الفراغ (4)

الفراغ الفيزيائي

ظهور مفهوم الفضاءات غير الإقليدية في القرن 19 جعل الفيزيائيين يسألون أنفسهم السؤال التالي: هل الفراغ الفيزيائي (الفراغ الذي يحوي الكون) هو فراغ إقليدي أم غير إقليدي؟

يقال أن عالم الفيزياء الشهير Carl Gauss حاول أن يجري تجربة عملية للإجابة على هذا السؤال عبر قياس زوايا مثلث هائل يمتد بين النجوم، ولكنه على ما يبدو لم يصل إلى نتيجة. الفيزيائي الفرنسي Henri Poincaré اعتبر أن مثل هذه التجارب هي عبث وأن البشر لا يمكنهم أبدا أن يعرفوا حقيقة الفراغ الكوني.

نظرة الفيزيائيين للفراغ تغيرت كثيرا في القرن العشرين. نظرية النسبية التي جاء بها أينشتاين تفترض أن الفراغ الكوني الذي نعيش فيه هو فضاء رباعي الأبعاد، وهو ليس فضاء إقليديا، بمعنى أن أبعاده ليست مستقيمة ولكنها منحنية.

بينا في المقال السابق أن “الفضاء رباعي الأبعاد” هو عبارة عن تجمع لعدد لا متناه من الفضاءات ثلاثية الأبعاد المتوازية مع بعضها، وبينا أن “البعد الرابع” هو البعد الذي يحوي هذه الفضاءات ثلاثية الأبعاد المتوازية. بعض الباحثين في بداية القرن العشرين شعروا بأن مفهوم الزمن في الفيزياء يشبه مفهوم البعد الرابع في الهندسة، ولهذا السبب هم قرروا اعتبار الزمن بعدا رابعا للفراغ الكوني إلى جانب الأبعاد الثلاثة التقليدية.

سأضرب مثالا: لنفرض أن الفراغ الكوني هو مجرد غرفة صغيرة أقف أنا بداخلها. الغرفة لها ثلاثة أبعاد هندسية هي الطول والعرض والارتفاع. لو نظرنا إلى الغرفة عند لحظة زمنية معينة (لنسميها t1) فسنجد أنني أقف في مكان معين من الغرفة، ولو نظرنا إلى الغرفة في لحظة زمنية أخرى (لنسميها t2) فسنجد أنني قد تحركت من مكاني وانتقلت إلى مكان جديد.

الغرفة التي رأيناها في t1 هي نفس الغرفة التي رأيناها في t2، ولكن موقع الجسم الموجود في الغرفة (الذي هو أنا) تغير بين اللحظتين. لو تخيلنا أن الزمن هو “بعد رابع” للغرفة فيمكننا أن نتخيل أن هناك غرفتين وليس غرفة واحدة، ولكن هاتين الغرفتين هما جزء من فراغ واحد “رباعي الأبعاد”.

في الفراغ رباعي الأبعاد هناك عدد لا نهائي من الغرف المتوازية المرتصة بجوار بعضها على نحو لا يمكننا أن نتصوره. كل غرفة من هذه الغرف تعبر عن لحظة زمنية معينة، بمعنى أننا لو نظرنا في الغرفة t1 فسنجد أنني أقف في مكان معين، ولو نظرنا في الغرفة t2 فسنجد أنني أقف في مكان آخر، وهكذا.

اعتبار الكون الفيزيائي كونا رباعي الأبعاد يعني أننا صرنا نعتقد بوجود عدد لا نهائي من الأكوان ثلاثية الأبعاد المتوازية والمرتصة بجوار بعضها في البعد الرابع، الذي هو الزمن وفق طرح الفيزيائيين.

نحن لا نملك القدرة على الإدراك رباعي الأبعاد، ولهذا السبب نحن لا نستطيع أن ندرك أكثر من كون ثلاثي الأبعاد في لحظة زمنية واحدة. لو فرضنا أن هناك كائنا يملك القدرة على الإدراك رباعي الأبعاد فهذا الكائن سيكون قادرا على رؤية العديد من الأكوان ثلاثية الأبعاد التي تقع في لحظات زمنية مختلفة. بالنسبة لهذا الكائن الماضي والحاضر والمستقبل هي مجرد أجزاء من صورة واحدة.

فكرة “الإدراك رباعي الأبعاد” هي مجرد طرح فلسفي لا علاقة له بالفيزياء. صحيح أن الفيزيائيين حاليا يتعاملون مع الكون على أنه مكون من أربعة أبعاد، ولكن فكرة “الإدراك رباعي الأبعاد” هي مجرد فكرة غيبية لا يوجد دليل على حقيقتها، وبالتالي هذه الفكرة هي ليست متداولة في الفيزياء حسب علمي.

الفيزيائيون يطلقون على الكون رباعي الأبعاد مسمى spacetime (الفراغ-الزمن). تمثيل الـ spacetime على الورق أو بواسطة مجسمات هو أمر غير ممكن. الفيزيائيون يمثلون الـ spacetime عادة بواسطة أشكال ثنائية أو ثلاثية الأبعاد بهدف تسهيل الدراسة.

الشكل أعلاه هو شكل ثلاثي الأبعاد يمثل الـ spacetime. البعد العمودي في هذا الشكل يعبر عن الزمن، بمعنى أن الصعود للأعلى هو انتقال نحو المستقبل، والنزول للأسفل هو عودة إلى الماضي. الأبعاد الأفقية في الشكل تعبر عن الفراغ بمعناه التقليدي، ولكن بدلا من الأبعاد الثلاثة هناك بعدان فقط.

هذا الشكل لا يعبر عن حقيقة الـ spacetime ولكنه مجرد محاولة لتمثيله على الورق.

النسبية العامة

حسب نظرية النسبية العامة general relativity فإن الـ spacetime هو ليس فراغا إقليديا، لأن بعض مناطق الـ spacetime هي منحنية وليست مستقيمة.

لكي نفهم معنى هذا الكلام لا بد أن نتحدث أولا عن مفهوم الـ inertia.

كلمة inertia لها عدة ترجمات عربية، وجميع هذه الترجمات هي ليست دقيقة. المعنى الحرفي لهذه الكلمة بالإنكليزية هو “lack of skill” أو “inactivity“.

المقصود بالـ inertia هو باختصار مقاومة المادة لتغيير سرعتها.

كل جسم مادي في الكون له سرعة. السرعة في الفيزياء هي كمية ذات اتجاه vector، بمعنى أننا لكي نحدد سرعة جسم بشكل كامل لا بد أن نذكر الاتجاه الذي يتحرك فيه.

Galileo هو أول من أدرك مفهوم الـ inertia. المشعوذ اليوناني أرسطو لم يكن يعرف هذا المفهوم. أرسطو كان يزعم أن هناك قوة مسؤولة عن تحريك كل جسم متحرك. Galileo لاحظ أن هذا الكلام هو غير صحيح. الأجسام المتحركة ليست بحاجة لقوة لكي تحركها طالما أنها تتحرك بسرعة ثابتة. القوة هي ضرورية لشيء واحد هو تغيير السرعة أو ما يسمى بالتسارع acceleration.

أصلا مفهوم السرعة هو مجرد مفهوم نسبي. لو كنت راكبا في سيارة تسير بسرعة 100 كم/س وفي جواري سيارة أخرى تسير بنفس السرعة فإنني سأراها ثابتة. أيضا ركاب تلك السيارة سيرون سيارتي ثابتة. ولكن الناس الذين على جانبي الطريق سيرون أن كلتي السيارتين تتحركان بسرعة 100 كم/س في اتجاه الأمام. إذن مفهوم السرعة هو مفهوم نسبي ويعتمد على سرعة الشخص الذي يقيس السرعة.

لا يمكننا أن نحدد سرعة أي جسم إلا بالاعتماد على جسم آخر. لو فرضنا أن هناك جسما وحيدا في الفراغ فإننا لن نستطيع أن نحدد سرعته، ولن نستطيع حتى أن نحدد ما إذا كان متحركا أم لا. في مثل هذه الحالة مفهوم الحركة لن يكون له معنى.

Isaac Newton كان له رأي آخر، لأنه كان يؤمن بمفهوم السرعة المطلقة أو الحركة المطلقة.

Newton طرح دليلا شهيرا على وجود الحركة المطلقة هو ما يسمى بأطروحة الدلو bucket argument. هذه الأطروحة تستند على مفهوم القوة الطاردة المركزية centrifugal force.

لو أنني أمسكت حبلا في نهايته كرة وبدأت بالدوران حول نفسي وأنا أمسك بطرف الحبل، فما الذي سيحدث للحبل والكرة؟

ما سيحدث هو أن الحبل سيصبح مشدودا. السبب هو وجود القوة الطاردة المركزية centrifugal force.

القوة الطاردة المركزية هي رد فعل على قوة أخرى هي القوة الجاذبة المركزية centripetal force. القوة الجاذبة المركزية هي المسؤولة عن إبقاء الكرة في المسار الدائري.

Newton صاغ قانونا يتعلق بمفهوم الـ inertia ينص على ما يلي: كل جسم مادي يقاوم تغيير مقدار أو اتجاه سرعته. المعنى هو أن كل جسم مادي يسعى دائما للسير في خط مستقيم. لكي نغير اتجاه حركة أي جسم لا بد من أن نؤثر عليه بقوة.

بناء على هذا القانون فإن الحركة الدائرية هي ليست inertial، بمعنى أنها لا تتوافق مع مفهوم الـ inertia. لكي يتحرك الجسم في مسار دائري لا بد أن يخضع بشكل دائم لتأثير قوة جاذبة مركزية centripetal force تقوم بتغيير اتجاه حركته عند كل نقطة في مساره.

قانون Newton الثالث للحركة ينص على أن كل قوة فعل تقابلها قوة رد فعل. الكرة التي في مثالنا تتعرض لقوة جاذبة مركزية مصدرها الحبل المربوط بها والذي أمسكه بيدي. الكرة بدورها تؤثر على الحبل بقوة معاكسة هي القوة الطاردة المركزية centrifugal force. هذه القوة هي سبب الشد نحو الخارج الموجود في الحبل.

Newton ذكر الأطروحة التالية: لنفرض أننا ملئنا دلوا بالماء، وعلقنا الدلو بحبل، وفتلنا الحبل والدلو بشدة، ثم أرخينا الحبل والدلو.

ما سيحدث هو أن الدلو سوف يدور حول نفسه لفترة من الزمن. في البداية ستكون سرعة دوران الدلو كبيرة، ثم ستتناقص تدريجيا إلى أن يتوقف عن الدوران.

الماء الذي في الدلو سيتصرف على نحو مختلف. في البداية سطح الماء سوف يكون مستويا، ولكن بعد مرور بعض الوقت سوف يبدأ سطح الماء بالتقعر، بمعنى أن الماء سوف يصعد للأعلى عند جدران الدلو.

تقعر سطح الماء سببه القوة الطاردة المركزية centrifugal force الناتجة عن دوران الماء.

ما يلفت الانتباه هو حالة الماء عند بداية دوران الدلو. في هذه الحالة كانت جدران الدلو تدور بسرعة كبيرة، ولكن سطح الماء كان مستويا.

حسب مبدأ نسبية الحركة فإن دوران جدران الدلو يجب أن يؤدي بالضرورة إلى دوران الماء في اتجاه معاكس لاتجاه دوران جدران الدلو. لو فرضنا أن هناك نملة صغيرة جالسة على جدران الدلو عند بداية دورانه، ولو فرضنا أن هذه النملة لا ترى شيئا من العالم سوى الماء الموجود في الدلو، فإن هذه النملة سوف تعتقد أن الماء الذي في الدلو هو الذي يدور، رغم أن ما يدور في الحقيقة هو جدران الدلو وليس الماء.

النملة سترى شيئا ملفتا للغاية. هي ستشاهد أن الماء يدور بسرعة كبيرة، ولكن سطح الماء رغم ذلك هو مسطح وليس مقعرا، أي أن الماء يدور بسرعة ولكن دون أن تتولد فيه القوة الطاردة المركزية.

كيف نفسر هذا الخرق لقوانين الميكانيك؟

حسب Newton فإن التفسير هو كما يلي: هناك فرق بين الحركة النسبية والحركة المطلقة. حركة الماء التي شاهدتها النملة هي مجرد حركة نسبية بالنسبة لجدران الدلو، وأما حركة الماء اللاحقة فهي حركة مطلقة. الحركة النسبية هي ليست حركة حقيقية في الفراغ المطلق، وأما الحركة المطلقة فهي حركة حقيقية في الفراغ المطلق. الحركة الحقيقية في الفراغ المطلق هي فقط التي تؤدي لتوليد القوة الطاردة المركزية.

بناء على أطروحة الدلو هذه فإن الفيزيائيين كانوا حتى بداية القرن العشرين يعتقدون بوجود الفراغ المطلق والحركة المطلقة.

مبدأ Mach

أول من رد على أطروحة الدلو التي قدمها Newton هو النمساوي Ernst Mach في نهاية القرن 19.

Mach رفض الطريقة التي فسر بها Newton حركة ماء الدلو.

حسب Mach فإن حركة ماء الدلو التي تؤدي لتقعر سطحه والتي اعتبرها Newton حركة في “الفراغ المطلق” هي أيضا حركة نسبية، ولكنها حركة بالنسبة للكون بشكل عام.

Newton تجاهل وجود النجوم والمجرات وغير ذلك من الأجسام المادية في الكون. بالنسبة لـ Mach فإن “الحركة المطلقة” التي تحدث عنها Newton هي في الحقيقة حركة بالنسبة للنجوم والمجرات والكون بشكل عام.

الحركة الأولى لماء الدلو (التي شاهدتها النملة) هي حركة بالنسبة لجدران الدلو. الحركة الثانية (التي اعتبرها Newton حركة في الفراغ المطلق) هي حركة بالنسبة للكون بشكل عام. بما أن كتلة الكون هي أكبر بكثير من كتلة جدران الدلو فليس من الغريب أن الحركة الأولى لم تؤد لتوليد قوة طاردة مركزية ذات شأن.

Mach قال أننا لو زدنا سماكة جدران الدلو بشكل كبير جدا فإن حركة الماء بالنسبة لجدران الدلو ربما تؤدي أيضا إلى تقعر سطح الماء.

أينشتاين

ألبرت أينشتاين تأثر كثيرا بطروحات Mach. طروحات Mach في جوهرها تؤدي إلى تعديل مفهوم الـ inertia الذي طرحه Galileo و Newton. حسب طروحات Mach فإن الـ inertia ربما لا تكون نابعة من الأجسام المادية ذاتها، ولكنها ربما تكون مرتبطة بقوة الجاذبية gravitation التي تحدث عنها Newton.

المقصود باختصار هو ما يلي: السبب الذي يجعل الأجسام تسير بسرعة ثابتة وفي خط مستقيم ربما لا يكون نابعا من الأجسام ذاتها، ولكنه ربما يكون نابعا من الكتلة العامة للكون. النجوم والمجرات وغير ذلك من الأجسام المادية الضخمة التي تحيط بنا من كل الاتجاهات ربما تكون هي المؤثر الذي يؤثر في الأجسام المادية ويكسبها خاصية الـ inertia.

أينشتاين أطلق على هذه النظرية مسمى Mach’s principle (مبدأ Mach). هذه النظرية هي الأساس الذي انطلق منه أينشتاين ووصل إلى نظرية النسبية العامة.

طبعا أنا أحاول أن أختصر قدر الإمكان. لو أنني أردت أن أتحدث في هذا الموضوع بالتفصيل فإنني سأغرق في بحر كبير.

مبدأ التكافؤ

مبدأ Mach له نتيجة مهمة وهي أنه يقوض مفهوم الفراغ المطلق والحركة المطلقة اللذان تحدث عنهما Newton.

مبدأ Mach يتوافق مع الفكرة القائلة بأن كل الحركات في الكون هي حركات نسبية.

أينشتاين انطلق من هذه الفكرة وتوصل إلى مبدأ أطلق عليه مسمى “مبدأ التكافؤ” equivalence principle.

أنا لن أشرح هذا المبدأ باللغة التي يشرح بها عادة ولكنني سأشرحه بلغتي الخاصة لكي أجعله سهل الفهم. هذا المبدأ ينص باختصار على تجاهل قوة الجاذبية gravitation التي تحدث عنها Newton.

حسب قوانين Newton فإن تغيير سرعة أي جسم يتطلب التأثير عليه بقوة.

عندما يقترب جسم مادي صغير من جسم مادي كبير جدا (مثلا كوكب أو نجم) فإن هذا يؤدي لتسارع الجسم الصغير باتجاه الجسم الكبير. المعنى هو أن الجسم الصغير يكتسب سرعة متزايدة باطراد باتجاه الجسم الكبير.

Newton فسر هذه الظاهرة بفرضية الجاذبية gravitation. هو افترض أن هناك قوة تؤثر على الجسم الصغير وتجعله يتسارع باتجاه الجسم الكبير.

مبدأ التكافؤ الذي أتى به أينشتاين ينص على أن التسارع الناشئ من قوة الجاذبية gravitation لا يختلف عن أي تسارع آخر في الكون، بمعنى أن مبدأ التكافؤ يلغي التمييز بين التسارع الناشئ من التعرض لقوة الجاذبية وبين التسارع الناشئ من أي سبب آخر.

أينشتاين ينظر للتسارع على أنه شيء واحد مهما كان سببه. هو لا يرى دليلا على وجود فرق بين التسارع الناشئ من التعرض لقوة الجاذبية وبين التسارع الناشئ من أي سبب آخر.

Newton ربط بين قوة الجاذبية التي تؤدي للتسارع وبين كتل الأجسام المادية. إذا تجاهلنا قوة الجاذبية (كما فعل أينشتاين) فهذا يوصلنا إلى أن تسارع الأجسام الصغيرة باتجاه الأجسام الكبيرة ليس له علاقة بالكتل المادية لهذه الأجسام.

هذا الطرح هو طرح غريب، ولكن التجارب العملية أثبتت صحته.

التجارب العملية أثبتت أن أشعة الضوء تنحني عندما تمر بالقرب من أجسام مادية ضخمة (مثلا مجموعة من المجرات). انحناء أشعة الضوء يؤدي إلى ظاهرة فلكية غريبة تسمى “عدسة الجاذبية” gravitational lens.

انحناء الضوء القادم من مجرة بعيدة يجعلنا نرى المجرة في غير موقعها الحقيقي. في الحقيقة نحن سنرى نفس المجرة في عدة مواقع، ولكن هذا مجرد خداع بصري سببه انحناء أشعة الضوء.

نفس المجرة تظهر في أربعة مواقع مختلفة بسبب gravitational lensing

لماذا ينحني الضوء عندما يمر بالقرب من أجسام مادية ضخمة؟ هذا الأمر لا يمكن تفسيره وفق طروحات Newton. الضوء هو ليس جسما ماديا، بمعنى أن كتلته المادية هي صفر. المفترض حسب طروحات Newton ألا ينجذب الضوء نحو الأجسام المادية الضخمة.

أينشتاين قدم تفسيرا آخر للتسارع نحو الأجسام المادية الكبيرة. حسب أينشتاين فإن الـ spacetime ينحني بالقرب من الأجسام المادية الكبيرة.

أنا شرحت في المقال السابق معنى الفراغ المنحني، وضربت مثالا يتعلق بسطح الكرة الأرضية. الفراغ المنحني (حسب فهمي المتواضع) هو فضاء لا تستطيع أن تتحرك فيه في خط مستقيم.

عندما يمر الضوء بالقرب من أجسام مادية كبيرة فإنه ينحني لأن الفراغ في تلك المنطقة هو منحني.

الـ spacetime يشمل أيضا الزمن. انحناء الـ spacetime يؤثر أيضا على الزمن وليس فقط على الأبعاد الثلاثة التقليدية. حسب نظرية النسبية العامة فإن الاقتراب من الأجسام المادية الكبيرة يؤدي إلى تباطؤ الزمن. هذا يعني أن مقدار السرعة سيتأثر لأن السرعة هي حاصل قسمة المسافة على الزمن.

انحناء الـ spacetime بالقرب من الأجسام المادية الكبيرة يصور عادة برسومات من قبيل الرسومات التالية:

أنا أظن أن هذه الرسومات هي مجرد رسومات تبسيطية لا تعكس حقيقة الـ spacetime.

أنا لا أدعي أنني ملم بنظرية النسبية العامة بشكل كامل أو أنني أفهمها كما يجب، ولكن ما أفهمه من هذه النظرية هو أنها تصور الفراغ الكوني على أنه فراغ غير إقليدي، بمعنى أنه ينحني بالقرب من الكتل المادية الكبيرة.

Advertisements

الفراغ (3)

هذا المقال يتعلق بالفيزياء، وأنا لست متعمقا في الفيزياء، ولكنني سأكتب بعض المعلومات العامة التي أعرفها.

الفيزياء تقسم إلى قسمين:

  • فيزياء كلاسيكية classical physics (قبل القرن العشرين)
  • فيزياء حديثة modern physics (منذ القرن العشرين)

هناك اختلافات عديدة بين الفيزياء الكلاسيكية والفيزياء الحديثة. أحد أهم الاختلافات يتعلق بمفهوم الفراغ أو الفضاء space.

الفراغ الإقليدي

الفيزياء الكلاسيكية تستند إلى الهندسة الإقليدية Euclidean geometry المنسوبة إلى اليوناني إقليدس (Eu̓kleídēs) Εὐκλείδης الذي عاش في الإسكندرية بين القرنين الميلاديين الثالث والرابع.

الفراغ space في الهندسة الإقليدية يحلل إلى “أبعاد” dimensions. المقصود بالأبعاد هو الاتجاهات الأساسية التي يمكن للمرء أن يتحرك فيها في الفراغ.

three dimensions space Euclidean

هناك عدد لا نهائي من الاتجاهات التي يمكن للمرء أن يتحرك فيها في الفراغ، ولكن كل هذه الاتجاهات يمكن اعتبارها مركبة من ثلاثة اتجاهات أساسية تسمى “الأبعاد الثلاثة” three dimensions (اختصارا 3D).

الفيلسوف الفرنسي René Descartes اخترع طريقة لوصف مواقع النقاط في الفراغ على أساس الأبعاد الثلاثة. هذه الطريقة تسمى نظام الإحداثيات الديكارتي Cartesian coordinate system. لوصف موقع نقطة ما في الفراغ بناء على هذا النظام فإننا يجب أن نحدد ثلاثة أرقام تسمى إحداثيات coordinates. الإحداثيات تكتب بين قوسين على هذا النحو (0, 0, 0). كل رقم من الإحداثيات يحدد موقع النقطة على أحد الأبعاد الفراغية الثلاثة.

طبعا لا يوجد شيء يلزمنا بأن نفهم الفراغ المحيط بنا على أساس الأبعاد الديكارتية. هذه الأبعاد هي مجرد اصطلاح هندسي وليست أكثر من ذلك. من الممكن لنا أن نرسم الأبعاد بصورة مختلفة عن الصورة التي رسمها ديكارت. الرسم التالي يوضح أبعادا غير ديكارتية:

هذا الرسم يعبر عن فراغ إقليدي ثلاثي الأبعاد، ولكن محاوره أو أبعاده هي ليست ديكارتية، لأنها مائلة. المحاور أو الأبعاد الديكارتية هي ليست مائلة.

الفراغ الإقليدي لا يجب بالضرورة أن يكون ثلاثي الأبعاد. الصورة التالية هي لفراغ إقليدي ثنائي الأبعاد:

من الممكن أيضا أن يكون هناك فراغ إقليدي أحادي البعد:

الفراغ الإقليدي أحادي البعد هو عبارة عن خط مستقيم. الفراغ الإقليدي ثنائي البعد له شكل مربع غير محدود (مستوي plane). الفراغ الإقليدي ثلاثي البعد له شكل مكعب غير محدود.

الفراغ غير الإقليدي

الرياضيون (دارسو الرياضيات) أدركوا في القرن 19 أن الفضاء الإقليدي هو ليس الفضاء الوحيد الذي يمكن تخيله هندسيا. من الممكن لنا أن نتخيل فضاءات هندسية تختلف عن الفضاء الإقليدي.

أحد الفضاءات الممكنة هو مثلا الفضاء الكروي spherical.

تخيل الفضاء الكروي هو ليس أمرا صعبا، لأننا في الحقيقة نعيش في فضاء كروي هو سطح الكرة الأرضية.

الأبعاد في الفضاء الإقليدي هي خطوط مستقيمة. الأبعاد في الفضاء الكروي ثنائي الأبعاد هي ليست خطوطا مستقيمة ولكنها دوائر.

المقصود بذلك هو أنني عندما أتحرك في الفضاء الكروي ثنائي الأبعاد فإنني لا أستطيع أن أتحرك في خطوط مستقيمة ولكنني مجبر على التحرك في مسارات دائرية. أنا لست مضطرا لأن أكمل دورة كاملة ولكنني أستطيع أن أقطع مسافة على شكل قوس تسمى geodesic.

ما يلي مثال للتوضيح: لنفرض أنني أريد أن أسافر من بغداد إلى شنغهاي في الصين. أثناء رحلتي أنا سأشعر بأنني أسير في خط مستقيم من الغرب إلى الشرق، ولكنني في الحقيقة أسير في قوس وليس في خط مستقيم، لأن سطح الكرة الأرضية هو منحن وليس مستقيما.

سطح الكرة الأرضية هو منحن عند كل النقاط ويخلو من الخطوط المستقيمة (لأن الكرة الأرضية هي كرة). من يريد أن يتحرك في خط مستقيم على ظهر الكرة الأرضية لا بد له أن يحفر في الأرض. بغير ذلك فإنه مجبر على السير في أقواس.

نحن لا نحس بهذا الأمر لأننا صغيرون جدا بالنسبة لحجم الكرة الأرضية.

بعض قوانين الهندسة الإقليدية لا تسري على الفضاء الكروي. على سبيل المثال، مجموع زوايا المثلث في الفضاء الإقليدي هو 180 درجة، ولكن هذه القاعدة هي غير صحيحة في الفضاء الكروي. لو رسمنا مثلثا في الفضاء الكروي فإن مجموع زواياه سيكون أكبر من 180 درجة.

لو أردت أن أنتقل من نقطة إلى أخرى في الفضاء الإقليدي فإن هناك طريقا واحدا يعتبر الطريق الأقصر بين النقطتين هو القطعة المستقيمة الواصلة بينهما. لو أردت أن أنتقل من نقطة إلى أخرى في الفضاء الكروي فإنني أستطيع أن أسلك عددا لا نهائيا من الطرق ذات الشكل القوسي geodesic والتي تعتبر جميعها الطريق الأقصر بين النقطتين.

سأضرب مثالا للتوضيح: لو أنني أردت أن أسافر من القطب الشمالي للكرة الأرضية إلى القطب الجنوبي فما هو الطريق الأقصر الذي يجب أن أسلكه؟

هناك عدد لا نهائي من الطرق ذات الطول المتساوي. من الممكن مثلا أن أسير على خط الطول 0 (خط غرينتش) إلى أن أصل إلى القطب الجنوبي، ومن الممكن أن أسير على خط الطول 2 أو 3 أو 4 إلخ. كل خطوط الطول الممتدة بين القطبين الشمالي والجنوبي لها طول متساو، وجميعها تعتبر الطريق الأقصر بين القطبين.

إذن هناك عدد لا نهائي من الطرق التي يمكن أن نصفها بالطريق الأقصر بين نقطتين في الفضاء الكروي. هذا الأمر يتنافى مع القانون الإقليدي الذي يقول أن هناك طريقا واحدا يعتبر الطريق الأقصر بين نقطتين هو الخط المستقيم.

إذن قوانين الهندسة الإقليدية هي ليست بالضرورة صحيحة في الفضاء الكروي.

الفضاء الكروي هو مجرد مثال على الفضاءات غير الإقليدية. من الممكن نظريا أن نتخيل عددا لا نهائيا من الفضاءات غير الإقليدية. المطلوب فقط هو أن نتلاعب بشكل الأبعاد. الأبعاد الإقليدية هي خطوط مستقيمة. لو غيرنا شكل الأبعاد أو بعضها فإننا نستطيع أن نوجد عددا لا يحصى من الفضاءات غير الإقليدية.

من الفضاءات غير الإقليدية الفضاء الذي يسمى بالفضاء الإهليلجي elliptic.

الأبعاد في الفضاء الإهليلجي ثنائي الأبعاد لها شكل إهليلج أو قطع ناقص ellipse. هذا يعني أنني لو كنت في هذا الفضاء فإنني لا أستطيع أن أتحرك إلا في مسارات إهليلجية الشكل. مجموع زوايا المثلث في هذا الفضاء هو أكبر من 180 درجة.

مثال آخر هو فضاء القطع الزائد hyperbolic:

الأبعاد في فضاء القطع الزائد ثنائي البعد لها شكل القطع الزائد hyperbola. مجموع زوايا المثلث في هذا الفضاء هو أقل من 180 درجة.

خلاصة ما سبق هي أن تغيير شكل الأبعاد ينتج فضاءات غير إقليدية.

عدد الأبعاد

نحن كبشر معتادون على العيش في بيئة ثلاثية الأبعاد، ومن السهل لنا أن نتخيل فضاءات ثنائية أو أحادية الأبعاد لأننا نتعامل مع أجسام ثنائية وأحادية الأبعاد في حياتنا اليومية.

الشيء الصعب علينا كبشر هو تخيل فضاءات يزيد عدد أبعادها عن ثلاثة. وجود هكذا فضاءات هو ليس مستحيلا من الناحية الهندسية، ولكن تصوره صعب علينا لأننا لا نتعامل معه في حياتنا اليومية.

هذه الأفلام تشرح معنى البعد الفراغي الرابع:

البشر لا يملكون القدرة على الإدراك رباعي الأبعاد. الإدراك رباعي الأبعاد بالنسبة للبشر هو مجرد فكرة خيالية وليس أكثر من ذلك.

لو فرضنا أن هناك كائنا يملك القدرة على الإدراك رباعي الأبعاد فهذا الكائن سوف يكون قادرا على إدراك عدد لا نهائي من الفراغات ثلاثية الأبعاد في آن واحد. هو سوف يراها كلها وكأنها فراغ واحد.

الفراغ الإقليدي أحادي البعد هو عبارة عن خط مستقيم. الفراغ الإقليدي ثنائي البعد له شكل مستوٍ plane.

كم هو عدد الخطوط المستقيمة المتوازية التي يمكن أن نرسمها في مستوٍ؟ الجواب هو عدد لا نهائي. إذن الفراغ ثنائي الأبعاد يحوي عددا لا نهائيا من الفراغات أحادية البعد.

الفراغ الإقليدي ثلاثي الأبعاد له شكل مكعب غير محدود. كم هو عدد المستويات المتوازية التي يمكن أن يستوعبها المكعب غير المحدود؟ الجواب هو عدد لا نهائي. إذن الفراغ ثلاثي الأبعاد يحوي عددا لا نهائيا من الفراغات ثنائية الأبعاد.

بنفس الطريقة يمكننا أن نقول ما يلي: الفراغ رباعي الأبعاد يحوي عددا لا نهائيا من الفراغات ثلاثية الأبعاد.

هذه الفراغات ثلاثية الأبعاد يجب أن تكون مرصوصة بجوار بعضها في “البعد الرابع”. بما أننا لا نستطيع أن ندرك البعد الرابع فنحن لا نستطيع أن ندرك الكيفية التي ترتص بها الفراغات ثلاثية الأبعاد بجوار بعضها في البعد الرابع. نحن فقط نعرف أن هذا الأمر هو ممكن دون أن نكون قادرين على تصوره.

الرسم التالي يشرح المبدأ الذي أتحدث عنه:

وجود البعد الرابع هو أمر ممكن منطقيا، ولكن عقولنا لا تستطيع أن تتخيله أو تدركه، لأنه شيء لم يسبق أن تعاملنا معه.

بنفس الطريقة التي افترضنا بها وجود بعد رابع يمكننا أيضا أن نفترض وجود بعد خامس وسادس وسابع إلى ما لا نهاية.

إسقاط جسم رباعي الأبعاد

المكعب cube هو جسم ثلاثي الأبعاد. هل يمكننا أن نرسم مكعبا على الورق؟

الجواب هو لا. من المستحيل أن نرسم مكعبا على الورق، لأن سطح الورق ثنائي الأبعاد، والمكعب جسم ثلاثي الأبعاد.

ما يمكن أن نرسمه هو إسقاط projection ثنائي الأبعاد للمكعب.

الشكل أعلاه هو ليس مكعبا ولكنه إسقاط projection ثنائي الأبعاد للمكعب. عندما نرى هذا الإسقاط فنحن ندرك أن الشكل المقصود به هو مكعب ثلاثي الأبعاد لأننا نملك معرفة مسبقة بالمكعب ثلاثي الأبعاد. الإسقاط بحد ذاته هو ثنائي الأبعاد وليس ثلاثي الأبعاد. لولا خبرتنا المسبقة بالبعد الثالث لما كنا استطعنا أن نتخيل المكعب من خلال هذا الإسقاط.

دارسو الهندسة الفراغية يتحدثون عن شكل هندسي رباعي الأبعاد يسمونه tesseract أو 8-cell. هذا الشكل هو النظير رباعي الأبعاد للمكعب، أي أنه بالنسبة للمكعب كما المكعب بالنسبة للمربع.

هم يصفون هذا الشكل على نحو نظري، ولكنهم لا يقدمون أي تمثيل ملموس له، لأن هذا أمر مستحيل.

في بعض صفحات الإنترنت (من قبيل صفحات ويكيبيديا) هناك إسقاطات ثلاثية الأبعاد للـ tesseract من قبيل الشكل التالي:

هذا الشكل هو مجسم ثلاثي الأبعاد يدور حول نفسه. هذا الشكل هو ليس الـ tesseract، ولكنه مجرد إسقاط ثلاثي الأبعاد للـ tesseract.

بعض الناس يزعمون أن مثل هذه الأشكال تساعدنا على تخيل الـ tesseract، ولكنني أشك في مصداقية هذا الزعم. لو فرضنا أنني لا أملك القدرة على الإدراك ثلاثي الأبعاد فهل كنت سأستطيع أن أتخيل المكعب من مشاهدة إسقاطه ثنائي الأبعاد على الورق؟ لا أظن ذلك. أنا لا أظن أن تخيل الـ tesseract هو أمر ممكن من خلال مشاهدة إسقاطه ثلاثي الأبعاد.

حسب فهمي للموضوع فإن الـ tesseract يمكن أن يكون له العديد من الإسقاطات ثلاثية الأبعاد المختلفة، مثلما أن المكعب يمكن أن يكون له العديد من الإسقاطات ثنائية الأبعاد المختلفة.

الشكلان التاليان هما إسقاطان ثنائيا الأبعاد لمكعب:

cube projections

كلا هذين الشكلين هما إسقاط ثنائي الأبعاد لمكعب، ولكنهما يبدوان مختلفين جدا لأنهما مأخوذان من زاويتين مختلفتين.

بنفس الطريقة أنا أظن أن الـ tesseract له العديد من الإسقاطات ثلاثية الأبعاد المختلفة، وكل واحد منها يبدو مختلفا جدا عن الآخر.

أنا لا أدري كيف يمكن لأي إنسان أن يتخيل الـ tesseract. أنا أصلا أشك في قدرة الدماغ البشري على تخيله.

لكي أتخيل الـ tesseract لا بد أن أتخيل أن هناك “عوالم موازية” للعالم الفراغي ذو الأبعاد الثلاثة الذي أنا موجود فيه. بعد ذلك يجب أن أتخيل أن هناك مكعبات متطابقة موجودة في كل عالم من هذه العوالم المتوازية. الـ tesseract هو مجموع هذه المكعبات المتطابقة الموجودة في عدة عوالم متوازية ثلاثية الأبعاد.

هذا الحديث هو أشبه بالحديث عن الله والملائكة، أي أننا نتحدث عن أمور غيبية لم يسبق لنا أن أدركناها حسيا. من السهل أن تصف أمورا غيبية، ولكن هل من الممكن أن تتصور هذه الأمور في عقلك؟ أنا لا أظن ذلك.

الفراغ (2)

mind eye self

الذات

إحدى القضايا التي تجادل حولها الفلاسفة هي قضية الذات self.

كل إنسان لديه إدراك لذاته أو شعور بذاته. هذا الإدراك أو الشعور بالذات يسمى “وعي الذات” self-consciousness or self-awareness.

“الإدراك” أو “الشعور” هو نوع من أنواع التفكير. “وعي الذات” هو في المحصلة فكرة موجودة في العقل.

الفيلسوف John Locke لاحظ أن وعي الذات هو موجود في عقل الإنسان بشكل دائم وثابت. هذا الطرح أثار اهتمام الفيلسوف David Hume الذي بحث فيه وتوصل إلى نتيجة صادمة (ذكرتها سابقا في هذا المقال).

David Hume كان فيلسوفا تجريبيا بامتياز، بمعنى أنه كان يعتقد أن جميع الأفكار بلا استثناء هي مشتقة من الأحاسيس، ولكنه ميز بين طبقتين من الأفكار: طبقة مشتقة من الأحاسيس بشكل مباشر سماها الانطباعات impressions، وطبقة أخرى مشتقة من الانطباعات سماها “الأفكار”ideas  (هذا التقسيم هو ربما نفس تقسيم Kant الذي ميز بين mundus sensibilis و mundus intelligibilis).

David Hume اعتبر أن “وعي الذات” هو من الطبقة الثانية ideas. هو تساءل عن الانطباع impression (أي المدرك الحسي) الذي يؤدي إلى توليد وعي الذات. لا يوجد في عقل الإنسان أي انطباع ثابت ومستمر طوال الوقت كما هو حال وعي الذات. بناء على ذلك توصل Hume إلى أن وعي الذات هو وهم وليس فكرة حقيقية.

المقصود بهذا الكلام هو ما يلي: كل فكرة في العقل تنبع من أحاسيس واصلة إلى العقل. فكرة “الذات” self هي فكرة ثابتة في العقل لا تزول ولا تتغير أبدا. ما هي الأحاسيس التي تؤدي إلى توليد هذه الفكرة الدائمة والثابتة؟ Hume قال أنه لا توجد أية أحاسيس تصل إلى العقل بشكل دائم وثابت كما هو حال وعي الذات، وبالتالي هذه الفكرة هي ليست نابعة من أية أحاسيس، وبالتالي هي ليست فكرة حقيقية.

Kant طرح مفهوما لوعي الذات يتوافق مع نظريته في الإدراك الحسي المسماة “المثالية العابرة” transcendental idealism. حسب Kant فإن وعي الذات هو ناتج من عملية تجميع المدركات الحسية المتجزئة:

[Das Selbstbewußtsein] geschieht also dadurch noch nicht, daß ich jede Vorstellung mit Bewußtsein begleite, sondern daß ich eine zu der anderen hinzusetze und mir der Synthesis derselben bewußt bin. Also nur dadurch, daß ich ein Mannigfaltiges gegebener Vorstellungen in einem Bewußtsein verbinden kann, ist es möglich, daß ich mir die Identität des Bewußtseins in diesen Vorstellungen selbst vorstelle […] Der Gedanke: diese in der Anschauung gegebenen Vorstellungen gehören mir insgesamt zu, heißt demnach soviel, als ich vereinige sie in einem Selbstbewußtsein, oder kann sie wenigstens darin vereinigen […] Nur dadurch, daß ich das Mannigfaltige derselben in einem Bewußtsein begreifen kann, nenne ich dieselben insgesamt meine Vorstellungen; denn sonst würde ich ein so vielfarbiges verschiedenes Selbst haben, als ich Vorstellungen habe, deren ich mir bewußt bin.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 133

===============================================================

[Self-consciousness] then does not exist because I accompany every representation with consciousness, but because I join one representation to another, and am conscious of the synthesis of them. Consequently, only because I can connect a variety of given representations in one consciousness, is it possible that I can represent to myself the identity of consciousness in these representations […] The thought, “These representations given in intuition belong all of them to me,” is accordingly just the same as, “I unite them in one self-consciousness, or can at least so unite them” […] For the reason alone that I can comprehend the variety of my representations in one consciousness, do I call them my representations, for otherwise I must have as many-coloured and various a self as are the representations of which I am conscious.

===============================================================

وعي الذات ليس موجودا لأنني أقرن كل تمثيل بالوعي، ولكن لأنني أضم تمثيلا إلى آخر وأنا واع لعملية تركيب هذه التمثيلات. أنا أستطيع أن أمثّل لنفسي التطابق بين الوعي المرافق لتمثيلات متعددة فقط لأنني أستطيع أن أربط بين هذه التمثيلات في وعي واحد… لهذا فإن الفكرة التي تقول “هذه التمثيلات التي في عقلي هي كلها لي” هي مماثلة للفكرة التي تقول “أنا أوحّدها في وعي ذات واحد، أو على الأقل أستطيع أن أوحّدها هكذا”… أنا أطلق على تمثيلاتي المتنوعة مسمى تمثيلاتي لسبب وحيد هو أنني أستطيع أن أجمعها، لأنني لولا ذلك كنت سأملك ذواتا متعددة ومتنوعة بقدر التمثيلات التي أعيها.

Kant كان ملما بفلسفة David Hume وهو كان على علم بالمشكلة التي طرحها Hume حول وعي الذات. الحل الذي أوجده Kant لهذه المشكلة هو التالي: وعي الذات هو ناتج من “الفهم” (أي أنه من الأفكار ideas حسب تنصيف Hume)، ولكن وعي الذات عند Kant هو ليس ناتجا من نشوء تمثيل أو إدراك حسي معين في العقل، ولكنه ناتج من عملية تجميع التمثيلات (التركيب synthesis) التي ينفذها الفهم.

التمثيلات أو المدركات الحسية هي متغيرة وليست ثابتة في العقل، ولكن المبادئ والقوانين التي يجمع الفهم على أساسها التمثيلات هي ثابتة ولا تتغير، لأن هذه المبادئ والقوانين حسب فلسفة Kant هي مفاهيم فطرية مزروعة في العقل.

ثبات قوانين تجميع التمثيلات يفسر ثبات وعي الإنسان بذاته.

لنفرض أنني ذهبت إلى حديقة ورأيت هناك زهرة نضرة، وبعد أشهر عدت مجددا إلى نفس الحديقة ووجدت أن الزهرة قد ذبلت. ما هو السبب الذي يجعل عقلي يعتقد بأن فيه ذاتا أو شخصا واحدا قد رأى نفس الزهرة في المرتين؟

عقلي، وتحديدا “الفهم”، يملك مجموعة من “القوانين الطبيعية” التي يقوم على أساسها بتركيب التمثيلات. “فهمي” هو الذي ركب في عقلي صورة الزهرة النضرة قبل أشهر، وهو نفسه الذي يركب في عقلي الآن صورة الزهرة الذابلة. فهمي اعتمد على مجموعة من القوانين والمفاهيم الثابتة لتركيب كل من الصورتين. هذه القوانين والمفاهيم الثابتة هي المرجعية الثابتة التي تربط بين أفكاري وتجاربي، وبالتالي هي شرط ضروري لوجود شعوري بذاتي الواحدة.

Kant يقول أنه لولا وجود القوانين والمفاهيم الفطرية الثابتة لنشأ في العقل عدد لا يحصى من الذوات، لأن كل فكرة تنشأ في العقل سوف تؤدي إلى نشوء ذات.

إذن وحدة القوانين والمفاهيم التي يعمل “الفهم” على أساسها هي شرط ضروري لوحدة الذات وثباتها.

مبدأ وعي الذات

أحد المبادئ الشهيرة التي أتى بها Kant هو “مبدأ وعي الذات” principle of apperception.

ما يلي هو نص المبدأ:

Das: Ich denke, muß alle meine Vorstellungen begleiten können; denn sonst würde etwas in mir vorgestellt werden, was garnicht gedacht werden könnte, welches ebensoviel heißt, als die Vorstellung würde entweder unmöglich, oder wenigstens für mich nichts sein.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 131

===============================================================

The “I think” must be able to accompany all my representations, for otherwise something would be represented in me which could not be thought; in other words, the representation would either be impossible, or at least be, in relation to me, nothing.

===============================================================

“أنا أفكر” يجب أن تملك القدرة على مرافقة كل تمثيلاتي، وإلا فإن شيئا سيتمثل فيني رغم أنه ليس فكرة. بعبارة أخرى، هكذا تمثيل سيكون إما مستحيلا أو –على الأقل بالنسبة لي- لا شيء.

أنا بصراحة لست واثقا من أنني أفهم ما يقصده Kant بهذا الكلام، ولست واثقا من أن جميع مفسري Kant يفهمون المقصود. أنا شعرت أن بعض المفسرين حملوا هذا الكلام أكثر مما يحتمل.

ما يبدو لي هو أن Kant يقصد ما يلي: كل شيء يدور في عقلي هو حتما فكرة تابعة لي، وإلا فإنني ما كنت وعيته من الأساس.

أنا لا أشعر أن هذا الكلام يحمل أية فكرة مهمة (على الأقل في نطاق فهمي له). هو يقول ببساطة أن ما يدور في عقلي هي أفكاري.

من الممكن أن Kant كتب هذا الكلام بسبب تأثره بمقولة Descartes “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. Descartes ربط بين وجود الذات وبين التفكير. هذا هو ربما المعنى الذي يقصده Kant أيضا. من الممكن أن Kant أراد أن يعطي تعريفا لوعي الذات: وعي الذات بالنسبة لـ Kant يعني أنني أستطيع أن أضع عبارة “أنا أفكر” أمام كل شيء يدور في عقلي. لا يمكنني أن أكون واعيا لذاتي وفي نفس الوقت لا أستطيع أن أضع عبارة “أنا أفكر” أمام شيء يدور في عقلي. هذا الأمر مستحيل.

نشوء الذات

حسب Kant فإن نشوء الشعور بالذات هو مرتبط بالقدرة على التمييز بين الأفكار الشيئية objective والأفكار الشخصية subjective.

Kant ضرب المثال التالي: لنفرض أنني وقفت أمام واجهة منزل، وبعد ذلك درت نحو الجدار الجانبي للمنزل، ثم درت نحو الجدار الخلفي للمنزل. عقلي سيجمع صورة الواجهة مع الجدارين الجانبي والخلفي وسيقوم بتركيب تصور فراغي للمنزل، بمعنى أن عقلي سيدرك أن واجهة المنزل وجدرانه هي أجزاء من شيء واحد.

عقلي سيفترض أيضا أن كل البشر يجب أن يتفقوا معي في أن واجهة المنزل وجدرانه هي أجزاء من شيء واحد. من يرفض هذا الأمر هو حتما مخطئ.

لنفرض الآن أن هذا المنزل هو المنزل الذي قضيت فيه طفولتي. عندما أرى المنزل فإن شعورا بالحنين سيتنشط في عقلي، وعقلي سيربط هذا الشعور مع صورة المنزل، ولكن عقلي يعلم أن هذا الربط هو خاص بي. مثلا لو جاء أشخاص آخرون ورأوا المنزل فعقلي يعلم أنهم لن يربطوا صورة المنزل بشعور الحنين.

عقلي يعلم أن ربط شعور الحنين مع صورة المنزل هو فكرة شخصية subjective وليس فكرة شيئية objective. الفكرة الشخصية هي صحيحة فقط بالنسبة لي، ولكنها ليست بالضرورة صحيحة بالنسبة لبقية البشر.

حسب Kant فإن قدرة العقل على الفصل بين الأفكار الشخصية والشيئية هي شرط لوجود الذات أو الأنا. هذه القدرة تنبع من قدرة “الفهم” على تركيب العالم الشيئي objective world بالاعتماد على “الحكم” judgment. “الحكم” يعني القدرة على تمييز “الوحدة الشيئية” objective unity وفصلها عن الأفكار الشخصية subjective. الحكم هو فرع من التركيب synthesis، أي أنه يعتمد على “القوانين الطبيعية” والفئات categories المزروعة فطريا في الفهم.

الفهم يقوم بتركيب العالم الشيئي ويصنف الأفكار إلى نوعين، أفكار تنتمي إلى العالم الشيئي (أفكار شيئية objective) وأفكار لا تنتمي إليه (أفكار شخصية subjective).

بما أن “القوانين الطبيعية” الموجودة في الفهم هي قوانين فطرية وليست مكتسبة بالتعلم فهذا يوصلنا إلى أن العالم الشيئي الذي يقوم العقل بتركيبه هو نابع من الفطرة وليس من التجربة.

Die Ordnung und Regelmäßigkeit also an den Erscheinungen, die wir Natur nennen, bringen wir selbst hinein, und würden sie auch nicht darin finden können, hätten wir sie nicht, oder die Natur unseres Gemüths ursprünglich hineingelegt. Denn diese Natureinheit soll eine nothwendige d. i. a priori gewisse Einheit der Verknüpfung der Erscheinungen seyn […] Es ist also der Verstand nicht blos ein Vermögen, durch Vergleichung der Erscheinungen sich Regeln zu machen: er ist selbst die Gesetzgebung vor die Natur, d. i. ohne Verstand würde es überall nicht Natur.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 1, Seiten 125-126

===============================================================

Hence the order and regularity in the appearances that we call nature are brought into them by ourselves; nor indeed could such order and regularity be found in appearances, had not we, or the nature of our mind, put them into appearances originally. For this unity of nature is to be a necessary, i.e. an a priori certain, unity of the connection of appearances […] Hence the understanding is thus not merely a faculty for making rules through the comparison of the appearances; it is itself the legislation for nature, i.e., without understanding there would not be any nature at all.

===============================================================

نحن مصدر النظام والثبات في الظواهر الذي نسميه “الطبيعة”. هكذا نظام وثبات ما كان ليوجد في الظواهر لولا أننا نحن، أو طبيعة عقلنا، وضعته في الظواهر من الأصل. لأن هذا الثبات في الطبيعة هو الثبات اللازم والفطري في تركيب الظواهر… وهكذا فإن الفهم هو ليس مجرد القدرة على صنع القواعد عبر مقارنة الظواهر، ولكنه هو ذاته قانون الطبيعة، بمعنى أنه دون الفهم ما كانت لتكون هناك طبيعة على الإطلاق.

Kant يقول أن عقلنا هو الذي يصنع قوانين الطبيعة بناء على الفئات categories الفطرية المخزنة فيه.

من الممكن وفق هذا الطرح أن نتخيل ما يلي: العالم الشيئي الحقيقي له قوانين مختلفة عن القوانين التي نعرفها.

Kant لا ينفي هذه الاحتمالية. Kant لا يعرف أي شيء عن العالم الحقيقي سوى شيء واحد وهو أنه يحوي أشياء حقيقية قائمة بذاتها ترسل الأحاسيس إلى عقلنا. هو لا يعرف أي شيء عن ماهية هذه الأشياء القائمة بذاتها، ولكنه يصر على وجودها لأن “وجود المظهر يستلزم وجود شيء يظهر”.

Kant يعلم أن هناك أشياء قائمة بذاتها ترسل الأحاسيس إلى عقلنا، ولكنه لا يعلم أي شيء عن ماهية العالم الذي توجد فيه هذه الأشياء، وهو حتى لا يعلم ما هي القوانين التي تحكم ذلك العالم. القوانين الطبيعية الموجودة في عقلنا هي ليست نابعة من ذلك العالم ولكنها نابعة من عقلنا.

وحدة الفراغ

ذكرنا في الأعلى أن العقل يقوم بتركيب عالم شيئي objective world ويقوم بإسناد المدركات الحسية إلى هذا العالم، وبناء على هذه العملية يتمكن العقل من التمييز بين الأفكار الشيئية والأفكار الشخصية. هذه العملية هي ضرورية لوجود الذات self.

لنفرض أنني أريد أن أتخيل شيئا object لم يسبق لي أن شاهدته أو أدركته من قبل في العالم الشيئي. سوف أطلق على هذا الشيء مسمى “الجسم A“. حسب فلسفة Kant فإنني لا أستطيع أن أتخيل الجسم A دون أن أسند له مكانا في العالم الشيئي، لأن مفهوم المكان أو الفراغ هو شرط للإدراك الحسي (الإدراك الحسي والتخيل هما عمليتان متشابهتان).

كيف يمكن لي أن أسند مكانا للجسم A في العالم الشيئي رغم أنني لم أشاهده من قبل في العالم الشيئي؟ كيف سأضعه في العالم الشيئي رغم أنه لا ينتمي لهذا العالم؟

هناك حلان لهذه المشكلة. الحل الأول هو أن أركب عالما شيئيا جديدا يختلف عن العالم الشيئي الذي أعرفه، وبعد ذلك يمكنني أن أسند مكانا للجسم A في هذا العالم الشيئي الجديد.

Kant يرفض هذا الحل، لأنه سيؤدي إلى انهيار الذات.

وجود الذات يقتضي الفصل بين نوعين من الأفكار: أفكار تنتمي إلى العالم الشيئي وأفكار لا تنتمي إلى العالم الشيئي. الذات هي الأفكار التي لا تنتمي إلى العالم الشيئي.

لو أنني قمت بتركيب عالم شيئي جديد فهذا يعني أن ذاتي ستصبح على علاقة مع عالمين شيئيين، بمعنى أنني سأشعر أنني أعيش في عالمين شيئيين في آن واحد. هذا الأمر هو غير ممكن لأنه يتنافى مع مبدأ “وحدة التركيب” الذي اعتبره Kant شرطا لوحدة الذات.

أنا أستطيع أن أتخيل وجود عالم شيئي آخر غير العالم الذي أعرفه، ولكن عقلي سوف يكون مدركا لأن هذا العالم هو عالم خيالي وليس حقيقيا. هناك فرق بين أن أتخيل وجود عالم شيئي وبين أن أقوم بتركيب عالم شيئي أعتقد أنه حقيقة. العالم الشيئي الخيالي هو ليس صالحا لإدراك الأشياء، وبالتالي هو لا يحل مشكلتي ولا يساعدني على تخيل الجسم A.

لهذا السبب أنا بحاجة لحل آخر حتى أتمكن من إدراك الجسم A. الحل حسب Kant هو أن العقل يعتقد بوجود فراغ غير محدود unbounded space.

نحن لا نعلم ما هي حدود العالم الشيئي الذي ندركه، ولا نعلم أصلا إن كانت له حدود أم لا، ولكن عقلنا رغم ذلك يقوم بتركيب فراغ أو فضاء غير محدود.

عندما أتخيل الجسم A فإن ما يقوم به عقلي هو أنه يضع الجسم A في مكان من الفراغ غير المحدود يقع خارج حدود العالم الشيئي المحسوس. أنا لا أعرف ما هو هذا المكان، ولكنني أعرف أنه ليس في العالم الشيئي المحسوس، لأن الجسم A هو مجرد جسم خيالي في رأسي.

العقل يقوم بتركيب فراغ أو فضاء غير محدود unbounded space. هذا الفضاء غير المحدود يحوي كل المدركات الحسية، أي أنه يحوي العالم الشيئي بكامله. بالإضافة إلى ذلك هذا الفضاء يحوي أيضا الأشياء الخيالية التي أقوم بتركيبها في رأسي دون أن أكون قد شاهدتها في العالم الشيئي. إذن هذا الفضاء غير المحدود يحوي كل الأشياء التي أعرفها سواء كانت نابعة من الإدراك الحسي أم من الخيال. النقطة المهمة التي ركز عليها Kant هي أن هذا الفضاء غير المحدود هو موحد unified، بمعنى أنه فضاء واحد وليس عدة فضاءات. لو كان هناك أكثر من فضاء فإن هذا سيؤدي لانهيار الذات، لأن الذات لا يمكنها أن تعيش في أكثر من فضاء (مثلما أنني لا يمكن أن أكون موجودا في أكثر من مكان في آن واحد).

على ما أظن فإن الفضاء غير المحدود الذي تحدث عنه Kant هو موجود في قشرة المخ الجدارية parietal cortex. لهذا السبب فإن إصابة هذه القشرة بالتلف تؤدي إلى فقدان الإدراك الحسي بشكل كامل، أو ما يسمى بالإهمال نصف الفراغي hemispatial neglect. الأشخاص المصابون بهذه الحالة يدركون وجود نصف الفراغ دون النصف الآخر، بمعنى أنهم لا يعون أن هناك فراغا أو عالما يقع على جهتهم اليسرى في حال كانت إصابتهم في القشرة الجدارية اليمنى (أو العكس).

مصادر

  • Stanford Encyclopedia of Philosophy
  • Wikipedia, the free encyclopedia

الفراغ (1)

three dimensions space Euclidean

هذا الموضوع هو فلسفي-فيزيائي ولكنه رغم ذلك ليس بعيدا جدا عن موضوع الدماغ البشري.

تعريف الفراغ أو الفضاء space هو أمر صعب لأن هناك جدلا فلسفيا حول هذا المفهوم.

بعض الفلاسفة يرون أن الفراغ هو شيء object أو كيان entity له وجود حقيقي real، وبعضهم يرون أن الفراغ هو ليس شيئا حقيقيا ولكنه مجرد فكرة في العقل idea.

الفلاسفة الذين يعتقدون بأن الفراغ هو شيء حقيقي يعرفونه عادة بأنه امتداد extension.

حسب فهمي لكلمة “الامتداد” extension في الفلسفة فإن هذه الكلمة لها نفس معنى “المسافة” أو “البعد” dimension.

الفراغ عند Descartes

René Descartes

René Descartes عرّف الفراغ بأنه امتداد.

بالنسبة لـ Descartes فإن الامتداد هو خاصية property مميزة للمادة، وهو في الحقيقة أهم خصائص المادة. لهذا السبب Descartes أطلق على المادة مسمى “الجوهر الممتد” (extended substance) substance étendue.

بما أن الامتداد هو خاصية مادية، وبما أن الفراغ هو امتداد، فإن النتيجة التي توصل إليها Descartes هي أن الفراغ هو في الحقيقة مكون من المادة.

الفراغ عند Descartes لا يعني الخلاء vacuum، ولكنه شيء مادي.

الكون الفيزيائي في مفهوم Descartes هو مكون بالكامل من المادة. عندما يتحرك جسم مادي في الفراغ فإنه في الحقيقة يسبح في “المادة الفراغية” (هذا المصطلح هو من عندي).

لتوضيح الفكرة سأضرب مثالا. لنفرض أن هناك حوضا مملوءا بالماء، وفي داخل الماء توجد أجسام مادية سابحة. الماء الذي في الحوض يعادل الفراغ في كون Descartes، والأجسام السابحة في الماء تعادل الأجسام المادية الموجودة في الكون.

الكون في مفهوم Descartes لا يحوي مناطق “خالية” ولكنه مكون بالكامل من المادة، بالإضافة طبعا إلى الأشياء الروحية التي كان Descartes يعتقد بوجودها.

الفراغ عند Newton

Isaac Newton

Isaac Newton كان يعتقد بوجود “فراغ مطلق” absolute space و”زمن مطلق” absolute time.

مفهوم “الفراغ المطلق” عند Newton هو على ما أظن شبيه بمفهوم الفراغ عند Descartes، ولكن Newton في كتاباته رفض اعتبار الفراغ المطلق جوهرا substance لأنه يفتقد للقدرة السببية causal power ولأنه لا يملك وجودا مستقلا. هو وصف الفراغ المطلق بـ”الجوهر الزائف” pseudo-substance.

مفهوم الفراغ المطلق عند Newton هو على ما أظن شبيه بمفهوم “الأثير” aether الذي كان الفيزيائيون يعتقدون بوجوده حتى بداية القرن العشرين.

الأثير هو فكرة يونانية الأصل. اليونانيون القدماء كانوا يعتقدون بأن الكون هو مؤلف من أربعة عناصر أساسية هي النار والهواء والماء والتراب. الفيلسوف المشعوذ أرسطو أضاف عنصرا خامسا هو “الأثير” αἰθήρ. هذا العنصر المزعوم يفتقد لمعظم الخصائص المادية ووظيفته الأساسية هي حمل النجوم والأجرام السماوية.

Ptolemy universe

الأوروبيون في القرون الوسطى أطلقوا على الأثير مسمى quintessence (“العنصر الخامس”). الفيزيائيون الأوروبيون في القرن 19 كانوا يعتقدون أن الأثير هو الوسط الذي ينتقل عبره الضوء والموجات الكهرومغناطيسية بشكل عام. بعضهم ربما كان يعتقد حتى أن الأثير هو الوسط الذي تنتقل عبره قوة الجذب الكتلي gravitation.

الأثير باختصار كان عبارة عن مادة خفية تملئ الفضاء وتسبح فيها الكواكب وتنتقل عبرها الموجات الكهرومغناطيسية. فكرة الأثير كانت أشبه بحل سحري يستخدمه الفيزيائيون لتفسير الأمور التي يعجزون عن إدراكها، ولكن لا أحد استطاع أن يثبت وجود الأثير بالدليل الملموس. الاعتقاد بوجود الأثير اختفى في القرن العشرين، والفضل الأساسي في ذلك يعود لألبرت أينشتاين.

الفراغ عند Leibniz

Gottfried Leibniz

الفيلسوف الألماني Gottfried Leibniz (نهاية القرن 17) رفض مفهوم الفراغ الذي طرحه كل من Descartes و Newton.

حسب Leibniz فإن الفراغ هو ليس شيئا أو كيانا حقيقيا ولكنه مجرد فكرة في عقول البشر.

مفهوم الفراغ هو نابع من إدراكنا للأشياء. لو لم تكن هناك أشياء لما كان هناك وجود لمفهوم الفراغ.

Leibniz اعتبر أن مفهوم الفراغ هو تعميم أو توسيع لمفهوم المكان place.

“المكان” هو ليس شيئا حقيقيا ولكنه مجرد علاقة relation بين شيئين.

لكي نحدد “مكان” شيء ما نحن نحتاج لشيء آخر. مثلا لو كان هناك كوكبان في السماء فنحن نستطيع أن نحدد مكان الكوكب الأول بقياس بعده عن الكوكب الثاني، ولكن لو كان هناك كوكب واحد فقط في السماء فنحن لن نستطيع أن نحدد مكانه. مفهوم المكان في هذه الحالة لن يكون له معنى.

الفراغ space هو مجموع الأمكنة places التي يمكن أن تتواجد فيها الأشياء. بما أن المكان هو ليس شيئا ولكنه مجرد فكرة (مجرد علاقة relation) فهذا يوصلنا إلى أن الفراغ هو أيضا ليس شيئا ولكنه مجرد فكرة.

فلسفة Kant

Immanuel Kant (القرن 18) درس بشكل معمق طروحات الفلاسفة الذين سبقوه وخرج بأفكار جديدة أحدثت ثورة في عالم الفلسفة.

Kant اتفق مع Leibniz في أن الفراغ هو فكرة وليس شيئا حقيقيا، ولكن Kant رأى أن فكرة الفراغ هي ليست نابعة من إدراكنا للأشياء المحسوسة.

قبل Kant كان الاتجاه العام السائد في الفلسفة الغربية هو نحو التجريبيةempiricism  والشك skepticism. الفكر التجريبي يرى أن كل الأفكار والمفاهيم التي في عقل الإنسان هي مشتقة من إدراكه الحسي، والفكر الشكي يرى أن الإدراك الحسي هو غير موثوق.

John Locke كان من الشكاكين، ولكنه لم ينف الوجود الحقيقي لأشياء مادية ترسل الأحاسيس نحو العقل البشري. الأسقف George Berkeley كان أيضا من الشكاكين، ولكنه كان مثاليا idealist ونفى وجود أشياء مادية ترسل الأحاسيس نحو العقل البشري. هو زعم أن مصدر الأحاسيس التي تصل إلى العقل البشري هو الله.

David Hume

أكبر الشكاكين على ما أظن هو David Hume. حسب هذا الفيلسوف فإن العقل لا يمكنه أن يتأكد من الوجود الحقيقي للمادة أو الروح، ولا يمكنه حتى أن يتأكد من صحة القوانين الفيزيائية، لأن هذه القوانين لا تستند على أسس منطقية ولكنها مستقاة من الإدراك الحسي.

Immanuel Kant كان ملما بأفكار الفلاسفة الشكاكين، وهو طور هذه الأفكار عبر التمييز بين مفهومين:

  • المفهوم الأول أطلق عليه مسمى phenomenon. المقصود بهذه الكلمة هو الإدراك الحسي perception الذي ينشأ في العقل بسبب وصول الأحاسيس (يسمى أيضا التمثيل representation أو المظهر appearance).
  • المفهوم الثاني أطلق عليه مسمى noumenon. المقصود بهذه الكلمة هو إدراك وجود شيء يرسل الأحاسيس نحو العقل (وبالتالي يتسبب في ظهور الـ phenomenon في العقل).

الـ phenomenon هو مجرد فكرة في العقل وليس شيئا قائما بذاته (بالألمانية: Ding an sich).

الشيء القائم بذاته Ding an sich حسب مصطلحات Kant هو الشيء الحقيقي الموجود خارج العقل والذي يرسل الأحاسيس التي تؤدي لتوليد الـ phenomenon في العقل. هل الشيء القائم بذاته هو نفسه الـ noumenon؟ كثير من مفسري Kant يقولون ذلك، ولكن بعض المفسرين يرون أن هناك فرقا في المعنى بين المصطلحين.

ما يبدو لي هو أن Kant يميز بين الشيء القائم بذاته وبين الـ noumenon. على ما يبدو فإن كلمة noumenon عند Kant تشير إلى فكرة موجودة في العقل، وأما الـ Ding an sich فهو شيء حقيقي وليس فكرة.

ما يلي كلام لـ Kant حول الـ noumenon. أسفل النص الألماني هناك ترجمة إلى اللغة الإنكليزية، وفي أسفل الترجمة الإنكليزية هناك تفسير باللغة العربية. لو أنني ترجمت النص حرفيا إلى اللغة العربية فالنتيجة ستكون كلاما صعب الفهم. لهذا السبب قررت أن أفسر النص بدلا من أن أترجمه.

Der Begriff eines Noümenon, d. i. eines Dinges, welches gar nicht als Gegenstand der Sinne, sondern als ein Ding an sich selbst (lediglich durch einen reinen Verstand) gedacht werden soll, ist gar nicht widersprechend; denn man kan von der Sinnlichkeit doch nicht behaupten, daß sie die einzige mögliche Art der Anschauung sey. Ferner ist dieser Begriff nothwendig, um die sinnliche Anschauung nicht bis über die Dinge an sich selbst auszudehnen, und also um die obiective Gültigkeit der sinnlichen Erkentniß einzuschränken (denn das übrige, worauf iene nicht reicht, heissen eben darum Noümena, damit man dadurch anzeige, iene Erkentnisse können ihr Gebiet nicht über alles, was der Verstand denkt, erstrecken). Am Ende aber ist doch die Möglichkeit solcher Noümenorum gar nicht einzusehen, und der Umfang ausser der Sphäre der Erscheinungen ist (für uns) leer, d. i. wir haben einen Verstand, der sich problematisch weiter erstreckt als iene, aber keine Anschauung, ia auch nicht einmal den Begriff von einer möglichen Anschauung, wodurch uns ausser dem Felde der Sinnlichkeit Gegenstände gegeben und der Verstand über dieselbe hinaus assertorisch gebraucht werden könne. Der Begriff eines Noümenon ist also blos ein Gränzbegriff, um die Anmaßung der Sinnlichkeit einzuschränken, und also nur von negativem Gebrauche.

[…]

Unser Verstand bekomt nun auf diese Weise eine negative Erweiterung; d. i. er wird nicht durch die Sinnlichkeit eingeschränkt, sondern schränkt vielmehr dieselbe ein, dadurch daß er Dinge an sich selbst (nicht als Erscheinungen betrachtet) Noümena nent. Aber er sezt sich auch sofort selbst Gränzen, sie durch keine Kategorien zu erkennen, mithin sie nur unter dem Namen eines unbekanten Etwas zu denken.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 1, Seiten 254-256

===============================================================

The conception of a noumenon, that is, of a thing which must be cogitated not as an object of sense, but as a thing in itself (solely through the pure understanding), is not self-contradictory, for we are not entitled to maintain that sensibility is the only possible mode of intuition. Nay, further, this conception is necessary to restrain sensuous intuition within the bounds of phenomena, and thus to limit the objective validity of sensuous cognition; for things in themselves, which lie beyond its province, are called noumena for the very purpose of indicating that this cognition does not extend its application to all that the understanding thinks. But, after all, the possibility of such noumena is quite incomprehensible, and beyond the sphere of phenomena, all is for us a mere void; that is to say, we possess an understanding whose province does problematically extend beyond this sphere, but we do not possess an intuition, indeed, not even the conception of a possible intuition, by means of which objects beyond the region of sensibility could be given us, and in reference to which the understanding might be employed assertorically. The conception of a noumenon is therefore merely a limitative conception and therefore only of negative use.

[…]

Our understanding attains in this way a sort of negative extension. That is to say, it is not limited by, but rather limits, sensibility, by giving the name of noumena to things, not considered as phenomena, but as things in themselves. But it at the same time prescribes limits to itself, for it confesses itself unable to cognize these by means of the categories, and hence is compelled to cogitate them merely as an unknown something.

===============================================================

مفهوم الـ noumenon، أي الشيء الذي يجب التفكير فيه ليس بوصفه مدركا حسيا ولكن بوصفه شيئا قائما بذاته (عبر العقل المجرد حصرا) هو ليس متناقضا، لأنه لا يحق لنا أن نقول أن الإحساس هو الطريقة الوحيدة للمعرفة. هذا المفهوم هو أيضا ضروري لحصر المعرفة الحسية ضمن حدود الظواهر phenomena، وبالتالي وضع حد للمصداقية الشيئية (objective validity) obiective Gültigkeit للمعرفة الحسية، لأن الأشياء القائمة بذاتها التي تقع خارج نطاق المعرفة الحسية ما سميت noumena إلا لإظهار أن المعرفة الحسية لا تشمل كل ما يدور في العقل من أفكار. ولكن رغم ذلك فإن إمكانية هذه الـ noumena هي غير قابلة للتصور، وكل شيء خارج نطاق الظواهر phenomena هو بالنسبة لنا خواء، بمعنى أننا نملك عقلا يمتد نطاقه على نحو إشكالي إلى خارج حيز الظواهر، ولكننا لا نملك معرفة، ولا حتى تصورا لمعرفة، يمكن عبرها أن نصل إلى الأشياء التي تقع خارج نطاق الإحساس ويمكن أن نبني على أساسها أفكارا موثوقة. لهذا السبب فإن مفهوم الـ noumenon هو مجرد مفهوم للحصر وليس له سوى استخدام سلبي.

[…]

عقلنا يكتسب بهذه الطريقة نوعا من الامتداد السلبي، بمعنى أنه ليس محصورا بالإدراك الحسي ولكنه يحصر الإدراك الحسي عبر إعطاء تسمية noumena للأشياء التي لا تعتبر ظواهر phenomena ولكن أشياء قائمة بذاتها. ولكنه في نفس الوقت يضع حدودا لنفسه، لأنه يعترف بأنه غير قادر على معرفة هذه الأشياء عبر الفئات categories، وبالتالي هو مضطر لأن يفكر فيها على أنها أشياء مجهولة.

هذا النص (وغيره) يدل على أن الـ noumenon هو فكرة موجودة في العقل، ولكن هذه الفكرة ليست مشتقة من الحواس.

Kant يتحدث دائما عن نوعين من الأفكار، نوع مشتق بشكل مباشر من الحواس ونوع آخر غير مشتق بشكل مباشر من الحواس. هو يطلق على الأفكار المشتقة بشكل مباشر من الحواس مسمى “العالم الحسي” mundus sensibilis، ويطلق على الأفكار غير المشتقة بشكل مباشر من الحواس مسمى “العالم الفهمي” mundus intelligibilis. ما يبدو لي هو أن Kant يستخدم كلمة “الفهم” (understanding) Verstand كتسمية للتفكير الذي لا يعتمد بشكل مباشر على الحواس، وأما التفكير الذي يعتمد بشكل مباشر على الحواس فهو يسميه “الفطرة الحسية” (sensuous intuition) sinnliche Anschauung أو “المعرفة الحسية” (sensuous cognition) sinnliche Erkenntnis.

الـ noumenon هو فكرة نابعة من “الفهم” Verstand، أي أنه فكرة غير نابعة بشكل مباشر من الحواس. المقصود بالـ noumenon هو اعتقاد الإنسان بوجود شيء قائم بذاته Ding an sich يرسل الأحاسيس إلى عقله.

Kant يقول أن الـ noumenon هو مجرد مفهوم للحصر (limitative concept) Grenzbegriff، بمعنى أن الهدف منه هو وضع حد واقعي لمعرفة الإنسان النابعة من الإحساس.

ما يقصده Kant هو ما يلي: لو أن الإنسان لم يعتقد بالـ noumenon فهو لن يدرك وجود فرق بين الـ phenomenon (الفكرة الموجودة في العقل) وبين الشيء القائم بذاته Ding an sich (الشيء الحقيقي الموجود خارج العقل). الاعتقاد بالـ noumenon هو ضروري لكي يفهم الإنسان أن الـ phenomenon هو مجرد فكرة موجودة في عقله وليست أكثر من ذلك.

طبعا ليس كل الناس يفهمون الفرق بين الـ noumenon والـ phenomenon، ولكنني أظن أن Kant يتحدث في هذه المسألة عن زملائه الفلاسفة وليس عن عامة الناس. أصلا كتابه المسمى Critique of Pure Reason هو موجه حصرا للفلاسفة ولا أظن أن هناك أحدا قرأ هذا الكتاب عند نشره سوى الفلاسفة.

Kant وصف الـ noumenon بأنه شيء غير معروفunbekannt  وغير قابل للتصور gar nicht einzusehen وإشكالي problematisch وخواء leer. مثل هذه الألفاظ تكررت كثيرا في حديثه عن الـ noumenon، ولكنه رغم ذلك أصر على أن الـ noumenon هو فكرة ضرورية بسبب دورها في حصر المعرفة الحسية ومنع اكتسابها الطابع الشيئي objective (كما ذكرنا في الأعلى).

كيف نوفق بين كون الـ noumenon غير قابل للتصور وإشكالي إلخ وبين كونه فكرة ضرورية؟

ما يلي جواب Kant:

Gleichwohl wird, welches wohl gemerkt werden muß, doch dabei immer vorbehalten, daß wir eben dieselben Gegenstände auch als Dinge an sich selbst, wenn gleich nicht erkennen, dochwenigstens müssen denken können.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 25

===============================================================

At the same time, it must be carefully borne in mind that while we surrender the power of cognizing, we still reserve the power of thinking objects as things in themselves.

Kant يميز هنا بين “التعرف” (cognizing) erkennen وبين “التفكير” (thinking) denken. ما يلي شرحه للفرق:

In order to cognize an object, I must be able to prove its possibility, either from its reality as attested by experience, or a priori, by means of reason. But I can think what I please, provided only I do not contradict myself; that is, provided my conception is a possible thought, though I may be unable to answer for the existence of a corresponding object in the sum of possibilities. But something more is required before I can attribute to such a conception objective validity, that is real possibility—the other possibility being merely logical. We are not, however, confined to theoretical sources of cognition for the means of satisfying this additional requirement, but may derive them from practical sources.

أنا لا أدعي أنني أعرف تماما ما الذي يقصده، ولكنني أظن أنه يريد أن يقول ما يلي: الـ noumenon هو فكرة غير واقعية وغير قابلة للتصور لأننا لا نملك أي دليل حسي أو عقلي على إمكانيته، ولكنه رغم ذلك ليس فكرة مستحيلة.

سأضرب مثالا للتوضيح. لو جاء شخص وأخبرني أنه يعتقد بوجود كائنات “غير مادية” تعيش في العالم من حولنا فإنني سأستهجن كلامه وسأعتبره كلاما غير قابل للتصور، ولكنني رغم ذلك لن أعتبره كلاما مستحيلا.

أنا لا أستطيع أن أتصور وجود كائنات غير مادية، لأنني لم أتعامل سابقا مع شيء غير مادي حتى أستطيع أن أتخيل شيئا كهذا، ولكنني رغم ذلك لا أستطيع أن أقول أن وجود كائنات غير مادية هو أمر مستحيل، لأنه ليس أمرا مستحيلا من الناحية المنطقية. أنا فقط أعجز عن استيعابه أو تصوره. عجزي عن استيعابه أو تصوره لا يعني أنه مستحيل.

هذا على ما أظن هو ما يريد Kant أن يقوله. هو يقول أن الـ noumenon هو مفهوم غير قابل للتصور، ولكنه رغم ذلك مفهوم ضروري ويجب أن نؤمن به.

لماذا يجب أن نؤمن بهذا المفهوم؟ ما يلي هو جواب Kant:

Denn sonst würde der ungereimte Satz daraus folgen, daß Erscheinung ohne etwas wäre, was da erscheint.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 26

===============================================================

For, otherwise, we should require to affirm the existence of an appearance, without something that appears—which would be absurd.

===============================================================

لأننا لو لم نعتقد بوجود الأشياء القائمة بذاتها فهذا سيلزمنا بأن نعتقد بوجود مظهر دون شيء يظهر، وهو قول بلا معنى.

Kant هو مقتنع تماما بوجود “الشيء القائم بذاته” Ding an sich، وهو رفض أطروحة الأسقف George Berkeley الذي اعتبر أن المدركات الحسية (الظواهر phenomena) هي ليست نابعة من أشياء مادية. Kant يقول أن وجود المظهر (appearance) Erscheinung يتطلب وجود شيء يظهر (something that appears) etwas was erscheint. بالنسبة له هذه حتمية منطقية.

خلاصة ما سبق هي أننا يجب أن نميز بين ثلاثة مفاهيم:

  • الشيء القائم بذاته Ding an sich هو الشيء الحقيقي الذي يرسل الأحاسيس نحو العقل. وجود هذا الشيء هو بالنسبة لـ Kant ضرورة منطقية.
  • المظهر phenomenon هو المتجلي الحسي الذي يظهر في العقل بسبب وصول الأحاسيس من الشيء القائم بذاته.
  • الـ noumenon هو إدراك العقل لوجود الشيء القائم بذاته.

المثالية العابرة

أهم طرح أتى به Kant هو زعمه بأن الإدراك الحسي (تكوين الظواهر phenomena في العقل) يتطلب الاستعانة بمفاهيم فكرية تجريدية غير مستقاة من العالم المحسوس ولكنها مزروعة في “الفهم” Verstand على نحو فطري أو غريزي. Kant أطلق على هذا الطرح مسمى “المثالية العابرة” transcendental idealism.

حسب أطروحة المثالية العابرة فإن تكوين الظواهر phenomena في العقل يتطلب الاستعانة بالمفاهيم الفطرية التالية:

  • Quantity (Unity, Plurality, Totality)
  • Quality (Reality, Negation, Limitation)
  • Relation (Inherence and Subsistence (substance and accident), Causality and Dependence (cause and effect), Community (reciprocity))
  • Modality (Possibility, Existence, Necessity)

===============================================================

  • الكمية (الوحدة، التعدد، الكلية)
  • النوعية (الواقعية، النفي، الحدود)
  • العلاقة (الجوهر والخصائص، السبب والمسبب، التبادلية)
  • الجهة (الإمكانية، الوجود، الضرورة)

هذه المفاهيم التجريدية الفطرية تسمى “الفئات” categories.

حسب Kant فإن معرفة العقل بالفئات هي ليست مستقاة من الإدراك الحسي ولكنها معرفة فطرية سابقة للإدراك الحسي a priori.

الفراغ في فلسفة Kant

Kant كان مطلعا على كتابات Gottfried Leibniz. مفهوم الفراغ عند Kant هو نفس مفهوم الفراغ عند Leibniz، بمعنى أن Kant كان ينظر للفراغ على أنه مجرد علاقة relation بين الأشياء، أي أن الفراغ هو مجرد فكرة أو مفهوم موجود في العقل وليس كيانا واقعيا.

الطرح الغريب الذي أتى به Kant وتميز به عن كل سابقيه هو قوله بأن مفهوم الفراغ ليس مشتقا من إدراكنا للمحسوسات، ولكنه في أصله مفهوم فطري مزروع في “الفهم”. الفراغ هو مفهوم علاقي أو نسبي relational، وKant يعتبر أن المفاهيم العلاقية relational هي “فئة” category في “الفهم”.

حسب Kant فإن وجود مفهوم الفراغ في “الفهم” هو شرط ضروري لكي يتمكن العقل من إدراك المحسوسات أو تكوين الظواهر phenomena. لولا وجود مفهوم الفراغ في “الفهم” فإن العقل ما كان ليستطيع أن يدرك المحسوسات.

ما يلي كلام لـ Kant حول الفراغ (مع ترجمة إلى الإنكليزية وتفسير بالعربية):

1) der Raum ist kein empirischer Begriff, der von äusseren Erfahrungen abgezogen worden. Denn damit gewisse Empfindungen auf etwas ausser mich bezogen werden, (d. i. auf etwas in einem andern Orte des Raumes, als darinnen ich mich befinde,) imgleichen damit ich sie als ausser einander, mithin nicht blos verschieden, sondern als in verschiedenen Orten vorstellen könne, dazu muß die Vorstellung des Raumes schon zum Grunde liegen. Demnach kan die Vorstellung des Raumes nicht aus den Verhältnissen der äussern Erscheinung durch Erfahrung erborgt seyn, sondern diese äussere Erfahrung ist selbst nur durch gedachte Vorstellung allererst möglich.

2) Der Raum ist eine nothwendige Vorstellung, a priori, die allen äusseren Anschauungen zum Grunde liegt. Man kan sich niemals eine Vorstellung davon machen, daß kein Raum sey, ob man sich gleich ganz wohl denken kan, daß keine Gegenstände darin angetroffen werden. Er wird also als die Bedingung der Möglichkeit der Erscheinungen, und nicht als eine von ihnen abhängende Bestimmung angesehen, und ist eine Vorstellung a priori, die nothwendiger Weise äusseren Erscheinungen zum Grunde liegt.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 1, Seite 23

===============================================================

1. Space is not a conception which has been derived from outward experiences. For, in order that certain sensations may relate to something without me (that is, to something which occupies a different part of space from that in which I am); in like manner, in order that I may represent them not merely as without, of, and near to each other, but also in separate places, the representation of space must already exist as a foundation. Consequently, the representation of space cannot be borrowed from the relations of external phenomena through experience; but, on the contrary, this external experience is itself only possible through the said antecedent representation.

2. Space then is a necessary representation a priori, which serves for the foundation of all external intuitions. We never can imagine or make a representation to ourselves of the non-existence of space, though we may easily enough think that no objects are found in it. It must, therefore, be considered as the condition of the possibility of phenomena, and by no means as a determination dependent on them, and is a representation a priori, which necessarily supplies the basis for external phenomena.

===============================================================

1) الفراغ ليس مفهوما مشتقا من الإحساس الخارجي. لأنني لكي أنشئ علاقة بين أحاسيس معينة وبين شيء يقع خارجي (أي شيء يقع في جزء من الفراغ يختلف عن الجزء الذي أقع فيه)، وأيضا لكي أمثّل هذه الأحاسيس على أنها تقع في أماكن مختلفة وليست فقط مختلفة عن بعضها، لا بد لمفهوم الفراغ أن يكون موجودا في أساس إدراكي لهذه الأحاسيس. بالتالي مفهوم الفراغ لا يمكن أن يكون مستعارا من الإحساس بالعلاقات بين الظواهر الخارجية relations of external phenomena، ولكن على النقيض: الإحساس الخارجي هو نفسه غير ممكن إلا من خلال هذا المفهوم.

2) الفراغ هو مفهوم مسبق ضروري وهو يمثل الأساس لكل المدركات الحسية. لا يمكننا أبدا أن نتخيل أو نتصور عدم وجود الفراغ، رغم أننا نستطيع أن نتصور عدم وجود أشياء objects فيه. لهذا السبب لا بد من اعتباره شرطا لإمكانية الظواهر phenomena، وليس بأي حال من الأحوال نتيجة معتمدة عليها، وهو مفهوم مسبق a priori، ما يعني بالضرورة أنه يمثل أساس الظواهر الخارجية external phenomena.

تركيب الأحاسيس

من المفاهيم المهمة التي وردت في فلسفة Kant مفهوم “تركيب المدركات الحسية المتجزئة” Verbindung (conjunctio) eines Mannigfaltigen.

المدرك الحسي هو مكون من عناصر عديدة (مثلا الصورة التي يراها الإنسان عبر عينيه هي مكونة من العديد من الأشكال والألوان إلخ). Kant يقول أن العقل يستقبل عناصر المدرك الحسي على نحو متفرق وليس على نحو مجمع. تجميع العناصر يتم في العقل، وتحديدا في “الفهم”.

حسب Kant فإن هذا الطرح هو ضروري لتفسير معرفتنا بقوانين الطبيعة. لو كان عقلنا يستقبل المدركات الحسية مجمعة فإنه ما كان ليملك معرفة بالقوانين التي تحكم الطبيعة. بما أن “الفهم” يعي مبادئ وقوانين تحكم الطبيعة فهذا يستلزم أنه يقوم بنفسه بتطبيق هذه المبادئ والقوانين على العناصر الحسية المتفرقة التي تصل إليه.

ما يلي كلام لـ Kant:

Allein die Verbindung (conjunctio) eines Mannigfaltigen überhaupt, kann niemals durch Sinne in uns kommen, und kann also auch nicht in der reinen Form der sinnlichen Anschauung zugleich mit enthalten sein; denn sie ist ein Aktus der Spontaneität der Vorstellungskraft, und, da man diese, zum Unterschiede von der Sinnlichkeit, Verstand nennen muß, so ist alle Verbindung, wir mögen uns ihrer bewußt werden oder nicht, es mag eine Verbindung des Mannigfaltigen der Anschauung, oder mancherlei Begriffe, und an der ersteren der sinnlichen, oder nicht sinnlichen Anschauung sein, eine Verstandeshandlung, die wir mit der allgemeinen Benennung Synthesis belegen würden, um dadurch zugleich bemerklich zu machen, daß wir uns nichts, als im Objekt verbunden, vorstellen können, ohne es vorher selbst verbunden zu haben.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 130

===============================================================

But the conjunction (conjunctio) of a manifold in intuition never can be given us by the senses; it cannot therefore be contained in the pure form of sensuous intuition, for it is a spontaneous act of the faculty of representation. And as we must, to distinguish it from sensibility, entitle this faculty understanding; so all conjunction whether conscious or unconscious, be it of the manifold in intuition, sensuous or non-sensuous, or of several conceptions—is an act of the understanding. To this act we shall give the general appellation of synthesis, thereby to indicate, at the same time, that we cannot represent anything as conjoined in the object without having previously conjoined it ourselves.

===============================================================

ولكن تجميع المدرك الحسي المتجزئ في العقل لا يمكن أبدا أن يعطى لنا عبر الحواس، ولهذا السبب فإنه لا يمكن أن يكون موجودا في الشكل النقي من العقل الحسي، لأن هذا العقل هو عمل عفوي لقدرة العقل التمثيلية [مدونة هاني: كلمة “التمثيل” representation هي مرادف للإدراك الحسي perception]. لهذا يجب علينا أن نميز قدرة العقل التجميعية عن قدرة العقل الحسية عبر إطلاق مسمى الفهم على القدرة الأولى، بحيث أن كل التجميع هو من عمل الفهم، سواء كان واعيا أم غير واع، وسواء كان متعلقا بالمدركات المتجزئة الحسية أم غير الحسية، أو متعلقا بعدة مفاهيم. سوف نطلق على هذا العمل مسمى “التركيب” synthesis، بحيث نوضح في نفس الوقت أننا لا نستطيع أن نمثل أي شيء مجمعا دون أن نكون قد جمعناه بأنفسنا.

أطروحة “التركيب” synthesis التي تحدث عنها Kant تتوافق مع طريقة عمل الدماغ البشري التي نعرفها حاليا. مثلا لو أخذنا حس البصر كمثال فسنجد أن الدماغ لا يستقبل الصور الساقطة على العينين على نحو مجمع.

شبكية العين تحوي عددا كبيرا من الخلايا العصبية التي تسمى “الخلايا العقدية الشبكية” retinal ganglion cells. كل واحدة من هذه الخلايا تستقبل إشارات عصبية قادمة من مستقبلات ضوئية تغطي جزءا صغيرا من مجال الرؤية، بمعنى أن كل واحدة منها ترى جزءا صغيرا من الصورة الإجمالية التي تراها العين.

اللافت هو أن هذه الخلايا تؤدي وظائف متنوعة: بعضها ينقل إشارات عصبية إلى خلايا دماغية مسؤولة عن إدراك اللون أو الشكل الهندسي، وبعضها الآخر ينقل إشارات عصبية إلى خلايا دماغية مسؤولة عن إدراك اتجاه الحركة.

هذا يدل على أن شبكية العين لا تستقبل الصورة على نحو مجمع ولكنها تستقبل عناصر متجزئة شبيهة بالـ Mannigfaltig (المدرك الحسي المتجزئ) الذي تحدث عنه Kant.

التجميع النهائي للـ Mannigfaltig لا يتم إلا في مناطق دماغية عالية جدا. بعض الباحثين يزعمون أن هذا التجميع لا يتم في الدماغ الفيزيائي ولكنه يتم في “عقل غير فيزيائي”.

تجميع الـ Mannigfaltig يتطلب مشاركة مناطق عديدة من القشرة المخية. مثلا القشرة الجدارية parietal cortex تلعب دورا في تجميع الـ Mannigfaltig، ونحن نعلم أن هذه القشرة هي مسؤولة عن الحس الفراغي spatial sense. هذا يذكرنا بكلام Kant عندما قال أن تجميع الـ Mannigfaltig هو غير ممكن دون الاستعانة بمفهوم الفراغ الموجود في “الفهم”.

القشرة الجدارية في النصف الأيمن من المخ هي مسؤولة عن الحس الفراغي على الجهة اليسرى من الجسم (والعكس صحيح). لو أصيبت القشرة الجدارية اليمنى بالتلف (مثلا بسبب جلطة دموية) فإن الإنسان سيصبح عاجزا عن إدراك أي شيء يقع على جهته اليسرى. هذه الحالة المرضية تسمى “الإهمال نصف الفراغي” hemispatial neglect. المصابون بهذه الحالة لا يشعرون بالأشياء التي تقع على الجهة المقابلة لجهة الإصابة في المخ. مثلا عند الأكل هم ربما يأكلون الطعام الموجود في النصف الأيمن من الطبق ويتركون الطعام الموجود في النصف الأيسر، لأنهم لا يعون أن هناك طعاما وطبقا على الجهة اليسرى. هم حتى لا يعون أنهم يملكون ذراعا يسرى ورجلا يسرى. بالنسبة لهم النصف الأيسر من العالم هو غير موجود.

حالة “الإهمال نصف الفراغي” تتوافق مع طروحات Kant. هو قال أن مفهوم الفراغ هو شرط مسبق للإدراك الحسي، ودون مفهوم الفراغ فإن العقل لا يستطيع أن يدرك الأشياء. لهذا السبب فإن القشرة الجدارية (المسؤولة عن مفهوم الفراغ) هي ضرورية للإدراك الحسي.

القشرة أمام الجبهية prefrontal cortex تساهم أيضا في الإدراك الحسي. هذه القشرة هي مسؤولة عن المعالجة المنطقية، أي أنها مسؤولة عن العديد من “قوانين الطبيعة” التي تحدث عنها Kant وقال أنها ضرورية لتجميع الـ Mannigfaltig.

مصادر

  • Stanford Encyclopedia of Philosophy
  • Wikipedia, the free encyclopedia

تطور الإنسان (8)

العقل الفيزيائي

في المقال الأخير تحدثت عن المذهب الفلسفي الثنائي dualism وتحدثت عن مذهب “ثنائية الخصائص” property dualism الذي يتبناه الثنائيون المعاصرون. أتباع هذا المذهب يقولون أننا لا نفهم المكونات الحقيقية للعقل (بمعنى الوعي) وأن كل فهمنا ينحصر في مكونات المستوى الأدنى.

في مقابل هذه النظرة هناك النظرة الأحادية المادية أو الأحادية الفيزيائية physicalist monism التي يتبناها غالبية الباحثين والفلاسفة في العالم الغربي. هذه النظرة ترى أن الدماغ الفيزيائي هو الشيء الوحيد الحقيقي وأما الحديث عن عقل غير فيزيائي (سواء كان روحيا أم “ماديا منبثقا” emergent) فهو حديث مرفوض.

رغم أن النظرة الأحادية الفيزيائية هي النظرة الغالبة إلا أن هناك خلافا حول التفاصيل. الخلاف يتعلق بطبيعة “الحالات العقلية” mental states وعلاقة هذه الحالات بالحالات الفيزيائية physical states.

المقصود بالحالة العقلية هو جميع الأفكار الموجودة في العقل خلال لحظة معينة. لو اعتبرنا أن العقل هو فيلم سينمائي فإن الحالة العقلية تعبر عن مشهد واحد من الفيلم (مثلا لنفرض أنني أفكر الآن في الخروج من البيت لتناول الطعام، وأنني أشعر بالجوع، وأنني أرى أمامي لوحة معلقة على الحائط، وأنني أسمع صوت التلفاز. مجموع هذه الأفكار وغيرها من الأفكار التي توجد في عقلي هو حالتي العقلية خلال هذه اللحظة). المقصود بالحالة الفيزيائية هو مثلا حالة الدماغ الفيزيائية خلال لحظة معينة (كيفية توزع الإشارات العصبية ونحو ذلك).

السلوكية

في النصف الأول من القرن العشرين لم تكن توجد معلومات كثيرة حول الدماغ البشري، ولهذا السبب غالبية الباحثين كانوا يتجاهلون موضوع العقل والوعي ويركزون على دراسة السلوك. هذا المذهب يسمى المدرسة السلوكية behaviorism.

بعض السلوكيين نفوا وجود الحالات العقلية واعتبروها مجرد أوهام. هذه المدرسة تسمى “السلوكية الجذرية” radical behaviorism وهي مرتبطة بالباحث الأميركي B. F. Skinner.

Skinner كان يرى أن سلوك الإنسان تحدده مبادئ المنعكسات (خاصة المبادئ التي تسمى operant conditioning). بالنسبة له الحالات العقلية هي مجرد تعابير لغوية يستخدمها الناس لوصف السلوك أو الميل نحو السلوك behavioral disposition. مثلا عندما يكون الإنسان على وشك أن يفعل شيئا أو يخطط لفعل شيء فإن الناس يقولون أنه “يريد” أن يفعل هذا الشيء، إذن مفهوم “الإرادة” هو ليس أكثر من وصف لغوي يعبر عن الميل نحو السلوك أو الاستعداد للقيام بالسلوك. لا توجد ظاهرة فيزيائية حقيقية اسمها “الإرادة”. ما ينطبق على الإرادة ينطبق على جميع الحالات والعمليات العقلية الأخرى.

وفقا لمنطق Skinner فإن العقل لا يمكن أن يكون هو سبب السلوك، لأن العقل هو شيء وهمي ليس له وجود فيزيائي. سبب السلوك البشري هو قوانين المنعكسات. بناء على ذلك الإنسان ليست له إرادة حرة free will حقيقية. الإرادة الحرة هي وهم. الإنسان في الحقيقة هو مسير وفق قوانين المنعكسات التي تحكم جميع الحيوانات.

الوظائفية والتماثلية

المذهب السلوكي (الذي يتجاهل العقل) انحسر في النصف الثاني من القرن العشرين بسبب تطور العلم وظهور اكتشافات واختراعات جديدة لها علاقة بالتفكير البشري.

أحد أهم الاختراعات في القرن العشرين هو الكومبيوتر. كثير من الباحثين والفلاسفة لاحظوا تشابها بين آلية عمل أجهزة الكومبيوتر وبين آلية عمل العقل البشري. هذه الملاحظة دفعت الكثيرين للافتراض بأن الدماغ البشري هو في المحصلة جهاز كومبيوتر من طبيعة معقدة.

السؤال المهم الذي برز آنذاك هو السؤال التالي: لو أن البشر تمكنوا من صناعة جهاز كومبيوتر معقد شبيه بالدماغ البشري فهل سيكون لهذا الجهاز عقل؟ كثيرون أجابوا على هذا السؤال بنعم.

المقارنة بين العقل البشري والكومبيوتر أدت إلى ظهور مدرسة فلسفية تسمى “الوظائفية” functionalism. هذه المدرسة ترى أن أي جهاز يؤدي نفس الوظائف التي يؤديها الدماغ البشري سوف تكون لديه حالات عقلية مماثلة للحالات العقلية البشرية.

المميز في هذه المدرسة هو أنها ساوت بين الحالات العقلية والوظائف الدماغية. هذا الطرح يختلف عن الطرح المنافس الذي يسمى نظرية التماثل identity theory أو الفيزيائية الإرجاعية reductive physicalism.

نظرية التماثل تقول أن الحالات العقلية هي عينها الحالات الدماغية:

الحالات العقلية = الحالات الدماغية

معنى هذا الكلام هو أن الأفكار التي تدور في عقل الإنسان هي نفسها الإشارات العصبية التي تتحرك في الدماغ.

نظرية التماثل لا تسمح بظهور الحالات العقلية البشرية لدى أجهزة الكومبيوتر، لأن أجهزة الكومبيوتر لا يمكنها أن تحوي نفس الحالات الدماغية البشرية. المعنى هو أن أجهزة الكومبيوتر لا يمكنها أن تحوي نفس التشكيلة من الإشارات والتشابكات العصبية التي توجد في الدماغ البشري، وطالما أن هذه الإشارات والتشابكات العصبية هي عينها الحالات العقلية فهذا يعني أن الحالات العقلية لا يمكن أن تكون في أي جهاز سوى الدماغ البشري.

نظرية التماثل هي متزمتة في تعريفها للحالات العقلية، وهذا ما دفع البعض لتخفيفها إلى نظرية سميت token identity theory. هذه النظرية ترى أن الحالة العقلية الواحدة تعادل أكثر من حالة فيزيائية، بمعنى أن الحالة العقلية هي في الحقيقة عبارة عن نوع type من الحالات الفيزيائية وليست حالة فيزيائية بعينها. هذه النظرية تسمح بظهور الحالات العقلية البشرية لدى أجهزة الكومبيوتر.

نظرية التماثل القديمة صارت تسمى type identity theory تمييزا لها عن النظرية المعدلة.

فهم الفرق بين النظرية الوظائفية functionalism ونظرية التماثل identity theory هو ليس أمرا سهلا بالنسبة لشخص مثلي غير متمرس في الفلسفة، ولكن ما فهمته هو أن النظرية الوظائفية تتعامل مع الحالات العقلية على أنها الوظائف التي يؤديها الدماغ أو الكومبيوتر، أي أن الحالات العقلية هي مفهوم نظري وليس ماديا. الحالات العقلية في منظور هذه المدرسة هي مثل برامج الكومبيوتر. لو أنك نظرت في جهاز الكومبيوتر أثناء عمله فإنك لن تستطيع أن تشاهد البرامج بعينيك—كل ما ستشاهده هو إشارات كهربائية تنتقل بين أجزاء الكومبيوتر. عدم رؤيتك للبرامج لا يعني أنها غير موجودة.

المحصلة هي أن المدرسة الوظائفية تعتبر العقل مفهوما غير مادي. هذا الموقف يشبه ظاهريا موقف السلوكيين الجذريين الذين نفوا وجود العقل واعتبروه مجرد أقاويل شعبية، ولكن في الحقيقة هناك فرق مهم بين النظرتين الوظائفية والسلوكية:

  • الوظائفيون لا ينفون أو يتجاهلون وجود العقل (وإن كانوا يعتبرونه مفهوما نظريا)
  • الوظائفيون يعطون العقل قوة سببية، بمعنى أن العقل في منظورهم هو سبب السلوك. هذا الموقف يختلف تماما عن موقف السلوكيين.

العقل في منظور الوظائفيين هو شيء نظري ولكنه رغم ذلك يؤثر سببيا في الدماغ المادي. أنصار نظرية التماثل رأوا مشكلة في هذا الكلام لأنه يشبه كلام الثنائيين من حيث أنه يفصل العقل عن الدماغ الفيزيائي.

نظرية التماثل ترى أن العقل هو عينه الدماغ الفيزيائي.

الثنائية المستترة

في الأعلى بينت الاختلاف بين السلوكيين والتماثليين والوظائفيين. رغم اختلافها في التفاصيل إلا أن جميع هذه المدارس تنتمي إلى الأحادية الفيزيائية physicalist monism.

في القرن العشرين كان هناك فلاسفة يصنفون أنفسهم على أنهم من الأحاديين الفيزيائيين، ولكنهم رغم ذلك كانوا يعارضون جميع المدارس سالفة الذكر. هؤلاء يصنفون تحت عنوان غريب هو “الفيزيائيون غير الإرجاعيون” non-reductive physicalists. المقصود بكلمة “غير إرجاعيين” non-reductive هو أنهم لا يعتقدون بإمكانية مساواة الحالات العقلية مع السلوك أو الحالات الفيزيائية للدماغ أو الوظائف العقلية. باختصار هم لا يعتقدون بإمكانية مساواة العقل مع أي شيء ندركه بحواسنا.

هؤلاء يقولون أن العقل مادي، ولكنهم لا يعلمون ما هو العقل بالضبط. ما يعلمونه فقط هو أن العقل ليس من الأشياء التي ندركها بحواسنا.

هؤلاء الأشخاص لا يملكون فكرا محددا ولكنهم يعارضون الأفكار المطروحة بناء على حجج بدت لي شبيهة بكلام الثنائيين. أنا أظن أن هؤلاء الناس هم في الحقيقة ثنائيون مستترون.

هؤلاء عارضوا النظرية الوظائفية معارضة شديدة وطرحوا عددا من الحجج لإثبات عدم صحتها. من هذه الحجج حجة سميت “دماغ الصين” China brain. هذه الحجة تقول ما يلي: لنفرض أن كل إنسان في الصين صار يتحرك على نحو مماثل للإشارات العصبية في الدماغ، بحيث أن الأمة الصينية صارت أشبه بدماغ كبير يلعب فيه البشر دور الإشارات العصبية لنقل المعلومات. هل ستكون الصين في مثل هذه الحالة واعية ولها عقل؟

هذه الحجة بدت لي سخيفة. الجواب وفق النظرية الوظائفية هو نعم. لو أن الصين تحولت إلى دماغ كبير فالمفترض وفق النظرية الوظائفية أن يكون للصين عقل. هذا الأمر ليس فيه أية غرابة إذا كنا نقبل منطق النظرية الوظائفية.

أنا لا أفهم ما هي قيمة هذه الحجة وما هو الهدف منها. هي لا تنفي شيئا ولا تطرح أي معلومة. هي أشبه بسؤال استغرابي.

هناك حجة أخرى سميت “الغرفة الصينية” Chinese room. هذه الحجة تقوم على المنطق الدائري circular reasoning. هذه الحجة تقول ما يلي: لنفرض أن هناك إنسانا لا يفهم أية كلمة صينية، ولكننا علمنا هذا الإنسان كيف يجيب على أي سؤال يطرح عليه باللغة الصينية (أي أنه يستطيع أن يرد باللغة الصينية على أي سؤال مطروح باللغة الصينية). هذا الشخص لا يفهم أية كلمة صينية ولكنه يعرف كيف يجمع الكلمات الصينية مع بعضها في جمل لكي يرد على أي سؤال. هل يمكننا أن نقول أن هذا الشخص يفهم اللغة الصينية؟ الجواب هو لا. إذن الكومبيوتر لا يفهم الكلام البشري حتى لو تمكن من الرد على أسئلة البشر والتحادث معهم. انتهت الحجة.

هذه الحجة (في رأيي) هي حجة ساقطة ومثال ممتاز على المنطق الدائري. الإنسان الموصوف في هذه الحجة هو إنسان خرافي لا يمكن أن يكون حقيقيا. لا يمكن لإنسان أن يكون قادرا على التحدث باللغة الصينية دون أن يفهم اللغة الصينية. هذا الطرح هو نفس النتيجة التي يريد أن يصل إليها صاحب الحجة، ولكنه وضعها ضمن الفرض.

صاحب هذه الحجة اسمه John Searle. هو لديه نظرية حول العقل تنص على ما يلي “الحالات العقلية لها سبب فيزيائي في الدماغ، ولكن الحالات العقلية تنتمي إلى مستوى أعلى higher-level من المستوى الفيزيائي”.

ما هو الفرق بين هذا الطرح وبين “ثنائية الخصائص”؟ لا يوجد فرق يذكر. في الحقيقة كل من ينتمون إلى التصنيف المسمى non-reductive physicalism يطرحون طروحات شبيهة بثنائية الخصائص. هم دائما يقولون أن العقل ينتمي إلى “مستوى أعلى” من المستوى الفيزيائي. هم يختلفون حول موضوع العلاقة السببية بين العقل وبين الدماغ. بعضهم يقولون أن العقل يؤثر سببيا في الدماغ (وبالتالي العقل هو سبب السلوك)، وبعضهم الآخر يرون أن العقل هو نتيجة لعمل الدماغ. النظرة الثانية تسمى “فوق الظواهرية” epiphenomenalism. أصحاب هذه النظرة يرون أن الحالات العقلية هي شيء مادي حقيقي، ولكنها من “مستوى أعلى” من المستوى الفيزيائي، وهي ليست سببا لعمل الدماغ ولكن عمل الدماغ هو سبب وجودها. العقل وفق هذه النظرة ليست له وظيفة.

المذهب فوق الظواهري يتفق مع المذهب السلوكي في أن العقل هو ليس سبب السلوك. نظرية التماثل والنظرية الوظائفية تريان أن العقل هو سبب السلوك.

الفكرة التي تقول أن العقل ينتمي لـ”مستوى أعلى” من المستوى الفيزيائي انتشرت بشكل كبير في العقود الأخيرة. لا أدري ما هو السبب، ولكن يبدو لي أن هذه الفكرة نابعة من العجز عن فهم الدماغ البشري. في العقود الأخيرة من القرن العشرين حصلت تطورات مهمة في دراسة الدماغ البشري (سميت “الثورة المعرفية” cognitive revolution)، ولكن رغم هذه التطورات والاكتشافات إلا أن الباحثين ما زالوا حتى الآن يجهلون آليات عمل الدماغ. هذا على ما يبدو خلق حالة من الإحباط دفعت بعض الناس نحو تبني الأفكار ذات الطابع الغيبي. البشر عندما يعجزون عن فهم شيء يلجؤون إلى التفسيرات الغيبية والخرافية.

رأيي الشخصي هو أن انتشار الأفكار المصنفة تحت عنوان “ثنائية الخصائص” property dualism و”الفيزيائية غير الإرجاعية” non-reductive physicalism يعود إلى الجهل والعجز عن فهم الدماغ البشري.

هل كل الوظائف العقلية حقيقية؟

في المقال الماضي أشرت إلى أن بعض الوظائف العقلية التي يتحدث عنها الفلاسفة والباحثون تبدو لي وظائف وهمية وغير حقيقية. أنا مثلا شككت في وجود الوظائف التي تسمى introspection و subjectivity.

السلوكيون المتشددون نفوا وجود الوظائف العقلية بالمطلق. أنا لا أؤيد هذا المذهب. هناك على ما أظن وظائف عقلية حقيقية يقوم بها الدماغ البشري، وهذه الوظائف هي سبب لجزء من السلوك البشري. أنا اقتنعت بكلام السلوكيين حول دور المنعكسات في السلوك البشري، ولكن من غير الواقعي أن ننسب كل السلوك البشري إلى المنعكسات. في رأيي أن السلوك البشري هو مركب من عنصرين اثنين: المنعكسات والوظائف العقلية. المنعكسات تعبر عن السلوك الغريزي البدائي (الغالب لدى الحيوانات)، وأما الوظائف العقلية فهي تعبر عن القدرة المعرفية cognition (التي تميز الحيوانات الذكية وعلى رأسها الإنسان).

هناك مدرسة فلسفية تسمى “المادية الإلغائية” eliminative materialism. هذه المدرسة ترى أن سبب عدم فهم الباحثين والفلاسفة لعمل الدماغ البشري يعود في قسم منه إلى وجود مفاهيم نظرية مغلوطة لدى هؤلاء الباحثين والفلاسفة. هذه المفاهيم المغلوطة لا تستند على أدلة ملموسة ولكنها تستند على “علم نفس شعبي” folk psychology. عندما نطلب من هؤلاء الباحثين والفلاسفة أن يثبتوا لنا حقيقة المفاهيم التي يتحدثون عنها فإنهم كثيرا ما يردون بعبارات من قبيل “المعرفة الفطرية” و”المعرفة البديهية”. المفاهيم المستندة على الفطرة والبديهة هي ليست دائما صحيحة، بل على العكس لو رجعنا إلى التاريخ فسنجد أن كثيرا من المفاهيم التي كانت “بديهية” في السابق لم تعد مقبولة في زمننا الحالي.

القدماء كانوا يعتقدون بالتنجيم، وكانوا يعتقدون بالعرافة (قراءة الكف والفنجان ونحو ذلك)، وكانوا يعتقدون بالسحر، وكانوا يعتقدون بالجن، وكانوا يعتقدون بالأرواح، وغير ذلك. هذه المفاهيم بالنسبة لهم كانت حقائق أكيدة، ولكن حاليا لا يوجد أي باحث علمي في الغرب يقبل هذه المفاهيم. هناك حاليا إجماع لدى الباحثين والفلاسفة الغربيين على أن هذه المفاهيم هي مفاهيم خرافية.

من الوارد جدا (بل من المرجح) أن بعض المفاهيم التي يتحدث عنها فلاسفة العقل حاليا هي أيضا مفاهيم خرافية، وهذا أحد الأسباب التي تجعل هؤلاء الفلاسفة يعجزون عن فهم الدماغ البشري.

بعض الباحثين يبحثون في الدماغ البشري عن مناطق تنفذ الوظائف التي يسمونها introspection و subjectivity، وعندما لا يجدون مناطق تنفذ هذه الوظائف فإنهم يفترضون أن هناك عقلا غير محسوس (من “مستوى أعلى”) ينفذ هذه الوظائف. الحل الأسهل في رأيي هو أن هذه الوظائف هي وظائف وهمية لا حقيقة لها.

أنا شعرت أن كثيرا من الوظائف العقلية التي يتحدث عنها الباحثون والفلاسفة هي مجرد أوهام. أنا مثلا أتساءل عما إذا كانت هناك وظيفة عقلية حقيقية تسمى “الإبداع” creativity. في رأيي أن الإبداع هو خليط من الخيال imagination والمعالجة المنطقية reasoning والذاكرة memory. الإبداع في رأيي هو ليس وظيفة عقلية حقيقية ولكنه حدث عقلي مركب من عدة وظائف عقلية. من الطبيعي ألا تكون هناك منطقة محددة في الدماغ مسؤولة عن الإبداع. طبعا كلمة الإبداع هي كلمة كبيرة للغاية ويمكن أن تشمل الإبداع اللغوي أو الفني أو الرياضي إلخ، وبالتالي من الممكن للمناطق الدماغية المسؤولة عن الكلام والإحساس وتحريك الجسم أن تتدخل أيضا في “الإبداع”. كلمة الإبداع هي كلمة عامة للغاية إلى درجة أنها بلا معنى إذا كنا نتحدث عن الدماغ.

كثير من الوظائف العقلية التي يتحدث عنها الفلاسفة هي على هذه الشاكلة. هي مجرد كلمات عامة مائعة مشوشة ليس لها معنى ملموس. الغريب هو أنهم يقحمون هذه الكلمات المائعة في موضوع دقيق كموضوع العقل البشري. العقل البشري هو في المحصلة جهاز كومبيوتر. كيف لنا أن نفهم شيئا دقيقا ومعقدا كجهاز الكومبيوتر إذا كنا نستخدم مصطلحات هلامية؟

أنا أظن أن معظم الوظائف العقلية التي ذكرها الفلاسفة يمكن اختزالها أو إرجاعها إلى عدد قليل من الوظائف. أنا تمكنت من إرجاع جميع الوظائف العقلية التي قرأتها إلى ست وظائف فقط:

  • إدراك المحسوسات perceptions
  • حفظ المعلومات في الذاكرة واسترجاعها memory
  • المعالجة المنطقية reasoning
  • اتخاذ القرارات decision-making
  • الخيال imagination
  • العواطف emotions

كل الوظائف العقلية التي مرت علي حتى الآن يمكن فهمها على أنها مركبة من هذه الوظائف الست. من الممكن حتى حذف بعض هذه الوظائف: مثلا أنا أتساءل عما إذا كانت هناك بالفعل وظيفة تسمى “اتخاذ القرارات”؟ من الممكن أن هذه الوظيفة هي مجرد فرع من وظيفة المعالجة المنطقية reasoning. هذا السؤال يتعلق بالجدل بين الفلاسفة حول وجود الإرادة الحرة free will. لو كانت هناك لدى الإنسان إرادة حرة فهو ربما يتخذ قرارات غير منطقية. أنا شخصيا أشعر بأن هذا الكلام هو غير صحيح. في رأيي أن الإنسان لا يمكنه أن يتخذ أي قرار لا يتوافق مع معالجته المنطقية. لو فرضنا أن عقل الإنسان يمكنه أن يتخذ قرارا يخالف المعالجة المنطقية فهذا يشبه القول بأن معالج الكومبيوتر يمكنه أن يجري عملية تخالف تعليمات البرنامج الذي ينفذه. هذا الكلام يبدو لي عبثيا.

الفلاسفة تحدثوا عن مفاهيم من قبيل “الإرادة” و”الرغبة” و”الأمل”، وهم كانوا يتوقعون أن يجدوا مناطق في الدماغ تنفذ هذه الوظائف. هم طبعا لن يجدوا هكذا مناطق. لو كان الدماغ يحوي منطقة خاصة بكل مصطلح من مصطلحات الفلاسفة فهذا يعني أن حجم الدماغ يجب أن يكون بحجم بناية.

مفهوم “الإرادة” هو على ما أظن ليس وظيفة عقلية حقيقية (كيف نبرمج جهاز كومبيوتر لكي ينفذ وظيفة “الإرادة”؟). التفسير الصحيح للإرادة هو ربما قريب من التفسير الذي ذكره السلوكيون (ميل سلوكي behavioral disposition). الإرادة هي شعور وليست وظيفة عقلية. الإنسان عندما “يريد” شيئا فإنه لا ينفذ وظيفة عقلية ولكنه يشعر بأنه عازم على تنفيذ سلوك معين. في رأيي أن آلية الإرادة هي كما يلي: عندما يتخذ الدماغ قرارا بتنفيذ سلوك معين فإن هذا يؤدي إلى تنشيط حس أو شعور معين في الدماغ، وهذا الشعور هو ما يسميه الناس “الإرادة”.

مفهوم “الأمل” هو ربما مزيج من الخيال والمعالجة المنطقية. الآلية قد تكون كما يلي: الدماغ يتخيل سلوكا معينا، المعالج يقرر أن هذا السلوك ضروري، ولكنه غير ممكن التنفيذ في الوقت الحالي، وبالتالي هو مؤجل إلى أن يتحقق شرط أو شروط معينة. وصول المعالج إلى هذه النتيجة يولد في الدماغ الشعور الذي يسميه الناس “الأمل”.

“الرغبة” هي شعور يظهر في الدماغ عندما يتخذ المعالج قرارا وسطيا بين قراري “الإرادة” و”الأمل”. على ما أظن فإن الفرق بين هذه الأحساسيس الثلاثة يتعلق بالشدة intensity. عندما يتخذ المعالج قرارا بالتنفيذ الأكيد فهذا يولد شعور الإرادة، وعندما يتخذ المعالج قرارا بالتنفيذ المشروط أو المؤجل فهذا يولد شعورا أضعف هو شعور الرغبة. شعور الأمل أو التمني يتولد عندما يكون قرار المعالج بالتنفيذ مرتبطا بشروط صعبة.

مفاهيم “المعرفة” والاعتقاد” و”التصديق” و”الشك” ونحو ذلك تنبع ربما من تصنيف المعالج للمعلومات حسب صحتها. من المحتمل جدا أن المعالج يقوم بتصنيف المعلومات الواردة إليه حسب مصداقيتها: بعض المعلومات تصنف على أنها موثوقة، والبعض الآخر يصنف على أنه أقل موثوقية، وهكذا. عندما يقرر المعالج أن معلومة معينة هي موثوقة فهذا يولد شعور “القناعة” أو “التصديق”، وعندما يقرر المعالج أن معلومة معينة هي غير موثوقة فهذا يولد شعور “الشك”، وهكذا. الفرق بين هذه الأحساسيس يتعلق بالشدة intensity وليس بالنوع quality.

الخلاصة التي أريد أن أقولها هي أن كثيرا من “الوظائف العقلية” هي ليست وظائف حقيقية ولكنها أحداث عقلية مركبة من عدة وظائف دماغية، وكثير من “الوظائف العقلية” هي في الحقيقة مجرد أحاسيس تتولد بسبب القرارات التي يتخذها المعالج الدماغي. كثير من هذه الأحاسيس هي متشابهة من حيث النوعية ولكنها تختلف من حيث الشدة.

لو قبلنا هذه الاستنتاجات فسيتبين لنا أن الدماغ هو أبسط بكثير مما يصوره الفلاسفة. الدماغ ببساطة هو عبارة عن كومبيوتر.

الدماغ البشري = كومبيوتر؟

الدماغ البشري هو شيء معقد ما كان يمكن للفلاسفة القدماء أن يفهموه (باستثناء David Hume الذي أشعر بأنه كان يفهم الدماغ البشري على نحو جيد نسبيا)، ولكن البشر المعاصرين يمكنهم أن يفهموا الدماغ البشري بشكل أفضل لو أنهم قارنوه مع أجهزة الكومبيوتر الموجودة حاليا.

في رأيي أن آليات عمل الدماغ (الذي هو نفسه العقل) تشبه آليات عمل الكومبيوتر من حيث المبدأ، وإن كانت أعقد.

أجهزة الكومبيوتر تتكون من الأجزاء الأساسية التالية:

  • أجهزة الإدخال input devices
  • أجهزة الإخراج output devices
  • المعالج CPU
  • الذاكرة memory

هذه الأجزاء تشبه مكونات الجهاز العصبي للإنسان. أجهزة الإدخال والإخراج في الكومبيوتر يقابلها في البشر الجهاز العصبي المحيطي peripheral nervous system. بالنسبة للمعالج والذاكرة فهما يوجدان لدى البشر ضمن الجهاز العصبي المركزي، وتحديدا في الدماغ.

المعالج في الدماغ البشري هو الجزء أو الأجزاء الدماغية التي تؤدي وظيفة المعالجة المنطقية reasoning (المعالجة المنطقية تشمل أيضا المعالجة الحسابية). قشرة الفص الجبهي frontal lobe لها دور أساسي في هذا الموضوع.

بالنسبة للذاكرة فهي في الكومبيوتر تنقسم إلى عدة أقسام: هناك ذاكرة دائمة وذاكرة مؤقتة (الذاكرة المؤقتة تسمى RAM). نفس الأمر يوجد في الدماغ البشري: هناك في الدماغ البشري ذاكرة دائمة تسمى “الذاكرة طويلة الأجل” long-term memory وذاكرة مؤقتة تسمى “الذاكرة قصيرة الأجل” short-term memory أو “ذاكرة العمل” working memory.

في رأيي أن ما يسميه الناس باسم “الوعي” يقع ضمن الذاكرة قصيرة الأجل أو ذاكرة العمل. ذاكرة العمل تخزن المعلومات لفترة قصيرة بهدف معالجتها منطقيا أو بهدف تحويلها إلى الذاكرة طويلة الأجل، أي أن دور هذه الذاكرة هو نفس دور ذاكرة الـ RAM في أجهزة الكومبيوتر. هذه الذاكرة هي أنسب مكان يمكن أن نضع فيه “الوعي”.

في أجهزة الكومبيوتر ذاكرة الـ RAM هي ذاكرة قصيرة الأجل وظيفتها تخزين البيانات مؤقتا بهدف معالجتها أو نقلها إلى الذاكرة الدائمة. عندما تأتي بيانات من خارج الكومبيوتر (مثلا من قرص خارجي أو من الإنترنت) فإنها تدخل أولا إلى ذاكرة الـ RAM وبعد ذلك تنتقل إلى المعالج CPU. المعالج يعالج البيانات ثم يعيدها مجددا إلى ذاكرة الـ RAM، وبعد ذلك تذهب البيانات إلى قرص التخزين الدائم أو يتم حذفها أو إخراجها من الكومبيوتر عبر أجهزة الإخراج إلخ. ذاكرة الـ RAM هي المكان الذي يتم فيه تنفيذ البرامج والتطبيقات التي يراها المستخدم على شاشة الكومبيوتر. ذاكرة الـ RAM هي مصدر كل الأشياء التي تظهر على شاشة الكومبيوتر.

المعالج يقوم بنقل بعض البيانات من ذاكرة الـ RAM إلى الشاشة، والشاشة تقوم بتحويل البيانات إلى صورة. هناك بيانات تظل مخفية في ذاكرة الـ RAM ولا يراها المستخدم على الشاشة. هذا يذكرني بالفرق بين “العقل الواعي” conscious و”العقل غير الواعي” unconscious. من الممكن أن “العقل غير الواعي” (أو قسم منه على الأقل) هو موجود في الذاكرة المؤقتة كالعقل الواعي.

أنا لدي تصور خاص حول الآلية التي يشعر بها الإنسان بالفرق بين العقل الواعي والعقل غير الواعي. هذا التصور هو مجرد فكرة خطرت لي وليس نظرية علمية.

بعض الناس قد يتصورون أن العقل الواعي له مكان في الدماغ يختلف عن مكان العقل غير الواعي. أنا أظن أن هذا غير صحيح. العقل الواعي وغير الواعي كلاهما يوجدان في مكان واحد هو الذاكرة المؤقتة (التي توجد في مناطق عديدة من المخ وليس في مكان واحد). في رأيي أن الفرق بين العقل الواعي والعقل غير الواعي ربما يتعلق بالشدة intensity. الأفكار التي تستهلك قدرا كبيرا من طاقة المعالج الدماغي تظهر في الوعي، والأفكار التي تستهلك قدرا ضئيلا من طاقة المعالج الدماغي لا تظهر في الوعي.

سوف أضرب مثلا. لنفرض أنني دخلت إلى غرفة فيها 5 أشخاص. كل شخص من هؤلاء يتحدث ويروي قصة. لو أن أصواتهم جميعا لها نفس الشدة فإنني لن أفهم الكثير مما يقولونه، ولكن لو فرضنا أن شخصا واحدا يتحدث بصوت مرتفع وبقية الأشخاص يتحدثون بصوت منخفض فإنني سوف أفهم قسما كبيرا من الكلام الذي يقوله الشخص ذو الصوت المرتفع.

لو طبقنا فكرة هذا المثال على الدماغ فيمكننا أن نتخيل نظرية تشرح الفرق بين العقل الواعي والعقل غير الواعي. الأفكار الموجودة في العقل الواعي هي ربما الأفكار “الصاخبة” التي تستهلك قدرا كبيرا من طاقة المعالج.

لو فرضنا أن الفرق بين العقلين الواعي وغير الواعي يتعلق بالشدة فهذا يعني أن وصول بعض أفكار العقل غير الواعي إلى العقل الواعي هو ليس أمرا مستحيلا. لنعد إلى المثال الذي ذكرته. عندما كنت في الغرفة التي فيها 5 أشخاص أنا سمعت في المقام الأول الشخص ذا الصوت العالي، ولكنني رغم ذلك سمعت بضعة كلمات من الأشخاص ذوي الأصوات المنخفضة. لنفرض مثلا أن 97% من الكلام الذي سمعته هو من الشخص ذي الصوت العالي، ولكنني سمعت أيضا 3% من الأشخاص ذوي الأصوات المنخفضة.

فرويد رأى أن مكونات العقل غير الواعي تتسرب أحيانا إلى العقل الواعي وتؤدي إلى ظواهر من قبيل “زلات اللسان”. ما هو تفسير هذا التسرب؟ من الممكن أن التسرب يحدث وفق الآلية التي ذكرتها في المثال. من الممكن أن بعض “الأصوات المنخفضة” تصل إلى العقل الواعي وتؤدي إلى ظواهر من قبيل زلات اللسان.

عندما ينام الإنسان فإن نشاط المعالج الدماغي ينخفض. في هذا الوقت لن تكون هناك “أفكار صاخبة” في الدماغ، وبالتالي لن يكون هناك “عقل واعي”. في مثل هذه الحالة سوف يسهل الاختلاط بين مكونات العقل الواعي والعقل غير الواعي. هذا قد يكون تفسير ظاهرة الأحلام. الإنسان يرى في أحلامه أفكارا حديثة وصلت إلى دماغه قبل أن ينام، ولكنه يرى أيضا أفكارا قديمة وأفكارا مكبوتة في العقل غير الواعي.

عندما نطفئ جهاز الكومبيوتر فإن محتويات ذاكرة الـ RAM تتلاشى وتختفي، وهذا هو نفس ما يحدث عندما يفقد الإنسان وعيه. فقدان الوعي هو باختصار إطفاء الذاكرة المؤقتة في الدماغ.

العواطف

في الدماغ البشري هناك ميزة يرى الكثيرون أنها لا توجد في أجهزة الكومبيوتر هي العواطف. الباحثون تقليديا ينظرون للعواطف نظرة دونية ويميزون بينها وبين وظائف الدماغ “العليا” (التي يقصدون بها أساسا ما أطلقت عليه مسمى “المعالجة المنطقية” reasoning). العواطف هي جزء أساسي من آلية التفكير البشري، ولكن ذنبها الوحيد هو أنها بدائية (ذات طابع انعكاسي أو غرائزي)، وهي يمكن أن تكون قوية أحيانا وأن تفرض نفسها على “الوظائف العليا”. العواطف أو الغرائز هي طبعا موجودة لدى كل الحيوانات، وأما المعالجة المنطقية فهي في الأساس ميزة للحيوانات الذكية (كالرئيسيات والدلافين والفيلة). المعالجة المنطقية لدى الإنسان هي قوية ويمكنها في كثير من الأحيان أن تكبح العواطف. حسب نظرية فرويد في التحليل النفسي فإن نشوء العقل غير الواعي لدى الإنسان سببه قدرة الإنسان على كبح عواطفه وغرائزه. إذن هناك ارتباط بين نشوء العقل غير الواعي وازدياد قوة المعالجة المنطقية. هذا يتوافق مع مفهومي للعقل الواعي والعقل غير الواعي. بما أن المعالج الدماغي لدى الإنسان قوي فهذا يسهل “التشويش” على الغرائز وإخراجها من الوعي.

لنأخذ الكلب كمثال. الكلب لديه غرائز كالإنسان، ولكن معالجه الدماغي ضعيف. طالما أن معالجه ضعيف فهو لا يستطيع أن “يشوش” على غرائزه، وبالتالي هذه الغرائز “ترنّ” في وعيه بقوة وتجبره على أن يستجيب لها.

موضوع العواطف البشرية هو موضوع معقد لأن هذه العواطف ليست مثل بعضها ولكنها مصنفة ضمن طبقات. هناك عواطف بدائية أصيلة (مثلا الخوف والجوع والكره). العواطف البدائية هي أشبه بالمنعكسات ويمكننا أن نشبهها بتطبيقات الكومبيوتر التي تتنشط في الأحوال الطارئة أو الخطيرة (مثلا عندما توشك بطارية الكومبيوتر المحمول على النفاد يظهر تحذير على الشاشة يطالب المستخدم بالبحث عن مصدر بديل للطاقة. هذا المثال يشبه الشعور بالجوع الذي يظهر في وعي الإنسان عندما يكون هناك نقص في الغذاء). عند الإنسان توجد أيضا عواطف مكبوحة (مثلا الشعور بالحب أو الإعجاب). تفسير العواطف المكبوحة هو معقد بعض الشيء، لأن هذه العواطف ليست بدائية ولكنها نشأت عند الإنسان لأسباب تطورية معقدة. مثلا عاطفة الحب حسب التحليل النفسي نشأت في الأصل بسبب كبح عاطفتي الكره والخوف. الدماغ البشري يكبح هاتين العاطفتين عندما يشعر أن التعبير عنهما لا يفيد مصلحة الإنسان.

كيف يكبح الإنسان عاطفتي الكره والخوف ويحولهما إلى حب؟ أنا في حياتي لم أقرأ أي تفسير فيزيولوجي لهذه العملية، ولكنني أستطيع أن أتخيل تفسيرا يتوافق مع نظريتي حول العقل الواعي والعقل غير الواعي.

الكبح في مفهومي يعني “التشويش”. المعالج الدماغي يكبح فكرة معينة عبر التشويش عليها بأفكار أخرى. عاطفة الحب هي قوية للغاية، وبالتالي التشويش عليها يتطلب جهدا كبيرا من المعالج. هذا هو ما يحدث في الواقع. الحب عمليا هو شكل من أشكال الوسواس القهري obsessive-compulsion. معنى الوسواس القهري هو أن الدماغ يكرر فكرة معينة باستمرار دون هدف معين.

لنفرض مثلا أن رجلا رأى امرأة وأنه أحبها. حسب فرويد فإن الشعور الحقيقي الذي انتابه عندما رأى المرأة هو الخوف والكره، ولكنه لا يستطيع أن يعبر عن هذا الشعور لأكثر من سبب (أحد الأسباب على ما أذكر هو عقدة أوديب). المعالج في دماغه يريد أن يشوش على شعوره الحقيقي وأن يخفيه من وعيه، ولهذا السبب هو يلهيه ببعض الأفكار القوية التي تظل تدور في رأسه باستمرار ولا تفارق وعيه (هذه الأفكار تتعلق في الغالب بالمرأة التي أحبها).

موضوع العواطف هو إذن موضوع معقد، ولكنها في المبدأ مجرد منعكسات قوية تشبه برامج الكومبيوتر التي تتعلق بالأمور الخطيرة (من قبيل نفاد طاقة البطارية أو اكتشاف فيروس في الجهاز ونحو ذلك).

لغة برمجة في العقل؟

أجهزة الكومبيوتر تستقبل وتخرج البيانات بأشكال عديدة (صور، أصوات، كتابة، إلخ)، ولكن في ذاكرة الـ RAM كل البيانات تتحول إلى شكل واحد هو لغة البرمجة التي يعمل على أساسها برنامج التشغيل operating system.

هذا دفع الباحثين للتساؤل عما إذا كانت هناك لغة برمجة تستخدم داخل العقل، وما هي طبيعة هذه اللغة؟

Noam Chomsky هو ربما من أوائل من طرحوا فكرة وجود لغة باطنية في العقل تختلف عن اللغة الظاهرية التي يستخدمها البشر فيما بينهم. Chomsky صاغ نظرية لغوية تسمى “القواعد اللغوية التحويلية التوليدية” transformational-generative grammar. حسب هذه النظرية فإن اللغة البشرية لها شكلان: شكل باطني deep structure يوجد في العقل، وشكل ظاهري أو سطحي surface structure هو الشكل الذي يخرج من فم الإنسان. التحويل بين الشكلين الظاهري والباطني يتم وفق قواعد تسمى “القواعد التحويلية” transformational rules.

Chomsky تخلى لاحقا عن هذه النظرية وتبنى غيرها، ولكن هذا لا يقلل من قيمتها. Chomsky هو معروف في أميركا والغرب بأنه يميل للطروحات النظرية أكثر من الطروحات المبنية على التجارب الملموسة. لهذا السبب هو كثيرا ما يقلب رأيه دونما سبب سوى تقلب مزاجه الشخصي. هو أيضا لا يهتم كثيرا بنتائج التجارب والدراسات العلمية بل يسعى أحيانا للتشكيك فيها والتقليل من شأنها. هذا النمط غير التجريبي في التفكير يتوافق أيضا مع آراء Chomsky السياسية (هو ما زال يروج للشيوعية والاشتراكية ونحو ذلك من الأفكار البالية).

هناك ظواهر تدعم فكرة وجود لغة باطنية في العقل تختلف عن اللغة المحكية. من هذه الظواهر مثلا الظاهرة المسماة بالمعرفة الصامتة tacit knowledge. في بعض الأحيان الإنسان لا يستطيع أن يجيب عن سؤال ليس بسبب عدم معرفته للجواب ولكن لأنه لا يستطيع أن “يعبر” عن الجواب باللغة المحكية. هذه الظاهرة ربما تعبر عن صعوبة يواجهها بعض الناس في ترجمة اللغة الباطنية العقلية إلى اللغة الظاهرية المحكية.

طبيعة اللغة الباطنية هي محل جدل، ولكنها على الأغلب مكونة من رموز من نوع ما. كثير من الباحثين يطلقون على رموز اللغة العقلية مسمى “الرموز العقلية” mental representations. أي شيء يدخل إلى العقل البشري (سوء كان صورة أم كتابة أم صوتا إلخ) يتم تحويله إلى رموز عقلية.

بعض الناس قالوا أن اللغة العقلية هي نفسها اللغة المحكية، بدليل أن الناس “يفكرون” باللغة المحكية. هذا الكلام على ما أظن هو مجرد وهم. اللغة المحكية التي يسمعها الإنسان في عقله لا تمثل سوى جزءا ضئيلا مما يدور في الدماغ أو في الذاكرة المؤقتة. أنا لا أدري ما هو سبب وجود هذه الأفكار باللغة المحكية داخل العقل، ولكنني أظن أن مصدر هذه الأفكار قد يكون نفس المنطقة المسؤولة عن ترجمة اللغة العقلية إلى اللغة المحكية (التي هي ربما منطقة بروكا Broca’s area). على ما يبدو فإن منطقة الترجمة لا تهدأ أبدا وهي تستمر في الترجمة حتى عندما يكون الإنسان صامتا ولا يتكلم. لهذا السبب الإنسان يسمع الترجمة في عقله. ولكن هذه الترجمة التي يسمعها الإنسان في عقله الواعي لا تعبر عن كل ما يدور في الدماغ.

طبعا الإنسان يستطيع أن يتحكم إراديا بمنطقة الترجمة، وهو يستطيع إسكات هذه المنطقة لو أراد ذلك، ولكن على ما يبدو فإن الإنسان تعود على تنشيط هذه المنطقة (بسبب كثرة كلامه أثناء الحياة اليومية) ولهذا السبب هو يستمر في تنشيطها واستخدامها حتى عندما يكون صامتا.

كيف يتذكر الإنسان؟

عندما يرى الإنسان صورة ما فإن الصورة تنتقل عبر العينين والجهاز العصبي المحيطي إلى قشرة المخ لكي يتم تحليلها ومعالجتها (يتم تحويلها إلى أشكال وألوان إلخ)، وبعد ذلك يتم إرسال النتيجة إلى الذاكرة المؤقتة. في هذه اللحظة يقول الإنسان أنه “رأى” الصورة (التعبير الصحيح ربما هو “وعاها”). لاحقا الصورة سوف تزول من الذاكرة المؤقتة وتذهب إلى أحد مكانين: إما أن تذهب إلى الذاكرة الدائمة (وهذا يعني أن الإنسان سوف يكون قادرا على “تذكرها” أو إعادتها إلى وعيه في وقت لاحق)، أو أنها ستتلاشى وتزول (وهذا يعني أن الإنسان سوف “ينساها” نهائيا ولن يكون قادرا على إعادتها إلى وعيه).

عندما يريد الإنسان أن يتذكر الصورة فإن المعالج في دماغه ينقلها من الذاكرة الدائمة إلى الذاكرة المؤقتة. عندما تصل الصورة إلى الذاكرة المؤقتة يقول الإنسان أنه “تذكر” الصورة. لو فشل الدماغ في إيصال الصورة إلى الذاكرة المؤقتة لسبب ما فإن الإنسان سيقول أنه حاول تذكرها ولكنه فشل في ذلك (ربما لأنها فقدت من الذاكرة الدائمة لقدمها).

هل هناك “شاشة عرض” داخل الدماغ؟

المؤلف Daniel Dennet ألف في عام 1991 كتابا أسماه Consciousness Explained (تفسير الوعي). في هذا الكتاب هو انتقد بشدة مفهوما أسماه “المادية الديكارتية” Cartesian materialism. المقصود بالمادية الديكارتية هو الاعتقاد بأن هناك مكانا معينا في الدماغ تجتمع فيه جميع المعلومات التي تظهر في “الوعي”. حسب Dennet فإن الدماغ البشري لا يحوي “مسرحا” أو “شاشة عرض” على نمط الشاشة التي يراقبها الإنسان الصغير في هذه الصورة:

في رأي Dennet أن معلومات الوعي هي متوزعة في جميع أنحاء الدماغ ولا يوجد مكان معين تترابط فيه هذه المعلومات مع بعضها لكي تظهر في الوعي.

Dennet بنى كلامه على نتائج الدراسات التي أجريت على الدماغ البشري وبينت أن الدماغ لا يحوي منطقة معينة خاصة بالوعي، ولكن غياب منطقة خاصة بالوعي لا يدعم بالضرورة المزاعم التي يطرحها. من الوارد أن هناك آلية معينة (وليس مكانا) يتم من خلالها الربط بين المعلومات التي تظهر في الوعي. هذه الآلية في رأيي قد تكون نفس آلية الذاكرة المؤقتة (التي هي منتشرة في أنحاء عديدة من الدماغ وليس لها مكان محدد). أنا لا أدري ما هي طبيعة الذاكرة المؤقتة في الدماغ البشري ولا أدري إن كانت هذه الذاكرة هي عبارة عن وحدة متكاملة أم أنها مجرد مناطق متفرقة وغير مرتبطة ببعضها، ولكن المقارنة مع الكومبيوتر توحي بوجود آلية تربط بين المواقع المختلفة للذاكرة المؤقتة. من الممكن أن المعالج هو الذي يربط بين المواقع المختلفة للذاكرة المؤقتة.

الإنسان الصغير هو إحساس وليس وظيفة عقلية

الكلام الذي سأقوله الآن هو تكرار لما ذكرته في مقال سابق ولكن مع بعض التطوير.

في رأيي أن الوظائف المسماة introspection و subjectivity هي ليست وظائف عقلية حقيقية ولكنها مجرد أحاسيس.

في المقال السابق أنا ربطت بين هذه الأحاسيس وبين خاصية إدراك الذات وإدراك الذوات الأخرى، ولكن الأفضل ربما هو أن نربط بين هذه الأحاسيس وبين وظيفة المعالج الدماغي في إدارة الذاكرة المؤقتة.

من الممكن أن شعور introspection يتولد عندما يقوم المعالج الدماغي بنقل أو معالجة البيانات الموجودة في الذاكرة المؤقتة.

شعور subjectivity يتولد عندما ينقل المعالج المدركات الحسية perceptions إلى الذاكرة المؤقتة.

والله أعلم،

تطور الإنسان (7)

في المقال الأخير تحدثت عن الطفرة الثقافية التي حصلت مع بداية العصر الباليوليثي الأعلى قبل حوالي 50,000 عام، وذكرت اختلاف الباحثين حول تفسير هذه الطفرة.

بعض الباحثين أطلقوا على هذه الطفرة مسمى “ثورة العصر الباليوليثي الأعلى” Upper Paleolithic Revolution، وبعضهم سموها “القفزة الكبيرة للأمام” Great Leap Forward.

بسبب هذه الطفرة فإن بعض الباحثين صاروا يميزون بين صنفين من الإنسان الحكيم الحديث:

  • الإنسان الحكيم الحديث تشريحيا anatomically modern Homo sapiens
  • الإنسان الحكيم الحديث سلوكيا behaviorally modern Homo sapiens

“الإنسان الحكيم الحديث تشريحيا” ظهر قبل حوالي 200,000 عام، و”الإنسان الحكيم الحديث سلوكيا” (الذي هو نفسه الإنسان المعاصر) ظهر قبل حوالي 50,000 عام. من الناحية التشريحية (الشكلية) لا يوجد فرق مهم بين الصنفين. الفرق هو فقط “سلوكي”. طبعا هذا التفريق بين الحداثة التشريحية و”الحداثة السلوكية” لا يحظى بإجماع بين الباحثين.

المقصود بالحداثة السلوكية هو ظهور ثقافة بشرية ذات مستوى قريب من مستوى الثقافات البشرية المعروفة اليوم.

معنى الثقافة

ما يلي تعريف حديث للثقافة:

Culture, in anthropology, the patterns of behavior and thinking that people living in social groups learn, create, and share. Culture distinguishes one human group from others. It also distinguishes humans from other animals. A people’s culture includes their beliefs, rules of behavior, language, rituals, art, technology, styles of dress, ways of producing and cooking food, religion, and political and economic systems.

Microsoft Encarta 2009

ما يلي ترجمة:

الثقافة في الأنثروبولوجيا هي أنماط السلوك والتفكير التي يتعلمها وينتجها ويتقاسمها الناس الذين يعيشون في جماعة واحدة. الثقافة تميز مجموعة بشرية عن المجموعات البشرية الأخرى، وتميز أيضا البشر عن الحيوانات الأخرى. ثقافة شعب معين تشمل المعتقدات وقواعد السلوك واللغة والطقوس والفن والتقنيات وأنماط اللباس وطرق إنتاج وطهي الطعام والدين والأنظمة السياسية والاقتصادية.

من هذا التعريف يتبين أن الثقافة تعني في الأساس أنماط السلوك والتفكير لدى شعب معين.

السلوك والتفكير هي ليست ميزة لشعب بشري معين دون بقية الشعوب. كل الشعوب البشرية لديها سلوك وتفكير. المقصود بالثقافة هو تحديدا الخصائص السلوكية والفكرية التي تميز الشعوب البشرية المختلفة عن بعضها.

على ما يبدو فإن أول من طرح هذا التعريف للثقافة هو البريطاني Edward B. Tylor في عام 1871.

إذا عرّفنا الثقافة بأنها تعني الخصائص السلوكية والفكرية فهذا سيوصلنا إلى أن بعض الحيوانات تمتلك ثقافة، لأن بعض المجتمعات الحيوانية تمتلك خصائص سلوكية وفكرية. هناك حاليا انقسام بين الباحثين حول هذه النقطة. بعض الباحثين يرون أن معظم الرئيسيات تمتلك ثقافة وأن الثقافة ليست شيئا خاصا بالبشر. في المقابل هناك باحثون آخرون يرون أن الثقافة هي شيء خاص بالبشر. التعريف الذي نقلته في الأعلى يتبنى وجهة النظر الثانية:

Culture distinguishes one human group from others. It also distinguishes humans from other animals.

الثقافة تميز مجموعة بشرية عن المجموعات البشرية الأخرى، وتميز أيضا البشر عن الحيوانات الأخرى.

إذن الثقافة لا تعني مجرد السلوك والتفكير ولكنها تعني تحديدا السلوك والتفكير الذي يميز البشر عن بعضهم وعن بقية الحيوانات.

السلوك والتفكير

الثقافة إذن هي سلوك وتفكير. السلوك هو شيء يمكن دراسته علميا بالمراقبة، ولكن دراسة الأفكار بالمراقبة هي أمر صعب. مثلا نحن يمكننا أن نراقب القرود لكي نعرف سلوكهم، ولكن من غير الممكن معرفة أفكار القرود عبر مراقبتهم. لهذا السبب بعض الباحثين يميلون إلى تعريف الثقافة وفق السلوك فقط وبغض النظر عن التفكير، لأن الدراسة العلمية لتفكير القرود هي أمر متعذر.

ربما لهذا السبب نجد أن بعض الباحثين يصفون الثقافة البشرية المعاصرة بأنها “حداثة سلوكية” behavioral modernity. هؤلاء يكنّون عن الثقافة البشرية بالسلوك ويتغاضون عن التفكير، لأن معرفة أفكار البشر القدماء الذين عاشوا قبل عشرات آلاف السنين هي أمر متعذر.

هذه المقاربة تذكرني بالمدرسة السلوكية behaviorism في علم النفس.

المدرسة السلوكية

علم النفس psychology بدأ في أواخر القرن 19. قبل ذلك لم يكن هناك أحد يبحث في علم النفس سوى الفلاسفة والمشعوذين. مؤسس علم النفس الحديث هو الألماني Wilhelm Wundt الذي ركز على دراسة العقل البشري human mind عبر تقنية سماها introspection (النظر في الداخل). هو كان ببساطة يطلب من الناس أن يخبروه عما يدور في عقولهم. لاحقا الباحث النمساوي اللامع فرويد Sigmund Freud استخدم تقنية مشابهة تسمى free association (الربط الحر). المبدأ الأساسي لهذه التقنية لا يختلف عن المبدأ السابق: فرويد كان يعتمد على كلام المرضى عما يدور في عقولهم وأحلامهم.

فرويد طرح نظريات شهيرة فسر على أساسها كيفية عمل العقل البشري وكيفية تطور هذا العقل منذ الطفولة وحتى الكبر. نظريات فرويد أسست لمدرسة في علم النفس تسمى التحليل النفسي psychoanalysis.

نظريات فرويد أثارت حفيظة عدد من الباحثين في بداية القرن العشرين، لأن هذه النظريات ترتكز بشكل كبير على مفاهيم غير ملموسة من قبيل مفهوم “العقل غير الواعي” unconscious mind. كثير من الباحثين رفضوا الطريقة التي توصل بها فرويد إلى نظرياته. هم لم يقبلوا فكرة سؤال الناس عما يدور في عقولهم لأن هذا الأسلوب لا يعطي معلومات موثوقة وذات مصداقية.

هؤلاء المشككون كانوا يعتبرون أن البحث في موضوع العقل البشري هو بحث غير علمي، لأن دراسة العقل البشري بواسطة التجارب العلمية هي أمر متعذر. العلم الحديث يقوم على التجارب والدلائل المادية الملموسة. سؤال الناس عما يدور في عقولهم لا يقدم دلائل علمية ذات مصداقية. بالتالي لا توجد طريقة علمية لدراسة العقل البشري.

أصحاب هذا التوجه تجاهلوا مفهوم “العقل” وركزوا على دراسة السلوك. هم تأثروا كثيرا بتجارب المنعكسات التي أجراها الباحث الروسي Ivan Pavlov. هم رأوا في هذه التجارب بديلا علميا يغنيهم عن الخوض في موضوع العقل البشري، الذي هو بالنسبة لهم موضوع غير علمي. هم صاروا يفسرون سلوك البشر وفق منطق المنعكسات. السلوك البشري بالنسبة لهم هو ردود فعل responses سببها التعرض لمحفزات stimuli.

هذا التوجه يسمى المدرسة السلوكية behaviorism. مؤسس هذه المدرسة هو الأميركي John Watson الذي قال في عام 1913 ما يلي:

I believe that we can write a psychology and never use the terms consciousness, mental states, mind . . . imagery and the like.

أنا أعتقد أننا نستطيع أن نكتب علم نفس دون أن نستخدم أبدا مصطلحات الوعي والحالة العقلية والعقل… والخيال ونحو ذلك.

المدرسة السلوكية كانت ذات تأثير كبير في النصف الأول من القرن العشرين. كثير من مؤلفات علم النفس التي ألفت في تلك الفترة لم تتطرق مطلقا لمفهوم “العقل” أو “الوعي” ونحو ذلك. السلوكيون لا ينكرون بالضرورة وجود العقل ولكنهم يرون أن البحث فيه هو أمر غير علمي، لأن الوسائل المتاحة في النصف الأول من القرن العشرين لم تكن تسمح بدراسة العقل بشكل مباشر.

ما هو العقل البشري؟

موضوع العقل البشري هو موضوع شائك للغاية. هناك أولا سؤال كبير وقديم يتعلق بطبيعة العقل البشري: هل العقل البشري هو مادي أم غير مادي؟ هذا السؤال بحثه الفلاسفة ضمن فرع من فروع الفلسفة يسمى “فلسفة العقل” philosophy of mind. هذا البحث هو مرتبط ببحث أكبر يتعلق بطبيعة الكون عموما. الفلاسفة يتجادلون منذ القدم حول طبيعة الكون: هل الكون هو مادي بحت؟ أم روحي بحت؟ أم أنه مكون من المادة والروح معا؟ هذا البحث يسمى الميتافيزيقيا (الميتافيزياء) metaphysics. الجدل الميتافيزيقي كان موضوعا حارا في القرون السابقة للقرن 19.

تقليديا هناك ثلاث مدارس في الميتافيزيقيا:

المدرسة الثنائية dualism ترى أن الكون يتألف من مكونين اثنين (المادة والروح). من أشهر أنصار هذه المدرسة الفيلسوف الفرنسي ديكارتRené Descartes . ديكارت رأى أن الكون يتألف من مكونين أو جوهرين:

  • جوهر التفكير substance pensante (الروح)
  • الجوهر الممدود substance étendue (المادة)

المقصود بجوهر التفكير هو الشيء الذي يتكون منه العقل والأفكار، والمقصود بالجوهر الممدود هو الشيء الذي تتكون منه الأشياء الأخرى.

René Descartes

هذه النظرة الثنائية لجوهر الكون كانت شائعة في أوروبا في القرون الوسطى. حسب هذه النظرة فإن العقل البشري هو شيء روحي وليس شيئا ماديا. بسبب هذه الفكرة فإن علم النفس يسمى في اللغات الأوروبية psychology. هذه الكلمة صيغت من الكلمة اليونانية psychḗ) ψυχή) التي تعني “روح”. كلمة “نفس” في اللغات السامية أيضا تعني “روح”، وبالتالي “علم النفس” أو psychology يعني حرفيا “علم الروح”. هذه التسمية نبعت من الاعتقاد بأن العقل البشري هو نفسه الروح أو من ماهية الروح.

المدرسة الميتافيزيقية الثانية هي المدرسة الأحادية monism التي ترى أن الكون له جوهر واحد فقط.

المدرسة التي تقول أن الكون يتألف من الروح فقط تسمى المثالية idealism. الفلسفة المثالية كانت شائعة تاريخيا وهي تضم مثلا الفلاسفة الرواقيين Stoics والأفلاطونيين الجدد Neoplatonists. الفكر المثالي شائع لدى الصوفيين من مختلف الأديان. فكرة “وحدة الوجود” pantheism هي فكرة مثالية.

المثاليون يعتقدون أن وجود المادة هو وهم وأن الروح (الله) هي الشيء الحقيقي الوحيد في الكون.

George Berkeley

رمز الفلاسفة المثاليين في العصور الحديثة هو رجل الدين الإيرلندي George Berkeley الذي عاش في النصف الأول من القرن 18. هذا الرجل نفى وجود المادة بالمطلق واعتبر أن الأشياء المادية التي يدركها الناس بحواسهم هي مجرد أفكار ideas في عقولهم، وهذه الأفكار مصدرها “عقل” كبير هو الله.

المدرسة التي ترى أن الكون يتألف من المادة فقط هي المدرسة المادية materialism أو الفيزيائية physicalism. مثلا الفيلسوف الإنكليزي Thomas Hobbes (في القرن 18) أنكر وجود روح في الجسم البشري ورأى أن كل أفعال الإنسان تحدث بسبب ظواهر مادية. الفكر المادي تصاعد كثيرا في الغرب خلال القرنين 19 و 20، والسبب الأساسي لذلك هو النجاحات الكبيرة التي حققها العلم الطبيعي الحديث modern science (العلم الطبيعي الحديث لم يظهر أي دليل على وجود مكون غير مادي في الكون).

Thomas Hobbes

بالإضافة إلى المثالية والمادية هناك مدرسة أحادية ثالثة تسمى الأحادية المحايدة neutral monism. أصحاب هذا المذهب يرون أن الكون مؤلف من جوهر واحد ولكن هذا الجوهر هو ليس الروح ولا المادة وإنما جوهر ثالث “محايد” يظهر أحيانا بشكل روحي وأحيانا بشكل مادي. من الأسماء المرتبطة بهذا المذهب الفيلسوف الهولندي اليهودي Baruch Spinoza الذي كان يقول بوحدة الوجود وكان يعتبر أن الله يتجلى في الكون بشكلين مادي وروحي.

المدرسة الثالثة في الميتافيزيقيا هي التعددية pluralism التي اشتهر بها الفيلسوف الألماني Gottfried Wilhelm Leibniz. هذا الفيلسوف رأى أن الكون يتألف من عدد لا نهائي من المكونات أو الجواهر المختلفة أطلق عليها مسمى monads.

طبعا البحث في الميتافيزيقيا لا ينفصل عن فرع آخر من فروع الفلسفة هو الإبستيمولوجيا epistemology (نظرية المعرفة). بعض الفلاسفة يرون أن معرفة حقائق الكون ومكوناته (خاصة المكونات غير المادية) هي أمر ممكن بواسطة التفكير المجرد (a priori). وفقا لمنطق هؤلاء فالإنسان يمكنه أن يكتشف حقائق الكون الأساسية وهو مستلق على سريره، لأن حقائق الكون الأساسية هي حقائق “بديهية”.

هذا النمط من التفكير يسمى “العقلانية” rationalism، وهو مذهب فلاسفة اليونان القدماء. هذا النمط من التفكير كان يسيطر على العالم قبل النهضة الأوروبية الحديثة. النمط الفكري المضاد يسمى الفكر التجريبي empiricism. التجريبيون يرون أن حقائق الكون تعرف حصرا بالتجربة عبر الحواس (a posteriori). الفكر التجريبي طبعا هو المهيمن اليوم في العالم الغربي. الفكر العقلاني لم يعد مقبولا في زمننا وهو يربط عادة بالجهل والخرافات.

Francis Bacon

الفكر التجريبي بدأ في أوروبا مع الفيلسوف الإنكليزي Francis Bacon الذي لعب دورا محوريا في صياغة مبادئ العلم الطبيعي الحديث modern science في بداية القرن 17. أيضا الفيلسوف الإنكليزي John Locke أيد الفكر التجريبي ولكنه أظهر نزعة من الشك حول صحة المعلومات التي تدرك عبر الحواس perceptions. حسب Locke فإن معرفة البشر بالأشياء المادية هي ليست دقيقة لأن الحواس البشرية تنقل معلومات غير دقيقة. الأسقف George Berkeley أخذ هذه الفكرة إلى أبعد مدى ممكن عندما أنكر بالمطلق وجود الأشياء المادية؛ هو قال أن كل ما يعرفه عقل الإنسان عن الأشياء المادية يأتيه عبر الحواس، ولا يوجد دليل على مصداقية المعلومات التي تأتي عبر الحواس. في المحصلة الأشياء التي يدركها عقل الإنسان عبر الحواس هي ليست أكثر من أفكار. بالتالي كل شيء في الوجود هو مجرد أفكار. بما أن عقل الإنسان لا يتحكم في كل الأفكار التي ترد إليه (خاصة الأفكار الحسية perceptions) فهذا يعني أن هناك “عقلا خارجيا” يقوم بتوليد هذه الأفكار، وهذا العقل هو الله.

John Locke

الفيلسوف الأسكتلندي David Hume تأثر بكلام الأسقف Berkeley ولكنه رفض الاستنتاج بأن المادة غير موجودة وأن كل الأفكار مصدرها الله. Hume اعتبر أن وجود الروح هو غير حقيقي مثلما أن وجود المادة هو غير حقيقي. فكر Hume في هذه المسألة يصنف ضمن المذهب الأحادي المحايد neutral monism.

David Hume

اسم David Hume ارتبط بمدرسة الشك skepticism لأنه مضى أبعد من أسلافه المشككين وشكك حتى في مصداقية بعض القوانين المنطقية أو “البديهية” التي توجد في عقل الإنسان. Hume شكك في مصداقية قوانين الطبيعة القائمة على مبدأ السببية causality. حسب Hume فإن العلاقة بين السبب والنتيجة هي ليست علاقة منطقية أو “بديهية” ولكنها مجرد ربط يتوصل إليه البشر بالمراقبة والتعود، أي أنها نابعة من الإدراك الحسي perception وليست نابعة من المنطق. طالما أن القوانين القائمة على مبدأ السببية هي ليست قوانين منطقية فهذا يعني أنها ليست موثوقة، وبما أن قوانين الكون عموما تقوم على مبدأ السببية فهذا يعني أن ما يعرفه البشر عن الكون هو ليس موثوقا (مثلا قوانين الفيزياء هي ليست موثوقة ويمكن أن تتغير مستقبلا، لأن هذه القوانين تقوم على مبدأ السبب والمسبب وليس على حتميات منطقية).

Immanuel Kant

الفيلسوف الألماني الشهير Immanuel Kant حاول أن يوجد صيغة وسطية بين الفكر العقلاني والفكر التجريبي والفكر الشكي. هو اتفق مع الفكر التجريبي في أن المعرفة لا تأتي سوى من الإدراك عبر الحواس، واتفق مع الفكر الشكي في أن المعرفة الناتجة من الإدراك عبر الحواس هي ليست أكيدة، واتفق أيضا مع العقلانيين في مفهوم سماه “المعرفة العابرة للحدود” أو “العابرة للتصانيف” transcendental. هذا النوع من المعرفة يوجد في العقل البشري بشكل “فطري” أو “بديهي” وهو ضروري للإدراك الحسي. هذا النوع من المعرفة هو عبارة عن مفاهيم تجريدية ومنطقية (الوقت، الزمن، السببية، التركيب، العلاقة) يستخدمها العقل لإدراك المحسوسات. حسب Kant فإن العقل لا يمكنه أن يدرك المحسوسات دون الاستعانة بهذه المفاهيم الفطرية.

Kant زعم أن فلسفته ستحسم الجدل بين الفلاسفة، ولكن الجدل لم يحسم وهو ما زال مستمرا حتى الآن.

Georg Wilhelm Friedrich Hegel

تراجع Kant عن النهج التجريبي البحت وقبوله ببعض الأفكار العقلانية شجع عددا من الفلاسفة الألمان في القرن 19 على النكوص مجددا إلى الفلسفة العقلانية، ومن هؤلاء مثلا الفيلسوف الألماني الشهير Georg Hegel الذي أعاد إحياء أسلوب عقلاني يوناني قديم يسمى الجدلية dialectic. هذا الأسلوب كان يتبعه فلاسفة اليونان القدماء لكي يتوصلوا إلى حقائق الكون وهم نائمون على أسرتهم. Hegel استخدم هذا الأسلوب وصاغ من خلاله نظرية تفسر تاريخ العالم. لاحقا الفيلسوف الألماني Karl Marx اقتبس أسلوب Hegel الجدلي ودمجه مع نزعة مادية وصاغ نظرية سماها “المادية الجدلية” dialectical materialism. هذه النظرية كانت محاولة من Marx لتفسير تاريخ العالم على أساس اقتصادي. طبعا هذه النظرية هي فلسفة عقلانية لا تتفق مع المبدأ التجريبي الذي يقوم عليه العلم الحديث.

Karl Marx

الفلسفة هي موضوع كبير وأنا الآن سأتوقف عند هذا الحد ولن أستمر في سرد الأفكار والمدارس الفلسفية. المهم بالنسبة لموضوعنا هو أن الجدل حول طبيعة العقل البشري ما زال مستمرا حتى يومنا هذا. بعض الناس حاليا (بما في ذلك باحثون في علوم الجهاز العصبي neuroscience) ما زالوا يشكون في مادية العقل البشري، وبعضهم ما زالوا يثيرون قضية يسمونها “مسألة العقل والجسد” mind–body problem. أول من طرح هذه المسألة هو ربما ديكارت. من يطرحون هذه المسألة يميزون بين العقل mind والدماغ brain ويقولون أن العقل البشري سوف يظل للأبد مجهولا وخارج نطاق البحث العلمي، حتى لو تقدم العلم إلى درجة سمحت لنا بفهم آليات عمل الدماغ البشري بشكل كامل.

ديكارت رأى أن العقل (الذي هو نفسه الروح) موجود في الغدة الصنوبرية pineal gland التي تقع في قلب الدماغ. هو رأى أن العقل/الروح يقوم بتحريك هذه الغدة وهذه الحركة تؤدي إلى “موجة روحية” تنتقل من فتحات الدماغ عبر الأعصاب إلى العضلات لتحريكها. طبعا هذا الكلام حاليا يبدو أشبه بخرافة. الناس في الغرب حاليا يجدون حرجا في تبني أفكار ديكارت بحرفيتها لأن هذه الأفكار لها طابع خرافي لا يتفق مع المناخ العلمي السائد في الغرب. لهذا السبب الثنائيون المعاصرون يحاولون أن يطرحوا أنفسهم بطرق جديدة.

قليل من الفلاسفة والباحثين في العالم الغربي اليوم يجرؤون على التصريح بوجود مكون غير مادي في الكون، لأن هذه الفكرة عفى عليها الزمن في التفكير العلمي. قبل القرن العشرين كان هناك صراع في أوروبا بين الميكانيكيين mechanists والحيويين vitalists حول مسألة وجود الروح في أجساد الكائنات الحية. الحيويون كانوا يصرون على أن التفاعلات الكيماوية التي تجري في أجسام الكائنات الحية (التفاعلات العضوية organic) هي ليست ظاهرة مادية بحتة ولكنها تتم تحت تأثير “قوة حيوية” (تسمى vital force أو élan vital). وجود هذه القوة الحيوية (التي هي نفسها الروح) هو شرط لإتمام التفاعلات العضوية، ودون التفاعلات العضوية لا يمكن لأجسام الكائنات الحية أن تعمل. إذن الحياة هي غير ممكنة دون القوة الحيوية/الروح. المدرسة “الميكانيكية” في المقابل كانت تنفي وجود القوة الحيوية/الروح وكانت ترى أن التفاعلات العضوية هي ظاهرة مادية بحتة كالتفاعلات غير العضوية.

طبعا في النهاية هذا الصراع انتهى بانتصار حاسم للميكانيكيين. حاليا لا أحد يميز بين التفاعلات العضوية وغير العضوية على أساس وجود “القوة الحيوية”. آلية التفاعلات العضوية صارت مفهومة وهي آلية مادية بحتة.

معركة “القوة الحيوية” هي واحدة من المعارك العديدة التي خسرها أنصار الفكر الثنائي خلال القرن 19. لهذا السبب المناخ الغربي العام لم يعد يتقبل الحديث عن وجود “الروح”، خاصة في المجالات العلمية.

رغم ذلك فإن الفكر الثنائي لم يمت بل هناك حتى يومنا هذا باحثون وفلاسفة يروجون له (هذا الشخص هو مثال). الثنائيون المعاصرون يميزون أنفسهم عن المذهب الديكارتي بالتفريق بين الجوهر substance والخصائص properties. حاليا مذهب ديكارت صار يسمى “ثنائية الجوهر” substance dualism تمييزا له عن مذهب غالبية الثنائيين المعاصرين الذي يسمى “ثنائية الخصائص” property dualism.

فكرة “ثنائية الخصائص” property dualism هي عبارة عن فذلكة فلسفية تعود جذورها إلى فكرة “الانبثاقية” emergentism التي يبدو أن أول من طرحها هو الفيلسوف البريطاني John Stuart Mill في القرن 19. قبل توضيح هذه الفكرة يجب أولا أن نوضح ما هو المقصود بالجوهر substance والخصائص properties.

نظرية الجوهر والخصائص هي فذلكة فلسفية قديمة لا أدري من الذي اخترعها (ربما ديكارت أو رجال الدين في القرون الوسطى). حسب هذه النظرية فإن الأشياء الموجودة في الكون تتألف من جوهر وخصائص.

لنأخذ مثالا هو كرة لونها أحمر. هذه الكرة لها جوهر هو المادة. بالإضافة إلى ذلك هذه الكرة لها مجموعة من الخصائص تشمل مثلا “اللون الأحمر” و”الشكل الدائري” إلخ. مجموع الجوهر مع الخصائص ينتج “شيئا” (object أو particular) (الشيء في مثالنا هو الكرة الحمراء).

خاصية “اللون الأحمر” هي ليست حكرا على الكرة الحمراء التي ذكرناها في المثال. هناك في الكون أشياء كثيرة تملك هذه الخاصية. لهذا السبب مفهوم الخاصية property هو مفهوم عام أو تجريدي. اللون الأحمر في مثالنا هو مجرد تجلي واحد (instance) لخاصية اللون الأحمر، ولكن هذه الخاصية تتجلى في أشياء أخرى عديدة. خاصية اللون الأحمر يمكن أن تتجلى أيضا بشكل كتابي. مثلا عندما نكتب بالإنكليزية the ball is red فهذا يعتبر تجليا لخاصية اللون الأحمر على شكل خبر نحوي predicate. خاصية اللون الأحمر تتجلى في الكتابة الإنكليزية هكذا is red، ولكنها في الكتابة الفرنسية تتجلى هكذا est rouge. إذن التجلي الكتابي لخاصية اللون الأحمر يمكن أن يأخذ أشكالا مختلفة في اللغات المختلفة.

الخاصية تتبع في طبيعتها الميتافيزيقية الجوهر الذي تتجلى فيه. مثلا خاصية اللون الأحمر هي خاصية مادية وليست روحية، لأن هذه الخاصية لا تتجلى سوى في الأشياء المادية. اللون الأحمر (في الرؤية) هو عبارة عن موجات كهرومغناطيسية يمكن إدراكها وقياسها بالطرق الفيزيائية، واللون الأحمر في الكتابة هو عبارة عن أحرف يمكن رؤيتها وإدراكها ماديا. إذن خاصية اللون الأحمر هي خاصية مادية. في المقابل الخصائص التي تميز الروح أو الله هي خصائص روحية وليست مادية. الخصائص الروحية لا تتجلى في الأشياء المادية.

قبل القرن العشرين كان هناك كما قلنا جدل بين الميكانيكيين mechanists والحيويين vitalists حول فهم الكيمياء العضوية (الكيمياء التي تدرس التفاعلات داخل أجسام الكائنات الحية). الميكانيكيون كانوا يرون أن الكيمياء العضوية هي في المحصلة فرع من الفيزياء، أي أن فهم التفاعلات العضوية هو ممكن عبر قوانين الفيزياء (القوانين المادية). معتقد الميكانيكيين هذا يعني أنهم كانوا يعتقدون بإمكانية “اختزال” أو “إرجاع” reduce الكيمياء العضوية إلى الفيزياء. في المقابل الحيويون كانوا يرون أن الكيمياء العضوية هي غير قابلة للاختزال أو الإرجاع إلى الفيزياء irreducible، والسبب هو وجود الجوهر الروحي (القوة الحيوية) في الكيمياء العضوية.

John Stuart Mill

الفيلسوف John Stuart Mill ومن تبعوه من الفلاسفة في القرن العشرين حاولوا أن يوجدوا طريقا وسطا بين المذهبين الميكانيكي والحيوي عبر طرحهم للفكرة التي تسمى “المادية الانبثاقية” emergent materialism. هذا المذهب يتفق مع الميكانيكيين في أن المادة هي الجوهر الوحيد في الكون، ولكن وفقا لرأي John Stuart Mill فإن بعض الأشياء المادية ذات التركيب المعقد تكتسب خصائص properties لا يمكن إرجاعها إلى الخصائص الفيزيائية irreducible.

مثلا في رأي John Stuart Mill أن التفاعلات الكيميائية لا يمكن فهمها وفق القوانين الفيزيائية. علم الكيمياء له قوانين خاصة تختلف عن قوانين الفيزياء. هو لم يكن يشير إلى مسألة القوة الحيوية ولكنه كان يتحدث عن الكيمياء بشكل عام (بما في ذلك الكيمياء غير العضوية). هو مثلا تحدث عن الكيمياء غير العضوية (ذات الطابع المادي الأكيد في ذلك الوقت) وقال أن قوانين الكيمياء غير العضوية لا يمكن فهمها وفق قوانين الفيزياء (مثلا قوانين الفيزياء المعروفة في زمنه لم تكن توضح لماذا يؤدي تفاعل الحمض مع القاعدة إلى إنتاج ملح وماء). لهذا السبب هو قسم الخصائص المادية إلى مستويين:

  • خصائص المستوى الأدنى lower-level (الخصائص الفيزيائية)
  • خصائص المستوى الأعلى higher-level (الخصائص الكيميائية)

خصائص المستوى الأعلى هي منبثقة emergent من خصائص المستوى الأدنى، ولكن رغم ذلك من غير الممكن اختزال أو إرجاع هذه الخصائص إلى خصائص المستوى الأدنى. قوانين المستوى الأعلى هي قوانين سببية مادية كقوانين المستوى الأدنى، ولكن من غير الممكن اختزال أو إرجاع قوانين المستوى الأعلى إلى قوانين المستوى الأدنى. قوانين المستوى الأعلى ليست بديلا عن قوانين المستوى الأدنى ولكنها إضافة أو تعزيز supplement لقوانين المستوى الأدنى.

هذا باختصار هو أساس الفكرة التي تسمى “المادية الانبثاقية” emergent materialism. غالبية الثنائيين المعاصرين يتسترون وراء هذه الفكرة ويزعمون أن “الخصائص العقلية” mental properties هي ليست خصائص فيزيائية، ومن غير الممكن في زعمهم اختزال أو إرجاع الخصائص العقلية إلى الخصائص الفيزيائية. الهدف النهائي من وراء كل هذه الفذلكة هو القول بأن الخصائص العقلية ستظل غير مفهومة حتى لو تمكن العلم من كشف الآلية الفيزيائية لعمل الدماغ بشكل كامل.

هذا الرسم يشرح وجهة نظر “ثنائية الخصائص” property dualism (التي هي وجهة نظر غالبية الثنائيين المعاصرين):

ما يريد أصحاب هذا المذهب قوله هو ما يلي:

الدماغ البشري (المادي) هو مقر العقل mind (وبالتالي العقل هو مادي)، ولكن مكونات العقل هي من مستوى أعلى من المستوى الفيزيائي الذي ندركه حاليا، وبالتالي نحن لن نفهم آلية عمل العقل حتى لو فهمنا آلية عمل الدماغ بمكوناته التي نفهمها حاليا.

ما هو العقل؟

قبل أن نستمر في الحديث عن العقل يجب أولا أن نعطي فكرة عن المقصود به.

ما يلي تعريف العقل في ويكيبيديا:

A mind is the set of cognitive faculties that enables consciousness, perception, thinking, judgment, and memory.

حسب هذا التعريف فإن العقل هو “مجموعة من القدرات المعرفية”set of cognitive faculties . هذا التعريف يوحي بأن العقل هو مفهوم أضيق من مفهوم “القدرة المعرفية” cognition. ما يلي تعريف القدرة المعرفية في ويكيبيديا:

In science, cognition is a group of mental processes that includes attention, memory, producing and understanding language, learning, reasoning, problem solving, and decision making.

تعريف القدرة المعرفية هو “مجموعة من العمليات العقلية” group of mental processes.

إذن العقل هو “مجموعة من القدرات المعرفية” والقدرة المعرفية هي “مجموعة من العمليات العقلية”. ربما هناك أناس يفهمون المقصود ولكن بالنسبة لي أنا أشعر بأن هذا تعريف دائري circular. القدرات أو العمليات أو الوظائف التي وردت في مقال ويكيبيديا عن العقل هي نفس القدرات أو العمليات أو الوظائف التي وردت في مقال ويكيبيديا عن القدرة المعرفية، وبالتالي أنا لم أجد فرقا في ويكيبيديا بين مفهومي “العقل” mind و”القدرة المعرفية” cognition.

ما يلي تعريف آخر للقدرة المعرفية:

Cognition, act or process of knowing. Cognition includes attention, perception, memory, reasoning, judgment, imagining, thinking, and speech.

Microsoft Encarta 2009

وما يلي هو التعريف في قاموس Encarta:

1. ability to acquire knowledge: the mental faculty or process of acquiring knowledge by the use of reasoning, intuition, or perception

2. knowledge acquired: knowledge acquired through reasoning, intuition, or perception

[15th century. < Latin cognition- < cognoscere “get to know” < (g)noscere “know”]

ما يلي تعريف العقل في Encarta:

Mind, the mental activities and memory of a person. The mind includes both conscious thoughts and unconscious activity such as dreaming. The human identity can be viewed as being made of mind and body.

Microsoft Encarta 2009

وما يلي التعريف في قاموس Encarta:

1. seat of thought and memory: the center of consciousness that generates thoughts, feelings, ideas, and perceptions, and stores knowledge and memories

2. thinking capacity: the capacity to think, understand, and reason

تعاريف Encarta هي أفضل من تعاريف ويكيبيديا. حسب Encarta فإن العقل هو مفهوم عام يعني كل ما يدور في الرأس من تفكير وذاكرة وحتى التفكير غير الواعي unconscious، أما القدرة المعرفية فهي مفهوم أضيق قليلا ينحصر في القدرة على اكتساب المعرفة (والمعرفة المكتسبة بواسطة هذه القدرة). القدرة المعرفية هي إذن جزء من العقل.

الذاكرة memory هي في المحصلة جزء من التفكير، بالتالي المقصود بالعقل هو باختصار التفكير thinking. التفكير يمكن أن يكون واعيا أو غير واع.

كلمة التفكير هي كلمة واسعة تشمل الكثير من الأمور، ولكن لغرض التبسيط يمكن أن نصنف الأفكار على النحو التالي:

  • المحسوسات المدركة perceptions
  • المعلومات المحفوظة في الذاكرة memory
  • المعالجة المنطقية reasoning
  • القرارات decisions
  • الخيال imagination
  • العواطف emotions

هذه الأمور تسمى عمليات عقلية mental processes أو وظائف عقلية mental functions. هناك في المصادر عدد كبير من العمليات العقلية الأخرى، ولكنني لم أذكرها في القائمة لأنني لم أقتنع بها وشعرت أنها مشتقة من العمليات الست الواردة في القائمة (سوف أذكر المزيد عن هذا الموضوع لاحقا).

الفلاسفة يستخدمون مصطلح “حدث عقلي” mental event للتعبير عن تجلٍ واحد instance لعملية أو وظيفة عقلية. مثلا عندما يرى الإنسان زهرة فهذا يعتبر حدثا عقليا لأنه تجل لعملية أو وظيفة الإدراك الحسي perception، وعندما يتذكر الإنسان كلمة فهذا يعتبر حدثا عقليا لأنه تجل لعملية أو وظيفة التذكر، وعندما يتخذ الإنسان قرارا فهذا حدث عقلي لأنه تجل لعملية أو وظيفة اتخاذ القرارات، وهكذا.

قائمة “الوظائف العقلية” التي ذكرتها في الأعلى خلت من أهم وظيفة على الإطلاق بالنسبة لكثير من الباحثين والفلاسفة ألا وهي وظيفة الوعي consciousness. أنا لم أضع هذه الوظيفة في القائمة لأنها في رأيي مفهوم غير واضح ومثير للجدل، ولكن هذا المفهوم هو أهم شيء في مفهوم “العقل” بالنسبة لكثير من الفلاسفة. مثلا ديكارت عندما كان يستخدم مصطلح العقل فهو كان يقصد أساسا الوعي، بدليل أنه كان يميز بين العقل (الذي هو الروح ومقره الغدة الصنوبرية) وبين الذكاء intelligence (الذي مقره في الدماغ المادي). ديكارت كان على ما يبدو يعتبر أن الذكاء هو شيء مادي، وأما العقل فهو شيء روحي غير مادي. هذه الفكرة هي تقريبا نفس الفكرة التي نشاهدها حاليا لدى David Chalmers الذي تحدث عن مفهومين:

  • مسألة الوعي السهلة easy problem of consciousness
  • مسألة الوعي الصعبة hard problem of consciousness

المقصود بـ”مسألة الوعي السهلة” هو القدرة المعرفية cognition، والمقصود بـ”مسألة الوعي الصعبة” هو العمليات العقلية “الظواهرية” phenomenal (أي العمليات المرتبطة بالوعي). David Chalmers يرى أن العلم الحديث يمكنه أن يحل “مسألة الوعي السهلة” بالتفسيرات الفيزيائية وأما “مسألة الوعي الصعبة” فهناك “فجوة معرفية” تمنع حلها بالتفسيرات الفيزيائية. هذا الكلام هو ثنائي بامتياز وهو لا يختلف من حيث الجوهر عن نظرية ديكارت وإن تم تلبيسها بلبوس جديد.

ما هو الوعي؟

مفهوم الوعي هو إذن محوري في أي حديث يتعلق بالعقل، ولكن ما هو الوعي؟

ما يلي من ويكيبيديا:

Consciousness is the quality or state of being aware of an external object or something within oneself. It has been defined as: sentience, awareness, subjectivity, the ability to experience or to feel, wakefulness, having a sense of selfhood, and the executive control system of the mind.

الجملة الأولى هي منقولة (بشكل غير حرفي) عن قاموس Merriam-Webster. ترجمة هذه الجملة هي كما يلي:

الوعي هو خاصية أو حالة أن تكون مدركا لشيء خارجي أو لشيء داخل نفسك.

ما يلي من Encarta:

No simple, agreed-upon definition of consciousness exists. Attempted definitions tend to be tautological (for example, consciousness defined as awareness) or merely descriptive (for example, consciousness described as sensations, thoughts, or feelings).

Microsoft Encarta 2009

لا يوجد تعريف متفق عليه للوعي. بعض التعريفات هي تفسير للماء بالماء (تفسيرات دائرية circular) وبعضها الآخر هو تعداد لبعض الوظائف المعرفية cognitive التي كثيرا ما تربط بالوعي. من يحاولون تعريف الوعي كثيرا ما يركزون على أنه مفهوم “فطري” أو “بديهي”، ولكن هذا الكلام لا يفيد في التعريف.

التعريف الوارد في ويكيبيديا يسلط الضوء على بعض العمليات المعرفية التي كثيرا ما تربط بالوعي. في رأيي أن أهم العمليات المعرفية التي كثيرا ما تربط بالوعي هي العمليات التالية:

  • القدرة على مطالعة ما في داخل الذات introspection
  • الشعور الشخصي subjectivity أو sentience
  • إدراك الذات self-awareness
  • إدراك الذوات الأخرى intentionality

بالنسبة لإدراك الذات self-awareness وتمييزها عن الذوات الأخرى فهذه خاصية مهمة من خصائص العقل البشري. المقصود بهذه الخاصية هو أن يدرك الإنسان وجوده كشيء مستقل عن الأشياء المحيطة به وعن الأشخاص الآخرين. هناك مفهوم شبيه هو “نظرية العقل” theory of mind. المقصود بهذا المفهوم هو أن يدرك الإنسان أن له عقلا وأن للآخرين عقولا مختلفة.

الأطفال المصابون بمرض التوحد autism (وبعض الأمراض الأخرى الشبيهة) قد يعانون من نقص في إدراك النفس وفي نظرية العقل، ولهذا السبب هم قد يؤذون أنفسهم.

الطفل الطبيعي يميل إلى تخريب وتدمير الأشياء المحيطة به (مثلا الألعاب). الطفل المصاب بالتوحد ربما لا يميز بين جسده وبين الأشياء المحيطة به، ولهذا السبب هو ربما يؤذي نفسه كما يؤذي الأشياء المحيطة به.

بعض الباحثين يقيسيون إدراك النفس لدى الحيوانات بواسطة اختبار يسمى اختبار المرآة mirror test. فعالية هذا الاختبار هي محل جدل، ولكن وفقا لنتائج هذا الاختبار فإن بعض الحيوانات لديها على ما يبدو إدراك للنفس (مثلا القرود الكبيرة والدلافين والفيلة).

كلب ينظر في مرآة

غالبية الأطفال البشريين لا يدركون أنفسهم في المرآة إلا بعد أن يبلغوا من العمر 18 شهرا (من ويكيبيديا):

From the age of 6 to 12 months, the child typically sees a “sociable playmate” in the mirror’s reflection. Self-admiring and embarrassment usually begin at 12 months, and at 14 to 20 months most children demonstrate avoidance behaviors. Finally, at 18 months half of children recognize the reflection in the mirror as their own and by 20 to 24 months self-recognition climbs to 65%.

على ما يبدو فإن خاصية إدراك النفس هي مرتبطة بالذكاء، بدليل أن الحيوانات المعروفة بالذكاء (مثلا القرود الكبيرة والدلافين والفيلة) نجحت في اجتياز اختبار المرآة، ولكن الحيوانات الأقل ذكاء (مثلا الكلاب والقطط) لم تنجح في اجتياز هذا الاختبار. أيضا من اللافت أن أطفال البشر لا ينجحون في تجاوز هذا الاختبار إلا في عمر متأخر نسبيا.

إذن خاصية إدراك الذات هي ميزة للعقول الذكية، وهي شرط أساسي لما يسمى بالوعي consciousness، ولكن السؤال هو هل هذه الخاصية هي عملية عقلية مستقلة عن العمليات العقلية الأساسية التي سبق أن عددتها في الأعلى؟

أنا لست في محل يؤهلني للإفتاء في هكذا موضوع، ولكن رأيي الشخصي هو أن خاصية إدراك الذات هي ليست عملية عقلية مستقلة. إدراك الذات هو ببساطة شكل من أشكال المعرفة knowledge التي يختزنها الإنسان في عقله. المقصود بالمعرفة هو المعلومات المخزنة في ذاكرة الإنسان الدائمة أو طويلة الأجل. إذن إدراك الذات هو جزء من وظيفة الذاكرة memory لدى الإنسان.

الإنسان يختزن في ذاكرته الكثير من المعلومات التي جمعها منذ طفولته. بعض هذه المعلومات هو من مصدر خارجي، وبعضها الآخر هو نتيجة للمعالجة المنطقية reasoning في العقل. إدراك الذات (والذوات الأخرى) هو من المعلومات المهمة التي يتوصل إليها الإنسان نتيجة للمعالجة المنطقية. الطفل الصغير لا يفهم (على ما يبدو) الفرق بين ذاته والذوات الأخرى، أو على الأقل هو لا يستطيع أن يميز جسمه الخارجي عن بقية الأشياء المحيطة به. مع مرور الزمن عقل الطفل الصغير يفهم تدريجيا أنه موجود داخل جسم (وهذا الجسم له رأس ويدان ورجلان إلخ). الطفل يصل إلى هذا الفهم بشكل كامل عندما يدرك الحدود الفاصلة بين جسمه وبين الأشياء الأخرى. عندما يفهم الطفل أين تنتهي حدود جسمه وأين تبدأ حدود العالم الخارجي فإنه يكون قد وصل بشكل كامل إلى مرحلة “إدراك الذات”.

بعد ذلك الطفل يبدأ في مراقبة الأشياء المحيطة به ويبدأ في رسم حدود لها كما فعل سابقا مع جسمه. عندما يتمكن الطفل من تقسيم العالم المحيط به إلى “أشياء” منفصلة عن بعضها فإنه يكون قد وصل إلى مرحلة إدراك الذوات الأخرى.

المرحلة التالية تحدث عندما يقول الطفل الصغير لنفسه ما يلي “طالما أنني أملك عقلا أو أفكارا فلا بد أن الأجسام الأخرى التي تشبهني في الشكل والسلوك لها أيضا عقل أو أفكار.” عندما يتوصل الطفل إلى هذا الاستنتاج فإنه يكون قد امتلك “نظرية العقل”. في هذه المرحلة الطفل يصبح قادرا على تصنيف الذوات المحيطة به إلى ذوات بشرية وذوات غير بشرية.

إذن خصائص “إدراك الذات” و”إدراك الذوات الأخرى” و”نظرية العقل” هي في رأيي ليست عمليات عقلية مستقلة ولكنها مجرد معلومات أو استنتاجات يتوصل إليها الطفل الصغير نتيجة التحليل المنطقي للمعلومات التي يحصل عليها عبر حواسه.

هل هناك عقل داخل العقل؟

أهم العمليات العقلية التي تربط بمفهوم الوعي هي العملية المسماة introspection. أنا أرى أن أدق تعريف لهذه العملية هو “إدراك العقل لما يدور في داخله”. هذا التعريف هو دقيق من حيث أنه يعبر عن المعنى المقصود بكلمة introspection، ولكنني لا أظن أن هذه الكلمة تعبر عن مفهوم منطقي أو واقعي. أنا أظن أن مفهوم introspection هو مجرد وهم وليس عملية عقلية حقيقية.

أصحاب الفكر الثنائي يعرفون كلمة introspection كما يلي “إدراك الوعي لما يدور داخل العقل” أو “إدراك العقل لما يدور داخل الدماغ”.

الفرق بين تعريفهم وتعريفي هو أنني أفترض وجود كيان واحد يدرك ما في داخل نفسه (إن كان لهذا الكلام معنى)، أما هم فيفترضون وجود كيانين يدرك أحدهما ما في داخل الآخر.

الثنائيون لا يقبلون أن الدماغ هو نفسه العقل. هم يفترضون دائما أن هناك شيئا آخر غير الدماغ “يشاهد” ما في داخل الدماغ. هذا الشيء هو “الوعي” consciousness أو “العقل” mind.

هذا الرسم يعبر عن عقيدة الثنائيين:

في هذا الرسم يظهر رجل وهو يشاهد بيضة مقلية، ويظهر أيضا رجل صغير (homunculus) يشاهد ما يدور داخل دماغ الرجل الكبير. الرجل الصغير يعبر عن “الوعي” أو “العقل” في مفهوم الثنائيين. الرجل الصغير هو الذي ينفذ العملية المسماة introspection.

فكرة الرجل الصغير أو العقل داخل العقل هي زبدة الفكر الثنائي. الثنائيون لا يملكون أي دليل عملي أو نظري على صحة هذه الفكرة. هم يستندون في الأساس على ما يسمونه “الفطرة” أو “البديهة”. في رأيهم أن وجود الرجل الصغير هو أمر يعرفه الناس بالفطرة.

فكرة الرجل الصغير أو العقل داخل العقل تعرضت لانتقادات لاذعة من فلاسفة وباحثين عديدين. الفيلسوف البريطاني Gilbert Ryle ألف في عام 1949 كتابا أسماه The Concept of Mind (مفهوم العقل). في هذا الكتاب هو سمى العقيدة الديكارتية بعقيدة “الشبح في الآلة” the dogma of the Ghost in the Machine. هو أيضا طرح سؤالا بديهيا: لو فرضنا أن هناك عقلا صغيرا داخل العقل الكبير فهذا يلزمنا بأن نقول بأن هناك عقلا أصغر داخل العقل الصغير، وهناك عقل أصغر داخل هذا العقل، وهكذا إلى ما لا نهاية infinite regress.

هذا الرسم يعبر عن المشكلة التي طرحها Ryle:

الثنائيون ردوا على هذه الحجة بطرح كلاسيكي معهود عنهم: هم قالوا أن العقل الصغير هو ليس فيزيائيا وبالتالي قوانين الفيزياء لا تسري عليه.

هذا الجدل ذكرني بأطروحة “السبب الأول” التي كان رجال الدين المسيحيون يروجونها في القرون الوسطى. أصل هذه الأطروحة يعود إلى الفيلسوف اليوناني الفاشل أرسطو. هذه الأطروحة تقول ما يلي: كل سبب له مسبب، وكل متحرك له محرك. لو كان هناك شيء متحرك فلا بد أن شيئا متحركا آخر قد قام بتحريكه، ولا بد أن شيئا متحركا ثالثا قد قام بتحريك الشيء الثاني، ولا بد أن شيئا متحركا رابعا قد قام بتحريك الشيء الثالث، وهكذا إلى ما لا نهاية. لكسر هذه السلسلة اللامتناهية لا بد من وجود محرك أول غير متحرك unmoved mover. هذا المحرك الأول لم يكن ماديا، ولهذا السبب القوانين المادية (قوانين السبب والمسبب) لا تسري عليه.

هذه النظرية تسمى نظرية “السبب الأول”. رجال الدين المسيحيون في القرون الوسطى كان يطرحون هذه النظرية كدليل عقلاني على وجود الله. هذه النظرية تعرضت لطعنة قاتلة في تجربة الزحلقة على الصابون التي أجراها غاليليو والتي أدت إلى اكتشاف مفهوم العطالة inertia. هذا المفهوم هو جوهر القانون الأول للميكانيك الذي صاغه نيوتن (والذي هو أول قانون في علم الفيزياء الحديث). هذا القانون ينص على أن الحركة والسكون هما حالتان أصليتان وليس هناك سبب للقول بأن السكون هو حالة سابقة للحركة أو العكس؛ بالتالي لا يوجد شيء اسمه “محرك أول” أو “محرك غير متحرك” كما زعم أرسطو.

كل النظريات التاريخية التي كانت ترتكز على فكرة “السبب الروحي” ثبت خطؤها، بدءا من نظرية “المحرك الأول” ووصولا إلى نظرية “القوة الحيوية” (وغيرهما الكثير). العلم الحديث قضى على معظم هذه النظريات الثنائية (التي تفترض وجود جوهر روحي يؤثر في المادة). النظرية الثنائية الوحيدة التي ما زالت صامدة حتى يومنا هذا هي نظرية العقل داخل العقل. لا يوجد سبب للافتراض بأن مصير هذه النظرية سيكون أفضل من سابقاتها.

ملاحظة للتوضيح: العلم الحديث نفى وجود علاقة سببية بين المادة وبين أي جوهر آخر غير مادي، ولكن العلم الحديث لم ينف (ولا يمكنه أن ينفي) وجود جوهر غير مادي لا يؤثر سببيا في المادة. طبعا نحن نقول هذا الكلام في إطار إحساسنا وإدراكنا، ولكننا لا ندري إن كانت هناك أمور أخرى تقع خارج نطاق إحساسنا وإدراكنا. أنا لست من الماديين الذين يجزمون بأن المادة هي كل شيء في الوجود. أنا أتحدث فقط عن الأمور التي أدركها. بالنسبة لي أنا لا أدرك شيئا غير مادي في هذا الكون، ولكنني في نفس الوقت لا أستطيع أن أجزم بعدم وجود أشياء غير مادية. الأشياء غير المادية (لو وجدت) لا تؤثر سببيا في المادة، على الأقل ليس في نطاق إدراكنا الأكيد.

هل هناك شيء يدرك ما في داخل العقل؟

العملية العقلية المسماة introspection تعني وجود شيء يدرك ما في داخل العقل (سواء كان هذا الشيء هو العقل نفسه كما في تعريفي أم “الوعي” كما في تعريف الثنائيين). هناك نظريات عديدة طرحت حول ماهية هذا الشيء الذي يدرك ما في داخل العقل، ولكنني أتساءل إن كان هذا الشيء موجودا بالفعل؟

الفيلسوف David Hume قال ما يلي في معرض رده على مقولة ديكارت “أنا أفكر إذن أنا موجود”:

“It must be some one impression, that gives rise to every real idea. But self or person is not any one impression, but that to which our several impressions and ideas are supposed to have a reference. If any impression gives rise to the idea of self, that impression must continue invariably the same, through the whole course of our lives; since self is supposed to exist after that manner. But there is no impression constant and invariable. Pain and pleasure, grief and joy, passions and sensations succeed each other, and never all exist at the same time. It cannot, therefore, be from any of these impressions, or from any other, that the idea of self is derived; and consequently there is no such idea.”

David Hume, A Treatise of Human Nature

هذا الكلام هو نفي لوجود الذات self، ولكنني عندما قرأته شعرت بأنه يصلح لنفي وجود “الوعي” بالمعنى الذي تدل عليه كلمة introspection.

David Hume يعتبر أن جميع أفكار الإنسان هي في المحصلة نابعة من الإدراك الحسي perception، ولكنه يميز بين نوعين من الأفكار: النوع الأول هو الانطباعات impressions، والمقصود بها هو المدركات الحسية والعواطف القوية والمباشرة (مثلا الرؤية والسمع والحب والكره إلخ). النوع الثاني هو الأفكار ideas النابعة من الانطباعات.

هذا التقسيم يعجبني لأنه يبدو واقعيا ويتناسب مع آلية عمل الدماغ البشري كما أفهمها. الدماغ البشري يستقبل بيانات حسية من خارج الجسم وداخله. هذه البيانات الحسية هي ما يقصده Hume بالانطباعات. الدماغ البشري ينتج أيضا الأفكار بشكل ذاتي بعد معالجة البيانات الحسية، وهذا هو ما يقصده Hume بالأفكار الناتجة من الانطباعات.

Hume يقول أن كل فكرة حقيقية هي نابعة من انطباع. مفهوم “النفس” self هو ليس انطباعا ولكنه فكرة دائمة يفترض أن جميع الانطباعات والأفكار في العقل البشري تعود إليها. فكرة النفس لا بد أن تكون نابعة من أحد الانطباعات، وهذا الانطباع لا بد أن يكون دائما وثابتا طوال فترة حياة الإنسان. المشكلة هي أنه لا يوجد أي انطباع يحقق هذا الشرط: الألم والمتعة، الحزن والفرح، العواطف والأحاسيس كلها تتبع بعضها ولا تكون في آن واحد. لهذا السبب فكرة النفس لا يمكن أن تكون مشتقة من أي من هذه الانطباعات أو غيرها، ولهذا السبب فكرة النفس هي غير موجودة. اهـ.

هذا الكلام لـ Hume لم يلق تأييدا من بقية الفلاسفة، ولكنني عندما قرأته شعرت بأنه يصلح لنفي وجود “الإنسان الصغير” داخل العقل. وجود الإنسان الصغير داخل العقل هو ليس من المدركات الحسية وليس من العواطف، إذن لا بد أنه فكرة نشأت في العقل. الأفكار تنشأ في العقل بسبب معالجة المدركات الحسية والعواطف، ولكن ما هي المدركات الحسية والعواطف التي أدت معالجتها إلى إنتاج فكرة الإنسان الصغير؟ لا يمكن ربط فكرة الإنسان الصغير بأي من المدركات الحسية أو العواطف، بالتالي هذه الفكرة لا وجود لها وهي مجرد وهم. الناس يتوهمون وجود الإنسان الصغير ولكن هذا الإنسان هو ليس عملية عقلية حقيقية.

هذا الكلام ربما لن يعجب كثيرا من الناس. أنا لا أجزم بأنه صحيح. في كل الأحوال أنا مقتنع بأن David Hume هو أحد أنبه الفلاسفة في التاريخ. طروحات هذا الرجل تبدو متوافقة مع المفاهيم التي نعرفها حاليا عن الدماغ، رغم أنه عاش في القرن 18.

David Hume بالمناسبة رفض فكرة “الجوهر” substance من أساسها واقترح بدلا من ذلك فكرة تسمى “نظرية الحزمة” bundle theory. هذه النظرية تقول أن كل الأشياء الموجودة في الكون هي عبارة عن “حزم” من الخصائص properties. لا يوجد في الكون جوهر بلا خصائص، وبالتالي افتراض وجود الجوهر هو مجرد فذلكة لا لزوم لها.

هل هناك شعور شخصي؟

فيما سبق تحدثت عن الخاصية المسماة introspection والتي هي إحدى أهم مرتكزات فكرة “الوعي” الذي يدرك ما في داخل عقل الإنسان. الآن سوف أتحدث عن خاصية “الشعور الشخصي” subjectivity، التي هي أيضا من المرتكزات الهامة لفكرة “الوعي”.

المقصود بالشعور الشخصي هو الأشياء التي تتولد في عقل الإنسان نتيجة لإدراك العقل للمدركات الحسية perceptions. وفق المنطق الثنائي تعريف الشعور الشخصي يجب أن يكون هكذا “هو الأشياء التي تتولد في الوعي نتيجة لإدراك الوعي للمدركات الحسية الموجودة في العقل” أو “هو الأشياء التي تتولد في العقل نتيجة لإدراك العقل للمدركات الحسية الموجودة في الدماغ”.

للتوضيح سوف نعود مجددا إلى صورة الإنسان الصغير:

الإنسان الصغير في الصورة يشاهد صورة البيضة المقلية على لوحة عرض سينمائي داخل الدماغ. الأشياء التي تظهر على لوحة العرض السينمائي هي “الشعور الشخصي”؛ هي تحديدا الكيفية التي يدرك بها الإنسان الصغير المدركات الحسية الموجودة في الدماغ.

مثلا لنأخذ صورة البيضة المقلية كمثال. الإنسان الكبير شاهد هذه الصورة بعينيه. الإشارات العصبية انتقلت من شبكية العينين عبر الأعصاب البصرية إلى قشرة المخ. الإشارات العصبية التي تولدت في قشرة المخ بسبب رؤية البيضة المقلية هي الإدراك perception الدماغي لصورة البيضة المقلية. الإنسان الصغير عندما يدرك الإشارات العصبية التي في قشرة المخ فإنه يدركها على هيئة صورة البيضة المقلية كما تظهر في “الوعي”. هذا الإدراك الحسي النهائي الذي يظهر في الوعي هو الشعور الشخصي subjective experience، وهو يختلف عن الإدراك الدماغي الفيزيائي. طبعا الشعور الشخصي لا يتعلق بحاسة الرؤية فقط ولكنه يتعلق بكل الحواس.

جميع المدركات الحسية التي يشاهدها الإنسان الصغير على لوحة العرض السينمائي تسمى “الشعور الشخصي”. المشهد الواحد على شاشة العرض يسمى qualia (مثلا لو شاهد شخص كرة حمراء وسمع زقزقة طائر فهذا سينتج في عقله اثنين من الـ qualia).

الثنائيون يعتبرون وجود الشعور الشخصي أو الـ qualia دليلا على صحة مذهبهم، ولكن المشكلة هي أنه لا يوجد دليل ملموس يثبت وجود “الشعور الشخصي”. الثنائيون يعتبرون أن وجود الشعور الشخصي هو أمر يعرفه الناس بالفطرة، ولكن هذا الكلام هو ليس دليلا. فطرة الناس كثيرا ما تكون خاطئة.

ما يلي مثال على الحجج العقلانية التي يطرحها الثنائيون لإثبات وجود الشعور الشخصي:

http://plato.stanford.edu/entries/dualism/#ArgForDua

The knowledge argument asks us to imagine a future scientist who has lacked a certain sensory modality from birth, but who has acquired a perfect scientific understanding of how this modality operates in others. This scientist—call him Harpo—may have been born stone deaf, but become the world’s greatest expert on the machinery of hearing: he knows everything that there is to know within the range of the physical and behavioural sciences about hearing. Suppose that Harpo, thanks to developments in neurosurgery, has an operation which finally enables him to hear. It is suggested that he will then learn something he did not know before, which can be expressed as what it is like to hear, or the qualitative or phenomenal nature of sound. These qualitative features of experience are generally referred to as qualia. If Harpo learns something new, he did not know everything before. He knew all the physical facts before. So what he learns on coming to hear—the facts about the nature of experience or the nature of qualia—are non-physical. This establishes at least a state or property dualism.

هذا الطرح يسمى “حجة المعرفة” knowledge argument وفكرته باختصار هي كما يلي:

  • لنتخيل أننا في المستقبل بعد تقدم العلم وتمكنه من كشف كل أسرار الدماغ والجهاز العصبي.
  • لنتخيل إنسانا مصابا بالصمم منذ ولادته.
  • هذا الإنسان درس العلوم العصبية وأصبح لديه فهم كامل لآلية السمع من الناحية الفيزيائية والسلوكية وهو يدرك تماما ما هي الآلية الفيزيائية التي يسمع من خلالها الإنسان الأصوات.
  • لاحقا أجريت عملية لهذا الشخص أعادت له سمعه المفقود منذ الولادة.
  • هذا الشخص سوف يفاجئ عندما يسمع الأصوات لأول مرة وسوف يشعر بأنه عرف شيئا جديدا لم يكن يعرفه من قبل (هو الشعور الشخصي بالأصوات)، رغم أنه يفهم بشكل كامل الآلية الفيزيائية التي تجعل الناس يسمعون الأصوات.
  • طالما أنه فوجئ وتعلم شيئا جديدا (رغم أنه يفهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل) فهذا يعني أن الشعور الشخصي بالأصوات هو ليس شيئا فيزيائيا، وإلا لما كان فوجئ به.

الرابط الذي في الأعلى فيه ردود فلسفية على هذه الأطروحة. رأيي الشخصي هو أن الرد على هذه الأطروحة ليس أمرا صعبا لأنها قائمة على منطق دائري circular reasoning، بمعنى أن افتراضاتها هي من الأساس افتراضات غير مثبتة وتنص على نفس الفكرة التي تهدف الأطروحة لإثباتها.

الأطروحة تفترض أن الشخص المصاب بالصمم لا يمكنه أبدا أن يدرك “الشعور الشخصي” بالأصوات حتى لو فهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل. لا أدري هو الشيء الذي يثبت ذلك؟ أنا أرى عكس ذلك تماما. لو أن هذا الشخص الأصم فهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل فهو ما كان ليفاجئ عندما يستعيد سمعه وما كان ليشعر بأي “شعور شخصي” لم يتوقعه سابقا.

أصحاب الأطروحة يعتقدون أن الوعي هو شيء غير فيزيائي، ولهذا السبب هم يفترضون أن الشخص الأصم لا يمكنه أبدا أن يفهم آلية تجلي الأصوات في الوعي حتى لو فهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل. هذا الطرح بحد ذاته يحتاج لإثبات، لأنه طرح نظري خيالي يذكرنا بنظرية القوة الحيوية ونحوها.

لو فرضنا أن الشخص الأصم فهم الآلية الفيزيائية التي تتجلى بها حاسة السمع في الوعي فهو كان سيتوقع أو سيتخيل “الشعور الشخصي بالسمع” حتى لو لم يمتلك حاسة السمع.

طبعا الأطروحة التي في الأعلى هي نظرية إلى حد كبير، لأننا ما زلنا بعيدين عن الفهم الكامل لآلية عمل الدماغ البشري. نحن نجهل آلية عمل الدماغ، وهذا الجهل هو في رأيي السبب الأساسي الذي يجعل الناس يطرحون مثل هذه الأطروحات.

يجب أن نتذكر أن الدماغ هو معقد للغاية ويضم عددا كبيرا من التشابكات العصبية المتغيرة والمتداخلة على نحو هائل. لو فرضنا أن شخصا أصما حاول أن يفهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل (منذ لحظة سقوط الموجات الصوتية على طبلتي الأذنين وحتى تجلي الإشارات الصوتية في “الوعي”) فهو سيلاقي صعوبة بالغة لسببين، السبب الأول هو أن هذه الآلية معقدة للغاية، والسبب الثاني هو أن هذا الشخص الأصم ليست لديه خبرة في السمع ولا يعرف شعور السمع، بالتالي هو سيكون مضطرا لأن يعتمد بشكل كامل على الخيال حتى يتمكن من إدراك الشعور (المعقد) الذي يسميه الثنائيون بالشعور الشخصي بالأصوات. لو فرضنا أن هذا الشخص الأصم حقق المعجزة وتمكن من فهم آلية السمع بشكل كامل وتمكن من بناء تصور نظري للكيفية التي يتجلى بها شعور السمع في الوعي فهو لن يفاجئ (أو لن يفاجئ كثيرا) عندما يستعيد حاسة السمع.

الثنائيون المعاصرون طرحوا حججا أخرى لإثبات وجود الشعور الشخصي أو الـ qualia، وكل هذه الحجج هي ذات منطق دائري كالحجة التي رددنا عليها للتو. هناك مثلا الحجة المسماة zombie argument والتي تقوم على فرضية عجيبة غريبة لا يقبلها أي عقل لا يؤمن بالفكر الثنائي. أنا لن أتحدث عنها لأنها لا تضيف جديدا إلى موضوعنا.

أنا في الأعلى قلت أنني أشك في وجود عملية عقلية حقيقية تسمى introspection. بالتالي أنا أشك في وجود عملية عقلية حقيقية تسمى “الشعور الشخصي”. أنا لا أظن أن هناك شيئا يدرك ما في داخل العقل وبالتالي لا يوجد شيء يتم إدراكه خلال هذه العملية الوهمية.

ما هو الوعي؟

ما يلي هو خلاصة العرض السابق لخصائص الوعي:

  • القدرة على مطالعة ما في داخل الذات introspection
  • الشعور الشخصي subjectivity أو sentience
  • إدراك الذات self-awareness
  • إدراك الذوات الأخرى intentionality

في رأيي أن العمليتين المسماتين introspection و subjectivity قد تكونان مجرد وهم، وأما إدراك الذات وإدراك الذوات الأخرى فهو حقيقة، ولكنني لا أظن أن هذين المفهومين يعبران عن عمليات عقلية مستقلة ولكنهما مجرد شكل من أشكال المعرفة.

العمليتان المسماتان introspection و subjectivity هما أهم أركان مفهوم “الوعي” consciousness وفق الفهم التقليدي لهذا المفهوم، وهما أيضا أهم أركان مفهوم العقل mind لدى أصحاب الفكر الثنائي. نفي وجود هاتين العمليتين يعني أن مفاهيم الوعي والعقل كما يفهمها الثنائيون هي مجرد أوهام شبيهة بوهم القوة الحيوية ونحوه.

في رأيي (المتواضع) أن الشعور الذي يصفه الناس بالوعي يرتكز أساسا على ثلاث عمليات معرفية cognitive هي ما يلي:

  • إدراك الذات self-awareness
  • إدراك الذوات الأخرى intentionality
  • الإنتباه attention

هذه العمليات هي ليست عمليات مستقلة ولكنها متفرعة من عمليات أخرى. إدراك الذات والذوات الأخرى هو نابع من ثلاث عمليات معرفية أساسية هي الإدراك الحسي perception والمعالجة المنطقية reasoning والذاكرة memory. الإنتباه attention هو عملية معرفية متفرعة من عملية الإدراك الحسي perception. معنى الإنتباه هو أن يقوم العقل بتوجيه قسم من طاقته الإدراكية الحسية نحو شيء معين. مثلا الإنسان عندما يرى أمامه منظرا لافتا فإنه يقوم بتوجيه طاقته الإدراكية الحسية perceptive نحو هذا المنظر، وعندها نقول أن الإنسان هو منتبه لهذا المنظر. الإنسان يمكنه أن ينتبه لأكثر من شيء في آن واحد، وبالتالي الطاقة الإدراكية الحسية يمكن أن تتوزع على أكثر من شيء في آن واحد.

إدراك الإنسان لذاته وللذوات الأخرى هو شيء جوهري بالنسبة لحياته. لو أن الإنسان فقد هذا الإدراك (أو أن هذا الإدراك أصيب بالضعف أو التشوش) فهذا سيؤدي إلى كارثة كبيرة. لهذا السبب الإنسان هو دائما متيقظ vigil فيما يتعلق بإدراكه لذاته وللذوات الأخرى. معنى التيقظ vigilance هو ببساطة الإنتباه الدائم. الإنسان هو منتبه بشكل دائم لذاته وللذوات المحيطة به. هذه المسألة لا يمكن للإنسان أن يتهاون بها لأنها أهم شيء يتعلق بوجوده في هذا العالم المحسوس. لو فرضنا أن الإنسان “نسي” حدود جسمه وحدود الأجسام الأخرى فهذا يعني أنه سيضيع بشكل كامل ولن يفهم أي شيء مما يجري حوله.

إذن العقل البشري يوجه بشكل دائم قسما من طاقته الإدراكية الحسية نحو الذات ونحو الذوات المحيطة. في رأيي أن هذه العملية لها دور في خلق الشعور لدى الناس بوجود “عقل” أو “وعي” يقرأ ما يدور في أدمغتهم، ولكن هذا الشعور هو مجرد وهم. العقل (الذي هو نفسه الدماغ) لا يدرك ما يدور في داخله ولكنه يدرك أين تنتهي حدود الجسم الذي هو موجود فيه وأين تبدأ حدود العالم الخارجي. هذا الإدراك القائم بشكل مستمر (بسبب التيقظ) هو الذي يولد لدى الناس المشاعر التي توصف بعبارات من قبيل introspection و subjectivity و consciousness. هذه المشاعر هي حقيقية، ولكن فهمها وتعريفها على النحو الشائع بين الناس هو مجرد وهم.

والله أعلم.