تطور الإنسان (3)

الإنسان الأول في شرق آسيا

إقرأ المزيد

عن الزواج والبطريركية

تحدثت عن أصل الزواج في موضوع بعنوان أصل ظاهرة الكبت الجنسي عند العرب (1). هذا الموضوع هو من المواضيع التي ندمت بعد كتابتها لأنني كتبته دون تحضير جيد ولهذا السبب كان فيه بعض الخلط والتشويش.

هناك قضيتان لم أميز بينهما جيدا في ذلك الموضوع، القضية الأولى هي الزواج (باليونانية (gámos) γάμος) والقضية الثانية هي البطريركية.

البطريركية patriarchy أو النظام الأبوي هي ظاهرة متأخرة ظهرت قبل بضعة آلاف من السنين. مفاهيم العذرية والتقييد الجنسي هي مرتبطة بظهور البطريركية. أنا تحدثت عن الأصل المحتمل للبطريركية في المقال المسمى أصل ظاهرة الكبت الجنسي عند العرب (2).

الزواج هو أقدم بكثير من البطريركية. في المقال المسمى تطور الإنسان (2) أنا أشرت إلى نظرية تفسر تطور الزواج لدى البشر، ولكن هذه النظرية هي ليست محل إجماع وهناك بعض الجدل حولها.

أصل الزواج لدى البشر هو مسألة غامضة وخلافية. هناك أولا جدل حول نوعية الزواج البشري الأصلي. هل هو الزواج الأحادي monogamy (زوجة واحدة لكل رجل) أم الزواج المتعدد polygamy (أكثر من زوجة للرجل الواحد)؟

تشارلز داروين رأى أن الزواج المتعدد هو الحالة الأقدم لدى البشر (من ويكيبيديا):

In his 1871 book The Descent of Man, Darwin stated that “Judging from the social habits of man as he now exists, and from most savages being polygamists, the most probable view is that primeval man aboriginally lived in small communities, each with as many wives as he could support and obtain, whom he would have jealously guarded against all other men.”

هناك باحثون معاصرون يدعمون هذا الرأي (من ويكيبيديا):

Scientists discuss the evolution of monogamy in humans as if it is the prevailing mating strategy among Homo sapiens, although only approximately 17.8% (100) of 563 societies sampled in Murdock’s Atlas of World Cultures has any form of monogamy […] Therefore, “genetic monogamy appears to be extremely rare in humans,” and “social monogamy is not common” […] This means that monogamy is not the predominant mating system among the hominid lineage and probably never was.

المقصود بـ social monogamy أو marital monogamy هو الزواج الأحادي بغض النظر عن التقييد الجنسي، والمقصود بـ sexual monogamy أو genetic monogamy هو التقييد الجنسي للمتزوجين بحيث لا يحق مثلا للزوجة أن تمارس العلاقة الجنسية مع شخص آخر غير زوجها (أو العكس).

الزواج الأحادي هو نادر لدى الحيوانات (من ويكيبيديا):

Socially monogamous species are scattered throughout the animal kingdom: A few insects, a few fish, about nine-tenths of birds, and a few mammals are socially monogamous.

…………………………

The amount of social monogamy in animals varies across taxa, with over 90% of birds engaging in social monogamy while only 3% of mammals are known to do the same.

الزواج الأحادي نادر لدى الحيوانات عموما ولدى الثدييات خصوصا، وهو نادر طبعا لدى الرئيسيات Primates (القرود).

الإنسان هو من الرئيسيات، وبالتالي المفترض نظريا هو أن يكون الزواج الأحادي نادرا لدى البشر. الإحصاءات تبين أن الزواج الأحادي هو النمط الأشيع لدى البشر وإن كانت غالبية الشعوب تقر الزواج المتعدد (من ويكيبيديا):

According to the Ethnographic Atlas, of 1,231 societies from around the world noted, 186 were monogamous; 453 had occasional polygyny; 588 had more frequent polygyny; and 4 had polyandry. However, this does not take into account the relative population of each of the societies studied, and the actual practice of polygamy in a tolerant society may actually be low, with the majority of aspirant polygamists practicing monogamous marriage.

صحيح أن عدد الشعوب التي تسمح بالزواج المتعدد هو كبير، ولكن غالبية البشر يمارسون الزواج الأحادي. نسبة الأشخاص الذي يتزوجون أحاديا هي أكبر حتى في المجتمعات التي تسمح بالزواج المتعدد.

بالنسبة للمستحاثات البشرية القديمة فهناك جدل حولها. بعض الدراسات تقول أن مستحاثات القرود الجنوبية تبدي قدرا كبيرا من ثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism، وهذه الظاهرة انخفضت بشكل ملحوظ لدى الإنسان المنتصب والإنسان العامل. هذا دليل على أن التنافس الذكوري على الإناث انخفض مع تطور البشر. في المقابل هناك باحثون ينكرون هذا الكلام ويقولون أن ثنائية الشكل الجنسية في مستحاثات القرود الجنوبية لا تزيد عما هو مشاهد لدى البشر المعاصرين.

هناك إذن جدل حول أصل الزواج عند البشر، ولكن في رأيي أن النظرية التي ذكرتها في مقال “تطور الإنسان (2)” هي النظرية الأرجح والأكثر منطقية.

تعدد الزوجات لم يكن في مصلحة البشر الباكرين لأكثر من اعتبار:

  • الجنس البشري هو من الأصل جنس معتّر وفقير. البشر الأوائل كانوا يعملون في نبش القمامة. هذا الشعب الفقير لا يمكنه أن يمارس تعدد الزوجات، لأن إعالة المرأة البشرية هي أمر مكلف وشاق.
  • البشر (خاصة منذ زمن الإنسان المنتصب/العامل) كانوا يميلون للتعاون والتشارك في الصيد. التقاتل والتنازع على الإناث هو ليس في مصلحتهم.

هذه الاعتبارات هي ربما التي جعلت البشر الأوائل يبتعدون عن تعدد الزوجات.

هذه الاعتبارات ما زالت قائمة حتى الآن. كثير من ذكور البشر المعاصرين يودون أن يمارسوا التعدد ولكنهم لا يفعلون ذلك بسبب الكلفة العالية وخوفا من العواقب الاجتماعية. هذه العوامل هي ربما نفس العوامل التي كانت موجودة عند ظهور الجنس البشري قبل 2,5 مليون عام.

تعدد الزوجات لا يناسب طبيعة حياة البشر لأن الزواج من الأنثى البشرية يختلف عن الزواج من إناث الكائنات الأخرى، ولأن طبيعة العلاقات الاجتماعية البشرية تختلف عن طبيعة العلاقات الاجتماعية لدى الكائنات الأخرى. الذكر البشري يحتاج دائما لمساعدة البشر الآخرين وهو لا يستطيع أن يخرب علاقاته مع بقية البشر فقط لكي يستولي على النساء.

طبعا أنا أتكلم عن النمط العام وليس عن الاستثناءات. هناك بعض الذكور الذين يستطعيون إعالة عدد كبير من النساء والذين لا يخشون من العواقب الاجتماعية في حال مارسوا التعدد. هذا الأمر هو استثناء وليس القاعدة.

ملاحظة: أنا عندما أقول أن “كلفة إعالة المرأة البشرية عالية” أقصد أن الكلفة عالية بالمقارنة مع عالم الحيوان، لأنني أتحدث في سياق نظرية التطور التي هي فرع من البيولوجيا. لو كنا نتحدث في سياق آخر غير هذا السياق فأنا ما كنت لأقول أن كلفة إعالة الزوج لزوجته هي عالية.

تطور الإنسان (1)

كنت أريد أن أكمل الحديث في موضوع هجرة البشر من أفريقيا إلى آسيا، ولكن لكي أكمل الموضوع لا بد أن أتطرق لفكرة “الأصل المتعدد” للأعراق. لو تطرقت لهذه الفكرة فسأضطر لاستخدام مفاهيم ومصطلحات من التي يتداولها باحثو الآثار والأنثروبولوجيا والمتعلقة بتطور الإنسان Human evolution.

إقرأ المزيد

الهجرات الآدمية الأولى نحو الشرق (1)

world map haplogroups Y DNA

في مقال سابق أشرت إلى موضوع العلامات الوراثية المستخدمة لتتبع الهجرات البشرية في شرق وجنوب شرق آسيا. الدراسات بينت أن سكان شرق وجنوب شرق آسيا يحملون على الكروموسوم Y علامات مميزة لهم مقارنة بالمناطق الأخرى من العالم.

أكثر ما يلفت الانتباه هو طغيان العلامة المسماة Haplogroup O. حسب بعض الدراسات فإن هذه العلامة توجد لدى الصينيين الخان Han بنسبة تصل إلى 80%، ولدى الكوريين بنسبة تصل إلى 75%. في فييتنام نسبة هذه العلامة تصل إلى 75%، وفي ماليزيا إلى 70% (انظر هذه الصفحة، وأيضا صفحة ويكيبيديا).

اللافت هو أن نسبة هذه العلامة تنخفض بشكل حاد عندما نبتعد عن الصين وجنوب شرق آسيا. مثلا في منغوليا نسبة هذه العلامة هي 10-25%، وفي شرق سيبيريا النسبة هي شبه معدومة. في اليابان النسبة هي بحدود 50%، وفي التيبت النسبة هي بحدود 40% أو أقل. في الهند هذه العلامة توجد بنسبة عالية فقط لدى الإثنيات التي تسكن في منطقة جبال الهيمالايا وتتحدث لغات من العائلة الصينية-التيبتية Sino-Tibetan، ولدى الإثنيات التي تسكن في شمال شرق الهند وتتحدث لغات أسترو-آسيوية Austroasiatic. في نيوغينيا وأستراليا هذه العلامة هي شبه معدومة.

في المقابل نسبة العلامتين Haplogroup C و Haplogroup D ترتفع كلما ابتعدنا عن الصين وجنوب شرق آسيا. نسبة العلامة Haplogroup C3-M217 في منغوليا هي بحدود 50%، وأيضا هذه العلامة توجد بكثرة في شرق سيبيريا، وفي كوريا توجد بنسبة 10%. في اليابان العلامة Haplogroup C1-M8 توجد بنسبة أقل من 10%، ولكن نسبة العلامة Haplogroup D2-M55 في اليابان هي بحدود 35%. في التيبت نسبة العلامة Haplogroup D1-M15 هي بحدود 50%. العلامة Haplogroup D* (علامة النجمة تعني أنها لا تنتمي إلى أي فرع معروف) وجدت بنسبة عالية في جزر أندمن Andaman في خليج البنغال، وأيضا هذه العلامة وجدت لدى بعض القبائل في شمال شرق الهند.

في خليج المالاي وجزر المحيط الهادي نسبة العلامة Haplogroup C2-M32 تزداد تدريجيا كلما ابتعدنا عن الصين. بعض القبائل في جزيرة نيوغينيا تنتمي إلى هذه العلامة بنسبة 90-100%. في مرتفعات جزيرة نيوغينيا عثر على أشخاص يحملون العلامة غير المتفرعة Haplogroup C* (أو أنها تنتمي إلى فرع غير معترف به بعد). في أستراليا العلامة Haplogroup C4-M347 توجد لدى السكان الأصليين بنسبة 60%.

العلامتان C وD هما أقدم من العلامة O. ما يلي شجرة العلامات:

Y-DNA haplogroup tree

الباحثون وجدوا أن كل البشر الموجودين اليوم خارج قارة أفريقيا يتحدرون من العلامة Haplogroup CT. العجيب هو التاريخ الذي يعطونه لظهور هذه العلامة: هم يقولون أنها ظهرت قبل حوالي 70,000 سنة. هذا التاريخ هو متأخر جدا في عمر البشر. حسب حسابات باحثي الجينات فإن آدم عاش قبل هذا الزمن بعشرات آلاف السنين (أحدث التقديرات لعمر آدم تقول أنه عاش قبل 180,000-200,000 سنة، وهذا التقدير يتوافق أيضا مع عمر أقدم مستحاثة معروفة للبشر المعاصرين).

بناء على كلام الدراسات الجينية فإن بني آدم عاشوا في أفريقيا لأكثر من 100,000 عام قبل أن يهاجروا إلى خارجها. بنو آدم الذين هاجروا إلى خارج أفريقيا كانوا ينتمون حصرا إلى العلامة Haplogroup CT، وأما العلامات الأقدم من هذه العلامة فهي لم تخرج من أفريقيا.

هناك مشكلة في هذا الطرح وهي أنه لا يتوافق مع الدلائل الأثرية. الباحثون الأثريون عثروا في بداية القرن العشرين على جماجم بشرية في مغارتي قَفْزة وسُخُول في جبل الكَرْمِل في فلسطين يعتقد أن تاريخها يعود إلى 120,000-80,000 سنة قبل الوقت الحالي. صحيح أنه في السابق كان هناك جدل حول تصنيف هذه الجماجم وما إذا كانت تنتمي للبشر المعاصرين (الإنسان الحكيم الحديث تشريحيا Anatomically modern Homo sapiens) أو للبشر البائدين (الإنسان الحكيم العتيق Archaic Homo sapiens)، ولكن حاليا غالبية الباحثين يعتبرون هذه الجماجم من بقايا البشر المعاصرين. قبل بضعة سنوات عثر أيضا على عظام فك وأسنان لإنسان حديث في كهف Zhirendong في جنوب الصين تعود إلى ما قبل 100,000 عام:

http://news.nationalgeographic.com/news/2010/10/101025-oldest-human-fossil-china-out-of-africa-science/

Oldest Modern Human Outside of Africa Found

Chinese fossil challenges traditional early-human time line, study says.

A fossil human jawbone discovered in southern China is upsetting conventional notions of when our ancestors migrated out of Africa.

The mandible, unearthed by paleontologists in China’s Zhiren Cave in 2007, sports a distinctly modern feature: a prominent chin. But the bone is undeniably 60,000 years older than the next oldest Homo sapiens remains in China, scientists say.

In fact, at about a hundred thousand years old, the Chinese fossil is “the oldest modern human outside of Africa,” said study co-author Erik Trinkaus, an anthropologist at Washington University in St. Louis.

Popular theory states that Homo sapiens migrated out of Africa about 60,000 years ago, at which point modern humans quickly replaced early human species such as Homo erectus and Homo neanderthalensis across the world.

Finding such an ancient example of a modern human in China would drastically alter the time line of human migration […]

Hoping for DNA Evidence

So far, genetic evidence largely supports the traditional timing of the “out of Africa” theory. But the newly described China jawbone presents a strong challenge, said anthropologist Christopher Bae of the University of Hawaii, who was not associated with the find.

“They actually have solid dates and evidence of, basically, a modern human,” he said.

Still, the jaw and three molars were the only human remains retrieved from the Chinese cave, and the jaw is “within the range” of Neanderthal chins as well as those of modern humans, added paleoanthropologist John Hawks of the University of Wisconsin, Madison.

“If this holds up, we have to reevaluate” the human migration time line, he said.

“Basically, I think they’re right, [but] I want to see more evidence,” Hawks added. “I really, really hope that there can be some sort of genetic extraction from this [fossil].”

http://www.pnas.org/content/early/2010/10/15/1014386107.abstract

The 2007 discovery of fragmentary human remains (two molars and an anterior mandible) at Zhirendong (Zhiren Cave) in South China provides insight in the processes involved in the establishment of modern humans in eastern Eurasia. The human remains are securely dated by U-series on overlying flowstones and a rich associated faunal sample to the initial Late Pleistocene, >100 kya [kya = thousand years ago]. As such, they are the oldest modern human fossils in East Asia and predate by >60,000 y the oldest previously known modern human remains in the region.

قبل بضعة سنوات عثر أيضا على بقايا أثرية في جبل الفايا بالشارقة تدل على وجود البشر المعاصرين في تلك المنطقة قبل حوالي 125,000 عام. أيضا في الآونة الأخيرة عثر على اكتشافات مماثلة في سلطنة عمان:

http://www.sciencedaily.com/releases/2011/11/111130171049.htm

Trail of ‘Stone Breadcrumbs’ Reveals the Identity of One of the First Human Groups to Leave Africa

Dec. 1, 2011 — A series of new archaeological discoveries in the Sultanate of Oman, nestled in the southeastern corner of the Arabian Peninsula, reveals the timing and identity of one of the first modern human groups to migrate out of Africa, according to a research article published in the open-access journal PLoS ONE.

An international team of archaeologists and geologists working in the Dhofar Mountains of southern Oman, led by Dr. Jeffrey Rose of the University of Birmingham, report finding over 100 new sites classified as “Nubian Middle Stone Age (MSA).” Distinctive Nubian MSA stone tools are well known throughout the Nile Valley; however, this is the first time such sites have ever been found outside of Africa. According to the authors, the evidence from Oman provides a “trail of stone breadcrumbs” left by early humans migrating across the Red Sea on their journey out of Africa. “After a decade of searching in southern Arabia for some clue that might help us understand early human expansion, at long last we’ve found the smoking gun of their exit from Africa,” says Rose. “What makes this so exciting,” he adds, “is that the answer is a scenario almost never considered.” These new findings challenge long-held assumptions about the timing and route of early human expansion out of Africa.

Using a technique called Optically Stimulated Luminescence (OSL) to date one of the sites in Oman, researchers have determined that Nubian MSA toolmakers had entered Arabia by 106,000 years ago, if not earlier. This date is considerably older than geneticists have put forth for the modern human exodus from Africa, who estimate the dispersal of our species occurred between 70,000 and 40,000 years ago. Even more surprising, all of the Nubian MSA sites were found far inland, contrary to the currently accepted theory that envisions early human groups moving along the coast of southern Arabia. “Here we have an example of the disconnect between theoretical models versus real evidence on the ground,” says co-author Professor Emeritus Anthony Marks of Southern Methodist University. “The coastal expansion hypothesis looks reasonable on paper, but there is simply no archaeological evidence to back it up.

Genetics predict an expansion out of Africa after 70,000 thousand years ago, yet we’ve seen three separate discoveries published this year with evidence for humans in Arabia thousands, if not tens of thousands of years prior to this date.” The presence of Nubian MSA sites in Oman corresponds to a wet period in Arabia’s climatic history, when copious rains fell across the peninsula and transformed its barren deserts to sprawling grasslands. “For a while,” remarks Rose, “South Arabia became a verdant paradise rich in resources — large game, plentiful freshwater, and high-quality flint with which to make stone tools.” Far from innovative fishermen, it seems that early humans spreading from Africa into Arabia were opportunistic hunters traveling along river networks like highways. Whether or not these pioneers were able to survive in Arabia during the hyperarid conditions of the Last Ice Age is another matter — a mystery that will require archaeologists to continue combing the deserts of southern Arabia, hot on the trail of stone breadcrumbs.

The Dhofar Archaeological Project is conducted under the auspices of the Ministry of Heritage and Culture in Oman. The team is composed of an interdisciplinary group of researchers from the University of Birmingham and Oxford Brookes University, UK; Arizona State University and Southern Methodist University, USA; Institute of Archaeology, National Academy of Sciences, Ukraine; Institute of Archaeology of the Academy of Science, Czech Republic; University of Tübingen, Germany, and the University of Wollongong, Australia. The project is funded by research grants from the UK Arts and Humanities Research Council and the Australian Research Council.

في سلطنة عمان عثر على مواقع أثرية تدل على أن أناسا يملكون أدوات حجرية شبيهة بالأدوات المستخدمة في وادي النيل كانوا قد هاجروا إلى الجزيرة العربية قبل أكثر من 100,000 عام. هذه المواقع تقع في جبال ظفار، وهذا لا يتناسب مع فكرة أن المهاجرين الأوائل كانوا صيادي سمك (كما يفترض سيناريو الهجرة الساحلية الذي تروج له الدراسات الجينية).

الفترة الممتدة بين 130,000-80,000 عام قبل الوقت الحالي كانت ذات مناخ مطير (تسمى Abbassia Pluvial أو Eemian Interglacial). في هذه الفترة كان هناك تحسن في مناخ الجزيرة العربية والصحراء الكبرى في شمال أفريقيا، وهذا على ما يبدو هو السبب الذي سهل هجرة البشر إلى خارج أفريقيا.

هذا الكلام يتناقض مع طروحات باحثي الجينات. الهجرة التي يتحدث عنها باحثو الجينات حصلت قبل 70,000 عام تقريبا، أي بعد نهاية الفترة المطيرة. هم يعملون وفق نظرية تسمى “مضخة الصحراء الكبرى” Sahara pump theory. حسب هذه النظرية فإن جفاف الصحراء الكبرى بعد انتهاء الفترات المطيرة هو السبب الذي كان يدفع سكانها من البشر (والحيوانات) للهجرة إلى خارج أفريقيا.

ولكن هذه النظرية لا تتناسب مع طريق الهجرة كما ترسمه الدراسات الجينية. هناك شبه إجماع في الدراسات الجينية على أن المهاجرين الأوائل من أفريقيا (الذين كانوا يحملون العلامة Haplogroup CT) هاجروا عبر مضيق باب المندب إلى الساحل اليمني، ومن هناك هم استمروا في السير بمحاذاة الساحل اليمني والعماني إلى أن وصلوا إلى الزاوية التي تقع عندها مدينة صور العمانية، ومن هناك هم عبروا بحر العرب نحو ساحل الهند.

هذه الهجرة حصلت خلال فترة جافة من فترات العصر الجليدي الأخير (العصر الجليدي الأخير يسمى Pleistocene وهو انتهى في حدود 10,000 قبل الميلاد). في ذلك الوقت تضاريس العالم كانت تختلف عن التضاريس الحالية. انخفاض درجة الحرارة يؤدي إلى زيادة تراكم الجليد على سطح كوكب الأرض، خاصة في مناطق المرتفعات وفي المناطق التي تقع في شمال وجنوب الكرة الأرضية (أي عكس ما يحصل حاليا بسبب الاحتباس الحراري). زيادة تراكم الجليد على سطح الأرض تعني أن كمية المياه الموجودة في الغلاف الجوي ستصبح أقل، لأن الماء بدلا من أن يتبخر ويعود للغلاف الجوي أصبح محتجزا في أكوام الجليد. هذا يعني أن معدل تساقط المطر في أنحاء العالم سيقل، وبالتالي كمية المياه الموجودة في المحيطات والبحار ستقل. هذا يعني انخفاض منسوب المحيطات والبحار، وهو ما يؤدي إلى زيادة مساحة اليابسة على سطح الأرض وظهور مناطق كانت مغمورة تحت سطح الماء. أولى المناطق التي ستظهر في مثل هذه الحالة هي المناطق المرتفعة نسبيا التي تقع بالقرب من السواحل والتي تسمى الرفوف القارية continental shelves. ما يلي خريطة من ويكيبيديا توضح الرفوف القارية (باللون الأزرق الفاتح):

الدراسات التي أجريت في مضيق باب المندب أكدت أن هذا المضيق لا يمكن أن يجف أبدا مهما بلغ الجفاف على سطح الكرة الأرضية:

Certainly the data suggest that it would not have been possible to make the crossing without getting wet, even at lowest sea level. However, we might argue that it would have been relatively simple to make short crossings by simple rafting or by swimming, aided by warm sea temperatures and the increased buoyancy resulting from higher salinities.

Geoff Bailey (2009), The Red Sea, Coastal Landscapes, and Hominin Dispersals

عبور مضيق باب المندب كان يستلزم الركوب على أطواف أو السباحة لعدة كيلومترات. بما أن المسألة كانت صعبة فهذا يفسر قلة عدد المهاجرين إلى خارج أفريقيا. بعد عبور المضيق المفترض هو أن المهاجرين ساروا على الرف القاري في جنوب الجزيرة العربية. باحثو الجينات يفترضون أن هؤلاء المهاجرين كانوا يعتاشون من صيد السمك، لأن مناخ الجزيرة العربية في الفترة التي هاجروا فيها كان أشد جفافا مما هو عليه اليوم.

في تلك الفترة منطقة الخليج العربي كانت جافة أو شبه جافة. المنطقة التي تمتد من قرب صور في عمان وحتى كراتشي في باكستان (المغمورة الآن تحت بحر العرب) كانت جافة. الباحثون يفترضون أن المهاجرين عبروا على هذا الجسر نحو ساحل الهند، ومن هناك هم ساروا بمحاذاة الساحل الهندي إلى أن وصلوا إلى جنوب شرق آسيا.

هذه هي نظرية الهجرة الساحلية. ما يدعم هذه النظرية هو حساب عمر الطفرات الجينية، ولكن الأدلة الأثرية لا تدعمها.

بعض الباحثين يميزون بين أول هجرة بشرية إلى خارج أفريقيا وبين أول هجرة بشرية ناجحة إلى خارج أفريقيا. هم يقولون أن البشر ربما يكونون هاجروا إلى خارج أفريقيا أكثر من مرة، ولكن المهاجرين الأوائل انقرضوا ولم يتبق إلا المهاجرون الذين هاجروا قبل 70,000 عام. هذه النظرية هي التفسير الوحيد المطروح للتناقض بين نتائج الدراسات الجينية والأدلة الأثرية.

ما يدعم هذه النظرية هو أن المستحاثات المتأخرة التي عثر عليها في جبل الكرمل (التي تعود إلى 60,000 عام قبل الآن) هي ليست لبشر معاصرين ولكنها لإنسان النياندرثال Homo neanderthalensis. في العادة عندما تكتشف مستحاثات بشرية في موقع ما فالمفترض هو أن تكون المستحاثات الأقدم زمنيا هي الأقدم تشريحيا (تعبر عن بشر عتيقين archaic)، ولكن في جبل الكرمل هناك حالة معاكسة: المستحاثات الأقدم زمنيا (التي تعود لـ 100,000 عام قبل الآن) هي أحدث تشريحيا من المستحاثات المتأخرة زمنيا (التي تعود لـ 60,000 عام قبل الآن). هذا في رأي البعض دليل على أن الهجرة البشرية الأولى نحو فلسطين وجنوب غرب آسيا كانت فاشلة وأن النياندرثال سيطر في النهاية على تلك المنطقة. (بالنسبة لي شخصيا أنا لا أثق بأي شيء من هذا الكلام وأعتبر كل الطروحات مجرد وجهات نظر. كل شيء في علم الأنثروبولوجيا هو بصراحة مجرد وجهات نظر، والديل هو أنه لا توجد مستحاثة واحدة لا يوجد نزاع حول تصنيفها وتأريخها).

بعض الباحثين ربطوا بين انقراض المهاجرين الأوائل إلى خارج أفريقيا وبين ما يقال أنه انفجار بركاني هائل وقع في موقع بحيرة Toba في سومطرة قبل حوالي 73,000 ألف عام. هذا الانفجار هو أحد أكبر الانفجارات البركانية المعروفة، وأصحاب هذه النظرية يرون أنه تسبب في هلاك معظم البشر في ذلك الوقت بسبب المقذوفات التي أطلقها في الغلاف الجوي وأدت إلى تغيير مناخ العالم نحو البرد والجفاف. لو صحت هذه النظرية فهذا ربما يكون مجرد عامل واحد من عدة عوامل أدت إلى انقراض المهاجرين الأوائل (أنا لدي تفسير محتمل لانقراض تلك الأجيال الأولى سوف أذكره في وقت لاحق).

هل كانت هناك عودة باكرة إلى أفريقيا؟

هناك سؤال محير لا تقدم له الدراسات الجينية جوابا، وهو حول سبب هيمنة العلامة Haplogroup E على سكان قارة أفريقيا حاليا.

الدراسات الأولى حول العلامة Haplogroup E كانت تعتبر أن هذه العلامة هي فرع من العلامة Haplogroup D. في ذلك الوقت (قبل 15 عاما) كان تعريف العلامة Haplogroup D قائما على طفرة مميزة تسمى YAP. هذه الطفرة هي مميزة لأنها ليست طفرة في نيوكليوتيد واحد SNP (كغالبية الطفرات التي تستخدم في تعريف haplogroups) ولكنها طفرة من نوع الإدخال insertion. هذا النوع من الطفرات يحدث عندما يتم إدخال تسلسل جديد من النيوكليوتيدات إلى موقع ما في DNA عن طريق الخطأ (أثناء عملية النسخ والانقسام).

الطفرة YAP لا توجد سوى لدى الأشخاص الذين ينتمون إلى المجموعتين Haplogroup D و Haplogroup E. العجيب هو أن المجموعة Haplogroup D توجد اليوم في شرق وجنوب شرق آسيا ولكنها لا توجد في غرب آسيا ولا حتى في جنوب آسيا (الهند)، أما المجموعة Haplogroup E فهي تهيمن بشكل كبير في أفريقيا ولكنها لا توجد في شرق وجنوب شرق آسيا ولا في جنوب آسيا. هذا التوزع القطبي لحملة الطفرة YAP دفع مكتشفيها للتفكير في سيناريو الهجرة الباكرة. هم رأوا أن هذه الطفرة هي أقدم لدى المنتمين إلى Haplogroup D، وبالتالي هم افترضوا أن المجموعة Haplogroup E هي فرع من Haplogroup D وصل إلى أفريقيا بسبب هجرة عكسية من آسيا إلى أفريقيا حصلت قبل حوالي 30,000 عام.

لاحقا تم اكتشاف طفرة جديدة اسمها M174 توجد لدى المنتمين إلى Haplogroup D ولكن ليس لدى المنتمين إلى Haplogroup E. مكتشفو هذه الطفرة اعتبروا أن المجموعة Haplogroup E هي ليست فرعا من Haplogroup D ولكن المجموعتين تعودان إلى أصل مشترك صار يسمى Haplogroup DE. في السنوات الأخيرة حاول عدد من الباحثين أن يثبتوا أن الطفرة YAP ظهرت في أفريقيا وأن بعض حملتها هاجروا إلى آسيا وظهرت لديهم هناك الطفرة M174. بناء على هذه النظرية فإن الطفرة YAP ظهرت بعد وقت قصير من ظهور المجموعة Haplogroup CT في أفريقيا، وبالتالي من الممكن أن بعض المهاجرين الأوائل من أفريقيا إلى آسيا كانوا يحملون هذه الطفرة (كانوا ينتمون إلى Haplogroup DE)، وهؤلاء تحولوا لاحقا إلى المجموعة Haplogroup D، وأما إخوانهم الذين ظلوا في أفريقيا فأصبحوا Haplogroup E.

هذه النظرية هي مجرد وجهة نظر وليس أكثر، وأنا لدي الكثير من الملاحظات عليها سوف أسردها في وقت لاحق. هذه النظرية لم تحظ بتأييد عام لدى باحثي الجينات. كل ما يسوقه أصحاب هذه النظرية هو مجرد احتمالات وافتراضات غير أكيدة. أنا في البداية أعجبت بنظريتهم ولكنني لاحقا وجدت أن التوفيق بينها وبين المعطيات الأثرية هو أمر صعب. فكرة الهجرة العكسية من آسيا إلى أفريقيا هي فكرة جدية جدا وهناك أدلة عديدة تدعمها.

قصة Haplogroup E على الكروموسوم Y تشبه قصة Haplogroup M1 و Haplogroup N1 على الكرموسوم الميتوكوندري (الموروث من الأم). المجموعتان الميتوكوندريتان M1 وN1 توجدان في أقريقيا دون بقية فروع المجموعتين M وN. هناك جدل بين الباحثين حول تفسير توزع هاتين العلامتين. رأيي هو أن وجود هاتين العلامتين في أفريقيا يعود إلى هجرة عكسية حصلت ربما قبل حوالي 35,000 عام. هذه الهجرة العكسية كانت حدثا مفصليا في تاريخ أفريقيا وأنا في المستقبل سوف أتحدث عن آثارها.

المشكلة المرتبطة بمشكلة الهجرة العكسية إلى أفريقيا هي أننا لا نعلم الكثير عن سكان الشرق الأوسط في الفترة السابقة للفترة التي يفترض أن هذه الهجرة حصلت فيها. في السابق كانت الدراسات الجينية تقول أن قسما من أفراد المجموعة Haplogroup CT استقروا في الشرق الأوسط، ولكن الدراسات المتأخرة صارت تتجاهل الشرق الأوسط وتتحدث عن هجرة مباشرة لأفراد المجموعة Haplogroup CT نحو الهند ومن هناك إلى جنوب شرق آسيا.

سوف أكمل في المقال القادم.

الجينات والهجرات البشرية… معنى haplogroups

في الموضوع الأخير عن التصنيف المورفولوجي لللغات أشرت إلى موضوع العلامات الجينية التي تستخدم لتتبع الهجرات البشرية.

بما أنني أنوي الحديث مستقبلا عن مواضيع تتعلق بالهجرات البشرية فسوف أكتب الآن تعريفا سريعا بماهية العلامات الجينية التي أشرت إليها.

طبعا الإنسان ينشأ في الأساس من خلية cell تسمى البويضة المخصبة fertilized egg (تسمى أيضا zygote). هذه البويضة تحوي 23 زوجا من الكروموسومات chromosomes. الكروموسومات هي مكونة من DNA وRNA وبروتين. الـ DNA هو مكون من نيوكليوتيدات nucleotides. خريطة النيوكليوتيدات المكونة للـ DNA تختلف من إنسان لآخر ومن كائن حي لآخر، أي أنها تشبه بصمة الإصبع مميزة لكل إنسان ولكل كائن حي. خريطة النيوكليوتيدات تسمى الجينوم genome. كل كائن حي له جينوم يختلف عن الكائنات الأخرى، وهذا هو سر الاختلاف بين الكائنات الحية.

الجينوم يحوي أقساما تسمى جينات genes وأقساما أخرى تسمى noncoding DNA. الجينات تمثل 2% فقط من الجينوم البشري. عدد الجينات البشرية هو تقريبا 20 ألف. الجينات هي التي تصنع الاختلافات الظاهرة بين البشر.

الجينوم كما قلنا هو عبارة عن تسلسل أو خريطة للنيوكليوتيدات. الجينوم يختلف من إنسان لآخر بسبب اختلاف النيوكليوتيدات الموجودة في مواقع معينة من الجينوم. عندما يكون هناك اختلاف بين شخصين في النيوكليوتيد أو النيوكليوتيدات الموجودة في موقع معين من الجينوم يقال أن هذين الشخصين يمتلكان أليلين alleles مختلفين عند ذلك الموقع. الأليل إذن هو تسلسل من النيوكليوتيدات قابل للاختلاف بين شخص وآخر.

recombination

كما قلنا فإن الإنسان ينشأ من البيضة المخصبة التي تحوي 23 زوجا من الكروموسومات (أي 46 كروموسوم). نصف هذه الكروموسومات مصدره الأم، والنصف الآخر مصدره الأب.

لكي يتكون الإنسان لا بد للبيضة المخصبة أن تنقسم وتتكاثر، وبعد ذلك يجب على الخلايا الناتجة أن تنقسم وتتكاثر باستمرار لكي يستمر الإنسان في الحياة. الانقسام الخلوي يؤدي إلى ظاهرة تسمى recombination. معنى هذه الظاهرة باختصار هو ان الكروموسومات الأبوية (الكروموسومات الموروثة من الأب) تمتزج مع الكروموسومات الأموية (الكروموسومات الموروثة من الأم).

هذا الرسم من ويكيبيديا يوضح باختصار بعض الآليات التي يحصل بها الامتزاج:

على الرسم يظهر كروموسومان، واحد أموي باللون الأحمر وآخر أبوي باللون الأزرق. بعد الانقسام أصبح هناك أربعة كروموسومات، ولكن الألوان تدل على أن هناك اختلاطا قد حصل بين مكونات الكروموسومات الأبوية والأموية.

هذه الظاهرة تعني أن الكروموسومات الموروثة من الأم والأب لا تبقى على حالها. كل انقسام خلوي يؤدي إلى اختلاط وامتزاج في الجينات. لهذا السبب أشكال وخصائص البشر هي متنوعة جدا. لولا هذه الظاهرة لما كان هناك تنوع كبير في مظاهر البشر وخصائصهم.

ظاهرة الـ recombination تحصل في كل أزواج الكرموسومات ما عدا زوج واحد هو الزوج الذي يسمى “كروموسومات الجنس” (الذي يتألف من الكروموسوم الأموي X والكروموسوم الأبوي Y). هذا الزوج هو الذي يحدد الفرق بين الذكر والأنثى. لو كان هناك امتزاج في هذا الزوج لكان جميع البشر من المخنثين (الجنس المخنث هو خليط من الذكر والأنثى). لو كان جميع البشر مخنثين لما كان هناك تزاوج بين الذكور والإناث ولانهار كل نظام التناسل القائم على مبدأ الجنسين (الذي يسمى “التكاثر الجنسي” sexual reproduction تمييزا له عن التكاثر اللاجنسي asexual reproduction الذي يوجد عند بعض الكائنات التي لا يوجد فيها تمييز بين الذكور والإناث).

طبعا الجينات المسؤولة عن تحديد الفرق بين الذكر والأنثى هي قليلة وليست كثيرة (بضعة جينات)، وكل كروموسوم من كروموسومات الجنس يتسع لأكثر من ألف جين، بالتالي من الممكن نظريا أن يحدث الـ recombination في مناطق بعيدة عن المناطق التي توجد عليها الجينات المهمة. لماذا لا يحدث ذلك؟ الجواب هو أن “الانتخاب الطبيعي” قام بتجميع الجينات المفيدة للذكور على الكروموسوم Y حتى لو لم تكن هذه الجينات مرتبطة بالفرق الأساسي بين الذكر والأنثى (الذي يتعلق بالأعضاء الجنسية والهرمونات). بعض الجينات ربما لا تحول الأنثى إلى ذكر ولكنها رغم ذلك تفيد الذكر ولا تفيد الأنثى، والعكس صحيح.

الذكر يملك في كل خلية من خلاياه كروموسوما من النوع Y وآخر من النوع X. الكروموسوم Y هو دائما موروث من الأب (لأن الأم لا تملكه)، وبالتالي الكروموسوم X هو دائما موروث من الأم. طالما أن الامتزاج بين هذين الكروموسومين ممنوع فهذا يعني أن التسلسل النيوكليوتيدي الموجود على الكروموسوم Y لدى الابن هو نفس التسلسل الموجود لدى أبيه دونما تغيير.

الأنثى تملك كروموسومين اثنين من النوع X، واحد موروث من الأم وآخر من الأب. لا يوجد طريقة يمكن من خلالها التمييز بين الكروموسوم X الموروث من الأم و الكروموسوم X الموروث من الأب (إلا طبعا لو أجرينا تحليلا لكروموسومات الأب والأم وقارنا الكروموسومات الجنسية لديهما بكروموسومات الابنة).

الطفرات mutations

كل الكائنات الحية الموجودة حاليا هي متحدرة من أصل واحد. الباحثون يعتقدون أن هذا الأصل المشترك “عاش” قبل 3.5 مليار عام تقريبا.

طالما أن كل الكائنات الحية لها أصل واحد فكيف إذن ظهرت الاختلافات بين الكائنات؟

الجواب هو الطفرات mutations. الطفرات هي عبارة عن تغيرات عشوائية تصيب النيوكليوتيدات أثناء عملية الانقسام الخلوي. تراكم الطفرات عبر الزمن (عبر ملايين السنين) أدى إلى الاختلافات الهائلة المشاهدة بين الكائنات الحية.

إحدى الأمور الهامة التي تحسب لتشارلز داروين (الذي عاش في القرن 19) هي أنه تنبأ بأن عملية التطور evolution تتم وفق تغيرات عشوائية تصيب الكائنات الحية، وبعد حوالي 100 سنة تبين بالفعل أن الطفرات هي عشوائية.

الطبيعة وظروف النوع الحي هي التي تقرر ما إذا كان الطفرات التي أصابته هي مفيدة أم غير مفيدة (وهذا هو ما يسمى بالانتخاب الطبيعي natural selection). داروين أخطأ في نقطة وهي أنه ركز كثيرا على فكرة “صراع البقاء” واعتبر أن هذه القضية هي العامل الأساسي الذي يقرر ما إذا كانت الطفرات مفيدة أم غير مفيدة، ولكن لاحقا تبين للباحثين أن المناخ وظروف البيئة هي أهم بكثير من صراع البقاء. التطور يهدف في الأساس لجعل الكائنات الحية تتلائم مع المناخ والبيئة، وليس لجعلها أقوى من غيرها.

الطفرات هي متنوعة من حيث التأثير. بعض الطفرات تصيب الجينات، وهذه قد تؤدي إلى تغيرات مهمة في وظائف الجسم (في كثير من الأحيان تؤدي إلى الأمراض الوراثية والوفاة). هناك طفرات أخرى تصيب المناطق التي لا تحوي جينات (التي تسمى noncoding DNA). هذه الطفرات لا تترك في الأغلب أي تأثير ملحوظ على عمل الجسم.

الطفرات بدأت منذ بدأ تكاثر الكائنات الحية، أي أنها بدأت قبل مليارات السنين، ولكنها طبعا لم تظهر جميعها في نفس الوقت. هناك في الجينوم البشري طفرات قديمة جدا تعود إلى ما قبل ظهور الجنس البشري، وهناك طفرات أخرى أحدث.

الباحثون يستفيدون الآن من الطفرات الحديثة لدراسة أصول البشر وهجراتهم.

إحدى فوائد الطفرات الحديثة هي أنها تساعد في تحديد الأبوة والنسب.

لو فرضنا أن شخصا ظهرت لديه طفرة ما فهناك احتمالان، إما أن هذه الطفرة ستقضي عليه وتقطع نسله (إن كانت مؤذية)، أو أنها ستنتقل إلى أبنائه (إن كانت غير مؤذية). لو تتبعنا هذه الطفرة فيمكننا أن نعرف من هم أبناؤه.

الطفرات التي تستخدم في تحديد الأبوة هي عادة الطفرات التي توجد في أماكن غير مؤثرة من الجينوم (في noncoding DNA). الباحثون يبحثون عن مناطق في الجينوم تسمى short tandem repeats (اختصارا STRs). هذه المناطق هي عبارة عن تسلسل من النيوكليوتيدات (أليل allele) قد يصل طوله إلى مئات النيوكليوتيدات. اختصاصيو الجينات يدرسون عددا من هذه المناطق ويقارنونها بين شخصين أو عدة أشخاص. لو كانت نفس الألائل (جمع أليل) موجودة لدى جميع هؤلاء الأشخاص فهذا يعني أنهم أقرباء (يتحدرون من أصل واحد).

الطفرات التي توجد في STRs تصلح لتحديد الأبوة لأنها تظهر بسرعة نسبية مقارنة بأنواع أخرى من الطفرات، ولكن لو أردنا دراسة تاريخ البشر منذ عشرات آلاف السنين فاستخدام مثل هذا النوع من العلامات هو أمر غير عملي.

الباحثون يدرسون أنواعا أخرى من الطفرات لدراسة الأصول القديمة للبشر. هم في الغالب يدرسون طفرات من نوع يسمى singlenucleotide polymorphism (اختصارا SNP). هذا النوع من الطفرات هو عبارة عن تغير في نيوكليوتيد واحد فقط (ضمن منطقة من الجينوم لا تضم أي جين). هذا النوع من الطفرات هو أبطأ حدوثا من النوع السابق. الباحثون لا يدرسون طفرة واحدة فقط ولكنهم يدرسون مجموعة من الطفرات. إذا كانت نفس الألائل موجودة لدى عدد من الأشخاص فهذا يعني أنهم يتحدرون من أصل واحد.

الدراسات الجينية

أول من استخدم الدراسات الجينية لتحديد أصول البشر هو ربما الباحث الشهير CavalliSforza الذي اعتمد على دراسة زمر الدم. زمر الدم تحددها جينات موجودة على الكروموسومات الجسمية autosomal DNA (الكروموسومات الجسمية هي كل الكروموسومات ما عدا الكروموسومات الجنسية). مشكلة الكروموسومات الجسمية هي أنها تتعرض لـ recombination، أي أنها قابلة للامتزاج.

لاحقا ظهرت دراسات أفضل تعتمد على دراسة الكروموسوم الميتوكوندري mitochondrial DNA. هذا الكروموسوم يوجد داخل الميتوكوندريا التي هي إحدى مكونات الخلية. هذا الكروموسوم يورث من الأم حصرا، وهو لا يمتزج مع كروموسومات الأب. بالتالي دراسة الطفرات الموجودة على هذا الكروموسوم تساعد في تحديد النسب الأموي maternal lineage.

في ثمانينات القرن العشرين تمكن الباحثون من تحديد مجموعة من الطفرات على الكروموسوم الميتوكوندري يتشارك فيها جميع البشر الموجودين في العالم حاليا. هذا يعني أن هذه الطفرات هي موروثة من امرأة واحدة هي أم لجميع البشر الحاليين. الباحثون قدروا عمر هذه المجموعة من الطفرات بحوالي 170,000 عام، أي أن الأم المشتركة لجميع البشر عاشت قبل 170,000 عام تقريبا (هذا الرقم تقريبي جدا لأنه مبني على افتراضات نظرية حول معدل حدوث الطفرات).

لاحقا (ربما في تسعينات القرن العشرين) بدأت دراسة الطفرات على الكروموسوم Y. هذا الكروموسوم يورث من الأب فقط وهو لا يتعرض للامتزاج. الباحثون تمكنوا من تحديد مجموعة من الطفرات على هذا الكروموسوم يشترك فيها جميع الذكور الموجودين في العالم حاليا، ما يعني أنها موروثة من أب مشترك لجميع البشر. في السنوات الماضية كان يقال أن هذا الأب عاش قبل 140,000 عام تقريبا، ولكن مؤخرا تم الإعلان عن اكتشاف طفرات جديدة تدل على أن هذا الأب عاش في زمن أقدم من ذلك.

الأرقام التي يعلن عنها في الدراسات الجينية هي ليست بذات قيمة كبيرة لأن الطريقة التي تُحتسَب بها هذه الأرقام هي تخمينية وتقريبية جدا. من يريد أن يعرف تاريخ ظهور البشر فالأفضل له أن يقرأ في علم الآثار والمستحاثات (أقدم مستحاثة fossil يعتبر كثير من الباحثين أنها تعود للإنسان الحديث عثر عليها قرب نهر أومو في جنوب غرب أثيوبيا، وهي تعود إلى ما قبل 195,00 ألف سنة من الآن).

بعض الباحثين يطلقون مسمى “آدم الكروموسوم YYchromosomal Adam على الأب المشترك لجميع البشر المعاصرين، ومسمى “حواء الميتوكوندرية” Mitochondrial Eve على الأم المشتركة لجميع البشر المعاصرين. في القرن العشرين كان هناك صراع كبير في علم الأنثروبولوجيا بين من يعتقدون بوجود أصل أفريقي حديث لجميع البشر المعاصرين recent African origin of modern humans وبين من يعتقدون بنظرية الأصل المتعدد للبشر المعاصرين multiregional hypothesis. عندما قالت الدراسات الجينية أن “آدم” عاش قبل 140,000 عام احتفل الإعلام بذلك لأنه يدعم وجهة نظر الفريق الأول (وجهة نظر الفريق الثاني هي مكروهة إعلاميا لأنها تعتبر عنصرية).

معنى haplogroup

كلمة haplotype تعني “نوع فردي” (بمعنى “نوع فريد”). المقصود بـ haplotype هو مجموعة من الألائل (أي الطفرات) التي توجد على قطعة من الـ DNA لا تتعرض لـ recombination، أي أن هذه الألائل تنتقل سوية من الأب إلى الابن ولا تتعرض للامتزاج مع ألائل مصدرها الأم. بما أن الكروموسوم Y لا يتعرض لـ recombination من الأساس (إلا جزءا صغيرا منه لا يزيد عن 5%) فهذا يعني أن أية مجموعة من الألائل على هذا الكروموسوم هي haplotype.

كلمة haplogroup تعني “مجموعة فردية” (بمعنى “مجموعة فريدة”). المقصود بكلمة haplogroup هو مجموعة من الـ haplotypes التي تتشابه فيما بينها بسبب رجوعها إلى أصل مشترك. كلمة haplogroup هي مفهوم ذو طابع تصنيفي. لنفرض أن شخصا كان لديه haplotype معين وأنه قام بتوريث هذا الـ haplotype لأبنائه، وأبناؤه ورثوه لأبنائهم، وهكذا. مع مرور الزمن سوف تنشأ بعض التغيرات الطفيفة في هذا الـ haplotype. مثلا من الممكن إن فحصنا أحد أحفاد هذا الرجل أن نجد أن أحد الألائل المكونة للـ haplotype قد تغير لديه. طالما أن التغير طفيف فهو لن يمنعنا من معرفة علاقة النسب التي تربط بين هذا الرجل وبين بقية أقاربه. مفهوم الـ haplogroup يغطي التغيرات الطفيفة التي قد تنشأ في haplotype معين. الباحثون يقومون بتصنيف الـ haplotypes المتشابهة (ذات الأصل المشترك) ضمن مجموعات كبيرة ويطلقون على هذه المجموعات مسمى haplogroups. الهدف من ذلك هو تسهيل دراسة تاريخ البشر.

مفهوم الـ haplogroup يشبه مفهوم العائلة اللغوية language family في علم اللغويات. باحثو اللغات يصنفون اللغات المتشابهة ضمن “عائلات”، والهدف هو تسهيل دراسة لغات العالم. نفس الأمر يقوم به باحثو الجينات حيث أنهم يصنفون الـ haplotypes المتشابهة ضمن مجموعات كبيرة يطلقون عليها مسمى haplogroups، والهدف هو تسهيل دراسة أصول البشر.

ما يقوم به الباحثون هو أنهم يأخذون عينة من خلايا شخص (مثلا من بطانة الفم) ويستخلصون منها DNA، ثم يقومون بتكثير الـ DNA بطريقة تسمى polymerase chain reaction (اختصارا PCR). بعد ذلك يقومون بإجراء مجموعة من التحاليل أو الاختبارات للبحث عن الطفرات في مواقع محددة على الكروموسوم Y (أو الكروموسوم الميتوكوندري). بناء على الطفرات التي يجدونها فإنهم يقومون بتحديد الـ haplotype الذي يحمله الشخص، وبعد ذلك يقومون بتصنيف الـ haplotype ضمن haplogroup معين (وفي حال لم يتمكنوا من تصنيفه فإنهم ربما يعلنون عن haplogroup جديد، وهذا كثيرا ما يحصل في مثل هذه الدراسات).

تسمية المجموعات الجينية

الباحثون يسمون الـ haplogroups بأحرف الهجاء. مثلا Haplogroup A و Haplogroup B إلخ.

مثلما أن العائلات اللغوية تتفرع فإن الـ haplogroups تتفرع أيضا. الرابط التالي من ويكيبيديا يبين شجرة المجموعات الجينية:

http://en.wikipedia.org/wiki/Template:YDNA

هذه الشجرة بحاجة لتحديث. وفقا لهذه الشجرة فإن آدم أنجب عائلتين من العلامات الجينية، العائلة الأولى تسمى Haplogroup A1 (هذه العائلة هي التي يتحدر منها كل البشر المعاصرين تقريبا)، والعائلة الثانية تسمى Haplogroup A0 (هذه العائلة ينتمي لها بعض الأشخاص في غرب أفريقيا). في الآونة الأخيرة أُعلِن عن عائلتين جديدتين أقدم من هاتين العائلتين، الأولى سميت Haplogroup A0T (هذه العائلة تضم العائلتين سابقتي الذكر) والثانية سميت Haplogroup A00 (تضم بعض الأشخاص في غرب أفريقيا).

معظم الفروع الباكرة للشجرة الجينية تنحصر في أفريقيا. هذا ليس مفاجئا لأن علماء الأنثروبولوجيا كانوا يقولون منذ زمن بعيد أن البشر ظهروا في أفريقيا، ولكن العجيب هو أن الفروع التي يعلن عنها توجد في غرب أفريقيا وليس في شرقها. منطقة غرب أفريقيا هي منطقة غير مدروسة جيدا من الناحية الأثرية ولكن الباحثين تقليديا كانوا يقولون أن البشر المعاصرين وصلوا إلى هذه المنطقة في زمن متأخر (بعضهم قالوا أن البشر المعاصرين وصلوا إلى الصين قبل أن يصلوا إلى غرب أفريقيا). نتائج الدراسات الجينية توحي بأن آدم عاش في غرب أفريقيا وليس في شرقها. هذا يتعارض تماما مع المفاهيم التقليدية. في الحقيقة هناك أمور عديدة غامضة في نتائج الدراسات الجينية. أحد الأسباب هو أن هذه الدراسات ما تزال حديثة العهد، وهي في الغالب تتم على أعداد قليلة من البشر. لهذا السبب النتائج تكون في بعض الأحيان غير دقيقة أو مضللة. كثير من الأمور التي أعلنت عنها الدراسات في السابق تبين لاحقا أنها خاطئة.

مثلا العائلة التي تسمى Haplogroup R1b (والتي هي إحدى أهم العائلات في العالم) قيل في البداية أنها تعبر عن سكان غرب أوروبا في العصر الجليدي. حاليا الدراسات صارت تقول أن أصل هذه العائلة يعود إلى وسط آسيا أو غربها وأنها دخلت إلى غرب أوروبا في عصر البرونز، أي أن الكلام انقلب رأسا على عقب.

مثل هذه الأمور تحدث كثيرا، وما يفاقم المشاكل أكثر هو أن بعض الناس يسيئون فهم موضوع العلامات الجينية ويحاولون أن يربطوا العلامات بلغات أو أعراق أو شعوب معينة. موضوع العلامات الجينية تحول لدى بعض الناس إلى مجال جديد للتخريف والشعوذة.

تسميات العائلات الجينية تتغير باستمرار مع ظهور اكتشافات جديدة. مثلا العائلة المسماة Haplogroup T كانت تسمى قبل بضعة سنوات باسم Haplogroup K2. لهذا السبب المفروض هو أن يتم ذكر اسم طفرة مميزة للعائلة لتفادي اللبس. مثلا اسم العائلة Haplogroup T يجب أن يكتب هكذا Haplogroup TM184 (بإضافة اسم الطفرة M184).

الباحثون يسمون فروع العائلات بأرقام. مثلا العائلة Haplogroup R لها فرعان، الأول هو Haplogroup R1 والثاني هو Haplogroup R2. إذا كان اسم العائلة ينتهي برقم فإن أسماء الفروع تكون بأحرف صغيرة، مثلا العائلة Haplogroup R1 لها فرعان، الأول هو Haplogroup R1a والثاني هو Haplogroup R1b. العائلة Haplogroup R1a تتفرع إلى Haplogroup R1a1 و Haplogroup R1a2 إلخ.

أحدث التسميات والطفرات هي موجودة على هذا الموقع:

http://www.isogg.org/tree/index.html