestibular nucleus; IVN: inferior vestibular nucleus; MLF: medial longitudinal fasciculus; abducens nucleus = nucleus of CN VI; trochlear nucleus = nucleus of CN IV; oculomotor nucleus = nucleus of CN III

النواة الدهليزية الإنسية medial vestibular nucleus هي مسؤولة أيضا عن المنعكس الدهليزي-الرقبي vestibulocollic reflex الذي يحافظ على توازن الرأس عبر ألياف الطريق الدهليزي-الشوكي الإنسي medial vestibulospinal tract التي تذهب إلى الحبل الشوكي الرقبي (راجع هذا المقال للمزيد من المعلومات حول المنعكسات الدهليزية).

المنعكس الدهليزي-العيني هو ضروري لعملية التثبيت fixation التي تتم بإيعاز من التليلة العلوية. إتلاف النواة الدهليزية الإنسية لدى القرود لا يعيق حركة الطرف saccade ولكن القرد المصاب لا يستطيع أن يثبت عينيه على النقطة التي قام بالطرف نحوها (عيناه تطرفان نحو تلك النقطة ولكنهما سرعان ما تعودان إلى الوضع المركزي).

على ما يبدو فإن التليلة العلوية تثبت العينين عبر التأثير على المنعكس الدهليزي-العيني. لا أدري ما هي الآلية بالضبط، ولكن التليلة العلوية ترسل أليافا نحو أنوية جسرية “قبل مخيخية” precerebellar هي ما يلي:

  • الأنوية الجسرية الوحشية الظهرية dorsolateral pontine nuclei (جزء من الأنوية الجسرية العميقة deep pontine nuclei)
  • النواة الشبكية الغطائية الجسرية pontine reticulotegmental nucleus

الأنوية الجسرية الوحشية الظهرية ترسل أليافا نحو ندفة المخيخ flocculus، التي بدورها ترسل أليافا نحو الأنوية الدهليزية. هذا الطريق هو ربما صلة الوصل بين التليلة العلوية والمنعكس الدهليزي-العيني.

إذن تثبيت العينين غير الإرادي يمكن أن يبدأ من الجهاز الدهليزي أو من منطقة التثبيت في التليلة العلوية.

التعقب السلس

حركة التعقب السلس smooth pursuit (تسمى أيضا tracking) تشبه المنعكس الدهليزي-العيني. الفرق بين الحركتين هو أن الرأس في حركة التعقب السلس يكون ثابتا، وأما في المنعكس الدهليزي-العيني فالرأس يكون متحركا. في كلتا الحالتين العينان تتحركان بهدف تثبيت الصورة على النقرة fovea.

المنظومة الدماغية التي تنفذ حركة التعقب السلس هي ربما نفس المنظومة المسؤولة عن التثبيت والتي وصفت في الأعلى. الفرق بين التعقب السلس والتثبيت يتعلق ربما بالإشارات الواردة من الخلايا التحريكية في التليلة العلوية.

الرئيسيات (ومنها الإنسان) تستطيع أن تنفذ التعقب السلس الأفقي أو الجانبي بشكل أفضل من التعقب السلس العمودي. أيضا هي تستطيع أن تنفذ التعقب السلس نحو الأسفل بشكل أفضل من التعقب السلس نحو الأعلى. ربما يكون سبب هذا هو أن التعقب السلس الأفقي هو أهم تطوريا أو أقدم تطوريا. بعض الباحثين يرون أن التعقب السلس نشأ في الأصل بهدف مساعدة الحيوانات المفترسة على تعقب طرائدها.

خلاصة التحديق غير الإرادي

خلاصة ما سبق هي أن التحديق غير الإرادي يخضع لسيطرة التليلة العلوية. التليلة العلوية تنفذ حركة الطرف saccade عبر تأثيرها على مركز التحديق الجانبي في الجسر ومركز التحديق العمودي في الدماغ الأوسط المنقاري، وتنفذ حركتي التثبيت fixation والتعقب السلس smooth pursuit عبر تأثيرها على منظومة المنعكس الدهليزي-العيني vestibulo-ocular reflex.

من الأمور اللافتة أن إتلاف مركز التحديق الجانبي في الجسر ومركز التحديق العمودي في الدماغ الأوسط لا يلغي المنعكس الدهليزي-العيني ولا حركة التعقب السلس. هذا يدل على أن آلية المنعكس الدهليزي-العيني هي في الأصل مستقلة عن آلية الطرف saccade.

الاهتزازات المجهرية

تثبيت العينين الذي تحدثنا عنه في الأعلى هو أمر نسبي، لأن العينين في الحقيقة تهتزان مجهريا باستمرار، حتى عند التثبيت.

هناك اهتزاز مجهري مستمر لمقلة العين يسمى “الاهتزاز المجهري العيني” ocular microtremor. هذا الاهتزاز لا يتوقف إلا عند موت جذع الدماغ.

هناك نوع آخر من الاهتزاز العيني المجري يسمى “الطرف المجهري” microsaccade. الطرف المجهري هو عبارة عن حركات طرف مجهرية متتابعة تظهر عند تثبيت العينين. أول من لاحظ الطرف المجهري هو Robert Darwin والد العالم الشهير Charles Darwin.

بعض الباحثين يرون أن اهتزازات العين المجهرية تهدف لحماية المستقبلات الضوئية في الشبكية من التكيف adaptation.

التكيف هو ظاهرة عامة تصيب معظم المستقبلات الحسية. المقصود بالتكيف هو أن يتوقف المستقبل الحسي عن إرسال إشارات إلى الجهاز العصبي المركزي بعد مرور فترة معينة على بدء تنشيطه.

مثلا لو وضعنا يد إنسان في ماء بارد فإنه في البداية سيشعر بإحساس قوي بالبرودة وارد من يده، ولكن مع مرور الوقت سوف يخف إحساسه بالبرودة إلى أن يتلاشى تماما. هذه الظاهرة تحدث بسبب تكيف adaptation مستقبلات البرودة في جلد يده.

لو ثبتنا صورة معينة على المستقبلات الضوئية في الشبكية فهذا سيؤدي مع مرور الوقت إلى تكيف المستقبلات الضوئية، وبالتالي سوف تتوقف هذه المستقبلات عن إرسال الإشارات نحو الجهاز العصبي المركزي. لهذا السبب الاهتزازات المجهرية في العين هي ضرورية لمنع تكيف المستقبلات الضوئية.

في عام 1950 أجرى بعض الباحثين تجربة قاموا خلالها بتثبيت صورة معينة على الشبكية رغما عن الاهتزازات المجهرية. الشخص الذي خضع للتجربة شعر بأن الصورة التي يراها تلاشت تدريجيا ثم اختفت. هذا دليل على وجود التكيف في المستقبلات الضوئية في الشبكية.

ما أمام السقف

منطقة ما أمام السقف pretectum تقع في الجهة الظهرية من الدماغ الأوسط المنقاري على الجهة المنقارية للتليلتين العلويتين. أنا وصفت موقع هذه المنطقة في هذا المقال.

منطقة ما أمام السقف هي عبارة عن كتلتين تضمان عددا كبيرا من الأنوية. وظائف هذه الأنوية هي غير معروفة بشكل كامل، ولكنها تلعب دورا في تنسيق التحديق.

هناك ثلاثة منعكسات بصرية شهيرة يتم تنسيقها عبر ما أمام السقف. هذه المنعكسات هي:

  • منعكس الضوء الحدقي pupillary light reflex
  • منعكس التكيف accommodation reflex
  • المنعكس البصري-الحركي optokinetic reflex

منعكس الضوء الحدقي

توسع وتضيق الحدقة

منعكس الضوء الحدقي pupillary light reflex هو ما يلي: عند سقوط ضوء قوي على شبكية العين فإن حدقتي العينين تتضيقان.

هذا المنعكس يتطلب تدخل نواةEdinger–Westphal  المعروفة أيضا باسم “النواة المحركة العينية الملحقة” accessory oculomotor nucleus. أنا تحدثت عن العلاقة بين تضيق الحدقة pupil والضوء الساقط على العينين في هذا المقال.

pupillary light reflex

منعكس التكيف

accommodation reflex

منعكس التكيف accommodation reflex يتنشط عند النظر إلى جسم قريب.

هذا المنعكس هو مركب من منعكسين:

  • المنعكس الأول هو منعكس جانب متعاطف parasympathetic يتطلب تنشيط نواةEdinger–Westphal  ويؤدي إلى تضيق الحدقتين وتحدب عدسة العين.
  • المنعكس الثاني هو منعكس محرك جسماني somatic motor يتطلب تنشيط النواة فوق المحركة العينية supraoculomotor nucleus ويؤدي إلى مقاربة العينين convergence.

القشرة البصرية في المخ تلعب دورا في تنشيط هذا المنعكس، لأن هذا المنعكس يعتمد على تقدير البُعد.

أنا بينت سابقا العلاقة بين تضيق الحدقة وتحدب عدسة العين وبين رؤية الأجسام القريبة.

بالنسبة لمقاربة العينين convergence فهي ضرورية للمحافظة على جودة الرؤية ثنائية العين binocular vision، كما يظهر من الرسم التالي:

مقاربة العينين عند النظر إلى جسم قريب هي ضرورية لمنع الرؤية المزدوجة diplopia.

لو لم تتم مقاربة العينين عند النظر إلى جسم قريب فإن الصورة التي ستشاهدها كل من العينين ستكون مختلفة، وهذا سيؤدي للرؤية المزدوجة.

الرؤية المزدوجة تنشأ لدى كل إنسان عندما يقرب إصبعه من أنفه وهو ينظر إليه بكلتا عينيه. عندما يقترب الإصبع كثيرا من الأنف فسوف يصبح إصبعين وليس إصبعا واحدا، لأن كل عين سترى الإصبع بصورة مختلفة.

بعض الباحثين يرون أن سبب تسطح الوجه عند الرئيسيات primates هو زيادة قدرتها على مقاربة العينين.

حركة المقاربة convergence تتطلب تحريك العينين نحو الداخل، أي باتجاه الأنف. لو كان الوجه والأنف بارزين نحو الأمام فهذا سيقلل من مجال الرؤية ثنائية العين للأجسام القريبة.

الرئيسيات الباكرة كانت على ما يبدو تحتاج للرؤية ثنائية العين على مسافة قريبة، ولهذا السبب تسطحت وجوهها لإفساح المجال أمام قدر كبير من المقاربة convergence.

المنعكس البصري-الحركي

المنعكس البصري-الحركي optokinetic reflex هو منعكس مركب من الطرف saccade والتعقب السلس smooth pursuit.

لو كنت راكبا في سيارة وتراقب الأشجار على جانب الطريق فإن عينيك ستنفذان المنعكس البصري-الحركي. في البداية عيناك ستنفذان حركة طرف باتجاه شجرة معينة وستتثبتان عليها. بما أن السيارة تسير فإن الشجرة ستتحرك تدريجيا إلى خارج مجال الرؤية. عيناك ستلاحقان الشجرة بالتعقب السلس إلى أن تخرج من مجال الرؤية، وبعد ذلك ستعود عيناك بواسطة حركة طرف إلى نفس الوضعية التي كانتا عليها عند بداية رصد الشجرة.

هذا المنعكس يمكن أن يتنشط دونما سبب ظاهر، وعندها فإنه يسمى nystagmus.

horizontal nystagmus

الدماغ البشري (14)

caudal midbrain
مقطع في الدماغ الأوسط الذيلي caudal midbrain

ذكرنا سابقا أن جميع الأنوية القحفية الموجودة في الدماغ الأوسط هي مسؤولة عن تحريك العينين باستثناء نواة الدماغ الأوسط للعصب القحفي الخامس mesencephalic nucleus of trigeminal nerve، التي هي نواة حسية جسمانية somatic sensory تستقبل الحس الذاتي (غير الواعي؟) من النصف الأمامي لجدار الرأس (الوجه والجبهة والذقن).

العصب البكري trochlear nerve هو العصب القحفي الوحيد الذي يخرج من الجهة الظهرية للدماغ

في مقطع الدماغ الأوسط الذيلي caudal midbrain تظهر نواة العصب القحفي الرابع أو البكري trochlear nerve. هذه النواة تؤدي وظيفة مكملة لعمل نواة العصب القحفي الثالث (المحرك العيني oculomotor nerve) الموجودة في الدماغ الأوسط المنقاري rostral midbrain. العصب القحفي الرابع يحرك عضلة واحدة فقط من العضلات المحركة لمقلة العين هي العضلة المائلة العلوية superior oblique muscle. وظيفة هذه العضلة هي تحريك مقلة العين في الاتجاه الظاهر في هذه الصورة:

إذا أصيب أحد العصبين البكريين بأذى فسوف تكون هناك صعوبة في تحريك إحدى العينين نحو الأسفل والداخل، وهذا سيؤدي إلى الرؤية المزدوجة diplopia عندما ينظر المصاب في اتجاه يستدعي تحريك عينه المصابة نحو الأسفل أو الداخل.

الرؤية المزدوجة diplopia تحصل عندما لا تنظر العينان في نفس الاتجاه (مثلا بسبب إصابة في العضلات المحركة لإحدى العينين)
rostral midbrain
مقطع في الدماغ الأوسط المنقاري rostral midbrain

في مقطع الدماغ الأوسط المنقاري rostral midbrain تظهر أنوية العصب القحفي الثالث (العصب المحرك العيني oculomotor nerve). هذا العصب هو مسؤول عن تحريك جميع عضلات العين ما عدا عضلتين:

  • العضلة المائلة العلوية superior oblique muscle (يحركها العصب القحفي الرابع أو البكري trochlear)
  • العضلة المستقيمة الوحشية lateral rectus muscle (يحركها العصب القحفي السادس أو المبعد abducens)
ألياف العصب القحفي الثالث (العصب المحرك العيني oculomotor nerve)

نواة العصب القحفي الثالث هي ليست نواة واحدة وإنما مجموعة من الأنوية (تسمى أحيانا “المجمّع المحرك العيني” oculomotor complex). هذه الأنوية هي جسمانية محركة somatic motor وظيفتها تحريك العضلات المحركة للعين. على الجهة الظهرية للمجمع المحرك العيني هناك نواة حشوية محركة visceral motor تسمى “النواة المحركة العينية الملحقة” accessory oculomotor nucleus أو Edinger–Westphal nucleus. هذه النواة هي جزء من الجهاز العصبي جانب المتعاطف parasympathetic وهي مصدر الألياف الحشوية جانب المتعاطفة التي تصل إلى العين عبر العصب المحرك العيني والعقدة الهدبية ciliary ganglion. هناك أيضا ألياف متعاطفة sympathetic تصل إلى العين من العقدة الرقبية العلوية superior cervical ganglion (التي تتلقى أليافا قبل عقدية preganglionic مصدرها القسم الصدري من الحبل الشوكي).

الأعصاب المتعاطفة sympathetic تظهر باللون الأحمر، والأعصاب جانب المتعاطفة parasympathetic تظهر باللون الأزرق

التعصيب الحشوي أو المستقل autonomic يؤثر على جزأين من العين هما الحدقة pupil والعدسة lens.

eye

دور الحدقة في الرؤية

التعصيب المتعاطف sympathetic يوسع الحدقة، والتعصيب جانب المتعاطف parasympathetic يضيقها. توسيع الحدقة هو مناسب لرؤية الأجسام البعيدة، وتضييق الحدقة هو مناسب لرؤية الأجسام القريبة.

pupil accommodation

الجسم القريب يرسل أشعة ضوئية نحو مساحة واسعة من شبكية العين retina، بخلاف الجسم البعيد. هذا الأمر يضعف من حدة الرؤية، لأن المناطق الطرفية من الشبكية تتميز بقلة الدقة مقارنة بالمناطق المركزية.

هناك نوعان من المستقبلات الضوئية في شبكية العين: العصي rods والمخاريط cones. العصي هي قليلة الدقة مقارنة بالمخاريط، ولكنها تعمل بشكل أفضل من المخاريط في الضوء الخافت. المخاريط هي أكثر دقة من العصي، ولكنها لا تعمل بشكل جيد في الضوء الخافت.

طبقات الشبكية retina

المخاريط تتركز في وسط الشبكية، وخاصة في النقطة المسماة “النُّقْرة المركزية” fovea centralis. هذه النقطة تخلو من العصي وتحوي كما هائلا من المخاريط. النقرة هي مصدر 50% من ألياف العصب البصري optic nerve الذي ينقل حس البصر إلى الدماغ.

نسبة المخاريط تقل تدريجيا كلما ابتعدنا عن النقرة المركزية. المناطق الطرفية من الشبكية تحوي عددا قليلا من المخاريط، ولذلك هي قليلة الدقة مقارنة بالمنطقة المركزية.

العين في الأحوال الطبيعية تحاول أن توجه الضوء الساقط على العين نحو النقرة المركزية، لأن النقرة المركزية (والمنطقة المحيطة بها) هي أفضل مناطق الشبكية للرؤية الدقيقة أو الحادة.

أشعة الضوء القادمة من جسم بعيد عن العين تسقط على القسم المركزي من الشبكية، ولكن تقريب الجسم من العين سيؤدي إلى سقوط أشعة الضوء على المناطق المحيطية من الشبكية (انظر الرسم في الأعلى). سقوط الضوء على المناطق المحيطية من الشبكية سينشط الكثير من العصي ذات الدقة الضعيفة، وهذا سيشوش الرؤية وسيجعلها غير حادة أو “مغبشة” blurred.

sharp versus blurred
صورة “مغبشة” blurred على اليمين وصورة حادة أو واضحة على اليسار

تضييق حدقة العين عند النظر إلى الأجسام القريبة يخفف من “التغبيش” ويزيد من حدة الرؤية، لأنه يحصر سقوط الأشعة الضوئية على المنطقة المركزية من الشبكية حيث تكثر المخاريط.

هذا الكلام هو صحيح فقط عندما تكون هناك إضاءة جيدة، لأن المخاريط لا تعمل دون إضاءة جيدة. إذا كانت الإضاءة خافتة فإن توسيع الحدقة عند النظر إلى الأجسام القريبة يصبح أمرا جيدا، لأنه يزيد من كمية المستقبلات الضوئية الناشطة (التي هي العصي في هذه الحالة).

المخاريط تملك القدرة على التمييز بين الألوان، ولكن العصي لا تملك هذه القدرة. لهذا السبب الإنسان يستطيع أن يميز الألوان فقط عندما تكون هناك إضاءة جيدة. عندما تخفت الإضاءة كثيرا فإن الإنسان يرى كل شيء باللون الرمادي.

التعصيب المتعاطف sympathetic يوسع الحدقة، ولذلك هو مفيد لرؤية الأجسام البعيدة والرؤية في الظلام. التعصيب جانب المتعاطف parasympathetic يضيق الحدقة، ولذلك هو مفيد لرؤية الأجسام القريبة والرؤية في الإضاءة الجيدة.

دور العدسة في الرؤية

التعصيب المتعاطف يقلل من تحدب العدسة، والتعصيب جانب المتعاطف يزيد من تحدب العدسة. تقليل تحدب العدسة هو مناسب لرؤية الأجسام البعيدة، وزيادة تحدب العدسة هي مناسبة لرؤية الأجسام القريبة.

عدسة العين هي عدسة محدبة convex. بؤرة العدسة المحدبة هي النقطة التي تجتمع عندها أشعة الضوء بعد المرور بالعدسة.

convex lens

بُعد البؤرة focus عن العدسة يعتمد على عاملين: شدة تحدب العدسة، واتجاه الأشعة الضوئية الساقطة على العدسة.

الأجسام القريبة من العدسة ترسل أشعة ضوئية متباعدة الاتجاهات. هذا يؤدي إلى زيادة بعد البؤرة عن العدسة. الأجسام البعيدة من العدسة ترسل أشعة ضوئية متوازية. هذا يؤدي إلى تقريب البؤرة من العدسة.

accommodation

عدسة العين تحاول أن توجه الضوء الساقط عليها نحو النقرة fovea. لهذا السبب هي تحاول أن تجعل بؤرتها في النقرة. التعصيب المستقل (المتعاطف وغير المتعاطف) يغير من شدة تحدب العدسة بهدف جعل بؤرتها في النقرة. هذه العملية تسمى “التكيف” accommodation. عند النظر إلى جسم قريب close object يقوم التعصيب جانب المتعاطف بزيادة تحدب العدسة لكي يمنع ابتعاد البؤرة إلى ما خلف الشبكية. عند النظر إلى جسم بعيد distant object يقوم التعصيب المتعاطف بتقليل تحدب العدسة لكي يمنع اقتراب البؤرة إلى ما أمام الشبكية.

الخلل في قدرة العين على التكيف accommodation هو سبب “قصر النظر” myopia و”بعد النظر” hyperopia.

myopia-and-hyperopia
في قصر النظر myopia تكون بؤرة العدسة أمام الشبكية، وفي بعد النظر hyperopia تكون بؤرة العدسة خلف الشبكية

تكيف عدسة العين accommodation هو نفس مفهوم “الفوكسة” to focus. الخلل في “فوكسة” عدسة الكاميرا يجعل الصورة “مغبشة” blurred. هذه هي نفس المشكلة التي تحصل لدى المصابين بقصر النظر أو بعد النظر.

الرؤية ثنائية العين

الفقاريات عموما تملك عينين اثنتين. كل عين من العينين لها حقل رؤية visual field. هناك في الغالب تداخل بين حقلي الرؤية للعينين. منطقة التداخل بين حقلي الرؤية تسمى حقل “الرؤية ثنائية العين” binocular vision.

binocular field
حقل الرؤية الإجمالي لدى الإنسان يبلغ 190 درجة. حقل الرؤية ثنائية العين binocular يبلغ 120 درجة. على جانبي هذا الحقل هناك حقلا رؤية أحادية العين uniocular يبلغ كل منهما 40 درجة تقريبا

التداخل بين حقلي الرؤية للعينين يفيد في إدراك البُعد depth perception أو الرؤية المجسمة stereopsis. إدراك البعد يفيد الحيوانات المفترسة predatory، ولهذا السبب الرؤية ثنائية العين تكثر لدى الحيوانات المفترسة. بالنسبة للفرائس preys فإن امتلاك مجال رؤية واسع هو أهم من القدرة على إدراك البعد، ولهذا السبب الرؤية ثنائية العين هي عموما قليلة لدى مثل هذه الحيوانات.

مجال الرؤية لدى بومة (على اليمين) ولدى حمامة (اليسار). مجال الرؤية الإجمالي لدى البومة صغير، ولكن مجال الرؤية ثنائية العين كبير. مجال الرؤية الإجمالي لدى الحمامة كبير، ولكن مجال الرؤية ثنائية العين صغير

الرئيسيات primates تتميز بامتلاكها مجالا واسعا للرؤية ثنائية العين، رغم أن كثيرا من الرئيسيات هي ليست حيوانات مفترسة، والرئيسيات الباكرة لم تكن على الأغلب حيوانات مفترسة.

بعض الباحثين يعتقدون أن الرئيسيات الباكرة كانت تعيش على أغصان الأشجار، والرؤية ثنائية العين هي مفيدة للحياة في هكذا بيئة، لأن التقدير الصحيح للبعد يسهل القفز من غصن إلى آخر ويمنع السقوط على الأرض (ولكن هذه النظرية هي مثيرة للجدل. للمزيد انظر هذا المقال).

الرؤية ثنائية العين تستلزم توجيه العينين نحو نفس الهدف، وإلا فإن المرء سيعاني من الرؤية المزدوجة diplopia ومن ضعف في إدراك البعد (كما يحصل مثلا عند الإصابة بالحول strabismus).

الدماغ البشري (13)

caudal midbrain
مقطع في الدماغ الأوسط الذيلي caudal midbrain

تحدثت في السابق عن “ساقي المخ” crura cerebri اللتين تقعان على الجهة البطنية للدماغ الأوسط (midbrain) mesencephalon والدماغ البيني diencephalon (واللتين تتماديان مع “المحفظتين الداخليتين” internal capsules في المخ cerebrum)، وتحدثت عن منطقة “الغطاء” tegmentum التي تقع على الجهة الظهرية dorsal لساقي المخ (والتي تحوي التشكل الشبكي reticular formation).

على الجهة الظهرية للغطاء توجد الأنوية القحفية cranial nuclei. جميع الأنوية القحفية الموجودة في الدماغ الأوسط هي مسؤولة عن تحريك العينين باستثناء نواة الدماغ الأوسط للعصب القحفي الخامس mesencephalic nucleus of trigeminal nerve. هذه النواة هي نواة حسية جسمانية somatic sensory تستقبل الحس الذاتي proprioception (غير الواعي؟) القادم من النصف الأمامي لجدار الرأس (الوجه والجبهة والذقن) عبر العصب القحفي الخامس (العصب ثلاثي التوائم trigeminal nerve). الأصل الجنيني لهذه النواة يعود إلى الجسر pons في الدماغ الخلفي (hindbrain) rhombencephalon.

في مقطع الدماغ الأوسط الذيلي تظهر نواة قحفية أخرى هي نواة العصب القحفي الرابع (العصب البكري trochlear nerve). هذه النواة هي نواة محركة جسمانية somatic motor تساهم في تحريك مقلة العين. الأصل الجنيني لهذه النواة يعود أيضا إلى الجسر.

caudal midbrain 2
مقطع في الدماغ الأوسط الذيلي caudal midbrain

في مركز الدماغ الأوسط توجد “قناة الماء الدماغية” (“المَسال الدماغي”) cerebral aqueduct. هذه القناة هي استمرار للبطين الرابع fourth ventricle الموجود في الدماغ الخلفي.

أنا وضعت سابقا هذه الصورة التي تبين كيفية اتساع القناة المركزية في الحبل الشوكي وتحولها إلى البطين الرابع:

gray matter spinal cord brainstem

آلية تحول البطين الرابع fourth ventricle إلى قناة الماء الدماغية cerebral aqueduct هي معاكسة للآلية الظاهرة في الصورة أعلاه.

fourth ventricle to cerebral aqueduct transformation

قناة الماء الدماغية تتسع مجددا في الدماغ البيني diencephalon وتتحول إلى البطين الثالثthird ventricle . البطين الثالث يبدو كبيرا عندما ننظر له من الجهة الجانبية أو الوحشية lateral، ولكن لو نظرنا إليه من الأمام أو الخلف فسيتبين أنه ضيق.

آلية تحول قناة الماء الدماغية إلى البطين الثالث تشبه نوعا ما آلية تحول قناة الحبل الشوكي المركزية إلى البطين الرابع. ما يحصل هو أن قناة الماء تنفتح من الجهة الظهرية dorsal، ولكن في الدماغ البيني لا يوجد دوران للمادة الرمادية نحو الجهة الوحشية lateral.

ما يلي مقطع عرضي في الدماغ البيني. تذكر أن الدماغ البيني محاط بالمخ، وبالتالي من غير الممكن أخذ مقطع عرضي في الدماغ البيني لا يظهر فيه المخ أيضا:

forebrain prosencephalon diencephalon cross section
الدماغ البيني محاط بالأحمر

ما يلي صورة مقربة:

diencephalon cross section
الأسماء التي باللون الأحمر هي لأجزاء لا تنتمي إلى الدماغ البيني diencephalon

لاحظ أن البطين الثالث في المقطع العرضي يأخذ شكل شق طولي، ولاحظ أن سقف البطين الثالث مكون من أجزاء تنتمي إلى المخ cerebrum (الدماغ النهائي telencephalon).

إذن البطين الثالث هو محاط من جميع الجهات بأجزاء تنتمي إلى الدماغ البيني ما عدا الجهة العلوية (التي هي أصلا الجهة الظهرية للأنبوب العصبي).

الجهة العلوية للدماغ البيني هي أصلا مفتوحة (مغطاة فقط بغشاء ظهاري رقيق)، ولكن المخ التف نحو الخلف وغطاها. تذكر أن المخ هو ملتف نحو الخلف كما يظهر من الرسم التالي:

brain development
الأسهم تدل على اتجاه نمو المخ في المرحلة الجنينية

لنعد مجددا إلى قناة الماء الدماغية cerebral aqueduct. حول قناة الماء الدماغية توجد كتلة من المادة الرمادية تسمى “المادة الرمادية حول قناة الماء” (PAG) periaqueductal gray (تسمى أيضا “المادة الرمادية المركزية” central gray). من الناحية الجنينية هذه المادة هي مشتقة من الصفيحتين الجناحيتين alar plates (أي من القسم الظهري للأنبوب العصبي)، ومن الناحية الوظيفية هي تعتبر امتدادا ذيليا لـ “ما تحت الثلم” hypothalamus (الذي هو أيضا مشتق من الصفيحتين الجناحيتين).

rostral midbrain 3
مقطع في الدماغ الأوسط المنقاري rostral midbrain

على الجهة الظهرية للـ PAG يوجد السقف tectum.

لو نظرنا إلى السقف من الجهة الظهرية فسنجد أنه يتكون من أربعة نتوءات.

brainstem lateral dorsal

brainstem back dorsal view
منظر ظهري لجذع الدماغ. الأسماء الملونة بالأزرق تنتمي إلى الدماغ الأوسط mesencephalon، والأسماء الملونة بالأخضر تنتمي إلى الدماغ البيني diencephalon

كل نتوء من نتوءات السقف الأربعة يسمى “تُلَيْلة” colliculus (كلمة colliculus هي تصغير لـcollis  التي تعني “تلة” hill). هناك تليلتان علويتان superior colliculi وتليلتان سفليتان inferior colliculi.

التليلات الأربع تسمى أحيانا “الأجسام التوأمية الأربعة” corpora quadrigemina.

التليلتان العلويتان تستقبلان أليافا تنقل حس البصر قادمة من الطريق البصري optic tract عبر طريق يسمى “ذراع التليلة العلوية” brachium of the superior colliculus. هذا الطريق يربط التليلتين العلويتين مع “الجسم الركبي الوحشي” lateral geniculate body الموجود في مؤخرة الثلم thalamus.

التليلتان السفليتان تستقبلان أليافا تنقل حس السمع قادمة من النواتين القوقعيتين cochlear nuclei عبر “الشريط الوحشي” lateral lemniscus. التليلتان السفليتان تصدران أليافا نحو “الجسم الركبي الإنسي” medial geniculate body عبر طريق يسمى “ذراع التليلة السفلية” brachium of the inferior colliculus.

auditory pathway

على الجهة المنقارية rostral للتليلتين العلويتين تقع المنطقة المسماة “ما أمام السقف” pretectum أو “المنطقة أمام السقفية” pretectal area. هذه المنطقة هي مكونة من كتلتين متناظرتين من الأنوية على اليمين واليسار. لو أخذنا مقطعا عرضيا في القسم المنقاري الأقصى من الدماغ الأوسط فسنجد كتلتي “المنطقة أمام السقفية” في مكان التليلتين العلويتين. المنطقة أمام السقفية هي مسؤولة عن تنسيق منعكسات بصرية. على الجهة البطنية ventral لهذه المنطقة يوجد القسم المنقاري الأقصى من الـ PAG.

على الجهة المنقارية للمنطقة أمام السقفية يوجد “الملتقى الخلفي” posterior commissure، الذي هو شريط من الألياف العصبية المعترضة التي تسير من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين. على الجهة المنقارية للملتقى الخلفي توجد الغدة الصنوبرية pineal gland. الغدة الصنوبرية لها ساقان يمنى ويسرى. كل ساق من هاتين الساقين تسمى “العُنَيِّن” habenula (كلمة habēnula اللاتينية هي تصغير لـ habēna التي تعني “العِنَان” أو “الزِّمَام” أو “اللِّجام” أو “الرَّسَن”، أي الحبل الذي تربط به الدابة. كلمة “عُنَيِّن” هي تصغير لـ “عِنان”).

العنين هو شريط من الألياف العصبية، ولكنه يحوي في قاعدته كتلة من المادة الرمادية تسمى “النواة العنينية” habenular nucleus. عندما ترد كلمة habenula في الكتابات المعاصرة فإن المقصود بها على الأغلب هو النواة العنينية، وأما الألياف التي تذهب نحو الغدة الصنوبرية فهي تسمى “ساق الغدة الصنوبرية” stalk of pineal gland.

هناك اتصال بين منطقة النواة العنينية اليمنى ومنطقة النواة العنينية اليسرى على الجهة المنقارية لساقي الغدة الصنوبرية. هذا الاتصال يسمى “الملتقى العنيني” habenular commissure.

brain medial view
لاحظ أن الملتقى الخلفي posterior commissure هو منثن نحو الجهة الظهرية. العنينان habenulae والملتقى العنيني habenular commissure يشكلان الجدار الخلفي للبطين الثالث third ventricle. الضفيرة المشيمائية choroid plexus تقع في سقف البطين الثالث (هناك ضفيرتان مشيمائيتان يمنى ويسرى)

القسم المنقاري الأقصى من غطاء الدماغ الأوسط midbrain tegmentum يشكل جزءا من أرضية البطين الثالث ومن جدرانه الجانبية السفلية، كما يظهر في الرسم التالي:

brain medial section view

لو أخذنا مقطعا عرضيا في القسم الخلفي من الدماغ البيني فسنرى في أسفل المقطع أجزاء غطاء الدماغ الأوسط المنقاري (من قبيل النواة الحمراء red nucleus والمادة السوداء substantia nigra). السبب ظاهر في الرسم أعلاه.

العنين habenula يتصل في الجهة الأمامية مع شريط من الألياف العصبية يسمى “الخط النخاعي للثلم” stria medullaris thalami. هذا الخط يسير على الجانب الإنسي medial للثلم بمحاذاة “شريط الثلم” taenia thalami.

الرسم التالي يبين موقع “شريط الثلم” taenia thalami.

شريط الثلم taenia thalami يمثل الحد العلوي للجدار الجانبي للبطين الثالث. سطح الثلم الذي يقع فوق مستوى شريط الثلم هو جزء من أرضية البطين الجانبي lateral ventricle (الذي يقع في قلب نصف الكرة المخية cerebral hemisphere).

ما يلي مقطع عرضي في البطين الثالث والبطينين الجانبيين. لاحظ أن سطح الثلم thalamus يمثل جزءا من الجدار الجانبي للبطين الثالث وجزءا من أرضية البطين الجانبي، ولاحظ أن الضفائر المشيمائية choroid plexuses تقع في سقف البطين الجانبي وفي أرضية البطينين الجانبيين.

ما يلي رسم آخر يبين موقع العنين والشريط النخاعي stria medullaris:

brain medial view 2
سطح الثلم الممتد بين الشريط النخاعي stria medullaris (أصفر) والشريط النهائي stria terminalis (أزرق) هو جزء من أرضية البطين الجانبي lateral ventricle. سطح الثلم الممتد أسفل الشريط النخاعي هو جزء من الجدار الجانبي للبطين الثالث third ventricle

ما يلي منظر ظهري:

1: taenia choroidea (choroid plexus of lateral ventricle); 2: thalamus, pulvinar thalami; 3: third ventricle; 4: stalk of pineal gland; 5: habenular nucleus; 6: stria medullaris; 7: superior colliculus; 8: brachium of superior colliculus; 9: inferior colliculus; 10: brachium of inferior colliculus; 11: medial geniculate nucleus;12: sulcus medianus; 13: superior cerebellar peduncle; 14: inferior cerebellar peduncle; 15: middle cerebellar peduncle; 16: tuberculum anterius thalami; 17: obex, area postrema

الغدة الصنوبرية pineal gland والعنين habenula والملتقي العنيني habenular commissure والخط النخاعي stria medullaris تسمى جميعا “ما فوق الثلم” epithalamus. “ما فوق الثلم” هو جزء من الدماغ البيني diencephalon.

الملتقى الخلفي posterior commissure والمنطقة أمام السقفية pretectal area تعتبر من أجزاء الدماغ الأوسط.

الدماغ البشري (12)

في المقال الأخير من هذه السلسلة تحدثت عن أنواع الحركة الانتقالية locomotion لدى الحيوانات، وبينت أن نوع الحركة الانتقالية الذي كان سائدا لدى الفقاريات البدائية هو الحركة التموجية undulatory locomotion. عندما ظهرت الفقاريات رباعية الأرجل tetrapods ظهر نوع جديد من الحركة الانتقالية يعتمد على الأطراف المُمَفْصلة jointed limbs. الحركة الانتقالية بواسطة الأطراف الممفصلة تشمل مثلا حركات المشي والركض والقفز والخفق بالأجنحة.

تنفيذ الحركة الانتقالية التموجية يعتمد على العضلات الباسطة المحوريةaxial extensor muscles  التي يؤدي تقليصها إلى بسط الجسم. في مقالات سابقة بينت أن هناك أنوية في التشكل الشبكي reticular formation في الدماغ الخلفي (hindbrain) rhombencephalon يؤدي تنشيطها إلى تقليص أو إرخاء العضلات الباسطة المحورية. هذه الأنوية هي ما يلي:

  • النواة الشبكية عملاقة الخلايا gigantocellular reticular nucleus (في النخاع المستطيل)
  • النواة الشبكية الجسرية الذيلية caudal pontine reticular nucleus (في الجسر الذيلي)
  • النواة الشبكية الجسرية الفموية oral pontine reticular nucleus (في الجسر المنقاري)

هذه الأنوية ترسل أليافا نازلة نحو القرنين البطنيين للحبل الشوكي عبر الطريق الشبكي-الشوكي reticulospinal tract. من خلال هذه الألياف يمكن لهذه الأنوية أن تثير أو تثبط الخلايا المحركة الجسمانية somatic motor المسؤولة عن تقليص العضلات الباسطة المحورية.

reticular formation

في المقال الأخير تحدثت عن النواة الحمراء كبيرة الخلايا magnocellular red nucleus الموجودة في القسم المنقاري من الدماغ الأوسط rostral midbrain. هذه النواة ترسل أليافا نازلة نحو القرنين البطنيين للحبل الشوكي عبر الطريق الأحمر-الشوكي rubrospinal tract. هذه الألياف تصل لدى القطط (وغيرها من الثدييات) نحو القسم القَطَني lumbar من الحبل الشوكي حيث توجد الخلايا المحركة الجسمانية المسؤولة عن تقليص عضلات الطرفين الخلفيين (الرجلين)، ولكنها لدى البشر لا تنزل أبعد من القسم الرَقَبيcervical  من الحبل الشوكي حيث توجد الخلايا المحركة الجسمانية المسؤولة عن تقليص عضلات الطرفين الأماميين أو العلويين (الذراعين). بعض الباحثين يعتقدون أن النواة الحمراء كبيرة الخلايا هي مسؤولة عن الحركة الانتقالية بواسطة الأطراف الممفصلة. الضمور الذي أصاب هذه النواة وأليافَها لدى البشر ربما يعود إلى تغير طريقة الحركة الانتقالية بواسطة الأطراف الممفصلة لدى البشر: البشر يعتمدون على المشية ثنائية القدم bipedal وليس المشية رباعية القدمquadrupedal  كبقية الفقاريات رباعية الأرجل (للمزيد من المعلومات حول النواة الحمراء راجع المقال السابق).

إيقاع الحركة الانتقالية

أحد العناصر المهمة للحركة الانتقالية لدى الفقاريات هو الإيقاع rhythm. من يراقب الحركة الانتقالية التموجية أو الحركة الانتقالية بواسطة الأطراف الممفصلة سوف يلاحظ أن هذه الحركات هي حركات إيقاعية rhythmic، بمعنى أنها تتكون من حركات تتكرر باستمرار.

الحركة التموجية هي عبارة عن تكرار لحركة شبيهة بالموجة الجيبية sine wave (ومن هنا جاءت تسميتها بالحركة التموجية).

موجة جيبية

تردد الموجة الجيبية frequency يساوي حاصل قسمة السرعة التي تنتقل بها الموجة (سرعة الطور phase velocity) على طول الموجة wavelength.

حركة المشي هي عبارة عن تكرار لحركة تسمى الخطوة step. الباحثون يقسمون “حلقة الخطو” step cycle إلى طورين:

  • طور الوقوف stance phase أو طور البسط extension phase (عندما تكون القدم ملامسة للأرض)
  • طور التأرجح swing phase أو طور الثني flexion phase (عندما تكون القدم غير ملامسة للأرض)

هذه الصورة المتحركة تبين حركة المشي لدى الفيل:

الباحثون يقيسون حركة المشي في العادة بناء على حركة الطرف الخلفي الأيسر. عندما يكمل الطرف الخلفي الأيسر حلقة الخطو (طور الوقوف + طور التأرجح) فإن هذه تعتبر مشية كاملة. إذن لو أردنا أن نقيس تردد المشي لدى كائن ما فيجب علينا أن نقيس الزمن الذي تستغرقه حلقة الخطو للطرف الخلفي الأيسر.

الباحثون لاحظوا أن تردد أو سرعة المشي يعتمد في الأساس على الفترة الزمنية التي يستغرقها طور الوقوف. طور التأرجح هو عموما ثابت ولا يتغير كثيرا سواء كانت المشية سريعة أم بطيئة. ما يتغير في الأساس هو طور الوقوف. المشي السريع أو الركض يتم عبر تقليص الفترة الزمنية التي يستغرقها طور الوقوف.

الحركة الانتقالية الشوكية

الباحثون لاحظوا منذ القرن 19 أن الحبل الشوكي هو قادر بمفرده على إنتاج حركة المشي، دون تدخل من الدماغ.

هذا الاكتشاف ظهر من التجارب على الحيوانات “المُشَوَّكة” spinalized. المقصود بكلمة “التشويك” spinalization هو فصل الدماغ عن الحبل الشوكي. الحيوان الذي تم قطع دماغه بالكامل بحيث لم يبق من جهازه العصبي المركزي سوى الحبل الشوكي يسمى حيوانا مُشَوَّكًا spinalized.

الباحثون لاحظوا أن الحيوانات المشوكة تستطيع أن تمشي. هم حفزوا الأطراف الخلفية لحيوانات مشوكة وهذا أدى لتحركها على نحو شبيه بالمشي. لهذا السبب الباحثون رأوا أن حركة المشي هي منعكس شوكي.

الكلام التالي مأخوذ من كتاب نشر في عام 1879 للمؤلف Michael Foster:

. . . the [spinal] cord contains a number of more or less complicated mechanisms capable of producing, as reflex results, co-ordinated movements(?) altogether similar to those which are called forth by the will. Now it must be an economy to the body, that the will should make use of these mechanisms already present, by acting directly on their centers, rather than it should have recourse to a special apparatus of its own of a similar kind.

Cited in Wilfrid Jänig (2006), The Integrative Action of the Autonomic Nervous System

في القرن العشرين تبين أن الحركة التموجية للفقاريات البدائية (مثلا سمكة اللامبري lamprey) يمكن أيضا أن تنتج من الحبل الشوكي دون تدخل الدماغ. التجارب على سمكة اللامبري “المُشَوَّكة” أثبتت ذلك.

إذن حركتا التموج والمشي هما مزروعتان في الحبل الشوكي على نحو شبيه بالمنعكسات الشوكية، ولكن الباحثين حاليا (حسب علمي) لا يصنفون هاتين الحركتين ضمن المنعكسات الشوكية. السبب الأساسي لذلك هو أن هاتين الحركتين هما حركتان إيقاعيتان بخلاف المنعكسات الشوكية البسيطة.

spinal reflex

المنعكس الشوكي البسيط هو عبارة عن دارة circuit. لكي يحدث رد الفعل لا بد من أن يكون هناك فعل. الفعل الواحد ينتج رد فعل واحدا. لكي يتكرر رد الفعل لا بد من تكرار الفعل.

منعكسا التموج والمشي لا يعملان بهذه الطريقة. لو قمنا بتنشيط هذين المنعكسين فإنهما سيظلان ناشطين بعد انقطاع المؤثر الحسي الذي أدى لتنشيطهما. هذا يدل على وجود إيقاع ذاتي أو أوتوماتيكي لهذين المنعكسين.

الباحثون حاليا يعتقدون أن هناك شبكات عصبية في الحبل الشوكي (مكونة من خلايا ربطية interneurons) تقوم بتوليد إيقاع التموج والمشي. هذه الشبكات لا تحتاج لمؤثر حسي لكي تستمر في العمل، أي أنها تولد الإيقاع بشكل ذاتي أو أوتوماتيكي.

بعض المؤلفين (Wilfrid Jänig) أطلقوا على هذه الشبكات مسمى “البرامج المحرّكة الشبكية” spinal motor programs، ولكن التسمية التي ترد في غالبية المصادر هي “مولدات النمط المركزية” central pattern generators.

المقصود بمولد النمط المركزي هو شبكة عصبية قادرة على توليد إيقاع تلقائي دون الحاجة لمؤثر حسي. أهم مولدات النمط المركزية لدى الفقاريات هي ما يلي:

  • مولدات نمط الحركة الانتقالية locomotion pattern generators (في الحبل الشوكي)
  • مولدات نمط التنفس respiration pattern generators (في النخاع المستطيل)
  • مولدات نمط البلع swallowing pattern generators (في النخاع المستطيل)

مولدات نمط الحركة الانتقالية هي ممتدة على طول الحبل الشوكي لدى سمكة اللامبري، ولكنها لدى الحيوانات رباعية الأرجل تتركز في المنطقتين الرقبية cervical والقطنية lumbar. المنطقة الرقبية من الحبل الشوكي تحوي الخلايا المحركة المسؤولة عن قبض وبسط الطرفين الأماميين، والمنطقة القطنية تحوي الخلايا المحركة المسؤولة عن قبض وبسط الطرفين الخلفيين.

مولدات نمط الحركة الانتقالية الموجودة في المنطقة القطنية هي التي تحدد إيقاع المشي لدى الحيوانات ذات المشية رباعية القدمquadruped . هناك ألياف صادرة من مولدات النمط الموجودة في المنطقة القطنية نحو مولدات النمط الموجودة في المنطقة الرقبية، ولكن ليس العكس. هذا يعني أن مولدات النمط الرقبية تتبع في إيقاعها مولدات النمط القطنية.

الخلايا المكونة لمولدات نمط الحركة الانتقالية هي خلايا ربطية interneurons من نوعين:

  • خلايا إثارية excitatory مفرزة للـ glutamate
  • خلايا تثبيطية inhibitory مفرزة للـ glycine

هذه الخلايا تتلقى أليافا واردة من مصدرين:

  • ألياف محيطية واردة من المستقبلات الحسية في الجلد والعضلات الهيكلية والمفاصل.
  • ألياف مركزية واردة من الدماغ (عبر الطريق القشري-الشوكي corticospinal والطريق الشبكي-الشوكيreticulospinal  والطريق الدهليزي-الشوكيvestibulospinal  والطريق الأحمر-الشوكي rubrospinal).

الألياف المحيطية الحسية تلعب دورا هاما في تنظيم عمل مولدات نمط المشي. مثلا لو مشت الأقدام على أرض مغطاة بالحصى فهذا سينشط المستقبلات الحسية الموجودة في الجلد، والإشارات الواردة من هذه المستقبلات ستؤدي إلى تعديل المشية. أيضا إشارات الحس الذاتي proprioception الواردة من المستقبلات الحسية في العضلات الهيكلية والمفاصل تؤدي إلى تعديل سرعة وشدة تقلص عضلات الأطراف بهدف المحافظة على ثبات واتزان المشية.

المشي هو في الحقيقة منعكس مركب من مجموعة كبيرة من المنعكسات المتداخلة والمتراكبة (على غرار منعكسي التنفس والبلع وغيرهما من المنعكسات المركبة). من الأمور اللافتة أن خلايا مولدات نمط المشي تؤدي وظائف أخرى إلى جانب وظيفة توليد نمط المشي:

[The] spinal motor programs [=central pattern generators] are not static in the sense that one population of interneuron is involved in only one motor program (e.g., spinal locomotion), but rather is dynamic. Thus, individual groups of interneurons may be part of several spinal motor programs depending on the synaptic afferent inputs and on the behavioral state of the organism.

Wilfrid Jänig (2006), The Integrative Action of the Autonomic Nervous System p. 364

المقصود بهذا الكلام هو أن مجموعات معينة من الخلايا المولدة لنمط المشي يمكن أن تساهم في توليد أنماط أخرى من الحركة. هذا يدل على أن “نمط المشي” هو في الحقيقة مجموعة من الأنماط الحركية المتداخلة وليس نمطا واحدا.

بعض الباحثين حاليا يشطرون مولدات نمط المشي إلى مجموعة كبيرة من مولدات النمط الصغيرة. هم أولا يميزون بين مولدات نمط المشي الخاصة بكل طرف من الأطراف الأربعة. مثلا هم يعتبرون أن هناك مولدات نمط خاصة بالطرف الخلفي الأيمن وأخرى خاصة بالطرف الخلفي الأيسر وهكذا. هذا التمييز يفسر الطابع التناوبي alternating المشاهد في حركة الأطراف أثناء المشي. مثلا لو نظرنا إلى الأطراف الخلفية أثناء المشي فسنجد أن الطرف الأيمن يكون في طور الوقوف أو البسط عندما يكون الطرف الأيسر في طور التأرجح أو الثني، والعكس صحيح. هذا الأمر يمكن تفسيره لو أننا افترضنا أن هناك مولدات نمط منفصلة لكل من الطرفين.

الباحثون وجدوا أن بعض الخلايا الربطية التثبيطية في النصف الأيمن من الحبل الشوكي تصدر أليافا نحو النصف الأيسر من الحبل الشوكي، والعكس صحيح. بناء على ذلك هم يفترضون أن تنشيط مولدات نمط المشي الخاصة بالطرف الأيمن يؤدي إلى تثبيط مولدات نمط المشي الخاصة بالطرف الأيسر، والعكس صحيح. هذه النظرية تفسر الحركة التناوبية للأطراف أثناء المشي.

بعض الباحثين يشطرون مولدات النمط الخاصة بكل طرف من الأطراف إلى مجموعات حسب المفاصل أو الكتل العضلية المختلفة في الطرف. مثلا هم يميزون بين مولد النمط المسؤول عن ثني مفصل الورك، ومولد النمط المسؤول عن بسط مفصل الورك، ومولد النمط المسؤول عن ثني مفصل الركبة، ومولد النمط المسؤول عن بسط مفصل الركبة، إلخ.

وفق هذه الرؤية فإن حركة المشي هي عبارة عن شبكة من المنعكسات الإيقاعية التي تعمل بتناغم فيما بينها، ونفس الأمر ينطبق طبعا على حركة التموج والحركات الإيقاعية الأخرى التي تتولد من الحبل الشوكي والجهاز العصبي المركزي بشكل عام.

الرسم التالي يعبر عن آلية التحكم بالحركة التموجية لدى سمك اللامبري (مصدر الرسم):

central pattern generators locomotion lamprey

الخلايا الموجودة داخل المستطيلين الأسودين تعبر عن مولدات نمط حركة التموج. الخلايا التي تحمل الرمز E هي خلايا ربطية إثارية excitatory interneurons. الخلايا التي تحمل الرمز I هي خلايا ربطية تثبيطية inhibitory interneurons. الخلايا التي تحمل الرمز M هي الخلايا المحركة motor neurons. الخلايا الربطية الإثارية تثير كل أنواع الخلايا الموجودة على نفس جهتها، والخلايا الربطية التثبيطية تثبط كل أنواع الخلايا الموجودة في الجهة المقابلة. الرمز SR-E يعني المستقبلات الحسية الإثارية، والرمز SR-I يعني المستقبلات الحسية التثبيطية. المستقبلات الحسية الإثارية تثير الخلايا الموجودة على نفس جهتها، والمستقبلات الحسية التثبيطية تثبط الخلايا الموجودة على الجهة المقابلة. مولدات النمط تخضع لتأثير ألياف دماغية مفرزة للـ serotonin (اختصاره 5-HT) وألياف دماغية مفرزة للـ GABA وألياف دماغية مفرزة للـ norepinephrine نازلة من الموضع الأزرق locus coeruleus (الألياف الأخيرة غير مبينة على الرسم). الرمز RS يعني خلايا التشكل الشبكي التي تصدر الألياف الشبكية-الشوكية reticulospinal (خلايا إثارية مفرزة للـ glutamate). تنشيط هذه الخلايا يؤدي إلى تنشيط خلايا مولدات النمط في الحبل الشوكي. هذه الخلايا هي واقعة تحت تأثير مركز الحركة الانتقالية في الدماغ الأوسط mesencephalic locomotor region (يحمل الرمز MLR على الرسم) ومركز الحركة الانتقالية في الدماغ البيني diencephalic locomotor region (يحمل الرمز DLR على الرسم). هذان المركزان هما بدورهما خاضعان لتأثير تثبيطي أو كابح من العقد القاعدية basal ganglia.

هذا الرسم التخطيطي يلخص الآلية العصبية المسؤولة عن الحركة الانتقالية لدى سمك اللامبري، الذي هو أحد أكثر الفقاريات بدائية. قشرة المخ المحركة motor cortex لا تظهر في هذا الرسم. السبب هو أن هذه القشرة هي تطور حديث ظهر لأول مرة مع ظهور الثدييات المشيمية placental mammals قبل حوالي 150 مليون عام.

تحكم الدماغ بالحركات العضلية

مما سبق يتبين أمر هام وهو أن الدماغ ليس مسؤولا عن توليد حركة المشي (والركض والقفز والطيران إلخ)، ولكن الدماغ يتحكم بهذه الحركات.

حركة المشي تنتج من تآزر مجموعة من المنعكسات الشوكية. في الحقيقة كل حركات الجسم الفقاري تنتج من تآزر منعكسات شوكية أو بصلية. تنسيق منعكسات المشي وغيرها من المنعكسات يتم أساسا بشكل محلي في القطع العصبية التي تنتج هذه المنعكسات. ما تقوم به المراكز الدماغية العليا هو مؤازرة القطع العصبية الشوكية والبصلية في إنتاج وتنسيق منعكساتها، ولكن المراكز الدماغية العليا لا تتولى بنفسها إنتاج أو تنسيق المنعكسات الشوكية والبصلية.

الآلية المركزية التي تنص على أن تتولى جهة إدارية عليا الإنتاج وتنسيقه هي غير موجودة في عالم الحيوان ولا في الطبيعة بشكل عام. هذه الآلية هي موجودة فقط في بعض المجتمعات البشرية. هذه الآلية لا يمكن أبدا أن تصلح لإدارة أنظمة معقدة كالأنظمة الموجودة في الطبيعة، ولكن كثيرا من البشر لا يفهمون ذلك، لأن القدرات العقلية للبشر محدودة. بعض البشر (الأذكياء) يفهمون حدود وقدرات عقلهم وتفكيرهم، ولكن هناك بشر (أغبياء) لا يفهمون حدود وقدرات عقلهم وتفكيرهم. هؤلاء الأغبياء يميلون دائما إلى إقامة الأنظمة المركزية الصارمة القائمة على منطق تحكم الإدارة العليا بكل صغيرة وكبيرة.

أنا تحدثت عن هذه القضية سابقا وأشرت إلى الحضارة السومرية القديمة التي انهارت بسبب إفراطها في المركزية الإدارية والاقتصادية. الاتحاد السوفييتي هو مثال آخر على فشل الأنظمة المركزية الصارمة. كثير من الناس في زماننا باتوا يفهمون أن الأنظمة الإدارية القائمة على المركزية الصارمة هي أنظمة مناقضة للطبيعة ولا يمكنها أن تنجح، ولكن هناك بعض الناس الذين ما زالوا حتى يومنا هذا يؤمنون بالأنظمة المركزية الصارمة. من هؤلاء مثلا النظام السوري الذي دمر سورية عدة مرات (وليس مرة واحدة) خلال العقود الخمسة الماضية، ولكنه ما زال رغم ذلك يصر على البقاء في السلطة، والمصيبة الأكبر هي أنه يصر على الاستمرار في نفس النهج المركزي التسلطي الفاشل. هذا النظام ما زال يريد أن يتحكم بكل كلمة يتفوه بها كل إنسان في سورية. رئيس هذا النظام (بشار الأسد) ما زال يريد أن يفكر بنفسه عوضا عن الـ 23 مليون إنسان في سورية.

أعتذر عن خلط السياسة بموضوع بعيد عن السياسة.

العلاقة بين الدماغ والحركة الانتقالية هي موضوع إشكالي.

الحركة الانتقالية بواسطة الأطراف الممفصلة تتم عبر تقليص عدد هائل من الألياف العضلية بواسطة عدد هائل من الألياف العصبية المحركة. مثلا لو نظرنا إلى الرِجلين فسنجد أنهما تحويان عددا هائلا من الألياف العضلية، وهناك أيضا عظام متعددة ومفاصل متعددة في كل من الرجلين. التحكم بالأطراف يبدو أمرا معقدا للغاية. وهناك مشكلة إضافية أشار إليها في النصف الأول من القرن العشرين باحث روسي اسمه Nikolai Bernstein. هذه المشكلة هي مشكلة درجات الحرية degrees of freedom problem في التحكم العضلي.

المقصود بمشكلة درجات الحرية هو ما يلي باختصار: الأطراف الأربعة تحوي عددا هائلا من الألياف العضلية والأوتار والعظام والمفاصل، وهذا العدد الهائل هو زائد عن الحاجة وليس ضروريا لتحريك الأطراف.

لنفرض أنني أريد أن أرسل شخصا إلى المتجر لكي يشتري لي علبة من العصير، ولنفرض أنني لا أستطيع أن أرسل شخصا واحدا فقط ولكنني مضطر لإرسال ألف شخص في آن واحد لكي ينفذوا هذه المهمة. عندما أريد أن أرسل هؤلاء الأشخاص الألف فإنني مضطر لإعطائهم تعليمات. المشكلة هي أن المهمة المطلوبة منهم هي مهمة تافهة ولا تستحق إعطاء تعليمات لألف شخص. لو أنني أعطيت التعليمات لشخص واحد فقط (أحضر لي العصير من المتجر) فإن هذا سيفي بالغرض، ولكنني مضطر لإرسالهم جميعا، وبالتالي لا بد أن يحصلوا جميعا على تعليمات.

التعليمات التي سأعطيها لهم هي مجرد مضيعة للوقت والجهد وليس لها فائدة عملية. يكفي أن أقول لشخص واحد منهم “أحضر لي العصير من المتجر” حتى أضمن تنفيذ المهمة، وأما الكلام الذي سأقوله للأشخاص الـ 999 الآخرين فهو مجرد كلام زائد.

هذا المثال يشبه مشكلة “درجات الحرية” التي طرحها Nikolai Bernstein. من الناحية النظرية الإنسان يمكنه أن يحرك أطرافه بواسطة عدد قليل من الإشارات العصبية، ولكننا نعلم أن هناك في الأطراف عددا هائلا من الألياف العضلية التي تستقبل عددا هائلا من الألياف العصبية. كيف يمكن للدماغ البشري أن يتعامل مع هذا العدد الزائد من الألياف العضلية والألياف العصبية؟

هناك نظريات عديدة طرحت للإجابة على مشكلة “درجات الحرية”. Bernstein نفسه طرح نظرية “تآزر العمل العضلي” muscle synergies. حسب هذه النظرية فإن كل إشارة عصبية تخرج من الدماغ تذهب إلى عدد كبير من الألياف العضلية وليس إلى ليف واحد، وهذا يوفر الجهد على الدماغ ويقلل من “درجات الحرية” الفائضة.

نظرية “تآزر العمل العضلي” لم تتوافق مع بعض التجارب العملية. في الآونة الأخيرة طرحت نظرية جديدة تبدو أفضل. النظرية الجديدة تنص على أن الدماغ لا يرسل إشارات عصبية نحو كل الألياف العضلية ولكنه يرسل إشارات عصبية نحو بعض الألياف العضلية. مثلا لنفرض أنني أقف أمام باب وأنني أريد أن أمد يدي نحو مقبض الباب. عندما أبدأ في مد يدي نحو مقبض الباب فإن دماغي يرسل إشارات عصبية نحو بعض الألياف العضلية في ذراعي وليس كل الألياف. الألياف التي يرسل دماغي الإشارات إليها هي الألياف المهمة التي من شأن التأثير فيها أن يحسن من كفاءة الحركة الإجمالية.

لنعد مجددا إلى مثال العصير. Bernstein افترض أنني يجب أن أعطي التعليمات لكل شخص من الأشخاص الألف الذين أرسلتهم لشراء العصير، ولكن في الحقيقة أنا لست مضطرا لإعطائهم التعليمات جميعا. لو أنني كنت أحكم دولة مركزية صارمة (على غرار الاتحاد السوفييتي الذي عاش فيه Bernstein) فإنني كنت سأضطر لإعطاء التعليمات لكل شخص من الأشخاص الألف، ولكنني لا أحكم دولة مركزية صارمة، وبالتالي أنا لست مضطرا لأن أعطي التعليمات للأشخاص الألف. ما سأفعله هو ما يلي: أنا سأستدعي شخصا واحدا أعلم (من تجاربي السابقة) أنه الأقدر على إحضار العصير، وسأطلب من هذا الشخص أن يحضر لي العصير، وبالنسبة للأشخاص الـ 999 الآخرين فأنا لن أقول لهم شيئا وسأتركهم يتصرفون على سجيتهم، لأن تصرفاتهم لن تؤثر على نجاح المهمة. هذا المثال يعبر ربما عن الطريقة التي يتعامل بها الدماغ مع الحركات العضلية.

تنسيق حركة الأطراف لا يحتاج لأوامر من الدماغ، لأن الحبل الشوكي يحوي منعكسات قادرة على تنسيق حركة الأطراف محليا ودون تدخل من المراكز العليا. ما يقوم به الدماغ هو أنه يتحكم ببعض عضلات الأطراف بهدف زيادة تنسيق الحركة أو تحسينها. الدماغ لا يولد الحركة ولا ينسقها ولكنه يحسنها، وهو لا يتدخل في عمل جميع الألياف العضلية ولكنه يتدخل في عمل جزء منها.

كل ليف عضلي هو مهم بالنسبة لحركة معينة. الدماغ يحفظ الألياف العضلية المهمة بالنسبة لكل حركة من الحركات، وعندما يقرر الدماغ تنفيذ حركة معينة فإنه يرسل إشارات عصبية نحو الألياف المهمة بالنسبة لتلك الحركة.