العالم المنافق يتفرج على آل سعود وهم يمارسون التعذيب والاضطهاد والاستعباد الممنهج

كلما عرفت المزيد عن قوانين آل سعود كلما زادت قناعتي بأنها من وضع مجانين.

إقرأ المزيد

Advertisements

الفراغ (4)

الفراغ الفيزيائي

ظهور مفهوم الفضاءات غير الإقليدية في القرن 19 جعل الفيزيائيين يسألون أنفسهم السؤال التالي: هل الفراغ الفيزيائي (الفراغ الذي يحوي الكون) هو فراغ إقليدي أم غير إقليدي؟

يقال أن عالم الفيزياء الشهير Carl Gauss حاول أن يجري تجربة عملية للإجابة على هذا السؤال عبر قياس زوايا مثلث هائل يمتد بين النجوم، ولكنه على ما يبدو لم يصل إلى نتيجة. الفيزيائي الفرنسي Henri Poincaré اعتبر أن مثل هذه التجارب هي عبث وأن البشر لا يمكنهم أبدا أن يعرفوا حقيقة الفراغ الكوني.

نظرة الفيزيائيين للفراغ تغيرت كثيرا في القرن العشرين. نظرية النسبية التي جاء بها أينشتاين تفترض أن الفراغ الكوني الذي نعيش فيه هو فضاء رباعي الأبعاد، وهو ليس فضاء إقليديا، بمعنى أن أبعاده ليست مستقيمة ولكنها منحنية.

بينا في المقال السابق أن “الفضاء رباعي الأبعاد” هو عبارة عن تجمع لعدد لا متناه من الفضاءات ثلاثية الأبعاد المتوازية مع بعضها، وبينا أن “البعد الرابع” هو البعد الذي يحوي هذه الفضاءات ثلاثية الأبعاد المتوازية. بعض الباحثين في بداية القرن العشرين شعروا بأن مفهوم الزمن في الفيزياء يشبه مفهوم البعد الرابع في الهندسة، ولهذا السبب هم قرروا اعتبار الزمن بعدا رابعا للفراغ الكوني إلى جانب الأبعاد الثلاثة التقليدية.

سأضرب مثالا: لنفرض أن الفراغ الكوني هو مجرد غرفة صغيرة أقف أنا بداخلها. الغرفة لها ثلاثة أبعاد هندسية هي الطول والعرض والارتفاع. لو نظرنا إلى الغرفة عند لحظة زمنية معينة (لنسميها t1) فسنجد أنني أقف في مكان معين من الغرفة، ولو نظرنا إلى الغرفة في لحظة زمنية أخرى (لنسميها t2) فسنجد أنني قد تحركت من مكاني وانتقلت إلى مكان جديد.

الغرفة التي رأيناها في t1 هي نفس الغرفة التي رأيناها في t2، ولكن موقع الجسم الموجود في الغرفة (الذي هو أنا) تغير بين اللحظتين. لو تخيلنا أن الزمن هو “بعد رابع” للغرفة فيمكننا أن نتخيل أن هناك غرفتين وليس غرفة واحدة، ولكن هاتين الغرفتين هما جزء من فراغ واحد “رباعي الأبعاد”.

في الفراغ رباعي الأبعاد هناك عدد لا نهائي من الغرف المتوازية المرتصة بجوار بعضها على نحو لا يمكننا أن نتصوره. كل غرفة من هذه الغرف تعبر عن لحظة زمنية معينة، بمعنى أننا لو نظرنا في الغرفة t1 فسنجد أنني أقف في مكان معين، ولو نظرنا في الغرفة t2 فسنجد أنني أقف في مكان آخر، وهكذا.

اعتبار الكون الفيزيائي كونا رباعي الأبعاد يعني أننا صرنا نعتقد بوجود عدد لا نهائي من الأكوان ثلاثية الأبعاد المتوازية والمرتصة بجوار بعضها في البعد الرابع، الذي هو الزمن وفق طرح الفيزيائيين.

نحن لا نملك القدرة على الإدراك رباعي الأبعاد، ولهذا السبب نحن لا نستطيع أن ندرك أكثر من كون ثلاثي الأبعاد في لحظة زمنية واحدة. لو فرضنا أن هناك كائنا يملك القدرة على الإدراك رباعي الأبعاد فهذا الكائن سيكون قادرا على رؤية العديد من الأكوان ثلاثية الأبعاد التي تقع في لحظات زمنية مختلفة. بالنسبة لهذا الكائن الماضي والحاضر والمستقبل هي مجرد أجزاء من صورة واحدة.

فكرة “الإدراك رباعي الأبعاد” هي مجرد طرح فلسفي لا علاقة له بالفيزياء. صحيح أن الفيزيائيين حاليا يتعاملون مع الكون على أنه مكون من أربعة أبعاد، ولكن فكرة “الإدراك رباعي الأبعاد” هي مجرد فكرة غيبية لا يوجد دليل على حقيقتها، وبالتالي هذه الفكرة هي ليست متداولة في الفيزياء حسب علمي.

الفيزيائيون يطلقون على الكون رباعي الأبعاد مسمى spacetime (الفراغ-الزمن). تمثيل الـ spacetime على الورق أو بواسطة مجسمات هو أمر غير ممكن. الفيزيائيون يمثلون الـ spacetime عادة بواسطة أشكال ثنائية أو ثلاثية الأبعاد بهدف تسهيل الدراسة.

الشكل أعلاه هو شكل ثلاثي الأبعاد يمثل الـ spacetime. البعد العمودي في هذا الشكل يعبر عن الزمن، بمعنى أن الصعود للأعلى هو انتقال نحو المستقبل، والنزول للأسفل هو عودة إلى الماضي. الأبعاد الأفقية في الشكل تعبر عن الفراغ بمعناه التقليدي، ولكن بدلا من الأبعاد الثلاثة هناك بعدان فقط.

هذا الشكل لا يعبر عن حقيقة الـ spacetime ولكنه مجرد محاولة لتمثيله على الورق.

النسبية العامة

حسب نظرية النسبية العامة general relativity فإن الـ spacetime هو ليس فراغا إقليديا، لأن بعض مناطق الـ spacetime هي منحنية وليست مستقيمة.

لكي نفهم معنى هذا الكلام لا بد أن نتحدث أولا عن مفهوم الـ inertia.

كلمة inertia لها عدة ترجمات عربية، وجميع هذه الترجمات هي ليست دقيقة. المعنى الحرفي لهذه الكلمة بالإنكليزية هو “lack of skill” أو “inactivity“.

المقصود بالـ inertia هو باختصار مقاومة المادة لتغيير سرعتها.

كل جسم مادي في الكون له سرعة. السرعة في الفيزياء هي كمية ذات اتجاه vector، بمعنى أننا لكي نحدد سرعة جسم بشكل كامل لا بد أن نذكر الاتجاه الذي يتحرك فيه.

Galileo هو أول من أدرك مفهوم الـ inertia. المشعوذ اليوناني أرسطو لم يكن يعرف هذا المفهوم. أرسطو كان يزعم أن هناك قوة مسؤولة عن تحريك كل جسم متحرك. Galileo لاحظ أن هذا الكلام هو غير صحيح. الأجسام المتحركة ليست بحاجة لقوة لكي تحركها طالما أنها تتحرك بسرعة ثابتة. القوة هي ضرورية لشيء واحد هو تغيير السرعة أو ما يسمى بالتسارع acceleration.

أصلا مفهوم السرعة هو مجرد مفهوم نسبي. لو كنت راكبا في سيارة تسير بسرعة 100 كم/س وفي جواري سيارة أخرى تسير بنفس السرعة فإنني سأراها ثابتة. أيضا ركاب تلك السيارة سيرون سيارتي ثابتة. ولكن الناس الذين على جانبي الطريق سيرون أن كلتي السيارتين تتحركان بسرعة 100 كم/س في اتجاه الأمام. إذن مفهوم السرعة هو مفهوم نسبي ويعتمد على سرعة الشخص الذي يقيس السرعة.

لا يمكننا أن نحدد سرعة أي جسم إلا بالاعتماد على جسم آخر. لو فرضنا أن هناك جسما وحيدا في الفراغ فإننا لن نستطيع أن نحدد سرعته، ولن نستطيع حتى أن نحدد ما إذا كان متحركا أم لا. في مثل هذه الحالة مفهوم الحركة لن يكون له معنى.

Isaac Newton كان له رأي آخر، لأنه كان يؤمن بمفهوم السرعة المطلقة أو الحركة المطلقة.

Newton طرح دليلا شهيرا على وجود الحركة المطلقة هو ما يسمى بأطروحة الدلو bucket argument. هذه الأطروحة تستند على مفهوم القوة الطاردة المركزية centrifugal force.

لو أنني أمسكت حبلا في نهايته كرة وبدأت بالدوران حول نفسي وأنا أمسك بطرف الحبل، فما الذي سيحدث للحبل والكرة؟

ما سيحدث هو أن الحبل سيصبح مشدودا. السبب هو وجود القوة الطاردة المركزية centrifugal force.

القوة الطاردة المركزية هي رد فعل على قوة أخرى هي القوة الجاذبة المركزية centripetal force. القوة الجاذبة المركزية هي المسؤولة عن إبقاء الكرة في المسار الدائري.

Newton صاغ قانونا يتعلق بمفهوم الـ inertia ينص على ما يلي: كل جسم مادي يقاوم تغيير مقدار أو اتجاه سرعته. المعنى هو أن كل جسم مادي يسعى دائما للسير في خط مستقيم. لكي نغير اتجاه حركة أي جسم لا بد من أن نؤثر عليه بقوة.

بناء على هذا القانون فإن الحركة الدائرية هي ليست inertial، بمعنى أنها لا تتوافق مع مفهوم الـ inertia. لكي يتحرك الجسم في مسار دائري لا بد أن يخضع بشكل دائم لتأثير قوة جاذبة مركزية centripetal force تقوم بتغيير اتجاه حركته عند كل نقطة في مساره.

قانون Newton الثالث للحركة ينص على أن كل قوة فعل تقابلها قوة رد فعل. الكرة التي في مثالنا تتعرض لقوة جاذبة مركزية مصدرها الحبل المربوط بها والذي أمسكه بيدي. الكرة بدورها تؤثر على الحبل بقوة معاكسة هي القوة الطاردة المركزية centrifugal force. هذه القوة هي سبب الشد نحو الخارج الموجود في الحبل.

Newton ذكر الأطروحة التالية: لنفرض أننا ملئنا دلوا بالماء، وعلقنا الدلو بحبل، وفتلنا الحبل والدلو بشدة، ثم أرخينا الحبل والدلو.

ما سيحدث هو أن الدلو سوف يدور حول نفسه لفترة من الزمن. في البداية ستكون سرعة دوران الدلو كبيرة، ثم ستتناقص تدريجيا إلى أن يتوقف عن الدوران.

الماء الذي في الدلو سيتصرف على نحو مختلف. في البداية سطح الماء سوف يكون مستويا، ولكن بعد مرور بعض الوقت سوف يبدأ سطح الماء بالتقعر، بمعنى أن الماء سوف يصعد للأعلى عند جدران الدلو.

تقعر سطح الماء سببه القوة الطاردة المركزية centrifugal force الناتجة عن دوران الماء.

ما يلفت الانتباه هو حالة الماء عند بداية دوران الدلو. في هذه الحالة كانت جدران الدلو تدور بسرعة كبيرة، ولكن سطح الماء كان مستويا.

حسب مبدأ نسبية الحركة فإن دوران جدران الدلو يجب أن يؤدي بالضرورة إلى دوران الماء في اتجاه معاكس لاتجاه دوران جدران الدلو. لو فرضنا أن هناك نملة صغيرة جالسة على جدران الدلو عند بداية دورانه، ولو فرضنا أن هذه النملة لا ترى شيئا من العالم سوى الماء الموجود في الدلو، فإن هذه النملة سوف تعتقد أن الماء الذي في الدلو هو الذي يدور، رغم أن ما يدور في الحقيقة هو جدران الدلو وليس الماء.

النملة سترى شيئا ملفتا للغاية. هي ستشاهد أن الماء يدور بسرعة كبيرة، ولكن سطح الماء رغم ذلك هو مسطح وليس مقعرا، أي أن الماء يدور بسرعة ولكن دون أن تتولد فيه القوة الطاردة المركزية.

كيف نفسر هذا الخرق لقوانين الميكانيك؟

حسب Newton فإن التفسير هو كما يلي: هناك فرق بين الحركة النسبية والحركة المطلقة. حركة الماء التي شاهدتها النملة هي مجرد حركة نسبية بالنسبة لجدران الدلو، وأما حركة الماء اللاحقة فهي حركة مطلقة. الحركة النسبية هي ليست حركة حقيقية في الفراغ المطلق، وأما الحركة المطلقة فهي حركة حقيقية في الفراغ المطلق. الحركة الحقيقية في الفراغ المطلق هي فقط التي تؤدي لتوليد القوة الطاردة المركزية.

بناء على أطروحة الدلو هذه فإن الفيزيائيين كانوا حتى بداية القرن العشرين يعتقدون بوجود الفراغ المطلق والحركة المطلقة.

مبدأ Mach

أول من رد على أطروحة الدلو التي قدمها Newton هو النمساوي Ernst Mach في نهاية القرن 19.

Mach رفض الطريقة التي فسر بها Newton حركة ماء الدلو.

حسب Mach فإن حركة ماء الدلو التي تؤدي لتقعر سطحه والتي اعتبرها Newton حركة في “الفراغ المطلق” هي أيضا حركة نسبية، ولكنها حركة بالنسبة للكون بشكل عام.

Newton تجاهل وجود النجوم والمجرات وغير ذلك من الأجسام المادية في الكون. بالنسبة لـ Mach فإن “الحركة المطلقة” التي تحدث عنها Newton هي في الحقيقة حركة بالنسبة للنجوم والمجرات والكون بشكل عام.

الحركة الأولى لماء الدلو (التي شاهدتها النملة) هي حركة بالنسبة لجدران الدلو. الحركة الثانية (التي اعتبرها Newton حركة في الفراغ المطلق) هي حركة بالنسبة للكون بشكل عام. بما أن كتلة الكون هي أكبر بكثير من كتلة جدران الدلو فليس من الغريب أن الحركة الأولى لم تؤد لتوليد قوة طاردة مركزية ذات شأن.

Mach قال أننا لو زدنا سماكة جدران الدلو بشكل كبير جدا فإن حركة الماء بالنسبة لجدران الدلو ربما تؤدي أيضا إلى تقعر سطح الماء.

أينشتاين

ألبرت أينشتاين تأثر كثيرا بطروحات Mach. طروحات Mach في جوهرها تؤدي إلى تعديل مفهوم الـ inertia الذي طرحه Galileo و Newton. حسب طروحات Mach فإن الـ inertia ربما لا تكون نابعة من الأجسام المادية ذاتها، ولكنها ربما تكون مرتبطة بقوة الجاذبية gravitation التي تحدث عنها Newton.

المقصود باختصار هو ما يلي: السبب الذي يجعل الأجسام تسير بسرعة ثابتة وفي خط مستقيم ربما لا يكون نابعا من الأجسام ذاتها، ولكنه ربما يكون نابعا من الكتلة العامة للكون. النجوم والمجرات وغير ذلك من الأجسام المادية الضخمة التي تحيط بنا من كل الاتجاهات ربما تكون هي المؤثر الذي يؤثر في الأجسام المادية ويكسبها خاصية الـ inertia.

أينشتاين أطلق على هذه النظرية مسمى Mach’s principle (مبدأ Mach). هذه النظرية هي الأساس الذي انطلق منه أينشتاين ووصل إلى نظرية النسبية العامة.

طبعا أنا أحاول أن أختصر قدر الإمكان. لو أنني أردت أن أتحدث في هذا الموضوع بالتفصيل فإنني سأغرق في بحر كبير.

مبدأ التكافؤ

مبدأ Mach له نتيجة مهمة وهي أنه يقوض مفهوم الفراغ المطلق والحركة المطلقة اللذان تحدث عنهما Newton.

مبدأ Mach يتوافق مع الفكرة القائلة بأن كل الحركات في الكون هي حركات نسبية.

أينشتاين انطلق من هذه الفكرة وتوصل إلى مبدأ أطلق عليه مسمى “مبدأ التكافؤ” equivalence principle.

أنا لن أشرح هذا المبدأ باللغة التي يشرح بها عادة ولكنني سأشرحه بلغتي الخاصة لكي أجعله سهل الفهم. هذا المبدأ ينص باختصار على تجاهل قوة الجاذبية gravitation التي تحدث عنها Newton.

حسب قوانين Newton فإن تغيير سرعة أي جسم يتطلب التأثير عليه بقوة.

عندما يقترب جسم مادي صغير من جسم مادي كبير جدا (مثلا كوكب أو نجم) فإن هذا يؤدي لتسارع الجسم الصغير باتجاه الجسم الكبير. المعنى هو أن الجسم الصغير يكتسب سرعة متزايدة باطراد باتجاه الجسم الكبير.

Newton فسر هذه الظاهرة بفرضية الجاذبية gravitation. هو افترض أن هناك قوة تؤثر على الجسم الصغير وتجعله يتسارع باتجاه الجسم الكبير.

مبدأ التكافؤ الذي أتى به أينشتاين ينص على أن التسارع الناشئ من قوة الجاذبية gravitation لا يختلف عن أي تسارع آخر في الكون، بمعنى أن مبدأ التكافؤ يلغي التمييز بين التسارع الناشئ من التعرض لقوة الجاذبية وبين التسارع الناشئ من أي سبب آخر.

أينشتاين ينظر للتسارع على أنه شيء واحد مهما كان سببه. هو لا يرى دليلا على وجود فرق بين التسارع الناشئ من التعرض لقوة الجاذبية وبين التسارع الناشئ من أي سبب آخر.

Newton ربط بين قوة الجاذبية التي تؤدي للتسارع وبين كتل الأجسام المادية. إذا تجاهلنا قوة الجاذبية (كما فعل أينشتاين) فهذا يوصلنا إلى أن تسارع الأجسام الصغيرة باتجاه الأجسام الكبيرة ليس له علاقة بالكتل المادية لهذه الأجسام.

هذا الطرح هو طرح غريب، ولكن التجارب العملية أثبتت صحته.

التجارب العملية أثبتت أن أشعة الضوء تنحني عندما تمر بالقرب من أجسام مادية ضخمة (مثلا مجموعة من المجرات). انحناء أشعة الضوء يؤدي إلى ظاهرة فلكية غريبة تسمى “عدسة الجاذبية” gravitational lens.

انحناء الضوء القادم من مجرة بعيدة يجعلنا نرى المجرة في غير موقعها الحقيقي. في الحقيقة نحن سنرى نفس المجرة في عدة مواقع، ولكن هذا مجرد خداع بصري سببه انحناء أشعة الضوء.

نفس المجرة تظهر في أربعة مواقع مختلفة بسبب gravitational lensing

لماذا ينحني الضوء عندما يمر بالقرب من أجسام مادية ضخمة؟ هذا الأمر لا يمكن تفسيره وفق طروحات Newton. الضوء هو ليس جسما ماديا، بمعنى أن كتلته المادية هي صفر. المفترض حسب طروحات Newton ألا ينجذب الضوء نحو الأجسام المادية الضخمة.

أينشتاين قدم تفسيرا آخر للتسارع نحو الأجسام المادية الكبيرة. حسب أينشتاين فإن الـ spacetime ينحني بالقرب من الأجسام المادية الكبيرة.

أنا شرحت في المقال السابق معنى الفراغ المنحني، وضربت مثالا يتعلق بسطح الكرة الأرضية. الفراغ المنحني (حسب فهمي المتواضع) هو فضاء لا تستطيع أن تتحرك فيه في خط مستقيم.

عندما يمر الضوء بالقرب من أجسام مادية كبيرة فإنه ينحني لأن الفراغ في تلك المنطقة هو منحني.

الـ spacetime يشمل أيضا الزمن. انحناء الـ spacetime يؤثر أيضا على الزمن وليس فقط على الأبعاد الثلاثة التقليدية. حسب نظرية النسبية العامة فإن الاقتراب من الأجسام المادية الكبيرة يؤدي إلى تباطؤ الزمن. هذا يعني أن مقدار السرعة سيتأثر لأن السرعة هي حاصل قسمة المسافة على الزمن.

انحناء الـ spacetime بالقرب من الأجسام المادية الكبيرة يصور عادة برسومات من قبيل الرسومات التالية:

أنا أظن أن هذه الرسومات هي مجرد رسومات تبسيطية لا تعكس حقيقة الـ spacetime.

أنا لا أدعي أنني ملم بنظرية النسبية العامة بشكل كامل أو أنني أفهمها كما يجب، ولكن ما أفهمه من هذه النظرية هو أنها تصور الفراغ الكوني على أنه فراغ غير إقليدي، بمعنى أنه ينحني بالقرب من الكتل المادية الكبيرة.

الفراغ (3)

هذا المقال يتعلق بالفيزياء، وأنا لست متعمقا في الفيزياء، ولكنني سأكتب بعض المعلومات العامة التي أعرفها.

الفيزياء تقسم إلى قسمين:

  • فيزياء كلاسيكية classical physics (قبل القرن العشرين)
  • فيزياء حديثة modern physics (منذ القرن العشرين)

هناك اختلافات عديدة بين الفيزياء الكلاسيكية والفيزياء الحديثة. أحد أهم الاختلافات يتعلق بمفهوم الفراغ أو الفضاء space.

الفراغ الإقليدي

الفيزياء الكلاسيكية تستند إلى الهندسة الإقليدية Euclidean geometry المنسوبة إلى اليوناني إقليدس (Eu̓kleídēs) Εὐκλείδης الذي عاش في الإسكندرية بين القرنين الميلاديين الثالث والرابع.

الفراغ space في الهندسة الإقليدية يحلل إلى “أبعاد” dimensions. المقصود بالأبعاد هو الاتجاهات الأساسية التي يمكن للمرء أن يتحرك فيها في الفراغ.

three dimensions space Euclidean

هناك عدد لا نهائي من الاتجاهات التي يمكن للمرء أن يتحرك فيها في الفراغ، ولكن كل هذه الاتجاهات يمكن اعتبارها مركبة من ثلاثة اتجاهات أساسية تسمى “الأبعاد الثلاثة” three dimensions (اختصارا 3D).

الفيلسوف الفرنسي René Descartes اخترع طريقة لوصف مواقع النقاط في الفراغ على أساس الأبعاد الثلاثة. هذه الطريقة تسمى نظام الإحداثيات الديكارتي Cartesian coordinate system. لوصف موقع نقطة ما في الفراغ بناء على هذا النظام فإننا يجب أن نحدد ثلاثة أرقام تسمى إحداثيات coordinates. الإحداثيات تكتب بين قوسين على هذا النحو (0, 0, 0). كل رقم من الإحداثيات يحدد موقع النقطة على أحد الأبعاد الفراغية الثلاثة.

طبعا لا يوجد شيء يلزمنا بأن نفهم الفراغ المحيط بنا على أساس الأبعاد الديكارتية. هذه الأبعاد هي مجرد اصطلاح هندسي وليست أكثر من ذلك. من الممكن لنا أن نرسم الأبعاد بصورة مختلفة عن الصورة التي رسمها ديكارت. الرسم التالي يوضح أبعادا غير ديكارتية:

هذا الرسم يعبر عن فراغ إقليدي ثلاثي الأبعاد، ولكن محاوره أو أبعاده هي ليست ديكارتية، لأنها مائلة. المحاور أو الأبعاد الديكارتية هي ليست مائلة.

الفراغ الإقليدي لا يجب بالضرورة أن يكون ثلاثي الأبعاد. الصورة التالية هي لفراغ إقليدي ثنائي الأبعاد:

من الممكن أيضا أن يكون هناك فراغ إقليدي أحادي البعد:

الفراغ الإقليدي أحادي البعد هو عبارة عن خط مستقيم. الفراغ الإقليدي ثنائي البعد له شكل مربع غير محدود (مستوي plane). الفراغ الإقليدي ثلاثي البعد له شكل مكعب غير محدود.

الفراغ غير الإقليدي

الرياضيون (دارسو الرياضيات) أدركوا في القرن 19 أن الفضاء الإقليدي هو ليس الفضاء الوحيد الذي يمكن تخيله هندسيا. من الممكن لنا أن نتخيل فضاءات هندسية تختلف عن الفضاء الإقليدي.

أحد الفضاءات الممكنة هو مثلا الفضاء الكروي spherical.

تخيل الفضاء الكروي هو ليس أمرا صعبا، لأننا في الحقيقة نعيش في فضاء كروي هو سطح الكرة الأرضية.

الأبعاد في الفضاء الإقليدي هي خطوط مستقيمة. الأبعاد في الفضاء الكروي ثنائي الأبعاد هي ليست خطوطا مستقيمة ولكنها دوائر.

المقصود بذلك هو أنني عندما أتحرك في الفضاء الكروي ثنائي الأبعاد فإنني لا أستطيع أن أتحرك في خطوط مستقيمة ولكنني مجبر على التحرك في مسارات دائرية. أنا لست مضطرا لأن أكمل دورة كاملة ولكنني أستطيع أن أقطع مسافة على شكل قوس تسمى geodesic.

ما يلي مثال للتوضيح: لنفرض أنني أريد أن أسافر من بغداد إلى شنغهاي في الصين. أثناء رحلتي أنا سأشعر بأنني أسير في خط مستقيم من الغرب إلى الشرق، ولكنني في الحقيقة أسير في قوس وليس في خط مستقيم، لأن سطح الكرة الأرضية هو منحن وليس مستقيما.

سطح الكرة الأرضية هو منحن عند كل النقاط ويخلو من الخطوط المستقيمة (لأن الكرة الأرضية هي كرة). من يريد أن يتحرك في خط مستقيم على ظهر الكرة الأرضية لا بد له أن يحفر في الأرض. بغير ذلك فإنه مجبر على السير في أقواس.

نحن لا نحس بهذا الأمر لأننا صغيرون جدا بالنسبة لحجم الكرة الأرضية.

بعض قوانين الهندسة الإقليدية لا تسري على الفضاء الكروي. على سبيل المثال، مجموع زوايا المثلث في الفضاء الإقليدي هو 180 درجة، ولكن هذه القاعدة هي غير صحيحة في الفضاء الكروي. لو رسمنا مثلثا في الفضاء الكروي فإن مجموع زواياه سيكون أكبر من 180 درجة.

لو أردت أن أنتقل من نقطة إلى أخرى في الفضاء الإقليدي فإن هناك طريقا واحدا يعتبر الطريق الأقصر بين النقطتين هو القطعة المستقيمة الواصلة بينهما. لو أردت أن أنتقل من نقطة إلى أخرى في الفضاء الكروي فإنني أستطيع أن أسلك عددا لا نهائيا من الطرق ذات الشكل القوسي geodesic والتي تعتبر جميعها الطريق الأقصر بين النقطتين.

سأضرب مثالا للتوضيح: لو أنني أردت أن أسافر من القطب الشمالي للكرة الأرضية إلى القطب الجنوبي فما هو الطريق الأقصر الذي يجب أن أسلكه؟

هناك عدد لا نهائي من الطرق ذات الطول المتساوي. من الممكن مثلا أن أسير على خط الطول 0 (خط غرينتش) إلى أن أصل إلى القطب الجنوبي، ومن الممكن أن أسير على خط الطول 2 أو 3 أو 4 إلخ. كل خطوط الطول الممتدة بين القطبين الشمالي والجنوبي لها طول متساو، وجميعها تعتبر الطريق الأقصر بين القطبين.

إذن هناك عدد لا نهائي من الطرق التي يمكن أن نصفها بالطريق الأقصر بين نقطتين في الفضاء الكروي. هذا الأمر يتنافى مع القانون الإقليدي الذي يقول أن هناك طريقا واحدا يعتبر الطريق الأقصر بين نقطتين هو الخط المستقيم.

إذن قوانين الهندسة الإقليدية هي ليست بالضرورة صحيحة في الفضاء الكروي.

الفضاء الكروي هو مجرد مثال على الفضاءات غير الإقليدية. من الممكن نظريا أن نتخيل عددا لا نهائيا من الفضاءات غير الإقليدية. المطلوب فقط هو أن نتلاعب بشكل الأبعاد. الأبعاد الإقليدية هي خطوط مستقيمة. لو غيرنا شكل الأبعاد أو بعضها فإننا نستطيع أن نوجد عددا لا يحصى من الفضاءات غير الإقليدية.

من الفضاءات غير الإقليدية الفضاء الذي يسمى بالفضاء الإهليلجي elliptic.

الأبعاد في الفضاء الإهليلجي ثنائي الأبعاد لها شكل إهليلج أو قطع ناقص ellipse. هذا يعني أنني لو كنت في هذا الفضاء فإنني لا أستطيع أن أتحرك إلا في مسارات إهليلجية الشكل. مجموع زوايا المثلث في هذا الفضاء هو أكبر من 180 درجة.

مثال آخر هو فضاء القطع الزائد hyperbolic:

الأبعاد في فضاء القطع الزائد ثنائي البعد لها شكل القطع الزائد hyperbola. مجموع زوايا المثلث في هذا الفضاء هو أقل من 180 درجة.

خلاصة ما سبق هي أن تغيير شكل الأبعاد ينتج فضاءات غير إقليدية.

عدد الأبعاد

نحن كبشر معتادون على العيش في بيئة ثلاثية الأبعاد، ومن السهل لنا أن نتخيل فضاءات ثنائية أو أحادية الأبعاد لأننا نتعامل مع أجسام ثنائية وأحادية الأبعاد في حياتنا اليومية.

الشيء الصعب علينا كبشر هو تخيل فضاءات يزيد عدد أبعادها عن ثلاثة. وجود هكذا فضاءات هو ليس مستحيلا من الناحية الهندسية، ولكن تصوره صعب علينا لأننا لا نتعامل معه في حياتنا اليومية.

هذه الأفلام تشرح معنى البعد الفراغي الرابع:

البشر لا يملكون القدرة على الإدراك رباعي الأبعاد. الإدراك رباعي الأبعاد بالنسبة للبشر هو مجرد فكرة خيالية وليس أكثر من ذلك.

لو فرضنا أن هناك كائنا يملك القدرة على الإدراك رباعي الأبعاد فهذا الكائن سوف يكون قادرا على إدراك عدد لا نهائي من الفراغات ثلاثية الأبعاد في آن واحد. هو سوف يراها كلها وكأنها فراغ واحد.

الفراغ الإقليدي أحادي البعد هو عبارة عن خط مستقيم. الفراغ الإقليدي ثنائي البعد له شكل مستوٍ plane.

كم هو عدد الخطوط المستقيمة المتوازية التي يمكن أن نرسمها في مستوٍ؟ الجواب هو عدد لا نهائي. إذن الفراغ ثنائي الأبعاد يحوي عددا لا نهائيا من الفراغات أحادية البعد.

الفراغ الإقليدي ثلاثي الأبعاد له شكل مكعب غير محدود. كم هو عدد المستويات المتوازية التي يمكن أن يستوعبها المكعب غير المحدود؟ الجواب هو عدد لا نهائي. إذن الفراغ ثلاثي الأبعاد يحوي عددا لا نهائيا من الفراغات ثنائية الأبعاد.

بنفس الطريقة يمكننا أن نقول ما يلي: الفراغ رباعي الأبعاد يحوي عددا لا نهائيا من الفراغات ثلاثية الأبعاد.

هذه الفراغات ثلاثية الأبعاد يجب أن تكون مرصوصة بجوار بعضها في “البعد الرابع”. بما أننا لا نستطيع أن ندرك البعد الرابع فنحن لا نستطيع أن ندرك الكيفية التي ترتص بها الفراغات ثلاثية الأبعاد بجوار بعضها في البعد الرابع. نحن فقط نعرف أن هذا الأمر هو ممكن دون أن نكون قادرين على تصوره.

الرسم التالي يشرح المبدأ الذي أتحدث عنه:

وجود البعد الرابع هو أمر ممكن منطقيا، ولكن عقولنا لا تستطيع أن تتخيله أو تدركه، لأنه شيء لم يسبق أن تعاملنا معه.

بنفس الطريقة التي افترضنا بها وجود بعد رابع يمكننا أيضا أن نفترض وجود بعد خامس وسادس وسابع إلى ما لا نهاية.

إسقاط جسم رباعي الأبعاد

المكعب cube هو جسم ثلاثي الأبعاد. هل يمكننا أن نرسم مكعبا على الورق؟

الجواب هو لا. من المستحيل أن نرسم مكعبا على الورق، لأن سطح الورق ثنائي الأبعاد، والمكعب جسم ثلاثي الأبعاد.

ما يمكن أن نرسمه هو إسقاط projection ثنائي الأبعاد للمكعب.

الشكل أعلاه هو ليس مكعبا ولكنه إسقاط projection ثنائي الأبعاد للمكعب. عندما نرى هذا الإسقاط فنحن ندرك أن الشكل المقصود به هو مكعب ثلاثي الأبعاد لأننا نملك معرفة مسبقة بالمكعب ثلاثي الأبعاد. الإسقاط بحد ذاته هو ثنائي الأبعاد وليس ثلاثي الأبعاد. لولا خبرتنا المسبقة بالبعد الثالث لما كنا استطعنا أن نتخيل المكعب من خلال هذا الإسقاط.

دارسو الهندسة الفراغية يتحدثون عن شكل هندسي رباعي الأبعاد يسمونه tesseract أو 8-cell. هذا الشكل هو النظير رباعي الأبعاد للمكعب، أي أنه بالنسبة للمكعب كما المكعب بالنسبة للمربع.

هم يصفون هذا الشكل على نحو نظري، ولكنهم لا يقدمون أي تمثيل ملموس له، لأن هذا أمر مستحيل.

في بعض صفحات الإنترنت (من قبيل صفحات ويكيبيديا) هناك إسقاطات ثلاثية الأبعاد للـ tesseract من قبيل الشكل التالي:

هذا الشكل هو مجسم ثلاثي الأبعاد يدور حول نفسه. هذا الشكل هو ليس الـ tesseract، ولكنه مجرد إسقاط ثلاثي الأبعاد للـ tesseract.

بعض الناس يزعمون أن مثل هذه الأشكال تساعدنا على تخيل الـ tesseract، ولكنني أشك في مصداقية هذا الزعم. لو فرضنا أنني لا أملك القدرة على الإدراك ثلاثي الأبعاد فهل كنت سأستطيع أن أتخيل المكعب من مشاهدة إسقاطه ثنائي الأبعاد على الورق؟ لا أظن ذلك. أنا لا أظن أن تخيل الـ tesseract هو أمر ممكن من خلال مشاهدة إسقاطه ثلاثي الأبعاد.

حسب فهمي للموضوع فإن الـ tesseract يمكن أن يكون له العديد من الإسقاطات ثلاثية الأبعاد المختلفة، مثلما أن المكعب يمكن أن يكون له العديد من الإسقاطات ثنائية الأبعاد المختلفة.

الشكلان التاليان هما إسقاطان ثنائيا الأبعاد لمكعب:

cube projections

كلا هذين الشكلين هما إسقاط ثنائي الأبعاد لمكعب، ولكنهما يبدوان مختلفين جدا لأنهما مأخوذان من زاويتين مختلفتين.

بنفس الطريقة أنا أظن أن الـ tesseract له العديد من الإسقاطات ثلاثية الأبعاد المختلفة، وكل واحد منها يبدو مختلفا جدا عن الآخر.

أنا لا أدري كيف يمكن لأي إنسان أن يتخيل الـ tesseract. أنا أصلا أشك في قدرة الدماغ البشري على تخيله.

لكي أتخيل الـ tesseract لا بد أن أتخيل أن هناك “عوالم موازية” للعالم الفراغي ذو الأبعاد الثلاثة الذي أنا موجود فيه. بعد ذلك يجب أن أتخيل أن هناك مكعبات متطابقة موجودة في كل عالم من هذه العوالم المتوازية. الـ tesseract هو مجموع هذه المكعبات المتطابقة الموجودة في عدة عوالم متوازية ثلاثية الأبعاد.

هذا الحديث هو أشبه بالحديث عن الله والملائكة، أي أننا نتحدث عن أمور غيبية لم يسبق لنا أن أدركناها حسيا. من السهل أن تصف أمورا غيبية، ولكن هل من الممكن أن تتصور هذه الأمور في عقلك؟ أنا لا أظن ذلك.

الفراغ (2)

mind eye self

الذات

إحدى القضايا التي تجادل حولها الفلاسفة هي قضية الذات self.

كل إنسان لديه إدراك لذاته أو شعور بذاته. هذا الإدراك أو الشعور بالذات يسمى “وعي الذات” self-consciousness or self-awareness.

“الإدراك” أو “الشعور” هو نوع من أنواع التفكير. “وعي الذات” هو في المحصلة فكرة موجودة في العقل.

الفيلسوف John Locke لاحظ أن وعي الذات هو موجود في عقل الإنسان بشكل دائم وثابت. هذا الطرح أثار اهتمام الفيلسوف David Hume الذي بحث فيه وتوصل إلى نتيجة صادمة (ذكرتها سابقا في هذا المقال).

David Hume كان فيلسوفا تجريبيا بامتياز، بمعنى أنه كان يعتقد أن جميع الأفكار بلا استثناء هي مشتقة من الأحاسيس، ولكنه ميز بين طبقتين من الأفكار: طبقة مشتقة من الأحاسيس بشكل مباشر سماها الانطباعات impressions، وطبقة أخرى مشتقة من الانطباعات سماها “الأفكار”ideas  (هذا التقسيم هو ربما نفس تقسيم Kant الذي ميز بين mundus sensibilis و mundus intelligibilis).

David Hume اعتبر أن “وعي الذات” هو من الطبقة الثانية ideas. هو تساءل عن الانطباع impression (أي المدرك الحسي) الذي يؤدي إلى توليد وعي الذات. لا يوجد في عقل الإنسان أي انطباع ثابت ومستمر طوال الوقت كما هو حال وعي الذات. بناء على ذلك توصل Hume إلى أن وعي الذات هو وهم وليس فكرة حقيقية.

المقصود بهذا الكلام هو ما يلي: كل فكرة في العقل تنبع من أحاسيس واصلة إلى العقل. فكرة “الذات” self هي فكرة ثابتة في العقل لا تزول ولا تتغير أبدا. ما هي الأحاسيس التي تؤدي إلى توليد هذه الفكرة الدائمة والثابتة؟ Hume قال أنه لا توجد أية أحاسيس تصل إلى العقل بشكل دائم وثابت كما هو حال وعي الذات، وبالتالي هذه الفكرة هي ليست نابعة من أية أحاسيس، وبالتالي هي ليست فكرة حقيقية.

Kant طرح مفهوما لوعي الذات يتوافق مع نظريته في الإدراك الحسي المسماة “المثالية العابرة” transcendental idealism. حسب Kant فإن وعي الذات هو ناتج من عملية تجميع المدركات الحسية المتجزئة:

[Das Selbstbewußtsein] geschieht also dadurch noch nicht, daß ich jede Vorstellung mit Bewußtsein begleite, sondern daß ich eine zu der anderen hinzusetze und mir der Synthesis derselben bewußt bin. Also nur dadurch, daß ich ein Mannigfaltiges gegebener Vorstellungen in einem Bewußtsein verbinden kann, ist es möglich, daß ich mir die Identität des Bewußtseins in diesen Vorstellungen selbst vorstelle […] Der Gedanke: diese in der Anschauung gegebenen Vorstellungen gehören mir insgesamt zu, heißt demnach soviel, als ich vereinige sie in einem Selbstbewußtsein, oder kann sie wenigstens darin vereinigen […] Nur dadurch, daß ich das Mannigfaltige derselben in einem Bewußtsein begreifen kann, nenne ich dieselben insgesamt meine Vorstellungen; denn sonst würde ich ein so vielfarbiges verschiedenes Selbst haben, als ich Vorstellungen habe, deren ich mir bewußt bin.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 133

===============================================================

[Self-consciousness] then does not exist because I accompany every representation with consciousness, but because I join one representation to another, and am conscious of the synthesis of them. Consequently, only because I can connect a variety of given representations in one consciousness, is it possible that I can represent to myself the identity of consciousness in these representations […] The thought, “These representations given in intuition belong all of them to me,” is accordingly just the same as, “I unite them in one self-consciousness, or can at least so unite them” […] For the reason alone that I can comprehend the variety of my representations in one consciousness, do I call them my representations, for otherwise I must have as many-coloured and various a self as are the representations of which I am conscious.

===============================================================

وعي الذات ليس موجودا لأنني أقرن كل تمثيل بالوعي، ولكن لأنني أضم تمثيلا إلى آخر وأنا واع لعملية تركيب هذه التمثيلات. أنا أستطيع أن أمثّل لنفسي التطابق بين الوعي المرافق لتمثيلات متعددة فقط لأنني أستطيع أن أربط بين هذه التمثيلات في وعي واحد… لهذا فإن الفكرة التي تقول “هذه التمثيلات التي في عقلي هي كلها لي” هي مماثلة للفكرة التي تقول “أنا أوحّدها في وعي ذات واحد، أو على الأقل أستطيع أن أوحّدها هكذا”… أنا أطلق على تمثيلاتي المتنوعة مسمى تمثيلاتي لسبب وحيد هو أنني أستطيع أن أجمعها، لأنني لولا ذلك كنت سأملك ذواتا متعددة ومتنوعة بقدر التمثيلات التي أعيها.

Kant كان ملما بفلسفة David Hume وهو كان على علم بالمشكلة التي طرحها Hume حول وعي الذات. الحل الذي أوجده Kant لهذه المشكلة هو التالي: وعي الذات هو ناتج من “الفهم” (أي أنه من الأفكار ideas حسب تنصيف Hume)، ولكن وعي الذات عند Kant هو ليس ناتجا من نشوء تمثيل أو إدراك حسي معين في العقل، ولكنه ناتج من عملية تجميع التمثيلات (التركيب synthesis) التي ينفذها الفهم.

التمثيلات أو المدركات الحسية هي متغيرة وليست ثابتة في العقل، ولكن المبادئ والقوانين التي يجمع الفهم على أساسها التمثيلات هي ثابتة ولا تتغير، لأن هذه المبادئ والقوانين حسب فلسفة Kant هي مفاهيم فطرية مزروعة في العقل.

ثبات قوانين تجميع التمثيلات يفسر ثبات وعي الإنسان بذاته.

لنفرض أنني ذهبت إلى حديقة ورأيت هناك زهرة نضرة، وبعد أشهر عدت مجددا إلى نفس الحديقة ووجدت أن الزهرة قد ذبلت. ما هو السبب الذي يجعل عقلي يعتقد بأن فيه ذاتا أو شخصا واحدا قد رأى نفس الزهرة في المرتين؟

عقلي، وتحديدا “الفهم”، يملك مجموعة من “القوانين الطبيعية” التي يقوم على أساسها بتركيب التمثيلات. “فهمي” هو الذي ركب في عقلي صورة الزهرة النضرة قبل أشهر، وهو نفسه الذي يركب في عقلي الآن صورة الزهرة الذابلة. فهمي اعتمد على مجموعة من القوانين والمفاهيم الثابتة لتركيب كل من الصورتين. هذه القوانين والمفاهيم الثابتة هي المرجعية الثابتة التي تربط بين أفكاري وتجاربي، وبالتالي هي شرط ضروري لوجود شعوري بذاتي الواحدة.

Kant يقول أنه لولا وجود القوانين والمفاهيم الفطرية الثابتة لنشأ في العقل عدد لا يحصى من الذوات، لأن كل فكرة تنشأ في العقل سوف تؤدي إلى نشوء ذات.

إذن وحدة القوانين والمفاهيم التي يعمل “الفهم” على أساسها هي شرط ضروري لوحدة الذات وثباتها.

مبدأ وعي الذات

أحد المبادئ الشهيرة التي أتى بها Kant هو “مبدأ وعي الذات” principle of apperception.

ما يلي هو نص المبدأ:

Das: Ich denke, muß alle meine Vorstellungen begleiten können; denn sonst würde etwas in mir vorgestellt werden, was garnicht gedacht werden könnte, welches ebensoviel heißt, als die Vorstellung würde entweder unmöglich, oder wenigstens für mich nichts sein.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 131

===============================================================

The “I think” must be able to accompany all my representations, for otherwise something would be represented in me which could not be thought; in other words, the representation would either be impossible, or at least be, in relation to me, nothing.

===============================================================

“أنا أفكر” يجب أن تملك القدرة على مرافقة كل تمثيلاتي، وإلا فإن شيئا سيتمثل فيني رغم أنه ليس فكرة. بعبارة أخرى، هكذا تمثيل سيكون إما مستحيلا أو –على الأقل بالنسبة لي- لا شيء.

أنا بصراحة لست واثقا من أنني أفهم ما يقصده Kant بهذا الكلام، ولست واثقا من أن جميع مفسري Kant يفهمون المقصود. أنا شعرت أن بعض المفسرين حملوا هذا الكلام أكثر مما يحتمل.

ما يبدو لي هو أن Kant يقصد ما يلي: كل شيء يدور في عقلي هو حتما فكرة تابعة لي، وإلا فإنني ما كنت وعيته من الأساس.

أنا لا أشعر أن هذا الكلام يحمل أية فكرة مهمة (على الأقل في نطاق فهمي له). هو يقول ببساطة أن ما يدور في عقلي هي أفكاري.

من الممكن أن Kant كتب هذا الكلام بسبب تأثره بمقولة Descartes “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. Descartes ربط بين وجود الذات وبين التفكير. هذا هو ربما المعنى الذي يقصده Kant أيضا. من الممكن أن Kant أراد أن يعطي تعريفا لوعي الذات: وعي الذات بالنسبة لـ Kant يعني أنني أستطيع أن أضع عبارة “أنا أفكر” أمام كل شيء يدور في عقلي. لا يمكنني أن أكون واعيا لذاتي وفي نفس الوقت لا أستطيع أن أضع عبارة “أنا أفكر” أمام شيء يدور في عقلي. هذا الأمر مستحيل.

نشوء الذات

حسب Kant فإن نشوء الشعور بالذات هو مرتبط بالقدرة على التمييز بين الأفكار الشيئية objective والأفكار الشخصية subjective.

Kant ضرب المثال التالي: لنفرض أنني وقفت أمام واجهة منزل، وبعد ذلك درت نحو الجدار الجانبي للمنزل، ثم درت نحو الجدار الخلفي للمنزل. عقلي سيجمع صورة الواجهة مع الجدارين الجانبي والخلفي وسيقوم بتركيب تصور فراغي للمنزل، بمعنى أن عقلي سيدرك أن واجهة المنزل وجدرانه هي أجزاء من شيء واحد.

عقلي سيفترض أيضا أن كل البشر يجب أن يتفقوا معي في أن واجهة المنزل وجدرانه هي أجزاء من شيء واحد. من يرفض هذا الأمر هو حتما مخطئ.

لنفرض الآن أن هذا المنزل هو المنزل الذي قضيت فيه طفولتي. عندما أرى المنزل فإن شعورا بالحنين سيتنشط في عقلي، وعقلي سيربط هذا الشعور مع صورة المنزل، ولكن عقلي يعلم أن هذا الربط هو خاص بي. مثلا لو جاء أشخاص آخرون ورأوا المنزل فعقلي يعلم أنهم لن يربطوا صورة المنزل بشعور الحنين.

عقلي يعلم أن ربط شعور الحنين مع صورة المنزل هو فكرة شخصية subjective وليس فكرة شيئية objective. الفكرة الشخصية هي صحيحة فقط بالنسبة لي، ولكنها ليست بالضرورة صحيحة بالنسبة لبقية البشر.

حسب Kant فإن قدرة العقل على الفصل بين الأفكار الشخصية والشيئية هي شرط لوجود الذات أو الأنا. هذه القدرة تنبع من قدرة “الفهم” على تركيب العالم الشيئي objective world بالاعتماد على “الحكم” judgment. “الحكم” يعني القدرة على تمييز “الوحدة الشيئية” objective unity وفصلها عن الأفكار الشخصية subjective. الحكم هو فرع من التركيب synthesis، أي أنه يعتمد على “القوانين الطبيعية” والفئات categories المزروعة فطريا في الفهم.

الفهم يقوم بتركيب العالم الشيئي ويصنف الأفكار إلى نوعين، أفكار تنتمي إلى العالم الشيئي (أفكار شيئية objective) وأفكار لا تنتمي إليه (أفكار شخصية subjective).

بما أن “القوانين الطبيعية” الموجودة في الفهم هي قوانين فطرية وليست مكتسبة بالتعلم فهذا يوصلنا إلى أن العالم الشيئي الذي يقوم العقل بتركيبه هو نابع من الفطرة وليس من التجربة.

Die Ordnung und Regelmäßigkeit also an den Erscheinungen, die wir Natur nennen, bringen wir selbst hinein, und würden sie auch nicht darin finden können, hätten wir sie nicht, oder die Natur unseres Gemüths ursprünglich hineingelegt. Denn diese Natureinheit soll eine nothwendige d. i. a priori gewisse Einheit der Verknüpfung der Erscheinungen seyn […] Es ist also der Verstand nicht blos ein Vermögen, durch Vergleichung der Erscheinungen sich Regeln zu machen: er ist selbst die Gesetzgebung vor die Natur, d. i. ohne Verstand würde es überall nicht Natur.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 1, Seiten 125-126

===============================================================

Hence the order and regularity in the appearances that we call nature are brought into them by ourselves; nor indeed could such order and regularity be found in appearances, had not we, or the nature of our mind, put them into appearances originally. For this unity of nature is to be a necessary, i.e. an a priori certain, unity of the connection of appearances […] Hence the understanding is thus not merely a faculty for making rules through the comparison of the appearances; it is itself the legislation for nature, i.e., without understanding there would not be any nature at all.

===============================================================

نحن مصدر النظام والثبات في الظواهر الذي نسميه “الطبيعة”. هكذا نظام وثبات ما كان ليوجد في الظواهر لولا أننا نحن، أو طبيعة عقلنا، وضعته في الظواهر من الأصل. لأن هذا الثبات في الطبيعة هو الثبات اللازم والفطري في تركيب الظواهر… وهكذا فإن الفهم هو ليس مجرد القدرة على صنع القواعد عبر مقارنة الظواهر، ولكنه هو ذاته قانون الطبيعة، بمعنى أنه دون الفهم ما كانت لتكون هناك طبيعة على الإطلاق.

Kant يقول أن عقلنا هو الذي يصنع قوانين الطبيعة بناء على الفئات categories الفطرية المخزنة فيه.

من الممكن وفق هذا الطرح أن نتخيل ما يلي: العالم الشيئي الحقيقي له قوانين مختلفة عن القوانين التي نعرفها.

Kant لا ينفي هذه الاحتمالية. Kant لا يعرف أي شيء عن العالم الحقيقي سوى شيء واحد وهو أنه يحوي أشياء حقيقية قائمة بذاتها ترسل الأحاسيس إلى عقلنا. هو لا يعرف أي شيء عن ماهية هذه الأشياء القائمة بذاتها، ولكنه يصر على وجودها لأن “وجود المظهر يستلزم وجود شيء يظهر”.

Kant يعلم أن هناك أشياء قائمة بذاتها ترسل الأحاسيس إلى عقلنا، ولكنه لا يعلم أي شيء عن ماهية العالم الذي توجد فيه هذه الأشياء، وهو حتى لا يعلم ما هي القوانين التي تحكم ذلك العالم. القوانين الطبيعية الموجودة في عقلنا هي ليست نابعة من ذلك العالم ولكنها نابعة من عقلنا.

وحدة الفراغ

ذكرنا في الأعلى أن العقل يقوم بتركيب عالم شيئي objective world ويقوم بإسناد المدركات الحسية إلى هذا العالم، وبناء على هذه العملية يتمكن العقل من التمييز بين الأفكار الشيئية والأفكار الشخصية. هذه العملية هي ضرورية لوجود الذات self.

لنفرض أنني أريد أن أتخيل شيئا object لم يسبق لي أن شاهدته أو أدركته من قبل في العالم الشيئي. سوف أطلق على هذا الشيء مسمى “الجسم A“. حسب فلسفة Kant فإنني لا أستطيع أن أتخيل الجسم A دون أن أسند له مكانا في العالم الشيئي، لأن مفهوم المكان أو الفراغ هو شرط للإدراك الحسي (الإدراك الحسي والتخيل هما عمليتان متشابهتان).

كيف يمكن لي أن أسند مكانا للجسم A في العالم الشيئي رغم أنني لم أشاهده من قبل في العالم الشيئي؟ كيف سأضعه في العالم الشيئي رغم أنه لا ينتمي لهذا العالم؟

هناك حلان لهذه المشكلة. الحل الأول هو أن أركب عالما شيئيا جديدا يختلف عن العالم الشيئي الذي أعرفه، وبعد ذلك يمكنني أن أسند مكانا للجسم A في هذا العالم الشيئي الجديد.

Kant يرفض هذا الحل، لأنه سيؤدي إلى انهيار الذات.

وجود الذات يقتضي الفصل بين نوعين من الأفكار: أفكار تنتمي إلى العالم الشيئي وأفكار لا تنتمي إلى العالم الشيئي. الذات هي الأفكار التي لا تنتمي إلى العالم الشيئي.

لو أنني قمت بتركيب عالم شيئي جديد فهذا يعني أن ذاتي ستصبح على علاقة مع عالمين شيئيين، بمعنى أنني سأشعر أنني أعيش في عالمين شيئيين في آن واحد. هذا الأمر هو غير ممكن لأنه يتنافى مع مبدأ “وحدة التركيب” الذي اعتبره Kant شرطا لوحدة الذات.

أنا أستطيع أن أتخيل وجود عالم شيئي آخر غير العالم الذي أعرفه، ولكن عقلي سوف يكون مدركا لأن هذا العالم هو عالم خيالي وليس حقيقيا. هناك فرق بين أن أتخيل وجود عالم شيئي وبين أن أقوم بتركيب عالم شيئي أعتقد أنه حقيقة. العالم الشيئي الخيالي هو ليس صالحا لإدراك الأشياء، وبالتالي هو لا يحل مشكلتي ولا يساعدني على تخيل الجسم A.

لهذا السبب أنا بحاجة لحل آخر حتى أتمكن من إدراك الجسم A. الحل حسب Kant هو أن العقل يعتقد بوجود فراغ غير محدود unbounded space.

نحن لا نعلم ما هي حدود العالم الشيئي الذي ندركه، ولا نعلم أصلا إن كانت له حدود أم لا، ولكن عقلنا رغم ذلك يقوم بتركيب فراغ أو فضاء غير محدود.

عندما أتخيل الجسم A فإن ما يقوم به عقلي هو أنه يضع الجسم A في مكان من الفراغ غير المحدود يقع خارج حدود العالم الشيئي المحسوس. أنا لا أعرف ما هو هذا المكان، ولكنني أعرف أنه ليس في العالم الشيئي المحسوس، لأن الجسم A هو مجرد جسم خيالي في رأسي.

العقل يقوم بتركيب فراغ أو فضاء غير محدود unbounded space. هذا الفضاء غير المحدود يحوي كل المدركات الحسية، أي أنه يحوي العالم الشيئي بكامله. بالإضافة إلى ذلك هذا الفضاء يحوي أيضا الأشياء الخيالية التي أقوم بتركيبها في رأسي دون أن أكون قد شاهدتها في العالم الشيئي. إذن هذا الفضاء غير المحدود يحوي كل الأشياء التي أعرفها سواء كانت نابعة من الإدراك الحسي أم من الخيال. النقطة المهمة التي ركز عليها Kant هي أن هذا الفضاء غير المحدود هو موحد unified، بمعنى أنه فضاء واحد وليس عدة فضاءات. لو كان هناك أكثر من فضاء فإن هذا سيؤدي لانهيار الذات، لأن الذات لا يمكنها أن تعيش في أكثر من فضاء (مثلما أنني لا يمكن أن أكون موجودا في أكثر من مكان في آن واحد).

على ما أظن فإن الفضاء غير المحدود الذي تحدث عنه Kant هو موجود في قشرة المخ الجدارية parietal cortex. لهذا السبب فإن إصابة هذه القشرة بالتلف تؤدي إلى فقدان الإدراك الحسي بشكل كامل، أو ما يسمى بالإهمال نصف الفراغي hemispatial neglect. الأشخاص المصابون بهذه الحالة يدركون وجود نصف الفراغ دون النصف الآخر، بمعنى أنهم لا يعون أن هناك فراغا أو عالما يقع على جهتهم اليسرى في حال كانت إصابتهم في القشرة الجدارية اليمنى (أو العكس).

مصادر

  • Stanford Encyclopedia of Philosophy
  • Wikipedia, the free encyclopedia

الفراغ (1)

three dimensions space Euclidean

هذا الموضوع هو فلسفي-فيزيائي ولكنه رغم ذلك ليس بعيدا جدا عن موضوع الدماغ البشري.

تعريف الفراغ أو الفضاء space هو أمر صعب لأن هناك جدلا فلسفيا حول هذا المفهوم.

بعض الفلاسفة يرون أن الفراغ هو شيء object أو كيان entity له وجود حقيقي real، وبعضهم يرون أن الفراغ هو ليس شيئا حقيقيا ولكنه مجرد فكرة في العقل idea.

الفلاسفة الذين يعتقدون بأن الفراغ هو شيء حقيقي يعرفونه عادة بأنه امتداد extension.

حسب فهمي لكلمة “الامتداد” extension في الفلسفة فإن هذه الكلمة لها نفس معنى “المسافة” أو “البعد” dimension.

الفراغ عند Descartes

René Descartes

René Descartes عرّف الفراغ بأنه امتداد.

بالنسبة لـ Descartes فإن الامتداد هو خاصية property مميزة للمادة، وهو في الحقيقة أهم خصائص المادة. لهذا السبب Descartes أطلق على المادة مسمى “الجوهر الممتد” (extended substance) substance étendue.

بما أن الامتداد هو خاصية مادية، وبما أن الفراغ هو امتداد، فإن النتيجة التي توصل إليها Descartes هي أن الفراغ هو في الحقيقة مكون من المادة.

الفراغ عند Descartes لا يعني الخلاء vacuum، ولكنه شيء مادي.

الكون الفيزيائي في مفهوم Descartes هو مكون بالكامل من المادة. عندما يتحرك جسم مادي في الفراغ فإنه في الحقيقة يسبح في “المادة الفراغية” (هذا المصطلح هو من عندي).

لتوضيح الفكرة سأضرب مثالا. لنفرض أن هناك حوضا مملوءا بالماء، وفي داخل الماء توجد أجسام مادية سابحة. الماء الذي في الحوض يعادل الفراغ في كون Descartes، والأجسام السابحة في الماء تعادل الأجسام المادية الموجودة في الكون.

الكون في مفهوم Descartes لا يحوي مناطق “خالية” ولكنه مكون بالكامل من المادة، بالإضافة طبعا إلى الأشياء الروحية التي كان Descartes يعتقد بوجودها.

الفراغ عند Newton

Isaac Newton

Isaac Newton كان يعتقد بوجود “فراغ مطلق” absolute space و”زمن مطلق” absolute time.

مفهوم “الفراغ المطلق” عند Newton هو على ما أظن شبيه بمفهوم الفراغ عند Descartes، ولكن Newton في كتاباته رفض اعتبار الفراغ المطلق جوهرا substance لأنه يفتقد للقدرة السببية causal power ولأنه لا يملك وجودا مستقلا. هو وصف الفراغ المطلق بـ”الجوهر الزائف” pseudo-substance.

مفهوم الفراغ المطلق عند Newton هو على ما أظن شبيه بمفهوم “الأثير” aether الذي كان الفيزيائيون يعتقدون بوجوده حتى بداية القرن العشرين.

الأثير هو فكرة يونانية الأصل. اليونانيون القدماء كانوا يعتقدون بأن الكون هو مؤلف من أربعة عناصر أساسية هي النار والهواء والماء والتراب. الفيلسوف المشعوذ أرسطو أضاف عنصرا خامسا هو “الأثير” αἰθήρ. هذا العنصر المزعوم يفتقد لمعظم الخصائص المادية ووظيفته الأساسية هي حمل النجوم والأجرام السماوية.

Ptolemy universe

الأوروبيون في القرون الوسطى أطلقوا على الأثير مسمى quintessence (“العنصر الخامس”). الفيزيائيون الأوروبيون في القرن 19 كانوا يعتقدون أن الأثير هو الوسط الذي ينتقل عبره الضوء والموجات الكهرومغناطيسية بشكل عام. بعضهم ربما كان يعتقد حتى أن الأثير هو الوسط الذي تنتقل عبره قوة الجذب الكتلي gravitation.

الأثير باختصار كان عبارة عن مادة خفية تملئ الفضاء وتسبح فيها الكواكب وتنتقل عبرها الموجات الكهرومغناطيسية. فكرة الأثير كانت أشبه بحل سحري يستخدمه الفيزيائيون لتفسير الأمور التي يعجزون عن إدراكها، ولكن لا أحد استطاع أن يثبت وجود الأثير بالدليل الملموس. الاعتقاد بوجود الأثير اختفى في القرن العشرين، والفضل الأساسي في ذلك يعود لألبرت أينشتاين.

الفراغ عند Leibniz

Gottfried Leibniz

الفيلسوف الألماني Gottfried Leibniz (نهاية القرن 17) رفض مفهوم الفراغ الذي طرحه كل من Descartes و Newton.

حسب Leibniz فإن الفراغ هو ليس شيئا أو كيانا حقيقيا ولكنه مجرد فكرة في عقول البشر.

مفهوم الفراغ هو نابع من إدراكنا للأشياء. لو لم تكن هناك أشياء لما كان هناك وجود لمفهوم الفراغ.

Leibniz اعتبر أن مفهوم الفراغ هو تعميم أو توسيع لمفهوم المكان place.

“المكان” هو ليس شيئا حقيقيا ولكنه مجرد علاقة relation بين شيئين.

لكي نحدد “مكان” شيء ما نحن نحتاج لشيء آخر. مثلا لو كان هناك كوكبان في السماء فنحن نستطيع أن نحدد مكان الكوكب الأول بقياس بعده عن الكوكب الثاني، ولكن لو كان هناك كوكب واحد فقط في السماء فنحن لن نستطيع أن نحدد مكانه. مفهوم المكان في هذه الحالة لن يكون له معنى.

الفراغ space هو مجموع الأمكنة places التي يمكن أن تتواجد فيها الأشياء. بما أن المكان هو ليس شيئا ولكنه مجرد فكرة (مجرد علاقة relation) فهذا يوصلنا إلى أن الفراغ هو أيضا ليس شيئا ولكنه مجرد فكرة.

فلسفة Kant

Immanuel Kant (القرن 18) درس بشكل معمق طروحات الفلاسفة الذين سبقوه وخرج بأفكار جديدة أحدثت ثورة في عالم الفلسفة.

Kant اتفق مع Leibniz في أن الفراغ هو فكرة وليس شيئا حقيقيا، ولكن Kant رأى أن فكرة الفراغ هي ليست نابعة من إدراكنا للأشياء المحسوسة.

قبل Kant كان الاتجاه العام السائد في الفلسفة الغربية هو نحو التجريبيةempiricism  والشك skepticism. الفكر التجريبي يرى أن كل الأفكار والمفاهيم التي في عقل الإنسان هي مشتقة من إدراكه الحسي، والفكر الشكي يرى أن الإدراك الحسي هو غير موثوق.

John Locke كان من الشكاكين، ولكنه لم ينف الوجود الحقيقي لأشياء مادية ترسل الأحاسيس نحو العقل البشري. الأسقف George Berkeley كان أيضا من الشكاكين، ولكنه كان مثاليا idealist ونفى وجود أشياء مادية ترسل الأحاسيس نحو العقل البشري. هو زعم أن مصدر الأحاسيس التي تصل إلى العقل البشري هو الله.

David Hume

أكبر الشكاكين على ما أظن هو David Hume. حسب هذا الفيلسوف فإن العقل لا يمكنه أن يتأكد من الوجود الحقيقي للمادة أو الروح، ولا يمكنه حتى أن يتأكد من صحة القوانين الفيزيائية، لأن هذه القوانين لا تستند على أسس منطقية ولكنها مستقاة من الإدراك الحسي.

Immanuel Kant كان ملما بأفكار الفلاسفة الشكاكين، وهو طور هذه الأفكار عبر التمييز بين مفهومين:

  • المفهوم الأول أطلق عليه مسمى phenomenon. المقصود بهذه الكلمة هو الإدراك الحسي perception الذي ينشأ في العقل بسبب وصول الأحاسيس (يسمى أيضا التمثيل representation أو المظهر appearance).
  • المفهوم الثاني أطلق عليه مسمى noumenon. المقصود بهذه الكلمة هو إدراك وجود شيء يرسل الأحاسيس نحو العقل (وبالتالي يتسبب في ظهور الـ phenomenon في العقل).

الـ phenomenon هو مجرد فكرة في العقل وليس شيئا قائما بذاته (بالألمانية: Ding an sich).

الشيء القائم بذاته Ding an sich حسب مصطلحات Kant هو الشيء الحقيقي الموجود خارج العقل والذي يرسل الأحاسيس التي تؤدي لتوليد الـ phenomenon في العقل. هل الشيء القائم بذاته هو نفسه الـ noumenon؟ كثير من مفسري Kant يقولون ذلك، ولكن بعض المفسرين يرون أن هناك فرقا في المعنى بين المصطلحين.

ما يبدو لي هو أن Kant يميز بين الشيء القائم بذاته وبين الـ noumenon. على ما يبدو فإن كلمة noumenon عند Kant تشير إلى فكرة موجودة في العقل، وأما الـ Ding an sich فهو شيء حقيقي وليس فكرة.

ما يلي كلام لـ Kant حول الـ noumenon. أسفل النص الألماني هناك ترجمة إلى اللغة الإنكليزية، وفي أسفل الترجمة الإنكليزية هناك تفسير باللغة العربية. لو أنني ترجمت النص حرفيا إلى اللغة العربية فالنتيجة ستكون كلاما صعب الفهم. لهذا السبب قررت أن أفسر النص بدلا من أن أترجمه.

Der Begriff eines Noümenon, d. i. eines Dinges, welches gar nicht als Gegenstand der Sinne, sondern als ein Ding an sich selbst (lediglich durch einen reinen Verstand) gedacht werden soll, ist gar nicht widersprechend; denn man kan von der Sinnlichkeit doch nicht behaupten, daß sie die einzige mögliche Art der Anschauung sey. Ferner ist dieser Begriff nothwendig, um die sinnliche Anschauung nicht bis über die Dinge an sich selbst auszudehnen, und also um die obiective Gültigkeit der sinnlichen Erkentniß einzuschränken (denn das übrige, worauf iene nicht reicht, heissen eben darum Noümena, damit man dadurch anzeige, iene Erkentnisse können ihr Gebiet nicht über alles, was der Verstand denkt, erstrecken). Am Ende aber ist doch die Möglichkeit solcher Noümenorum gar nicht einzusehen, und der Umfang ausser der Sphäre der Erscheinungen ist (für uns) leer, d. i. wir haben einen Verstand, der sich problematisch weiter erstreckt als iene, aber keine Anschauung, ia auch nicht einmal den Begriff von einer möglichen Anschauung, wodurch uns ausser dem Felde der Sinnlichkeit Gegenstände gegeben und der Verstand über dieselbe hinaus assertorisch gebraucht werden könne. Der Begriff eines Noümenon ist also blos ein Gränzbegriff, um die Anmaßung der Sinnlichkeit einzuschränken, und also nur von negativem Gebrauche.

[…]

Unser Verstand bekomt nun auf diese Weise eine negative Erweiterung; d. i. er wird nicht durch die Sinnlichkeit eingeschränkt, sondern schränkt vielmehr dieselbe ein, dadurch daß er Dinge an sich selbst (nicht als Erscheinungen betrachtet) Noümena nent. Aber er sezt sich auch sofort selbst Gränzen, sie durch keine Kategorien zu erkennen, mithin sie nur unter dem Namen eines unbekanten Etwas zu denken.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 1, Seiten 254-256

===============================================================

The conception of a noumenon, that is, of a thing which must be cogitated not as an object of sense, but as a thing in itself (solely through the pure understanding), is not self-contradictory, for we are not entitled to maintain that sensibility is the only possible mode of intuition. Nay, further, this conception is necessary to restrain sensuous intuition within the bounds of phenomena, and thus to limit the objective validity of sensuous cognition; for things in themselves, which lie beyond its province, are called noumena for the very purpose of indicating that this cognition does not extend its application to all that the understanding thinks. But, after all, the possibility of such noumena is quite incomprehensible, and beyond the sphere of phenomena, all is for us a mere void; that is to say, we possess an understanding whose province does problematically extend beyond this sphere, but we do not possess an intuition, indeed, not even the conception of a possible intuition, by means of which objects beyond the region of sensibility could be given us, and in reference to which the understanding might be employed assertorically. The conception of a noumenon is therefore merely a limitative conception and therefore only of negative use.

[…]

Our understanding attains in this way a sort of negative extension. That is to say, it is not limited by, but rather limits, sensibility, by giving the name of noumena to things, not considered as phenomena, but as things in themselves. But it at the same time prescribes limits to itself, for it confesses itself unable to cognize these by means of the categories, and hence is compelled to cogitate them merely as an unknown something.

===============================================================

مفهوم الـ noumenon، أي الشيء الذي يجب التفكير فيه ليس بوصفه مدركا حسيا ولكن بوصفه شيئا قائما بذاته (عبر العقل المجرد حصرا) هو ليس متناقضا، لأنه لا يحق لنا أن نقول أن الإحساس هو الطريقة الوحيدة للمعرفة. هذا المفهوم هو أيضا ضروري لحصر المعرفة الحسية ضمن حدود الظواهر phenomena، وبالتالي وضع حد للمصداقية الشيئية (objective validity) obiective Gültigkeit للمعرفة الحسية، لأن الأشياء القائمة بذاتها التي تقع خارج نطاق المعرفة الحسية ما سميت noumena إلا لإظهار أن المعرفة الحسية لا تشمل كل ما يدور في العقل من أفكار. ولكن رغم ذلك فإن إمكانية هذه الـ noumena هي غير قابلة للتصور، وكل شيء خارج نطاق الظواهر phenomena هو بالنسبة لنا خواء، بمعنى أننا نملك عقلا يمتد نطاقه على نحو إشكالي إلى خارج حيز الظواهر، ولكننا لا نملك معرفة، ولا حتى تصورا لمعرفة، يمكن عبرها أن نصل إلى الأشياء التي تقع خارج نطاق الإحساس ويمكن أن نبني على أساسها أفكارا موثوقة. لهذا السبب فإن مفهوم الـ noumenon هو مجرد مفهوم للحصر وليس له سوى استخدام سلبي.

[…]

عقلنا يكتسب بهذه الطريقة نوعا من الامتداد السلبي، بمعنى أنه ليس محصورا بالإدراك الحسي ولكنه يحصر الإدراك الحسي عبر إعطاء تسمية noumena للأشياء التي لا تعتبر ظواهر phenomena ولكن أشياء قائمة بذاتها. ولكنه في نفس الوقت يضع حدودا لنفسه، لأنه يعترف بأنه غير قادر على معرفة هذه الأشياء عبر الفئات categories، وبالتالي هو مضطر لأن يفكر فيها على أنها أشياء مجهولة.

هذا النص (وغيره) يدل على أن الـ noumenon هو فكرة موجودة في العقل، ولكن هذه الفكرة ليست مشتقة من الحواس.

Kant يتحدث دائما عن نوعين من الأفكار، نوع مشتق بشكل مباشر من الحواس ونوع آخر غير مشتق بشكل مباشر من الحواس. هو يطلق على الأفكار المشتقة بشكل مباشر من الحواس مسمى “العالم الحسي” mundus sensibilis، ويطلق على الأفكار غير المشتقة بشكل مباشر من الحواس مسمى “العالم الفهمي” mundus intelligibilis. ما يبدو لي هو أن Kant يستخدم كلمة “الفهم” (understanding) Verstand كتسمية للتفكير الذي لا يعتمد بشكل مباشر على الحواس، وأما التفكير الذي يعتمد بشكل مباشر على الحواس فهو يسميه “الفطرة الحسية” (sensuous intuition) sinnliche Anschauung أو “المعرفة الحسية” (sensuous cognition) sinnliche Erkenntnis.

الـ noumenon هو فكرة نابعة من “الفهم” Verstand، أي أنه فكرة غير نابعة بشكل مباشر من الحواس. المقصود بالـ noumenon هو اعتقاد الإنسان بوجود شيء قائم بذاته Ding an sich يرسل الأحاسيس إلى عقله.

Kant يقول أن الـ noumenon هو مجرد مفهوم للحصر (limitative concept) Grenzbegriff، بمعنى أن الهدف منه هو وضع حد واقعي لمعرفة الإنسان النابعة من الإحساس.

ما يقصده Kant هو ما يلي: لو أن الإنسان لم يعتقد بالـ noumenon فهو لن يدرك وجود فرق بين الـ phenomenon (الفكرة الموجودة في العقل) وبين الشيء القائم بذاته Ding an sich (الشيء الحقيقي الموجود خارج العقل). الاعتقاد بالـ noumenon هو ضروري لكي يفهم الإنسان أن الـ phenomenon هو مجرد فكرة موجودة في عقله وليست أكثر من ذلك.

طبعا ليس كل الناس يفهمون الفرق بين الـ noumenon والـ phenomenon، ولكنني أظن أن Kant يتحدث في هذه المسألة عن زملائه الفلاسفة وليس عن عامة الناس. أصلا كتابه المسمى Critique of Pure Reason هو موجه حصرا للفلاسفة ولا أظن أن هناك أحدا قرأ هذا الكتاب عند نشره سوى الفلاسفة.

Kant وصف الـ noumenon بأنه شيء غير معروفunbekannt  وغير قابل للتصور gar nicht einzusehen وإشكالي problematisch وخواء leer. مثل هذه الألفاظ تكررت كثيرا في حديثه عن الـ noumenon، ولكنه رغم ذلك أصر على أن الـ noumenon هو فكرة ضرورية بسبب دورها في حصر المعرفة الحسية ومنع اكتسابها الطابع الشيئي objective (كما ذكرنا في الأعلى).

كيف نوفق بين كون الـ noumenon غير قابل للتصور وإشكالي إلخ وبين كونه فكرة ضرورية؟

ما يلي جواب Kant:

Gleichwohl wird, welches wohl gemerkt werden muß, doch dabei immer vorbehalten, daß wir eben dieselben Gegenstände auch als Dinge an sich selbst, wenn gleich nicht erkennen, dochwenigstens müssen denken können.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 25

===============================================================

At the same time, it must be carefully borne in mind that while we surrender the power of cognizing, we still reserve the power of thinking objects as things in themselves.

Kant يميز هنا بين “التعرف” (cognizing) erkennen وبين “التفكير” (thinking) denken. ما يلي شرحه للفرق:

In order to cognize an object, I must be able to prove its possibility, either from its reality as attested by experience, or a priori, by means of reason. But I can think what I please, provided only I do not contradict myself; that is, provided my conception is a possible thought, though I may be unable to answer for the existence of a corresponding object in the sum of possibilities. But something more is required before I can attribute to such a conception objective validity, that is real possibility—the other possibility being merely logical. We are not, however, confined to theoretical sources of cognition for the means of satisfying this additional requirement, but may derive them from practical sources.

أنا لا أدعي أنني أعرف تماما ما الذي يقصده، ولكنني أظن أنه يريد أن يقول ما يلي: الـ noumenon هو فكرة غير واقعية وغير قابلة للتصور لأننا لا نملك أي دليل حسي أو عقلي على إمكانيته، ولكنه رغم ذلك ليس فكرة مستحيلة.

سأضرب مثالا للتوضيح. لو جاء شخص وأخبرني أنه يعتقد بوجود كائنات “غير مادية” تعيش في العالم من حولنا فإنني سأستهجن كلامه وسأعتبره كلاما غير قابل للتصور، ولكنني رغم ذلك لن أعتبره كلاما مستحيلا.

أنا لا أستطيع أن أتصور وجود كائنات غير مادية، لأنني لم أتعامل سابقا مع شيء غير مادي حتى أستطيع أن أتخيل شيئا كهذا، ولكنني رغم ذلك لا أستطيع أن أقول أن وجود كائنات غير مادية هو أمر مستحيل، لأنه ليس أمرا مستحيلا من الناحية المنطقية. أنا فقط أعجز عن استيعابه أو تصوره. عجزي عن استيعابه أو تصوره لا يعني أنه مستحيل.

هذا على ما أظن هو ما يريد Kant أن يقوله. هو يقول أن الـ noumenon هو مفهوم غير قابل للتصور، ولكنه رغم ذلك مفهوم ضروري ويجب أن نؤمن به.

لماذا يجب أن نؤمن بهذا المفهوم؟ ما يلي هو جواب Kant:

Denn sonst würde der ungereimte Satz daraus folgen, daß Erscheinung ohne etwas wäre, was da erscheint.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 26

===============================================================

For, otherwise, we should require to affirm the existence of an appearance, without something that appears—which would be absurd.

===============================================================

لأننا لو لم نعتقد بوجود الأشياء القائمة بذاتها فهذا سيلزمنا بأن نعتقد بوجود مظهر دون شيء يظهر، وهو قول بلا معنى.

Kant هو مقتنع تماما بوجود “الشيء القائم بذاته” Ding an sich، وهو رفض أطروحة الأسقف George Berkeley الذي اعتبر أن المدركات الحسية (الظواهر phenomena) هي ليست نابعة من أشياء مادية. Kant يقول أن وجود المظهر (appearance) Erscheinung يتطلب وجود شيء يظهر (something that appears) etwas was erscheint. بالنسبة له هذه حتمية منطقية.

خلاصة ما سبق هي أننا يجب أن نميز بين ثلاثة مفاهيم:

  • الشيء القائم بذاته Ding an sich هو الشيء الحقيقي الذي يرسل الأحاسيس نحو العقل. وجود هذا الشيء هو بالنسبة لـ Kant ضرورة منطقية.
  • المظهر phenomenon هو المتجلي الحسي الذي يظهر في العقل بسبب وصول الأحاسيس من الشيء القائم بذاته.
  • الـ noumenon هو إدراك العقل لوجود الشيء القائم بذاته.

المثالية العابرة

أهم طرح أتى به Kant هو زعمه بأن الإدراك الحسي (تكوين الظواهر phenomena في العقل) يتطلب الاستعانة بمفاهيم فكرية تجريدية غير مستقاة من العالم المحسوس ولكنها مزروعة في “الفهم” Verstand على نحو فطري أو غريزي. Kant أطلق على هذا الطرح مسمى “المثالية العابرة” transcendental idealism.

حسب أطروحة المثالية العابرة فإن تكوين الظواهر phenomena في العقل يتطلب الاستعانة بالمفاهيم الفطرية التالية:

  • Quantity (Unity, Plurality, Totality)
  • Quality (Reality, Negation, Limitation)
  • Relation (Inherence and Subsistence (substance and accident), Causality and Dependence (cause and effect), Community (reciprocity))
  • Modality (Possibility, Existence, Necessity)

===============================================================

  • الكمية (الوحدة، التعدد، الكلية)
  • النوعية (الواقعية، النفي، الحدود)
  • العلاقة (الجوهر والخصائص، السبب والمسبب، التبادلية)
  • الجهة (الإمكانية، الوجود، الضرورة)

هذه المفاهيم التجريدية الفطرية تسمى “الفئات” categories.

حسب Kant فإن معرفة العقل بالفئات هي ليست مستقاة من الإدراك الحسي ولكنها معرفة فطرية سابقة للإدراك الحسي a priori.

الفراغ في فلسفة Kant

Kant كان مطلعا على كتابات Gottfried Leibniz. مفهوم الفراغ عند Kant هو نفس مفهوم الفراغ عند Leibniz، بمعنى أن Kant كان ينظر للفراغ على أنه مجرد علاقة relation بين الأشياء، أي أن الفراغ هو مجرد فكرة أو مفهوم موجود في العقل وليس كيانا واقعيا.

الطرح الغريب الذي أتى به Kant وتميز به عن كل سابقيه هو قوله بأن مفهوم الفراغ ليس مشتقا من إدراكنا للمحسوسات، ولكنه في أصله مفهوم فطري مزروع في “الفهم”. الفراغ هو مفهوم علاقي أو نسبي relational، وKant يعتبر أن المفاهيم العلاقية relational هي “فئة” category في “الفهم”.

حسب Kant فإن وجود مفهوم الفراغ في “الفهم” هو شرط ضروري لكي يتمكن العقل من إدراك المحسوسات أو تكوين الظواهر phenomena. لولا وجود مفهوم الفراغ في “الفهم” فإن العقل ما كان ليستطيع أن يدرك المحسوسات.

ما يلي كلام لـ Kant حول الفراغ (مع ترجمة إلى الإنكليزية وتفسير بالعربية):

1) der Raum ist kein empirischer Begriff, der von äusseren Erfahrungen abgezogen worden. Denn damit gewisse Empfindungen auf etwas ausser mich bezogen werden, (d. i. auf etwas in einem andern Orte des Raumes, als darinnen ich mich befinde,) imgleichen damit ich sie als ausser einander, mithin nicht blos verschieden, sondern als in verschiedenen Orten vorstellen könne, dazu muß die Vorstellung des Raumes schon zum Grunde liegen. Demnach kan die Vorstellung des Raumes nicht aus den Verhältnissen der äussern Erscheinung durch Erfahrung erborgt seyn, sondern diese äussere Erfahrung ist selbst nur durch gedachte Vorstellung allererst möglich.

2) Der Raum ist eine nothwendige Vorstellung, a priori, die allen äusseren Anschauungen zum Grunde liegt. Man kan sich niemals eine Vorstellung davon machen, daß kein Raum sey, ob man sich gleich ganz wohl denken kan, daß keine Gegenstände darin angetroffen werden. Er wird also als die Bedingung der Möglichkeit der Erscheinungen, und nicht als eine von ihnen abhängende Bestimmung angesehen, und ist eine Vorstellung a priori, die nothwendiger Weise äusseren Erscheinungen zum Grunde liegt.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 1, Seite 23

===============================================================

1. Space is not a conception which has been derived from outward experiences. For, in order that certain sensations may relate to something without me (that is, to something which occupies a different part of space from that in which I am); in like manner, in order that I may represent them not merely as without, of, and near to each other, but also in separate places, the representation of space must already exist as a foundation. Consequently, the representation of space cannot be borrowed from the relations of external phenomena through experience; but, on the contrary, this external experience is itself only possible through the said antecedent representation.

2. Space then is a necessary representation a priori, which serves for the foundation of all external intuitions. We never can imagine or make a representation to ourselves of the non-existence of space, though we may easily enough think that no objects are found in it. It must, therefore, be considered as the condition of the possibility of phenomena, and by no means as a determination dependent on them, and is a representation a priori, which necessarily supplies the basis for external phenomena.

===============================================================

1) الفراغ ليس مفهوما مشتقا من الإحساس الخارجي. لأنني لكي أنشئ علاقة بين أحاسيس معينة وبين شيء يقع خارجي (أي شيء يقع في جزء من الفراغ يختلف عن الجزء الذي أقع فيه)، وأيضا لكي أمثّل هذه الأحاسيس على أنها تقع في أماكن مختلفة وليست فقط مختلفة عن بعضها، لا بد لمفهوم الفراغ أن يكون موجودا في أساس إدراكي لهذه الأحاسيس. بالتالي مفهوم الفراغ لا يمكن أن يكون مستعارا من الإحساس بالعلاقات بين الظواهر الخارجية relations of external phenomena، ولكن على النقيض: الإحساس الخارجي هو نفسه غير ممكن إلا من خلال هذا المفهوم.

2) الفراغ هو مفهوم مسبق ضروري وهو يمثل الأساس لكل المدركات الحسية. لا يمكننا أبدا أن نتخيل أو نتصور عدم وجود الفراغ، رغم أننا نستطيع أن نتصور عدم وجود أشياء objects فيه. لهذا السبب لا بد من اعتباره شرطا لإمكانية الظواهر phenomena، وليس بأي حال من الأحوال نتيجة معتمدة عليها، وهو مفهوم مسبق a priori، ما يعني بالضرورة أنه يمثل أساس الظواهر الخارجية external phenomena.

تركيب الأحاسيس

من المفاهيم المهمة التي وردت في فلسفة Kant مفهوم “تركيب المدركات الحسية المتجزئة” Verbindung (conjunctio) eines Mannigfaltigen.

المدرك الحسي هو مكون من عناصر عديدة (مثلا الصورة التي يراها الإنسان عبر عينيه هي مكونة من العديد من الأشكال والألوان إلخ). Kant يقول أن العقل يستقبل عناصر المدرك الحسي على نحو متفرق وليس على نحو مجمع. تجميع العناصر يتم في العقل، وتحديدا في “الفهم”.

حسب Kant فإن هذا الطرح هو ضروري لتفسير معرفتنا بقوانين الطبيعة. لو كان عقلنا يستقبل المدركات الحسية مجمعة فإنه ما كان ليملك معرفة بالقوانين التي تحكم الطبيعة. بما أن “الفهم” يعي مبادئ وقوانين تحكم الطبيعة فهذا يستلزم أنه يقوم بنفسه بتطبيق هذه المبادئ والقوانين على العناصر الحسية المتفرقة التي تصل إليه.

ما يلي كلام لـ Kant:

Allein die Verbindung (conjunctio) eines Mannigfaltigen überhaupt, kann niemals durch Sinne in uns kommen, und kann also auch nicht in der reinen Form der sinnlichen Anschauung zugleich mit enthalten sein; denn sie ist ein Aktus der Spontaneität der Vorstellungskraft, und, da man diese, zum Unterschiede von der Sinnlichkeit, Verstand nennen muß, so ist alle Verbindung, wir mögen uns ihrer bewußt werden oder nicht, es mag eine Verbindung des Mannigfaltigen der Anschauung, oder mancherlei Begriffe, und an der ersteren der sinnlichen, oder nicht sinnlichen Anschauung sein, eine Verstandeshandlung, die wir mit der allgemeinen Benennung Synthesis belegen würden, um dadurch zugleich bemerklich zu machen, daß wir uns nichts, als im Objekt verbunden, vorstellen können, ohne es vorher selbst verbunden zu haben.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 130

===============================================================

But the conjunction (conjunctio) of a manifold in intuition never can be given us by the senses; it cannot therefore be contained in the pure form of sensuous intuition, for it is a spontaneous act of the faculty of representation. And as we must, to distinguish it from sensibility, entitle this faculty understanding; so all conjunction whether conscious or unconscious, be it of the manifold in intuition, sensuous or non-sensuous, or of several conceptions—is an act of the understanding. To this act we shall give the general appellation of synthesis, thereby to indicate, at the same time, that we cannot represent anything as conjoined in the object without having previously conjoined it ourselves.

===============================================================

ولكن تجميع المدرك الحسي المتجزئ في العقل لا يمكن أبدا أن يعطى لنا عبر الحواس، ولهذا السبب فإنه لا يمكن أن يكون موجودا في الشكل النقي من العقل الحسي، لأن هذا العقل هو عمل عفوي لقدرة العقل التمثيلية [مدونة هاني: كلمة “التمثيل” representation هي مرادف للإدراك الحسي perception]. لهذا يجب علينا أن نميز قدرة العقل التجميعية عن قدرة العقل الحسية عبر إطلاق مسمى الفهم على القدرة الأولى، بحيث أن كل التجميع هو من عمل الفهم، سواء كان واعيا أم غير واع، وسواء كان متعلقا بالمدركات المتجزئة الحسية أم غير الحسية، أو متعلقا بعدة مفاهيم. سوف نطلق على هذا العمل مسمى “التركيب” synthesis، بحيث نوضح في نفس الوقت أننا لا نستطيع أن نمثل أي شيء مجمعا دون أن نكون قد جمعناه بأنفسنا.

أطروحة “التركيب” synthesis التي تحدث عنها Kant تتوافق مع طريقة عمل الدماغ البشري التي نعرفها حاليا. مثلا لو أخذنا حس البصر كمثال فسنجد أن الدماغ لا يستقبل الصور الساقطة على العينين على نحو مجمع.

شبكية العين تحوي عددا كبيرا من الخلايا العصبية التي تسمى “الخلايا العقدية الشبكية” retinal ganglion cells. كل واحدة من هذه الخلايا تستقبل إشارات عصبية قادمة من مستقبلات ضوئية تغطي جزءا صغيرا من مجال الرؤية، بمعنى أن كل واحدة منها ترى جزءا صغيرا من الصورة الإجمالية التي تراها العين.

اللافت هو أن هذه الخلايا تؤدي وظائف متنوعة: بعضها ينقل إشارات عصبية إلى خلايا دماغية مسؤولة عن إدراك اللون أو الشكل الهندسي، وبعضها الآخر ينقل إشارات عصبية إلى خلايا دماغية مسؤولة عن إدراك اتجاه الحركة.

هذا يدل على أن شبكية العين لا تستقبل الصورة على نحو مجمع ولكنها تستقبل عناصر متجزئة شبيهة بالـ Mannigfaltig (المدرك الحسي المتجزئ) الذي تحدث عنه Kant.

التجميع النهائي للـ Mannigfaltig لا يتم إلا في مناطق دماغية عالية جدا. بعض الباحثين يزعمون أن هذا التجميع لا يتم في الدماغ الفيزيائي ولكنه يتم في “عقل غير فيزيائي”.

تجميع الـ Mannigfaltig يتطلب مشاركة مناطق عديدة من القشرة المخية. مثلا القشرة الجدارية parietal cortex تلعب دورا في تجميع الـ Mannigfaltig، ونحن نعلم أن هذه القشرة هي مسؤولة عن الحس الفراغي spatial sense. هذا يذكرنا بكلام Kant عندما قال أن تجميع الـ Mannigfaltig هو غير ممكن دون الاستعانة بمفهوم الفراغ الموجود في “الفهم”.

القشرة الجدارية في النصف الأيمن من المخ هي مسؤولة عن الحس الفراغي على الجهة اليسرى من الجسم (والعكس صحيح). لو أصيبت القشرة الجدارية اليمنى بالتلف (مثلا بسبب جلطة دموية) فإن الإنسان سيصبح عاجزا عن إدراك أي شيء يقع على جهته اليسرى. هذه الحالة المرضية تسمى “الإهمال نصف الفراغي” hemispatial neglect. المصابون بهذه الحالة لا يشعرون بالأشياء التي تقع على الجهة المقابلة لجهة الإصابة في المخ. مثلا عند الأكل هم ربما يأكلون الطعام الموجود في النصف الأيمن من الطبق ويتركون الطعام الموجود في النصف الأيسر، لأنهم لا يعون أن هناك طعاما وطبقا على الجهة اليسرى. هم حتى لا يعون أنهم يملكون ذراعا يسرى ورجلا يسرى. بالنسبة لهم النصف الأيسر من العالم هو غير موجود.

حالة “الإهمال نصف الفراغي” تتوافق مع طروحات Kant. هو قال أن مفهوم الفراغ هو شرط مسبق للإدراك الحسي، ودون مفهوم الفراغ فإن العقل لا يستطيع أن يدرك الأشياء. لهذا السبب فإن القشرة الجدارية (المسؤولة عن مفهوم الفراغ) هي ضرورية للإدراك الحسي.

القشرة أمام الجبهية prefrontal cortex تساهم أيضا في الإدراك الحسي. هذه القشرة هي مسؤولة عن المعالجة المنطقية، أي أنها مسؤولة عن العديد من “قوانين الطبيعة” التي تحدث عنها Kant وقال أنها ضرورية لتجميع الـ Mannigfaltig.

مصادر

  • Stanford Encyclopedia of Philosophy
  • Wikipedia, the free encyclopedia

الدماغ البشري (15)

التحديق المزدوج conjugate gaze يعني تحريك العينين في آن واحد نحو نفس الهدف. الخلل في هذه العملية يضعف جودة الرؤية ثنائية العين binocular vision ويسبب الرؤية المزدوجة diplopia.

التحديق المزدوج يمكن أن يكون في ثلاثة اتجاهات أساسية:

  • التحديق العموديvertical gaze  (تحريك العينين إلى الأعلى أو الأسفل)
  • التحديق الجانبي أو الأفقيlateral or horizontal gaze  (تحريك العينين إلى اليمين أو اليسار)
  • المقاربةconvergence  (تحريك العينين إلى الداخل)

ocular movements eye gazeالطَّرْف والتثبيت والتعقب السلس

الطَّرْف saccade هو أحد أساليب تحريك العينين عند البشر. العينان تتحركان بهذا الأسلوب للنظر نحو جسم جديد دخل إلى مجال الرؤية.

أعضاء الحس عند البشر تتعامل في كل لحظة مع عدد هائل من المؤثرات الحسية، ولكن كثيرا من هذه المؤثرات الحسية هي قليلة الأهمية. على سبيل المثال، عندما أستمع إلى شخص يتحدث عبر مكبر صوت فإنني ربما أسمع ضجيجا مرافقا لكلامه، ولكن هذا الضجيج هو ناتج من الآلة وليس من كلام الرجل، وهو غير مهم بالنسبة لي مقارنة بالكلام الذي يقوله الرجل.

عندما أشاهد التلفاز فإنني ربما أشاهد بعض التشويش على الشاشة، ولكن هذا التشويش هو غير مهم بالنسبة لي مقارنة بالأمور الأخرى التي تظهر على الشاشة.

كثير من الأحاسيس التي تصل إلى الدماغ هي مجرد تشويش أو أحاسيس قليلة الأهمية. لهذا السبب الدماغ لا يستطيع أن يتعامل بجدية مع كل الأحاسيس التي تصل إليه وإلا فإنه سيصاب بالضياع والاستنزاف.

الدماغ يصنف الأحاسيس حسب أهميتها. الدماغ يعتبر أن بعض الأحاسيس التي تصل إليه هي أهم من غيرها، وبناء على ذلك هو يقوم بتوجيه طاقته الإدراكية نحو هذه الأحاسيس المهمة. هذه العملية تسمى “الانتباه” attention. المقصود بالانتباه هو توجيه طاقة الإدراك الحسي نحو أحاسيس معينة على حساب أحاسيس أخرى.

المؤثرات الحسية التي تجذب انتباه الدماغ أكثر من سواها تسمى مؤثرات حسية “بارزة” salient. بروز المؤثر الحسي salience يعتمد على عدة معايير. من هذه المعايير اختلاف المؤثر الحسي عن المؤثرات الأخرى المرافقة له. مثلا لو شاهدت ورقة بيضاء فيها 49 نقطة خضراء ونقطة واحدة حمراء فإن النقطة الحمراء ستجذب انتباهي، أي أنها ستكون بارزة salient. أيضا ندرة المؤثر الحسي لها دور في بروزه. مثلا لو كنت أستمع طوال اليوم إلى نغمة معينة ثم سمعت فجأة نغمة مختلفة فإن النغمة المختلفة ستجذب انتباهي.

الذاكرة أيضا تلعب دورا في تحديد بروز المؤثر الحسي. الإنسان يختزن في ذاكرته أمورا معينة تعتبر بالنسبة له أمورا مهمة، وعندما يستقبل مؤثرات حسية لها علاقة بهذه الأمور فإنه يتعامل معها بانتباه.

حركة الطَّرْف saccade هي الطريقة التي تتعامل بها العينان مع المؤثرات البصرية البارزة salient التي تدخل فجأة إلى مجال الرؤية. الطَّرْف يعني تحريك العينين بأقصى سرعة ممكنة نحو نقطة معينة في مجال الرؤية. مثلا لو كنت أراقب السماء ثم ظهرت فجأة طائرة في السماء فإن عيناي ستنفذان حركة طَرْف نحو موقع الطائرة. بعد ذلك سيقوم دماغي بتثبيت عيني على الطائرة لكي يتمكن من إدراكها. عملية التثبيت fixation تتطلب تدخل الأنوية الدهليزية vestibular nuclei في جذع الدماغ بالتعاون مع المخيخ cerebellum.

الطائرة لن تتوقف عندما أثبت عيني عليها ولكنها ستستمر في التحرك. لهذا السبب سيقوم دماغي بتنشيط آلية تحديق خاصة تسمى “التعقب السلس” smooth pursuit. ما يحدث في هذه الآلية هو أن عيناي تتحركان بنفس السرعة التي تتحرك بها الطائرة في مجال الرؤية بهدف إبقاء صورتها ثابتة على نقرة الشبكية fovea.

المؤثرات البارزة المعقدة

في الأعلى أنا ضربت أمثلة على مؤثرات حسية بارزة ذات تعقيد بسيط نسبيا (مثلا نقطة حمراء إلخ)، ولكن كثيرا من المؤثرات الحسية البارزة التي يتعامل معها الدماغ هي ذات تكوين معقد.

على سبيل المثال، الإنسان يرى في حياته اليومية الكثير من الوجوه faces. بعض الوجوه التي يراها الإنسان في حياته اليومية هي ليست بارزة (مثلا وجوه الناس المارين في الشارع)، ولكن هناك وجوها أخرى يهم الإنسان أن يتعرف على أصحابها، ولكي يتعرف على أصحابها لا بد له أن ينتبه إليها ويدقق فيها.

التمييز بين الوجوه المختلفة هو أمر صعب، لأن وجوه البشر تشبه بعضها، والإنسان يجب أن يدقق في الكثير من تفاصيل الوجه حتى يتمكن من تمييزه عن غيره. هو طبعا يجب أن يحفظ تفاصيل الوجوه في ذاكرته إن أراد التعرف عليها لاحقا. من الأمور اللافتة التي كشفتها الأبحاث الحديثة أن هناك منطقة كبيرة في قشرة المخ متخصصة في حفظ الوجوه. هذه المنطقة تقع في أسفل الفص الصدغي temporal lobe على الجانب الوحشي للتلفيف المغزلي fusiform gyrus وتسمى أحيانا “منطقة الوجوه المغزلية” fusiform face area.

منظر إنسي medial لنصف الكرة المخية cerebral hemisphere الأيسر يظهر فيه التلفيف المغزلي fusiform gyrus

عندما يرى الإنسان وجها بارزا salient فإن عينيه تنفذان عددا كبيرا من حركات الطرف بهدف التعرف على الوجه:

الرسم أعلاه يبين النقاط التي تنظر إليها العينان بهدف التعرف على وجه. من هذا الرسم يتبين أن العينين تركزان على محيط الوجه والعينين والأنف والفم.

الدماغ عندما يرى جسما معقدا (كالوجه) فإنه يركز في البداية على دراسة النقاط الأهم في هذا الجسم، لأن دراسة هذه النقاط تساعد الدماغ على التعرف على ماهية الجسم في أسرع وقت ممكن.

الأبحاث الحديثة كشفت إلى حد ما آلية الإدراك البصري visual perception في الدماغ البشري. من الأمور اللافتة التي كشفتها الأبحاث أن الدماغ يقوم بتجريد الأجسام المرئية إلى عناصر بسيطة شبيهة بـ “الكاتغوريات” categories التي تحدث عنها الفيلسوف Immanuel Kant. الدماغ عندما يرى جسما فإنه في البداية يحلل هذا الجسم وفق الكاتغوريات التالية:

  • مواقع النقاط المكونة للجسم وحدودها (الشكل الهندسي للجسم)
  • ألوان النقاط المكونة للجسم (لون الجسم)
  • اتجاه حركة النقاط المكونة للجسم (اتجاه حركة الجسم)

هذا التحليل المبدئي يتم في شبكية العين retina ويتكرر مجددا في الجسم الركبي الوحشي lateral geniculate body والتليلتين العلويتين superior colliculi والقشرة البصرية visual cortex. بعد هذا التحليل المبدئي يقوم المخ بمعالجة أكثر عمقا للجسم المرئي وفقا للمعلومات المخزنة في الذاكرة البصرية في الفص الصدغي temporal lobe ووفقا للمعالجة المنطقية في القشرة أمام الجبهية prefrontal cortex. القشرة الجدارية parietal cortex تقوم بإدراج الجسم المرئي في الخارطة الفراغية للعالم المحيط. (الخطوة الأخيرة تشبه كلام Kant عندما قال أن الفراغ والزمن space and time هما مفهومان غريزيان intuitive مزروعان في عقل الإنسان وليسا من المدركات الحسية.)

طريقة الإدراك الحسي في الدماغ البشري تتفق مع النظرية التي طرحها الفيلسوف Immanuel Kant والتي تسمى “المثالية العبارة للحدود” transcendental idealism. أنا شرحت هذه النظرية سابقا بشكل مختصر، ولدي النية لكي أعود لها في المستقبل، ولكنني الآن أردت فقط أن أشير إلى الأسلوب الذي يتعامل به الدماغ مع الأجسام المرئية. هذا الأسلوب هو بعيد عن أسلوب “الرسم النقطي” raster graphics or bitmap graphics الذي تعتمد عليه الكثير من برامج الكومبيوتر.

صورة مرسومة بطريقة raster graphics or bitmap graphics

في أسلوب “الرسم النقطي” يتم تقسيم الصورة إلى عدد كبير من النقاط الصغيرة التي تسمى بكسلات pixels. لكي يدرك برنامج الكومبيوتر الصورة لا بد له أن يدرك جميع بكسلاتها. كل البكسلات متساوية في نظر البرنامج ولا توجد أهمية لبكسل على آخر.

أسلوب “الرسم النقطي” يتميز بأنه سهل من الناحية البرمجية، بمعنى أنه لا يتطلب برمجة معقدة، ولكن مشكلته هي أنه يستنزف الكثير من مساحة التخزين وطاقة المعالجة.

هناك أسلوب آخر في الرسم الكومبيوتري يسمى vector graphics. في هذا الأسلوب يتم تحليل الصورة إلى عناصر تجريدية على نحو شبيه نوعا ما بما يتم في الدماغ البشري.

الصور المرسومة بطريقة vector graphics هي ليست مقسمة إلى بكسلات ولكنها تتكون من عناصر هندسية. مثلا لكي نرسم دائرة بهذه الطريقة يجب أن ندخل معادلة الدائرة وندخل معها الإحداثيات الهندسية. الدائرة الناتجة يمكن أن تكون كبيرة المساحة على الشاشة، ولكن تخزينها في الكومبيوتر لا يتطلب سوى تخزين سطر واحد هو معادلة الدائرة. لو أردنا أن نرسم نفس الدائرة بطريقة البكسلات فسنضطر لتخزين المعلومات الخاصة بكل بكسل من بكسلات الصورة، وهو ما يتطلب عددا كبيرا جدا من الأسطر.

الرسم بطريقة vector graphics يصبح صعبا إذا كانت الصورة معقدة وتحوي الكثير من التفاصيل الدقيقة، ولكن ميزة هذه الطريقة في الرسم هي قلة مساحة التخزين وطاقة المعالجة المطلوبة مقارنة بالطريقة الأخرى.

الدماغ البشري يحلل المدركات المرئية بطريقة شبيهة بالـ vector graphics، وهذا يسهل على الدماغ معالجة المدركات المرئية وتخزينها. بالإضافة إلى ذلك الدماغ يملك القدرة على تصنيف العناصر المكونة للمدركات وفقا لأهميتها. مثلا الدماغ عندما يتعامل مع الوجوه يركز في البداية على العناصر الأكثر أهمية فيها (المحيط، العينان، الأنف، الفم)، ولهذا السبب نجد أن العينين عندما تريان وجها فإنهما تقومان بسلسلة من حركات الطرف saccades الموجهة نحو مناطق محددة في الوجه.

باحثو الجهاز العصبي يطلقون مسمى feature detection (“رصد الخصائص”) على عملية تحليل العناصر المكونة للمؤثر الحسي وتصنيف هذه العناصر حسب أهميتها.

آلية التحديق

تحريك العين الواحدة يتم عبر الأنوية القحفية رقم 3 و4 و6. النواتان القحفيتان رقم 3 و4 (الموجودتان في الدماغ الأوسط) تحركان العين في كل الاتجاهات ما عدا الاتجاه الخارجي أو الوحشي lateral. النواة القحفية رقم 6 (الموجودة في الجسر pons) تحرك العين في الاتجاه الوحشي عبر تقليص العضلة المستقيمة الوحشية lateral rectus muscle.

التحديق المزدوج conjugate gaze يتطلب ربطا عصبيا بين الأنوية المحركة لكل من العينين. هذا الربط يتم عبر أنوية وطرق عصبية في جذع الدماغ.

ocular movements eye gaze

التحديق العموديvertical gaze  والمقاربةconvergence  لا يتطلبان تحريك العين نحو الجهة الوحشية lateral، ولهذا السبب هما لا يتطلبان تدخل العصب القحفي رقم 6 (العصب المبعد abducens).

تنسيق التحديق العمودي والمقاربة يتم عبر أنوية موجودة في التشكل الشبكي للدماغ الأوسط midbrain reticular formation بالاشتراك مع النواتين القحفيتين رقم 3 و4.

تنسيق حركة المقاربة يتم عبر نواة تسمى “النواة فوق المحركة العينية” supraoculomotor nucleus. هذه النواة توجد على الجهة الظهرية للنواة المحركة العينية oculomotor nucleus.

تنسيق حركة التحديق العمودي يتم عبر نواتين توجدان على الجهة المنقارية للنواة المحركة العينية هما:

  • Rostral interstitial nucleus of medial longitudinal fasciculus (riMLF)
  • Interstitial nucleus of Cajal (INC)

الرسم التالي يوضح موقع هاتين النواتين. هذا الرسم هو لمقطع سهمي sagittal في جذع دماغ قرد:

Sagittal section of monkey brainstem eye gaze
III: oculomotor nucleus; IV: trochlear nucleus; VI: abducens nucleus; CG: central gray; INC: interstitial nucleus of Cajal; MB: mammillary body; Med RF: medullary reticular formation; MRF: mesencephalic reticular formation; MT: mammillothalamic tract; N III: rootlets of the oculomotor nerve; N IV: trochlear nerve; N VI: rootlets of the abducens nerve; ND: nucleus of Darkschewitsch; NRTP: nucleus reticularis tegmenti pontis; NPH: nucleus prepositus hypoglossi; PC: posterior commissure; PPRF: paramedian pontine reticular formation; riMLF: rostral interstitial nucleus of the medial longitudinal fasciculus; TR: tractus retroflexus; asterisks indicate the location of cell groups of the paramedian tracts, which project to the cerebellum; the arrow refers to the Horsley-Clarke plane of section

على الرسم أعلاه تظهر النواتان INC و riMLF على الجهة المنقارية لنواة العصب القحفي الثالث III. هناك نواة ثالثة تظهر بجوارهما هي (ND) nucleus of Darkschewitsch. هذه النواة تسمى أيضا “نواة الملتقى الخلفي” nucleus of the posterior commissure لأنها تقع على الجهة الذيلية للملتقى الخلفي وهي مصدر معظم الألياف المكونة لهذا الملتقى. لا أعلم ما هي وظيفة هذه النواة، ولكن موقعها يوحي بأن لها علاقة بحس البصر.

حركة التحديق الجانبيlateral gaze  تتطلب تحريك إحدى العينين نحو الجهة الوحشية، لهذا السبب هذه الحركة تتطلب تدخل نواة العصب القحفي رقم 6 الموجودة في الجسرpons . النواة الشبكية المسؤولة عن تنسيق حركة التحديق الجانبي هي النواة الشبكية جانب المحورية paramedian reticular nucleus، وتحديدا قسمها الجسري الذي يسمى(PPRF) paramedian pontine reticular formation .

reticular formation
منظر ظهري لجذع الدماغ يبين أنوية التشكل الشبكي
مقاطع عرضية في جذع الدماغ تبين أنوية التشكل الشبكي. A: النخاع المستطيل المنقاري. B: الجسر الذيلي. C: الجسر المنقاري. D: الدماغ الأوسط عند مستوى التليلتين السفليتين.

النواة الشبكية جانب المحورية هي إحدى الأنوية الشبكية “قبل المخيخية” precerebellar (الأنوية الشبكية التي ترسل أليافها نحو المخيخ). هذه النواة تتلقى أليافا من نواة المخيخ الأَوْجِية fastigial nucleus التي أظن أنها مسؤولة عن تنسيق تحريك القسم المركزي median أو المحوري axial من الجسم (الجذع والرأس ومفاصل الأطراف القريبة من الجذع proximal دون المفاصل البعيدة عن الجذع distal).

القسم الجسري (المنقاري) من النواة الشبكية جانب المحورية PPRF هو متصل مع الأنوية القحفية المحركة للعينين بهدف تنسيق حركة التحديق الجانبيlateral gaze . هذا القسم يسمى “مركز التحديق الجانبي” lateral gaze center أو “مركز التحديق الأفقي” horizontal gaze center أو “مركز التحديق الجسري” pontine gaze center. بالنسبة للقسم النخاعي (الذيلي) من النواة الشبكية جانب المحورية فهو على ما يبدو متصل بالنواة المبهمة nucleus ambiguus ومن الممكن أن له تأثيرا مخفضا لضغط الدم depressor (بدليل ما ورد في هذه الدراسة مثلا).

lateral gaze

التحديق الجانبي نحو اليسار يتطلب تنشيط مركز التحديق الجانبي على جهة اليسار. مركز التحديق الجانبي على جهة اليسار سينشط النواة القحفية رقم 6 على جهة اليسار والنواتين القحفيتين رقم 3 و4 على جهة اليمين.

الاتصال بين مركز التحديق الجانبي (الموجود في الجسر) وبين النواتين القحفيتين رقم 3 و4 (في الدماغ الأوسط) يتم عبر طريق يسمى “الحزمة الطولية الإنسية” (MLF) medial longitudinal fasciculus. لو تعرضت هذه الحزمة لأذى (مثلا بسبب مرض التصلب المتعدد multiple sclerosis أو بسبب سكتة دماغية stroke) فهذا يمكن أن يؤدي إلى خلل في التحديق الجانبي يسمى “الشلل العيني بين النووي” internuclear ophthalmoplegia. لو أصيبت الـ MLF على الجهة اليمنى فإن الإنسان سيكون عاجزا عن التحديق المزدوج نحو اليمين (العين اليمنى ستتحرك ولكن العين اليسرى لن تتحرك)، والعكس سيحصل لو أصيبت الـ MLF على الجهة اليسرى.

هذا الشخص مصاب بـ”الشلل العيني بين النووي” internuclear ophthalmoplegia على الجهة اليسرى. هو لا يستطيع أن ينفذ التحديق المزدوج conjugate gaze نحو اليسار، ولكنه يستطيع أن ينفذ التحديق المزدوج نحو اليمين ويستطيع أن ينفذ المقاربة convergence، لأن هذه الحركات لا تتطلب تدخل مركز التحديق الجانبي الأيسر والحزمة الطولية الإنسية MLF على الجهة اليسرى. هو أيضا يستطيع أن ينفذ التحديق المزدوج العمودي (نحو الأعلى والأسفل) لو طلب منه ذلك

التحديق الإرادي

brain cortex

التحديق (كغيره من الحركات الهيكلية) يمكن أن يكون إراديا أو غير إرادي. التحديق الإرادي يتم بتأثير من ألياف نازلة من قشرة المخ نحو منظومة التحديق غير الإرادي الموجودة في جذع الدماغ.

المنطقة القشرية المسؤولة عن التحديق الإرادي تسمى “حقل العين الجبهي” (FEF) frontal eye field. موقع هذه المنطقة يختلف حسب المصادر. كثير من المصادر تقول أنها تقع في منطقةBrodmann  رقم 8 في القشرة قبل الجبهية prefrontal cortex، ولكن هذه الدراسة تقول أنها تقع في منطقة Brodmann رقم 6 قرب القسم العلوي من الأخدود قبل المركزي precentral sulcus. هذا الوصف يعني أنها تقع في القشرة قبل المحركة premotor cortex.

كثير من المصادر تتحدث عن وجود مركز قشري خاص بحركة التعقب السلس smooth pursuit الإرادية اسمه “حقل التعقب الجبهي” frontal pursuit area، ولكن مكان هذا المركز هو غير واضح. حسب الدراسة التي أشرت إليها فإن “حقل التعقب الجبهي” هو القسم الخلفي من حقل العين الجبهي، وأما القسم الأمامي من حقل العين الجبهي فهو مسؤول عن حركة الطَّرْف saccade.

طبعا حركة التعقب السلس هي بطبيعتها حركة غير إرادية، ولكن التحفيز الكهربائي لـ “حقل التعقب الجبهي” ينشط هذه الحركة، ما يدل على وجود سيطرة إرادية عليها.

حسب بعض المصادر فإن التحديق العمودي الإرادي يتنشط قشريا بطريقة تختلف عن التحديق الأفقي الإرادي. التحديق العمودي الإرادي يتطلب على ما يبدو تنشيط مناطق أكبر في القشرة المخية مقارنة بالتحديق الأفقي الإرادي.

التحديق غير الإرادي

هناك لبس وعدم وضوح في آليات التحديق غير الإرادي في جذع الدماغ، ولكن ما يبدو لي هو أن هناك آليتين منفصلتين لكل من حركة الطَّرْف saccade وحركات العين الأخرى (التثبيت fixation والتعقب السلس smooth pursuit).

كل حركات العين غير الإرادية تخضع لتأثير التليلة العلوية superior colliculus. التليلة العلوية تنقسم إلى منطقتين، منطقة سطحية (ظهرية) ومنطقة عميقة (بطنية). المنطقة السطحية تتلقى أليافا من شبكية العين ومن القشرة البصرية في المخ، وعلى ما يبدو فإن خلايا هذه المنطقة تشكل خريطة ثنائية الأبعاد لمجال الرؤية على نحو شبيه بالخريطة الموجودة في شبكية العين. المنطقة العميقة من التليلة العلوية تحوي خريطة سمعية مصدرها ألياف قادمة من التليلة السفلية inferior colliculus، وتحوي خريطة حسية جسمانية somatosensory مصدرها ألياف قادمة من الحبل الشوكي تسمى “الطريق الشوكي-السقفي” spinotectal tract. كل هذه الخرائط الحسية تتكامل وتؤثر على “خريطة تحريكية” موجودة في المنطقة العميقة وظيفتها تحريك العينين في الفراغ. خلايا “الخريطة التحريكية” تتلقى أيضا أليافا من منطقة في قشرة المخ تقع بين الفصين القذاليoccipital  والجداري parietal تسمى “حقل العين القذالي”occipital eye field  أو “حقل العين الجداري” parietal eye field. هذه الألياف تنقل ربما المزيد من المعلومات الحسية الفراغية إلى خلايا الخريطة التحريكية.

الخلايا التحريكية ترسل أليافها نحو مراكز التحديق الأفقي والعمودي في الجسر والدماغ الأوسط. بعض الألياف تذهب أيضا نحو الخلايا المحركة في القسم الرقبي من الحبل الشوكي وتسمى “الطريق السقفي-الشوكي” tectospinal tract. الباحثون يعتقدون أن وظيفة الطريق السقفي-الشوكي هي إدارة الرأس تزامنا مع التحديق؛ لهذا السبب الباحثون يعرّفون التحديق gaze بأنه حركة مشتركة للعينين والرقبة. الطريق السقفي-الشوكي لدى بعض الفقاريات هو أكثر أهمية مما هو عليه لدى البشر: هذا الطريق يستطيع أن يحرك الجسم بكامله لدى الأسماك والطيور والفئران، ما يدل على أهمية سقف الدماغ الأوسط لدى تلك الكائنات.

التليلتان العلويتان ترسلان أيضا أليافا نحو الأنوية الجسرية العميقة deep pontine nuclei. هذه الألياف تسمى “الطريق السقفي-الجسري” tectopontine tract. الأنوية الجسرية العميقة ترسل أليافها نحو المخيخ. هناك اعتقاد بأن الطريق السقفي-الجسري يوصل معلومات الخريطة الحسية السقفية إلى المخيخ عبر الأنوية الجسرية العميقة.

هناك تشابه في تكوين ووظيفة سقف الدماغ الأوسط والمخيخ، وهذا ليس مستغربا نظرا لتشابه الأصل الجنيني لهذين التكوينين.

سقف الدماغ الأوسط (كبقية المراكز التحريكية في الدماغ الأوسط) يخضع لتأثير كابح من العقد القاعدية basal ganglia. هذا التأثير الكابح هو ضروري لتنظيم التحديق ومنعه من الانفلات. دون هذا الكبح فإن العينين سوف تحدقان باتجاه مؤثرات بصرية لا تستحق التحديق نحوها (ملهيات بصرية أو تشويش بصري).

التثبيت

الطرف saccade يعني تحريك العينين بأقصى سرعة ممكنة نحو نقطة معينة في مجال الرؤية. هذا التعريف لا يشمل تثبيت العينين على تلك النقطة fixation.

على ما يبدو فإن التثبيت غير الإرادي يتم تحت إشراف التليلة العلوية superior colliculus، بدليل وجود منطقة في التليلة العلوية مسؤولة عن التثبيت. هذه المنطقة تقع في القسم المنقاري من الخريطة التحريكية وهي تسمى “منطقة التثبيت” fixation zone أو “المنطقة النقرية”foveal zone  (لأن تنشيطها يؤدي إلى تثبيت الصورة على النقرة fovea).

تنشيط منطقة التثبيت يثبط خلايا الخريطة التحريكية في التليلة العلوية، كما أنه ينشط نواة الرفاء الظهرية dorsal raphe التي تحوي خلايا مفرزة للـ GABA مسؤولة عن تثبيط حركات العين (تذكر ما قلناه سابقا عن الـ serotonin ودوره المثبط للحركة الهيكلية).

تثبيت الصورة على نقرة الشبكية fovea هو عملية صعبة لأن الرأس والجسم يتحركان باستمرار وهذا يؤدي لإزاحة الصورة عن النقرة. في جذع الدماغ هناك آلية خاصة وظيفتها تحريك العينين بما يحافظ على ثبات الصورة على النقرة. هذه الآلية تسمى المنعكس الدهليزي-العيني vestibulo-ocular reflex أو المنعكس العيني-الرأسي oculocephalic reflex.

المنعكس الدهليزي-العيني vestibulo-ocular reflex يحرك العينين في اتجاه معاكس لاتجاه حركة الرأس بهدف الحفاظ على ثبات الصورة التي تراها العينان

تنسيق المنعكس الدهليزي-العيني يتم عبر النواة الدهليزية الإنسية medial vestibular nucleus ونواة قريبة منها تسمى nucleus prepositus hypoglossi. النواة الدهليزية الإنسية تتلقى دعما من ندفة المخيخ flocculus.

SVN: superior vestibular nucleus; LVN: lateral vestibular nucleus; MVN: medial vestibular nucleus; IVN: inferior vestibular nucleus; MLF: medial longitudinal fasciculus; abducens nucleus = nucleus of CN VI; trochlear nucleus = nucleus of CN IV; oculomotor nucleus = nucleus of CN III

النواة الدهليزية الإنسية medial vestibular nucleus هي مسؤولة أيضا عن المنعكس الدهليزي-الرقبي vestibulocollic reflex الذي يحافظ على توازن الرأس عبر ألياف الطريق الدهليزي-الشوكي الإنسي medial vestibulospinal tract التي تذهب إلى الحبل الشوكي الرقبي (راجع هذا المقال للمزيد من المعلومات حول المنعكسات الدهليزية).

المنعكس الدهليزي-العيني هو ضروري لعملية التثبيت fixation التي تتم بإيعاز من التليلة العلوية. إتلاف النواة الدهليزية الإنسية لدى القرود لا يعيق حركة الطرف saccade ولكن القرد المصاب لا يستطيع أن يثبت عينيه على النقطة التي قام بالطرف نحوها (عيناه تطرفان نحو تلك النقطة ولكنهما سرعان ما تعودان إلى الوضع المركزي).

على ما يبدو فإن التليلة العلوية تثبت العينين عبر التأثير على المنعكس الدهليزي-العيني. لا أدري ما هي الآلية بالضبط، ولكن التليلة العلوية ترسل أليافا نحو أنوية جسرية “قبل مخيخية” precerebellar هي ما يلي:

  • الأنوية الجسرية الوحشية الظهرية dorsolateral pontine nuclei (جزء من الأنوية الجسرية العميقة deep pontine nuclei)
  • النواة الشبكية الغطائية الجسرية pontine reticulotegmental nucleus

الأنوية الجسرية الوحشية الظهرية ترسل أليافا نحو ندفة المخيخ flocculus، التي بدورها ترسل أليافا نحو الأنوية الدهليزية. هذا الطريق هو ربما صلة الوصل بين التليلة العلوية والمنعكس الدهليزي-العيني.

إذن تثبيت العينين غير الإرادي يمكن أن يبدأ من الجهاز الدهليزي أو من منطقة التثبيت في التليلة العلوية.

التعقب السلس

حركة التعقب السلس smooth pursuit (تسمى أيضا tracking) تشبه المنعكس الدهليزي-العيني. الفرق بين الحركتين هو أن الرأس في حركة التعقب السلس يكون ثابتا، وأما في المنعكس الدهليزي-العيني فالرأس يكون متحركا. في كلتا الحالتين العينان تتحركان بهدف تثبيت الصورة على النقرة fovea.

المنظومة الدماغية التي تنفذ حركة التعقب السلس هي ربما نفس المنظومة المسؤولة عن التثبيت والتي وصفت في الأعلى. الفرق بين التعقب السلس والتثبيت يتعلق ربما بالإشارات الواردة من الخلايا التحريكية في التليلة العلوية.

الرئيسيات (ومنها الإنسان) تستطيع أن تنفذ التعقب السلس الأفقي أو الجانبي بشكل أفضل من التعقب السلس العمودي. أيضا هي تستطيع أن تنفذ التعقب السلس نحو الأسفل بشكل أفضل من التعقب السلس نحو الأعلى. ربما يكون سبب هذا هو أن التعقب السلس الأفقي هو أهم تطوريا أو أقدم تطوريا. بعض الباحثين يرون أن التعقب السلس نشأ في الأصل بهدف مساعدة الحيوانات المفترسة على تعقب طرائدها.

خلاصة التحديق غير الإرادي

خلاصة ما سبق هي أن التحديق غير الإرادي يخضع لسيطرة التليلة العلوية. التليلة العلوية تنفذ حركة الطرف saccade عبر تأثيرها على مركز التحديق الجانبي في الجسر ومركز التحديق العمودي في الدماغ الأوسط المنقاري، وتنفذ حركتي التثبيت fixation والتعقب السلس smooth pursuit عبر تأثيرها على منظومة المنعكس الدهليزي-العيني vestibulo-ocular reflex.

من الأمور اللافتة أن إتلاف مركز التحديق الجانبي في الجسر ومركز التحديق العمودي في الدماغ الأوسط لا يلغي المنعكس الدهليزي-العيني ولا حركة التعقب السلس. هذا يدل على أن آلية المنعكس الدهليزي-العيني هي في الأصل مستقلة عن آلية الطرف saccade.

الاهتزازات المجهرية

تثبيت العينين الذي تحدثنا عنه في الأعلى هو أمر نسبي، لأن العينين في الحقيقة تهتزان مجهريا باستمرار، حتى عند التثبيت.

هناك اهتزاز مجهري مستمر لمقلة العين يسمى “الاهتزاز المجهري العيني” ocular microtremor. هذا الاهتزاز لا يتوقف إلا عند موت جذع الدماغ.

هناك نوع آخر من الاهتزاز العيني المجري يسمى “الطرف المجهري” microsaccade. الطرف المجهري هو عبارة عن حركات طرف مجهرية متتابعة تظهر عند تثبيت العينين. أول من لاحظ الطرف المجهري هو Robert Darwin والد العالم الشهير Charles Darwin.

بعض الباحثين يرون أن اهتزازات العين المجهرية تهدف لحماية المستقبلات الضوئية في الشبكية من التكيف adaptation.

التكيف هو ظاهرة عامة تصيب معظم المستقبلات الحسية. المقصود بالتكيف هو أن يتوقف المستقبل الحسي عن إرسال إشارات إلى الجهاز العصبي المركزي بعد مرور فترة معينة على بدء تنشيطه.

مثلا لو وضعنا يد إنسان في ماء بارد فإنه في البداية سيشعر بإحساس قوي بالبرودة وارد من يده، ولكن مع مرور الوقت سوف يخف إحساسه بالبرودة إلى أن يتلاشى تماما. هذه الظاهرة تحدث بسبب تكيف adaptation مستقبلات البرودة في جلد يده.

لو ثبتنا صورة معينة على المستقبلات الضوئية في الشبكية فهذا سيؤدي مع مرور الوقت إلى تكيف المستقبلات الضوئية، وبالتالي سوف تتوقف هذه المستقبلات عن إرسال الإشارات نحو الجهاز العصبي المركزي. لهذا السبب الاهتزازات المجهرية في العين هي ضرورية لمنع تكيف المستقبلات الضوئية.

في عام 1950 أجرى بعض الباحثين تجربة قاموا خلالها بتثبيت صورة معينة على الشبكية رغما عن الاهتزازات المجهرية. الشخص الذي خضع للتجربة شعر بأن الصورة التي يراها تلاشت تدريجيا ثم اختفت. هذا دليل على وجود التكيف في المستقبلات الضوئية في الشبكية.

ما أمام السقف

منطقة ما أمام السقف pretectum تقع في الجهة الظهرية من الدماغ الأوسط المنقاري على الجهة المنقارية للتليلتين العلويتين. أنا وصفت موقع هذه المنطقة في هذا المقال.

منطقة ما أمام السقف هي عبارة عن كتلتين تضمان عددا كبيرا من الأنوية. وظائف هذه الأنوية هي غير معروفة بشكل كامل، ولكنها تلعب دورا في تنسيق التحديق.

هناك ثلاثة منعكسات بصرية شهيرة يتم تنسيقها عبر ما أمام السقف. هذه المنعكسات هي:

  • منعكس الضوء الحدقي pupillary light reflex
  • منعكس التكيف accommodation reflex
  • المنعكس البصري-الحركي optokinetic reflex

منعكس الضوء الحدقي

توسع وتضيق الحدقة

منعكس الضوء الحدقي pupillary light reflex هو ما يلي: عند سقوط ضوء قوي على شبكية العين فإن حدقتي العينين تتضيقان.

هذا المنعكس يتطلب تدخل نواةEdinger–Westphal  المعروفة أيضا باسم “النواة المحركة العينية الملحقة” accessory oculomotor nucleus. أنا تحدثت عن العلاقة بين تضيق الحدقة pupil والضوء الساقط على العينين في هذا المقال.

pupillary light reflex

منعكس التكيف

accommodation reflex

منعكس التكيف accommodation reflex يتنشط عند النظر إلى جسم قريب.

هذا المنعكس هو مركب من منعكسين:

  • المنعكس الأول هو منعكس جانب متعاطف parasympathetic يتطلب تنشيط نواةEdinger–Westphal  ويؤدي إلى تضيق الحدقتين وتحدب عدسة العين.
  • المنعكس الثاني هو منعكس محرك جسماني somatic motor يتطلب تنشيط النواة فوق المحركة العينية supraoculomotor nucleus ويؤدي إلى مقاربة العينين convergence.

القشرة البصرية في المخ تلعب دورا في تنشيط هذا المنعكس، لأن هذا المنعكس يعتمد على تقدير البُعد.

أنا بينت سابقا العلاقة بين تضيق الحدقة وتحدب عدسة العين وبين رؤية الأجسام القريبة.

بالنسبة لمقاربة العينين convergence فهي ضرورية للمحافظة على جودة الرؤية ثنائية العين binocular vision، كما يظهر من الرسم التالي:

مقاربة العينين عند النظر إلى جسم قريب هي ضرورية لمنع الرؤية المزدوجة diplopia.

لو لم تتم مقاربة العينين عند النظر إلى جسم قريب فإن الصورة التي ستشاهدها كل من العينين ستكون مختلفة، وهذا سيؤدي للرؤية المزدوجة.

الرؤية المزدوجة تنشأ لدى كل إنسان عندما يقرب إصبعه من أنفه وهو ينظر إليه بكلتا عينيه. عندما يقترب الإصبع كثيرا من الأنف فسوف يصبح إصبعين وليس إصبعا واحدا، لأن كل عين سترى الإصبع بصورة مختلفة.

بعض الباحثين يرون أن سبب تسطح الوجه عند الرئيسيات primates هو زيادة قدرتها على مقاربة العينين.

حركة المقاربة convergence تتطلب تحريك العينين نحو الداخل، أي باتجاه الأنف. لو كان الوجه والأنف بارزين نحو الأمام فهذا سيقلل من مجال الرؤية ثنائية العين للأجسام القريبة.

الرئيسيات الباكرة كانت على ما يبدو تحتاج للرؤية ثنائية العين على مسافة قريبة، ولهذا السبب تسطحت وجوهها لإفساح المجال أمام قدر كبير من المقاربة convergence.

المنعكس البصري-الحركي

المنعكس البصري-الحركي optokinetic reflex هو منعكس مركب من الطرف saccade والتعقب السلس smooth pursuit.

لو كنت راكبا في سيارة وتراقب الأشجار على جانب الطريق فإن عينيك ستنفذان المنعكس البصري-الحركي. في البداية عيناك ستنفذان حركة طرف باتجاه شجرة معينة وستتثبتان عليها. بما أن السيارة تسير فإن الشجرة ستتحرك تدريجيا إلى خارج مجال الرؤية. عيناك ستلاحقان الشجرة بالتعقب السلس إلى أن تخرج من مجال الرؤية، وبعد ذلك ستعود عيناك بواسطة حركة طرف إلى نفس الوضعية التي كانتا عليها عند بداية رصد الشجرة.

هذا المنعكس يمكن أن يتنشط دونما سبب ظاهر، وعندها فإنه يسمى nystagmus.

horizontal nystagmus