كيف يجعل الجهل والتعصب الديني منك أضحوكة… وعن العشائر في سورية ومحافظة حلب

هذا المقال المأساوي نشر في وسيلة إعلامية هي ربما الأهم في مدينة حلب حاليا.

إقرأ المزيد

Advertisements

تطور الإنسان (8)

العقل الفيزيائي

في المقال الأخير تحدثت عن المذهب الفلسفي الثنائي dualism وتحدثت عن مذهب “ثنائية الخصائص” property dualism الذي يتبناه الثنائيون المعاصرون. أتباع هذا المذهب يقولون أننا لا نفهم المكونات الحقيقية للعقل (بمعنى الوعي) وأن كل فهمنا ينحصر في مكونات المستوى الأدنى.

في مقابل هذه النظرة هناك النظرة الأحادية المادية أو الأحادية الفيزيائية physicalist monism التي يتبناها غالبية الباحثين والفلاسفة في العالم الغربي. هذه النظرة ترى أن الدماغ الفيزيائي هو الشيء الوحيد الحقيقي وأما الحديث عن عقل غير فيزيائي (سواء كان روحيا أم “ماديا منبثقا” emergent) فهو حديث مرفوض.

رغم أن النظرة الأحادية الفيزيائية هي النظرة الغالبة إلا أن هناك خلافا حول التفاصيل. الخلاف يتعلق بطبيعة “الحالات العقلية” mental states وعلاقة هذه الحالات بالحالات الفيزيائية physical states.

المقصود بالحالة العقلية هو جميع الأفكار الموجودة في العقل خلال لحظة معينة. لو اعتبرنا أن العقل هو فيلم سينمائي فإن الحالة العقلية تعبر عن مشهد واحد من الفيلم (مثلا لنفرض أنني أفكر الآن في الخروج من البيت لتناول الطعام، وأنني أشعر بالجوع، وأنني أرى أمامي لوحة معلقة على الحائط، وأنني أسمع صوت التلفاز. مجموع هذه الأفكار وغيرها من الأفكار التي توجد في عقلي هو حالتي العقلية خلال هذه اللحظة). المقصود بالحالة الفيزيائية هو مثلا حالة الدماغ الفيزيائية خلال لحظة معينة (كيفية توزع الإشارات العصبية ونحو ذلك).

السلوكية

في النصف الأول من القرن العشرين لم تكن توجد معلومات كثيرة حول الدماغ البشري، ولهذا السبب غالبية الباحثين كانوا يتجاهلون موضوع العقل والوعي ويركزون على دراسة السلوك. هذا المذهب يسمى المدرسة السلوكية behaviorism.

بعض السلوكيين نفوا وجود الحالات العقلية واعتبروها مجرد أوهام. هذه المدرسة تسمى “السلوكية الجذرية” radical behaviorism وهي مرتبطة بالباحث الأميركي B. F. Skinner.

Skinner كان يرى أن سلوك الإنسان تحدده مبادئ المنعكسات (خاصة المبادئ التي تسمى operant conditioning). بالنسبة له الحالات العقلية هي مجرد تعابير لغوية يستخدمها الناس لوصف السلوك أو الميل نحو السلوك behavioral disposition. مثلا عندما يكون الإنسان على وشك أن يفعل شيئا أو يخطط لفعل شيء فإن الناس يقولون أنه “يريد” أن يفعل هذا الشيء، إذن مفهوم “الإرادة” هو ليس أكثر من وصف لغوي يعبر عن الميل نحو السلوك أو الاستعداد للقيام بالسلوك. لا توجد ظاهرة فيزيائية حقيقية اسمها “الإرادة”. ما ينطبق على الإرادة ينطبق على جميع الحالات والعمليات العقلية الأخرى.

وفقا لمنطق Skinner فإن العقل لا يمكن أن يكون هو سبب السلوك، لأن العقل هو شيء وهمي ليس له وجود فيزيائي. سبب السلوك البشري هو قوانين المنعكسات. بناء على ذلك الإنسان ليست له إرادة حرة free will حقيقية. الإرادة الحرة هي وهم. الإنسان في الحقيقة هو مسير وفق قوانين المنعكسات التي تحكم جميع الحيوانات.

الوظائفية والتماثلية

المذهب السلوكي (الذي يتجاهل العقل) انحسر في النصف الثاني من القرن العشرين بسبب تطور العلم وظهور اكتشافات واختراعات جديدة لها علاقة بالتفكير البشري.

أحد أهم الاختراعات في القرن العشرين هو الكومبيوتر. كثير من الباحثين والفلاسفة لاحظوا تشابها بين آلية عمل أجهزة الكومبيوتر وبين آلية عمل العقل البشري. هذه الملاحظة دفعت الكثيرين للافتراض بأن الدماغ البشري هو في المحصلة جهاز كومبيوتر من طبيعة معقدة.

السؤال المهم الذي برز آنذاك هو السؤال التالي: لو أن البشر تمكنوا من صناعة جهاز كومبيوتر معقد شبيه بالدماغ البشري فهل سيكون لهذا الجهاز عقل؟ كثيرون أجابوا على هذا السؤال بنعم.

المقارنة بين العقل البشري والكومبيوتر أدت إلى ظهور مدرسة فلسفية تسمى “الوظائفية” functionalism. هذه المدرسة ترى أن أي جهاز يؤدي نفس الوظائف التي يؤديها الدماغ البشري سوف تكون لديه حالات عقلية مماثلة للحالات العقلية البشرية.

المميز في هذه المدرسة هو أنها ساوت بين الحالات العقلية والوظائف الدماغية. هذا الطرح يختلف عن الطرح المنافس الذي يسمى نظرية التماثل identity theory أو الفيزيائية الإرجاعية reductive physicalism.

نظرية التماثل تقول أن الحالات العقلية هي عينها الحالات الدماغية:

الحالات العقلية = الحالات الدماغية

معنى هذا الكلام هو أن الأفكار التي تدور في عقل الإنسان هي نفسها الإشارات العصبية التي تتحرك في الدماغ.

نظرية التماثل لا تسمح بظهور الحالات العقلية البشرية لدى أجهزة الكومبيوتر، لأن أجهزة الكومبيوتر لا يمكنها أن تحوي نفس الحالات الدماغية البشرية. المعنى هو أن أجهزة الكومبيوتر لا يمكنها أن تحوي نفس التشكيلة من الإشارات والتشابكات العصبية التي توجد في الدماغ البشري، وطالما أن هذه الإشارات والتشابكات العصبية هي عينها الحالات العقلية فهذا يعني أن الحالات العقلية لا يمكن أن تكون في أي جهاز سوى الدماغ البشري.

نظرية التماثل هي متزمتة في تعريفها للحالات العقلية، وهذا ما دفع البعض لتخفيفها إلى نظرية سميت token identity theory. هذه النظرية ترى أن الحالة العقلية الواحدة تعادل أكثر من حالة فيزيائية، بمعنى أن الحالة العقلية هي في الحقيقة عبارة عن نوع type من الحالات الفيزيائية وليست حالة فيزيائية بعينها. هذه النظرية تسمح بظهور الحالات العقلية البشرية لدى أجهزة الكومبيوتر.

نظرية التماثل القديمة صارت تسمى type identity theory تمييزا لها عن النظرية المعدلة.

فهم الفرق بين النظرية الوظائفية functionalism ونظرية التماثل identity theory هو ليس أمرا سهلا بالنسبة لشخص مثلي غير متمرس في الفلسفة، ولكن ما فهمته هو أن النظرية الوظائفية تتعامل مع الحالات العقلية على أنها الوظائف التي يؤديها الدماغ أو الكومبيوتر، أي أن الحالات العقلية هي مفهوم نظري وليس ماديا. الحالات العقلية في منظور هذه المدرسة هي مثل برامج الكومبيوتر. لو أنك نظرت في جهاز الكومبيوتر أثناء عمله فإنك لن تستطيع أن تشاهد البرامج بعينيك—كل ما ستشاهده هو إشارات كهربائية تنتقل بين أجزاء الكومبيوتر. عدم رؤيتك للبرامج لا يعني أنها غير موجودة.

المحصلة هي أن المدرسة الوظائفية تعتبر العقل مفهوما غير مادي. هذا الموقف يشبه ظاهريا موقف السلوكيين الجذريين الذين نفوا وجود العقل واعتبروه مجرد أقاويل شعبية، ولكن في الحقيقة هناك فرق مهم بين النظرتين الوظائفية والسلوكية:

  • الوظائفيون لا ينفون أو يتجاهلون وجود العقل (وإن كانوا يعتبرونه مفهوما نظريا)
  • الوظائفيون يعطون العقل قوة سببية، بمعنى أن العقل في منظورهم هو سبب السلوك. هذا الموقف يختلف تماما عن موقف السلوكيين.

العقل في منظور الوظائفيين هو شيء نظري ولكنه رغم ذلك يؤثر سببيا في الدماغ المادي. أنصار نظرية التماثل رأوا مشكلة في هذا الكلام لأنه يشبه كلام الثنائيين من حيث أنه يفصل العقل عن الدماغ الفيزيائي.

نظرية التماثل ترى أن العقل هو عينه الدماغ الفيزيائي.

الثنائية المستترة

في الأعلى بينت الاختلاف بين السلوكيين والتماثليين والوظائفيين. رغم اختلافها في التفاصيل إلا أن جميع هذه المدارس تنتمي إلى الأحادية الفيزيائية physicalist monism.

في القرن العشرين كان هناك فلاسفة يصنفون أنفسهم على أنهم من الأحاديين الفيزيائيين، ولكنهم رغم ذلك كانوا يعارضون جميع المدارس سالفة الذكر. هؤلاء يصنفون تحت عنوان غريب هو “الفيزيائيون غير الإرجاعيون” non-reductive physicalists. المقصود بكلمة “غير إرجاعيين” non-reductive هو أنهم لا يعتقدون بإمكانية مساواة الحالات العقلية مع السلوك أو الحالات الفيزيائية للدماغ أو الوظائف العقلية. باختصار هم لا يعتقدون بإمكانية مساواة العقل مع أي شيء ندركه بحواسنا.

هؤلاء يقولون أن العقل مادي، ولكنهم لا يعلمون ما هو العقل بالضبط. ما يعلمونه فقط هو أن العقل ليس من الأشياء التي ندركها بحواسنا.

هؤلاء الأشخاص لا يملكون فكرا محددا ولكنهم يعارضون الأفكار المطروحة بناء على حجج بدت لي شبيهة بكلام الثنائيين. أنا أظن أن هؤلاء الناس هم في الحقيقة ثنائيون مستترون.

هؤلاء عارضوا النظرية الوظائفية معارضة شديدة وطرحوا عددا من الحجج لإثبات عدم صحتها. من هذه الحجج حجة سميت “دماغ الصين” China brain. هذه الحجة تقول ما يلي: لنفرض أن كل إنسان في الصين صار يتحرك على نحو مماثل للإشارات العصبية في الدماغ، بحيث أن الأمة الصينية صارت أشبه بدماغ كبير يلعب فيه البشر دور الإشارات العصبية لنقل المعلومات. هل ستكون الصين في مثل هذه الحالة واعية ولها عقل؟

هذه الحجة بدت لي سخيفة. الجواب وفق النظرية الوظائفية هو نعم. لو أن الصين تحولت إلى دماغ كبير فالمفترض وفق النظرية الوظائفية أن يكون للصين عقل. هذا الأمر ليس فيه أية غرابة إذا كنا نقبل منطق النظرية الوظائفية.

أنا لا أفهم ما هي قيمة هذه الحجة وما هو الهدف منها. هي لا تنفي شيئا ولا تطرح أي معلومة. هي أشبه بسؤال استغرابي.

هناك حجة أخرى سميت “الغرفة الصينية” Chinese room. هذه الحجة تقوم على المنطق الدائري circular reasoning. هذه الحجة تقول ما يلي: لنفرض أن هناك إنسانا لا يفهم أية كلمة صينية، ولكننا علمنا هذا الإنسان كيف يجيب على أي سؤال يطرح عليه باللغة الصينية (أي أنه يستطيع أن يرد باللغة الصينية على أي سؤال مطروح باللغة الصينية). هذا الشخص لا يفهم أية كلمة صينية ولكنه يعرف كيف يجمع الكلمات الصينية مع بعضها في جمل لكي يرد على أي سؤال. هل يمكننا أن نقول أن هذا الشخص يفهم اللغة الصينية؟ الجواب هو لا. إذن الكومبيوتر لا يفهم الكلام البشري حتى لو تمكن من الرد على أسئلة البشر والتحادث معهم. انتهت الحجة.

هذه الحجة (في رأيي) هي حجة ساقطة ومثال ممتاز على المنطق الدائري. الإنسان الموصوف في هذه الحجة هو إنسان خرافي لا يمكن أن يكون حقيقيا. لا يمكن لإنسان أن يكون قادرا على التحدث باللغة الصينية دون أن يفهم اللغة الصينية. هذا الطرح هو نفس النتيجة التي يريد أن يصل إليها صاحب الحجة، ولكنه وضعها ضمن الفرض.

صاحب هذه الحجة اسمه John Searle. هو لديه نظرية حول العقل تنص على ما يلي “الحالات العقلية لها سبب فيزيائي في الدماغ، ولكن الحالات العقلية تنتمي إلى مستوى أعلى higher-level من المستوى الفيزيائي”.

ما هو الفرق بين هذا الطرح وبين “ثنائية الخصائص”؟ لا يوجد فرق يذكر. في الحقيقة كل من ينتمون إلى التصنيف المسمى non-reductive physicalism يطرحون طروحات شبيهة بثنائية الخصائص. هم دائما يقولون أن العقل ينتمي إلى “مستوى أعلى” من المستوى الفيزيائي. هم يختلفون حول موضوع العلاقة السببية بين العقل وبين الدماغ. بعضهم يقولون أن العقل يؤثر سببيا في الدماغ (وبالتالي العقل هو سبب السلوك)، وبعضهم الآخر يرون أن العقل هو نتيجة لعمل الدماغ. النظرة الثانية تسمى “فوق الظواهرية” epiphenomenalism. أصحاب هذه النظرة يرون أن الحالات العقلية هي شيء مادي حقيقي، ولكنها من “مستوى أعلى” من المستوى الفيزيائي، وهي ليست سببا لعمل الدماغ ولكن عمل الدماغ هو سبب وجودها. العقل وفق هذه النظرة ليست له وظيفة.

المذهب فوق الظواهري يتفق مع المذهب السلوكي في أن العقل هو ليس سبب السلوك. نظرية التماثل والنظرية الوظائفية تريان أن العقل هو سبب السلوك.

الفكرة التي تقول أن العقل ينتمي لـ”مستوى أعلى” من المستوى الفيزيائي انتشرت بشكل كبير في العقود الأخيرة. لا أدري ما هو السبب، ولكن يبدو لي أن هذه الفكرة نابعة من العجز عن فهم الدماغ البشري. في العقود الأخيرة من القرن العشرين حصلت تطورات مهمة في دراسة الدماغ البشري (سميت “الثورة المعرفية” cognitive revolution)، ولكن رغم هذه التطورات والاكتشافات إلا أن الباحثين ما زالوا حتى الآن يجهلون آليات عمل الدماغ. هذا على ما يبدو خلق حالة من الإحباط دفعت بعض الناس نحو تبني الأفكار ذات الطابع الغيبي. البشر عندما يعجزون عن فهم شيء يلجؤون إلى التفسيرات الغيبية والخرافية.

رأيي الشخصي هو أن انتشار الأفكار المصنفة تحت عنوان “ثنائية الخصائص” property dualism و”الفيزيائية غير الإرجاعية” non-reductive physicalism يعود إلى الجهل والعجز عن فهم الدماغ البشري.

هل كل الوظائف العقلية حقيقية؟

في المقال الماضي أشرت إلى أن بعض الوظائف العقلية التي يتحدث عنها الفلاسفة والباحثون تبدو لي وظائف وهمية وغير حقيقية. أنا مثلا شككت في وجود الوظائف التي تسمى introspection و subjectivity.

السلوكيون المتشددون نفوا وجود الوظائف العقلية بالمطلق. أنا لا أؤيد هذا المذهب. هناك على ما أظن وظائف عقلية حقيقية يقوم بها الدماغ البشري، وهذه الوظائف هي سبب لجزء من السلوك البشري. أنا اقتنعت بكلام السلوكيين حول دور المنعكسات في السلوك البشري، ولكن من غير الواقعي أن ننسب كل السلوك البشري إلى المنعكسات. في رأيي أن السلوك البشري هو مركب من عنصرين اثنين: المنعكسات والوظائف العقلية. المنعكسات تعبر عن السلوك الغريزي البدائي (الغالب لدى الحيوانات)، وأما الوظائف العقلية فهي تعبر عن القدرة المعرفية cognition (التي تميز الحيوانات الذكية وعلى رأسها الإنسان).

هناك مدرسة فلسفية تسمى “المادية الإلغائية” eliminative materialism. هذه المدرسة ترى أن سبب عدم فهم الباحثين والفلاسفة لعمل الدماغ البشري يعود في قسم منه إلى وجود مفاهيم نظرية مغلوطة لدى هؤلاء الباحثين والفلاسفة. هذه المفاهيم المغلوطة لا تستند على أدلة ملموسة ولكنها تستند على “علم نفس شعبي” folk psychology. عندما نطلب من هؤلاء الباحثين والفلاسفة أن يثبتوا لنا حقيقة المفاهيم التي يتحدثون عنها فإنهم كثيرا ما يردون بعبارات من قبيل “المعرفة الفطرية” و”المعرفة البديهية”. المفاهيم المستندة على الفطرة والبديهة هي ليست دائما صحيحة، بل على العكس لو رجعنا إلى التاريخ فسنجد أن كثيرا من المفاهيم التي كانت “بديهية” في السابق لم تعد مقبولة في زمننا الحالي.

القدماء كانوا يعتقدون بالتنجيم، وكانوا يعتقدون بالعرافة (قراءة الكف والفنجان ونحو ذلك)، وكانوا يعتقدون بالسحر، وكانوا يعتقدون بالجن، وكانوا يعتقدون بالأرواح، وغير ذلك. هذه المفاهيم بالنسبة لهم كانت حقائق أكيدة، ولكن حاليا لا يوجد أي باحث علمي في الغرب يقبل هذه المفاهيم. هناك حاليا إجماع لدى الباحثين والفلاسفة الغربيين على أن هذه المفاهيم هي مفاهيم خرافية.

من الوارد جدا (بل من المرجح) أن بعض المفاهيم التي يتحدث عنها فلاسفة العقل حاليا هي أيضا مفاهيم خرافية، وهذا أحد الأسباب التي تجعل هؤلاء الفلاسفة يعجزون عن فهم الدماغ البشري.

بعض الباحثين يبحثون في الدماغ البشري عن مناطق تنفذ الوظائف التي يسمونها introspection و subjectivity، وعندما لا يجدون مناطق تنفذ هذه الوظائف فإنهم يفترضون أن هناك عقلا غير محسوس (من “مستوى أعلى”) ينفذ هذه الوظائف. الحل الأسهل في رأيي هو أن هذه الوظائف هي وظائف وهمية لا حقيقة لها.

أنا شعرت أن كثيرا من الوظائف العقلية التي يتحدث عنها الباحثون والفلاسفة هي مجرد أوهام. أنا مثلا أتساءل عما إذا كانت هناك وظيفة عقلية حقيقية تسمى “الإبداع” creativity. في رأيي أن الإبداع هو خليط من الخيال imagination والمعالجة المنطقية reasoning والذاكرة memory. الإبداع في رأيي هو ليس وظيفة عقلية حقيقية ولكنه حدث عقلي مركب من عدة وظائف عقلية. من الطبيعي ألا تكون هناك منطقة محددة في الدماغ مسؤولة عن الإبداع. طبعا كلمة الإبداع هي كلمة كبيرة للغاية ويمكن أن تشمل الإبداع اللغوي أو الفني أو الرياضي إلخ، وبالتالي من الممكن للمناطق الدماغية المسؤولة عن الكلام والإحساس وتحريك الجسم أن تتدخل أيضا في “الإبداع”. كلمة الإبداع هي كلمة عامة للغاية إلى درجة أنها بلا معنى إذا كنا نتحدث عن الدماغ.

كثير من الوظائف العقلية التي يتحدث عنها الفلاسفة هي على هذه الشاكلة. هي مجرد كلمات عامة مائعة مشوشة ليس لها معنى ملموس. الغريب هو أنهم يقحمون هذه الكلمات المائعة في موضوع دقيق كموضوع العقل البشري. العقل البشري هو في المحصلة جهاز كومبيوتر. كيف لنا أن نفهم شيئا دقيقا ومعقدا كجهاز الكومبيوتر إذا كنا نستخدم مصطلحات هلامية؟

أنا أظن أن معظم الوظائف العقلية التي ذكرها الفلاسفة يمكن اختزالها أو إرجاعها إلى عدد قليل من الوظائف. أنا تمكنت من إرجاع جميع الوظائف العقلية التي قرأتها إلى ست وظائف فقط:

  • إدراك المحسوسات perceptions
  • حفظ المعلومات في الذاكرة واسترجاعها memory
  • المعالجة المنطقية reasoning
  • اتخاذ القرارات decision-making
  • الخيال imagination
  • العواطف emotions

كل الوظائف العقلية التي مرت علي حتى الآن يمكن فهمها على أنها مركبة من هذه الوظائف الست. من الممكن حتى حذف بعض هذه الوظائف: مثلا أنا أتساءل عما إذا كانت هناك بالفعل وظيفة تسمى “اتخاذ القرارات”؟ من الممكن أن هذه الوظيفة هي مجرد فرع من وظيفة المعالجة المنطقية reasoning. هذا السؤال يتعلق بالجدل بين الفلاسفة حول وجود الإرادة الحرة free will. لو كانت هناك لدى الإنسان إرادة حرة فهو ربما يتخذ قرارات غير منطقية. أنا شخصيا أشعر بأن هذا الكلام هو غير صحيح. في رأيي أن الإنسان لا يمكنه أن يتخذ أي قرار لا يتوافق مع معالجته المنطقية. لو فرضنا أن عقل الإنسان يمكنه أن يتخذ قرارا يخالف المعالجة المنطقية فهذا يشبه القول بأن معالج الكومبيوتر يمكنه أن يجري عملية تخالف تعليمات البرنامج الذي ينفذه. هذا الكلام يبدو لي عبثيا.

الفلاسفة تحدثوا عن مفاهيم من قبيل “الإرادة” و”الرغبة” و”الأمل”، وهم كانوا يتوقعون أن يجدوا مناطق في الدماغ تنفذ هذه الوظائف. هم طبعا لن يجدوا هكذا مناطق. لو كان الدماغ يحوي منطقة خاصة بكل مصطلح من مصطلحات الفلاسفة فهذا يعني أن حجم الدماغ يجب أن يكون بحجم بناية.

مفهوم “الإرادة” هو على ما أظن ليس وظيفة عقلية حقيقية (كيف نبرمج جهاز كومبيوتر لكي ينفذ وظيفة “الإرادة”؟). التفسير الصحيح للإرادة هو ربما قريب من التفسير الذي ذكره السلوكيون (ميل سلوكي behavioral disposition). الإرادة هي شعور وليست وظيفة عقلية. الإنسان عندما “يريد” شيئا فإنه لا ينفذ وظيفة عقلية ولكنه يشعر بأنه عازم على تنفيذ سلوك معين. في رأيي أن آلية الإرادة هي كما يلي: عندما يتخذ الدماغ قرارا بتنفيذ سلوك معين فإن هذا يؤدي إلى تنشيط حس أو شعور معين في الدماغ، وهذا الشعور هو ما يسميه الناس “الإرادة”.

مفهوم “الأمل” هو ربما مزيج من الخيال والمعالجة المنطقية. الآلية قد تكون كما يلي: الدماغ يتخيل سلوكا معينا، المعالج يقرر أن هذا السلوك ضروري، ولكنه غير ممكن التنفيذ في الوقت الحالي، وبالتالي هو مؤجل إلى أن يتحقق شرط أو شروط معينة. وصول المعالج إلى هذه النتيجة يولد في الدماغ الشعور الذي يسميه الناس “الأمل”.

“الرغبة” هي شعور يظهر في الدماغ عندما يتخذ المعالج قرارا وسطيا بين قراري “الإرادة” و”الأمل”. على ما أظن فإن الفرق بين هذه الأحساسيس الثلاثة يتعلق بالشدة intensity. عندما يتخذ المعالج قرارا بالتنفيذ الأكيد فهذا يولد شعور الإرادة، وعندما يتخذ المعالج قرارا بالتنفيذ المشروط أو المؤجل فهذا يولد شعورا أضعف هو شعور الرغبة. شعور الأمل أو التمني يتولد عندما يكون قرار المعالج بالتنفيذ مرتبطا بشروط صعبة.

مفاهيم “المعرفة” والاعتقاد” و”التصديق” و”الشك” ونحو ذلك تنبع ربما من تصنيف المعالج للمعلومات حسب صحتها. من المحتمل جدا أن المعالج يقوم بتصنيف المعلومات الواردة إليه حسب مصداقيتها: بعض المعلومات تصنف على أنها موثوقة، والبعض الآخر يصنف على أنه أقل موثوقية، وهكذا. عندما يقرر المعالج أن معلومة معينة هي موثوقة فهذا يولد شعور “القناعة” أو “التصديق”، وعندما يقرر المعالج أن معلومة معينة هي غير موثوقة فهذا يولد شعور “الشك”، وهكذا. الفرق بين هذه الأحساسيس يتعلق بالشدة intensity وليس بالنوع quality.

الخلاصة التي أريد أن أقولها هي أن كثيرا من “الوظائف العقلية” هي ليست وظائف حقيقية ولكنها أحداث عقلية مركبة من عدة وظائف دماغية، وكثير من “الوظائف العقلية” هي في الحقيقة مجرد أحاسيس تتولد بسبب القرارات التي يتخذها المعالج الدماغي. كثير من هذه الأحاسيس هي متشابهة من حيث النوعية ولكنها تختلف من حيث الشدة.

لو قبلنا هذه الاستنتاجات فسيتبين لنا أن الدماغ هو أبسط بكثير مما يصوره الفلاسفة. الدماغ ببساطة هو عبارة عن كومبيوتر.

الدماغ البشري = كومبيوتر؟

الدماغ البشري هو شيء معقد ما كان يمكن للفلاسفة القدماء أن يفهموه (باستثناء David Hume الذي أشعر بأنه كان يفهم الدماغ البشري على نحو جيد نسبيا)، ولكن البشر المعاصرين يمكنهم أن يفهموا الدماغ البشري بشكل أفضل لو أنهم قارنوه مع أجهزة الكومبيوتر الموجودة حاليا.

في رأيي أن آليات عمل الدماغ (الذي هو نفسه العقل) تشبه آليات عمل الكومبيوتر من حيث المبدأ، وإن كانت أعقد.

أجهزة الكومبيوتر تتكون من الأجزاء الأساسية التالية:

  • أجهزة الإدخال input devices
  • أجهزة الإخراج output devices
  • المعالج CPU
  • الذاكرة memory

هذه الأجزاء تشبه مكونات الجهاز العصبي للإنسان. أجهزة الإدخال والإخراج في الكومبيوتر يقابلها في البشر الجهاز العصبي المحيطي peripheral nervous system. بالنسبة للمعالج والذاكرة فهما يوجدان لدى البشر ضمن الجهاز العصبي المركزي، وتحديدا في الدماغ.

المعالج في الدماغ البشري هو الجزء أو الأجزاء الدماغية التي تؤدي وظيفة المعالجة المنطقية reasoning (المعالجة المنطقية تشمل أيضا المعالجة الحسابية). قشرة الفص الجبهي frontal lobe لها دور أساسي في هذا الموضوع.

بالنسبة للذاكرة فهي في الكومبيوتر تنقسم إلى عدة أقسام: هناك ذاكرة دائمة وذاكرة مؤقتة (الذاكرة المؤقتة تسمى RAM). نفس الأمر يوجد في الدماغ البشري: هناك في الدماغ البشري ذاكرة دائمة تسمى “الذاكرة طويلة الأجل” long-term memory وذاكرة مؤقتة تسمى “الذاكرة قصيرة الأجل” short-term memory أو “ذاكرة العمل” working memory.

في رأيي أن ما يسميه الناس باسم “الوعي” يقع ضمن الذاكرة قصيرة الأجل أو ذاكرة العمل. ذاكرة العمل تخزن المعلومات لفترة قصيرة بهدف معالجتها منطقيا أو بهدف تحويلها إلى الذاكرة طويلة الأجل، أي أن دور هذه الذاكرة هو نفس دور ذاكرة الـ RAM في أجهزة الكومبيوتر. هذه الذاكرة هي أنسب مكان يمكن أن نضع فيه “الوعي”.

في أجهزة الكومبيوتر ذاكرة الـ RAM هي ذاكرة قصيرة الأجل وظيفتها تخزين البيانات مؤقتا بهدف معالجتها أو نقلها إلى الذاكرة الدائمة. عندما تأتي بيانات من خارج الكومبيوتر (مثلا من قرص خارجي أو من الإنترنت) فإنها تدخل أولا إلى ذاكرة الـ RAM وبعد ذلك تنتقل إلى المعالج CPU. المعالج يعالج البيانات ثم يعيدها مجددا إلى ذاكرة الـ RAM، وبعد ذلك تذهب البيانات إلى قرص التخزين الدائم أو يتم حذفها أو إخراجها من الكومبيوتر عبر أجهزة الإخراج إلخ. ذاكرة الـ RAM هي المكان الذي يتم فيه تنفيذ البرامج والتطبيقات التي يراها المستخدم على شاشة الكومبيوتر. ذاكرة الـ RAM هي مصدر كل الأشياء التي تظهر على شاشة الكومبيوتر.

المعالج يقوم بنقل بعض البيانات من ذاكرة الـ RAM إلى الشاشة، والشاشة تقوم بتحويل البيانات إلى صورة. هناك بيانات تظل مخفية في ذاكرة الـ RAM ولا يراها المستخدم على الشاشة. هذا يذكرني بالفرق بين “العقل الواعي” conscious و”العقل غير الواعي” unconscious. من الممكن أن “العقل غير الواعي” (أو قسم منه على الأقل) هو موجود في الذاكرة المؤقتة كالعقل الواعي.

أنا لدي تصور خاص حول الآلية التي يشعر بها الإنسان بالفرق بين العقل الواعي والعقل غير الواعي. هذا التصور هو مجرد فكرة خطرت لي وليس نظرية علمية.

بعض الناس قد يتصورون أن العقل الواعي له مكان في الدماغ يختلف عن مكان العقل غير الواعي. أنا أظن أن هذا غير صحيح. العقل الواعي وغير الواعي كلاهما يوجدان في مكان واحد هو الذاكرة المؤقتة (التي توجد في مناطق عديدة من المخ وليس في مكان واحد). في رأيي أن الفرق بين العقل الواعي والعقل غير الواعي ربما يتعلق بالشدة intensity. الأفكار التي تستهلك قدرا كبيرا من طاقة المعالج الدماغي تظهر في الوعي، والأفكار التي تستهلك قدرا ضئيلا من طاقة المعالج الدماغي لا تظهر في الوعي.

سوف أضرب مثلا. لنفرض أنني دخلت إلى غرفة فيها 5 أشخاص. كل شخص من هؤلاء يتحدث ويروي قصة. لو أن أصواتهم جميعا لها نفس الشدة فإنني لن أفهم الكثير مما يقولونه، ولكن لو فرضنا أن شخصا واحدا يتحدث بصوت مرتفع وبقية الأشخاص يتحدثون بصوت منخفض فإنني سوف أفهم قسما كبيرا من الكلام الذي يقوله الشخص ذو الصوت المرتفع.

لو طبقنا فكرة هذا المثال على الدماغ فيمكننا أن نتخيل نظرية تشرح الفرق بين العقل الواعي والعقل غير الواعي. الأفكار الموجودة في العقل الواعي هي ربما الأفكار “الصاخبة” التي تستهلك قدرا كبيرا من طاقة المعالج.

لو فرضنا أن الفرق بين العقلين الواعي وغير الواعي يتعلق بالشدة فهذا يعني أن وصول بعض أفكار العقل غير الواعي إلى العقل الواعي هو ليس أمرا مستحيلا. لنعد إلى المثال الذي ذكرته. عندما كنت في الغرفة التي فيها 5 أشخاص أنا سمعت في المقام الأول الشخص ذا الصوت العالي، ولكنني رغم ذلك سمعت بضعة كلمات من الأشخاص ذوي الأصوات المنخفضة. لنفرض مثلا أن 97% من الكلام الذي سمعته هو من الشخص ذي الصوت العالي، ولكنني سمعت أيضا 3% من الأشخاص ذوي الأصوات المنخفضة.

فرويد رأى أن مكونات العقل غير الواعي تتسرب أحيانا إلى العقل الواعي وتؤدي إلى ظواهر من قبيل “زلات اللسان”. ما هو تفسير هذا التسرب؟ من الممكن أن التسرب يحدث وفق الآلية التي ذكرتها في المثال. من الممكن أن بعض “الأصوات المنخفضة” تصل إلى العقل الواعي وتؤدي إلى ظواهر من قبيل زلات اللسان.

عندما ينام الإنسان فإن نشاط المعالج الدماغي ينخفض. في هذا الوقت لن تكون هناك “أفكار صاخبة” في الدماغ، وبالتالي لن يكون هناك “عقل واعي”. في مثل هذه الحالة سوف يسهل الاختلاط بين مكونات العقل الواعي والعقل غير الواعي. هذا قد يكون تفسير ظاهرة الأحلام. الإنسان يرى في أحلامه أفكارا حديثة وصلت إلى دماغه قبل أن ينام، ولكنه يرى أيضا أفكارا قديمة وأفكارا مكبوتة في العقل غير الواعي.

عندما نطفئ جهاز الكومبيوتر فإن محتويات ذاكرة الـ RAM تتلاشى وتختفي، وهذا هو نفس ما يحدث عندما يفقد الإنسان وعيه. فقدان الوعي هو باختصار إطفاء الذاكرة المؤقتة في الدماغ.

العواطف

في الدماغ البشري هناك ميزة يرى الكثيرون أنها لا توجد في أجهزة الكومبيوتر هي العواطف. الباحثون تقليديا ينظرون للعواطف نظرة دونية ويميزون بينها وبين وظائف الدماغ “العليا” (التي يقصدون بها أساسا ما أطلقت عليه مسمى “المعالجة المنطقية” reasoning). العواطف هي جزء أساسي من آلية التفكير البشري، ولكن ذنبها الوحيد هو أنها بدائية (ذات طابع انعكاسي أو غرائزي)، وهي يمكن أن تكون قوية أحيانا وأن تفرض نفسها على “الوظائف العليا”. العواطف أو الغرائز هي طبعا موجودة لدى كل الحيوانات، وأما المعالجة المنطقية فهي في الأساس ميزة للحيوانات الذكية (كالرئيسيات والدلافين والفيلة). المعالجة المنطقية لدى الإنسان هي قوية ويمكنها في كثير من الأحيان أن تكبح العواطف. حسب نظرية فرويد في التحليل النفسي فإن نشوء العقل غير الواعي لدى الإنسان سببه قدرة الإنسان على كبح عواطفه وغرائزه. إذن هناك ارتباط بين نشوء العقل غير الواعي وازدياد قوة المعالجة المنطقية. هذا يتوافق مع مفهومي للعقل الواعي والعقل غير الواعي. بما أن المعالج الدماغي لدى الإنسان قوي فهذا يسهل “التشويش” على الغرائز وإخراجها من الوعي.

لنأخذ الكلب كمثال. الكلب لديه غرائز كالإنسان، ولكن معالجه الدماغي ضعيف. طالما أن معالجه ضعيف فهو لا يستطيع أن “يشوش” على غرائزه، وبالتالي هذه الغرائز “ترنّ” في وعيه بقوة وتجبره على أن يستجيب لها.

موضوع العواطف البشرية هو موضوع معقد لأن هذه العواطف ليست مثل بعضها ولكنها مصنفة ضمن طبقات. هناك عواطف بدائية أصيلة (مثلا الخوف والجوع والكره). العواطف البدائية هي أشبه بالمنعكسات ويمكننا أن نشبهها بتطبيقات الكومبيوتر التي تتنشط في الأحوال الطارئة أو الخطيرة (مثلا عندما توشك بطارية الكومبيوتر المحمول على النفاد يظهر تحذير على الشاشة يطالب المستخدم بالبحث عن مصدر بديل للطاقة. هذا المثال يشبه الشعور بالجوع الذي يظهر في وعي الإنسان عندما يكون هناك نقص في الغذاء). عند الإنسان توجد أيضا عواطف مكبوحة (مثلا الشعور بالحب أو الإعجاب). تفسير العواطف المكبوحة هو معقد بعض الشيء، لأن هذه العواطف ليست بدائية ولكنها نشأت عند الإنسان لأسباب تطورية معقدة. مثلا عاطفة الحب حسب التحليل النفسي نشأت في الأصل بسبب كبح عاطفتي الكره والخوف. الدماغ البشري يكبح هاتين العاطفتين عندما يشعر أن التعبير عنهما لا يفيد مصلحة الإنسان.

كيف يكبح الإنسان عاطفتي الكره والخوف ويحولهما إلى حب؟ أنا في حياتي لم أقرأ أي تفسير فيزيولوجي لهذه العملية، ولكنني أستطيع أن أتخيل تفسيرا يتوافق مع نظريتي حول العقل الواعي والعقل غير الواعي.

الكبح في مفهومي يعني “التشويش”. المعالج الدماغي يكبح فكرة معينة عبر التشويش عليها بأفكار أخرى. عاطفة الحب هي قوية للغاية، وبالتالي التشويش عليها يتطلب جهدا كبيرا من المعالج. هذا هو ما يحدث في الواقع. الحب عمليا هو شكل من أشكال الوسواس القهري obsessive-compulsion. معنى الوسواس القهري هو أن الدماغ يكرر فكرة معينة باستمرار دون هدف معين.

لنفرض مثلا أن رجلا رأى امرأة وأنه أحبها. حسب فرويد فإن الشعور الحقيقي الذي انتابه عندما رأى المرأة هو الخوف والكره، ولكنه لا يستطيع أن يعبر عن هذا الشعور لأكثر من سبب (أحد الأسباب على ما أذكر هو عقدة أوديب). المعالج في دماغه يريد أن يشوش على شعوره الحقيقي وأن يخفيه من وعيه، ولهذا السبب هو يلهيه ببعض الأفكار القوية التي تظل تدور في رأسه باستمرار ولا تفارق وعيه (هذه الأفكار تتعلق في الغالب بالمرأة التي أحبها).

موضوع العواطف هو إذن موضوع معقد، ولكنها في المبدأ مجرد منعكسات قوية تشبه برامج الكومبيوتر التي تتعلق بالأمور الخطيرة (من قبيل نفاد طاقة البطارية أو اكتشاف فيروس في الجهاز ونحو ذلك).

لغة برمجة في العقل؟

أجهزة الكومبيوتر تستقبل وتخرج البيانات بأشكال عديدة (صور، أصوات، كتابة، إلخ)، ولكن في ذاكرة الـ RAM كل البيانات تتحول إلى شكل واحد هو لغة البرمجة التي يعمل على أساسها برنامج التشغيل operating system.

هذا دفع الباحثين للتساؤل عما إذا كانت هناك لغة برمجة تستخدم داخل العقل، وما هي طبيعة هذه اللغة؟

Noam Chomsky هو ربما من أوائل من طرحوا فكرة وجود لغة باطنية في العقل تختلف عن اللغة الظاهرية التي يستخدمها البشر فيما بينهم. Chomsky صاغ نظرية لغوية تسمى “القواعد اللغوية التحويلية التوليدية” transformational-generative grammar. حسب هذه النظرية فإن اللغة البشرية لها شكلان: شكل باطني deep structure يوجد في العقل، وشكل ظاهري أو سطحي surface structure هو الشكل الذي يخرج من فم الإنسان. التحويل بين الشكلين الظاهري والباطني يتم وفق قواعد تسمى “القواعد التحويلية” transformational rules.

Chomsky تخلى لاحقا عن هذه النظرية وتبنى غيرها، ولكن هذا لا يقلل من قيمتها. Chomsky هو معروف في أميركا والغرب بأنه يميل للطروحات النظرية أكثر من الطروحات المبنية على التجارب الملموسة. لهذا السبب هو كثيرا ما يقلب رأيه دونما سبب سوى تقلب مزاجه الشخصي. هو أيضا لا يهتم كثيرا بنتائج التجارب والدراسات العلمية بل يسعى أحيانا للتشكيك فيها والتقليل من شأنها. هذا النمط غير التجريبي في التفكير يتوافق أيضا مع آراء Chomsky السياسية (هو ما زال يروج للشيوعية والاشتراكية ونحو ذلك من الأفكار البالية).

هناك ظواهر تدعم فكرة وجود لغة باطنية في العقل تختلف عن اللغة المحكية. من هذه الظواهر مثلا الظاهرة المسماة بالمعرفة الصامتة tacit knowledge. في بعض الأحيان الإنسان لا يستطيع أن يجيب عن سؤال ليس بسبب عدم معرفته للجواب ولكن لأنه لا يستطيع أن “يعبر” عن الجواب باللغة المحكية. هذه الظاهرة ربما تعبر عن صعوبة يواجهها بعض الناس في ترجمة اللغة الباطنية العقلية إلى اللغة الظاهرية المحكية.

طبيعة اللغة الباطنية هي محل جدل، ولكنها على الأغلب مكونة من رموز من نوع ما. كثير من الباحثين يطلقون على رموز اللغة العقلية مسمى “الرموز العقلية” mental representations. أي شيء يدخل إلى العقل البشري (سوء كان صورة أم كتابة أم صوتا إلخ) يتم تحويله إلى رموز عقلية.

بعض الناس قالوا أن اللغة العقلية هي نفسها اللغة المحكية، بدليل أن الناس “يفكرون” باللغة المحكية. هذا الكلام على ما أظن هو مجرد وهم. اللغة المحكية التي يسمعها الإنسان في عقله لا تمثل سوى جزءا ضئيلا مما يدور في الدماغ أو في الذاكرة المؤقتة. أنا لا أدري ما هو سبب وجود هذه الأفكار باللغة المحكية داخل العقل، ولكنني أظن أن مصدر هذه الأفكار قد يكون نفس المنطقة المسؤولة عن ترجمة اللغة العقلية إلى اللغة المحكية (التي هي ربما منطقة بروكا Broca’s area). على ما يبدو فإن منطقة الترجمة لا تهدأ أبدا وهي تستمر في الترجمة حتى عندما يكون الإنسان صامتا ولا يتكلم. لهذا السبب الإنسان يسمع الترجمة في عقله. ولكن هذه الترجمة التي يسمعها الإنسان في عقله الواعي لا تعبر عن كل ما يدور في الدماغ.

طبعا الإنسان يستطيع أن يتحكم إراديا بمنطقة الترجمة، وهو يستطيع إسكات هذه المنطقة لو أراد ذلك، ولكن على ما يبدو فإن الإنسان تعود على تنشيط هذه المنطقة (بسبب كثرة كلامه أثناء الحياة اليومية) ولهذا السبب هو يستمر في تنشيطها واستخدامها حتى عندما يكون صامتا.

كيف يتذكر الإنسان؟

عندما يرى الإنسان صورة ما فإن الصورة تنتقل عبر العينين والجهاز العصبي المحيطي إلى قشرة المخ لكي يتم تحليلها ومعالجتها (يتم تحويلها إلى أشكال وألوان إلخ)، وبعد ذلك يتم إرسال النتيجة إلى الذاكرة المؤقتة. في هذه اللحظة يقول الإنسان أنه “رأى” الصورة (التعبير الصحيح ربما هو “وعاها”). لاحقا الصورة سوف تزول من الذاكرة المؤقتة وتذهب إلى أحد مكانين: إما أن تذهب إلى الذاكرة الدائمة (وهذا يعني أن الإنسان سوف يكون قادرا على “تذكرها” أو إعادتها إلى وعيه في وقت لاحق)، أو أنها ستتلاشى وتزول (وهذا يعني أن الإنسان سوف “ينساها” نهائيا ولن يكون قادرا على إعادتها إلى وعيه).

عندما يريد الإنسان أن يتذكر الصورة فإن المعالج في دماغه ينقلها من الذاكرة الدائمة إلى الذاكرة المؤقتة. عندما تصل الصورة إلى الذاكرة المؤقتة يقول الإنسان أنه “تذكر” الصورة. لو فشل الدماغ في إيصال الصورة إلى الذاكرة المؤقتة لسبب ما فإن الإنسان سيقول أنه حاول تذكرها ولكنه فشل في ذلك (ربما لأنها فقدت من الذاكرة الدائمة لقدمها).

هل هناك “شاشة عرض” داخل الدماغ؟

المؤلف Daniel Dennet ألف في عام 1991 كتابا أسماه Consciousness Explained (تفسير الوعي). في هذا الكتاب هو انتقد بشدة مفهوما أسماه “المادية الديكارتية” Cartesian materialism. المقصود بالمادية الديكارتية هو الاعتقاد بأن هناك مكانا معينا في الدماغ تجتمع فيه جميع المعلومات التي تظهر في “الوعي”. حسب Dennet فإن الدماغ البشري لا يحوي “مسرحا” أو “شاشة عرض” على نمط الشاشة التي يراقبها الإنسان الصغير في هذه الصورة:

في رأي Dennet أن معلومات الوعي هي متوزعة في جميع أنحاء الدماغ ولا يوجد مكان معين تترابط فيه هذه المعلومات مع بعضها لكي تظهر في الوعي.

Dennet بنى كلامه على نتائج الدراسات التي أجريت على الدماغ البشري وبينت أن الدماغ لا يحوي منطقة معينة خاصة بالوعي، ولكن غياب منطقة خاصة بالوعي لا يدعم بالضرورة المزاعم التي يطرحها. من الوارد أن هناك آلية معينة (وليس مكانا) يتم من خلالها الربط بين المعلومات التي تظهر في الوعي. هذه الآلية في رأيي قد تكون نفس آلية الذاكرة المؤقتة (التي هي منتشرة في أنحاء عديدة من الدماغ وليس لها مكان محدد). أنا لا أدري ما هي طبيعة الذاكرة المؤقتة في الدماغ البشري ولا أدري إن كانت هذه الذاكرة هي عبارة عن وحدة متكاملة أم أنها مجرد مناطق متفرقة وغير مرتبطة ببعضها، ولكن المقارنة مع الكومبيوتر توحي بوجود آلية تربط بين المواقع المختلفة للذاكرة المؤقتة. من الممكن أن المعالج هو الذي يربط بين المواقع المختلفة للذاكرة المؤقتة.

الإنسان الصغير هو إحساس وليس وظيفة عقلية

الكلام الذي سأقوله الآن هو تكرار لما ذكرته في مقال سابق ولكن مع بعض التطوير.

في رأيي أن الوظائف المسماة introspection و subjectivity هي ليست وظائف عقلية حقيقية ولكنها مجرد أحاسيس.

في المقال السابق أنا ربطت بين هذه الأحاسيس وبين خاصية إدراك الذات وإدراك الذوات الأخرى، ولكن الأفضل ربما هو أن نربط بين هذه الأحاسيس وبين وظيفة المعالج الدماغي في إدارة الذاكرة المؤقتة.

من الممكن أن شعور introspection يتولد عندما يقوم المعالج الدماغي بنقل أو معالجة البيانات الموجودة في الذاكرة المؤقتة.

شعور subjectivity يتولد عندما ينقل المعالج المدركات الحسية perceptions إلى الذاكرة المؤقتة.

والله أعلم،

تطور الإنسان (7)

في المقال الأخير تحدثت عن الطفرة الثقافية التي حصلت مع بداية العصر الباليوليثي الأعلى قبل حوالي 50,000 عام، وذكرت اختلاف الباحثين حول تفسير هذه الطفرة.

بعض الباحثين أطلقوا على هذه الطفرة مسمى “ثورة العصر الباليوليثي الأعلى” Upper Paleolithic Revolution، وبعضهم سموها “القفزة الكبيرة للأمام” Great Leap Forward.

بسبب هذه الطفرة فإن بعض الباحثين صاروا يميزون بين صنفين من الإنسان الحكيم الحديث:

  • الإنسان الحكيم الحديث تشريحيا anatomically modern Homo sapiens
  • الإنسان الحكيم الحديث سلوكيا behaviorally modern Homo sapiens

“الإنسان الحكيم الحديث تشريحيا” ظهر قبل حوالي 200,000 عام، و”الإنسان الحكيم الحديث سلوكيا” (الذي هو نفسه الإنسان المعاصر) ظهر قبل حوالي 50,000 عام. من الناحية التشريحية (الشكلية) لا يوجد فرق مهم بين الصنفين. الفرق هو فقط “سلوكي”. طبعا هذا التفريق بين الحداثة التشريحية و”الحداثة السلوكية” لا يحظى بإجماع بين الباحثين.

المقصود بالحداثة السلوكية هو ظهور ثقافة بشرية ذات مستوى قريب من مستوى الثقافات البشرية المعروفة اليوم.

معنى الثقافة

ما يلي تعريف حديث للثقافة:

Culture, in anthropology, the patterns of behavior and thinking that people living in social groups learn, create, and share. Culture distinguishes one human group from others. It also distinguishes humans from other animals. A people’s culture includes their beliefs, rules of behavior, language, rituals, art, technology, styles of dress, ways of producing and cooking food, religion, and political and economic systems.

Microsoft Encarta 2009

ما يلي ترجمة:

الثقافة في الأنثروبولوجيا هي أنماط السلوك والتفكير التي يتعلمها وينتجها ويتقاسمها الناس الذين يعيشون في جماعة واحدة. الثقافة تميز مجموعة بشرية عن المجموعات البشرية الأخرى، وتميز أيضا البشر عن الحيوانات الأخرى. ثقافة شعب معين تشمل المعتقدات وقواعد السلوك واللغة والطقوس والفن والتقنيات وأنماط اللباس وطرق إنتاج وطهي الطعام والدين والأنظمة السياسية والاقتصادية.

من هذا التعريف يتبين أن الثقافة تعني في الأساس أنماط السلوك والتفكير لدى شعب معين.

السلوك والتفكير هي ليست ميزة لشعب بشري معين دون بقية الشعوب. كل الشعوب البشرية لديها سلوك وتفكير. المقصود بالثقافة هو تحديدا الخصائص السلوكية والفكرية التي تميز الشعوب البشرية المختلفة عن بعضها.

على ما يبدو فإن أول من طرح هذا التعريف للثقافة هو البريطاني Edward B. Tylor في عام 1871.

إذا عرّفنا الثقافة بأنها تعني الخصائص السلوكية والفكرية فهذا سيوصلنا إلى أن بعض الحيوانات تمتلك ثقافة، لأن بعض المجتمعات الحيوانية تمتلك خصائص سلوكية وفكرية. هناك حاليا انقسام بين الباحثين حول هذه النقطة. بعض الباحثين يرون أن معظم الرئيسيات تمتلك ثقافة وأن الثقافة ليست شيئا خاصا بالبشر. في المقابل هناك باحثون آخرون يرون أن الثقافة هي شيء خاص بالبشر. التعريف الذي نقلته في الأعلى يتبنى وجهة النظر الثانية:

Culture distinguishes one human group from others. It also distinguishes humans from other animals.

الثقافة تميز مجموعة بشرية عن المجموعات البشرية الأخرى، وتميز أيضا البشر عن الحيوانات الأخرى.

إذن الثقافة لا تعني مجرد السلوك والتفكير ولكنها تعني تحديدا السلوك والتفكير الذي يميز البشر عن بعضهم وعن بقية الحيوانات.

السلوك والتفكير

الثقافة إذن هي سلوك وتفكير. السلوك هو شيء يمكن دراسته علميا بالمراقبة، ولكن دراسة الأفكار بالمراقبة هي أمر صعب. مثلا نحن يمكننا أن نراقب القرود لكي نعرف سلوكهم، ولكن من غير الممكن معرفة أفكار القرود عبر مراقبتهم. لهذا السبب بعض الباحثين يميلون إلى تعريف الثقافة وفق السلوك فقط وبغض النظر عن التفكير، لأن الدراسة العلمية لتفكير القرود هي أمر متعذر.

ربما لهذا السبب نجد أن بعض الباحثين يصفون الثقافة البشرية المعاصرة بأنها “حداثة سلوكية” behavioral modernity. هؤلاء يكنّون عن الثقافة البشرية بالسلوك ويتغاضون عن التفكير، لأن معرفة أفكار البشر القدماء الذين عاشوا قبل عشرات آلاف السنين هي أمر متعذر.

هذه المقاربة تذكرني بالمدرسة السلوكية behaviorism في علم النفس.

المدرسة السلوكية

علم النفس psychology بدأ في أواخر القرن 19. قبل ذلك لم يكن هناك أحد يبحث في علم النفس سوى الفلاسفة والمشعوذين. مؤسس علم النفس الحديث هو الألماني Wilhelm Wundt الذي ركز على دراسة العقل البشري human mind عبر تقنية سماها introspection (النظر في الداخل). هو كان ببساطة يطلب من الناس أن يخبروه عما يدور في عقولهم. لاحقا الباحث النمساوي اللامع فرويد Sigmund Freud استخدم تقنية مشابهة تسمى free association (الربط الحر). المبدأ الأساسي لهذه التقنية لا يختلف عن المبدأ السابق: فرويد كان يعتمد على كلام المرضى عما يدور في عقولهم وأحلامهم.

فرويد طرح نظريات شهيرة فسر على أساسها كيفية عمل العقل البشري وكيفية تطور هذا العقل منذ الطفولة وحتى الكبر. نظريات فرويد أسست لمدرسة في علم النفس تسمى التحليل النفسي psychoanalysis.

نظريات فرويد أثارت حفيظة عدد من الباحثين في بداية القرن العشرين، لأن هذه النظريات ترتكز بشكل كبير على مفاهيم غير ملموسة من قبيل مفهوم “العقل غير الواعي” unconscious mind. كثير من الباحثين رفضوا الطريقة التي توصل بها فرويد إلى نظرياته. هم لم يقبلوا فكرة سؤال الناس عما يدور في عقولهم لأن هذا الأسلوب لا يعطي معلومات موثوقة وذات مصداقية.

هؤلاء المشككون كانوا يعتبرون أن البحث في موضوع العقل البشري هو بحث غير علمي، لأن دراسة العقل البشري بواسطة التجارب العلمية هي أمر متعذر. العلم الحديث يقوم على التجارب والدلائل المادية الملموسة. سؤال الناس عما يدور في عقولهم لا يقدم دلائل علمية ذات مصداقية. بالتالي لا توجد طريقة علمية لدراسة العقل البشري.

أصحاب هذا التوجه تجاهلوا مفهوم “العقل” وركزوا على دراسة السلوك. هم تأثروا كثيرا بتجارب المنعكسات التي أجراها الباحث الروسي Ivan Pavlov. هم رأوا في هذه التجارب بديلا علميا يغنيهم عن الخوض في موضوع العقل البشري، الذي هو بالنسبة لهم موضوع غير علمي. هم صاروا يفسرون سلوك البشر وفق منطق المنعكسات. السلوك البشري بالنسبة لهم هو ردود فعل responses سببها التعرض لمحفزات stimuli.

هذا التوجه يسمى المدرسة السلوكية behaviorism. مؤسس هذه المدرسة هو الأميركي John Watson الذي قال في عام 1913 ما يلي:

I believe that we can write a psychology and never use the terms consciousness, mental states, mind . . . imagery and the like.

أنا أعتقد أننا نستطيع أن نكتب علم نفس دون أن نستخدم أبدا مصطلحات الوعي والحالة العقلية والعقل… والخيال ونحو ذلك.

المدرسة السلوكية كانت ذات تأثير كبير في النصف الأول من القرن العشرين. كثير من مؤلفات علم النفس التي ألفت في تلك الفترة لم تتطرق مطلقا لمفهوم “العقل” أو “الوعي” ونحو ذلك. السلوكيون لا ينكرون بالضرورة وجود العقل ولكنهم يرون أن البحث فيه هو أمر غير علمي، لأن الوسائل المتاحة في النصف الأول من القرن العشرين لم تكن تسمح بدراسة العقل بشكل مباشر.

ما هو العقل البشري؟

موضوع العقل البشري هو موضوع شائك للغاية. هناك أولا سؤال كبير وقديم يتعلق بطبيعة العقل البشري: هل العقل البشري هو مادي أم غير مادي؟ هذا السؤال بحثه الفلاسفة ضمن فرع من فروع الفلسفة يسمى “فلسفة العقل” philosophy of mind. هذا البحث هو مرتبط ببحث أكبر يتعلق بطبيعة الكون عموما. الفلاسفة يتجادلون منذ القدم حول طبيعة الكون: هل الكون هو مادي بحت؟ أم روحي بحت؟ أم أنه مكون من المادة والروح معا؟ هذا البحث يسمى الميتافيزيقيا (الميتافيزياء) metaphysics. الجدل الميتافيزيقي كان موضوعا حارا في القرون السابقة للقرن 19.

تقليديا هناك ثلاث مدارس في الميتافيزيقيا:

المدرسة الثنائية dualism ترى أن الكون يتألف من مكونين اثنين (المادة والروح). من أشهر أنصار هذه المدرسة الفيلسوف الفرنسي ديكارتRené Descartes . ديكارت رأى أن الكون يتألف من مكونين أو جوهرين:

  • جوهر التفكير substance pensante (الروح)
  • الجوهر الممدود substance étendue (المادة)

المقصود بجوهر التفكير هو الشيء الذي يتكون منه العقل والأفكار، والمقصود بالجوهر الممدود هو الشيء الذي تتكون منه الأشياء الأخرى.

René Descartes

هذه النظرة الثنائية لجوهر الكون كانت شائعة في أوروبا في القرون الوسطى. حسب هذه النظرة فإن العقل البشري هو شيء روحي وليس شيئا ماديا. بسبب هذه الفكرة فإن علم النفس يسمى في اللغات الأوروبية psychology. هذه الكلمة صيغت من الكلمة اليونانية psychḗ) ψυχή) التي تعني “روح”. كلمة “نفس” في اللغات السامية أيضا تعني “روح”، وبالتالي “علم النفس” أو psychology يعني حرفيا “علم الروح”. هذه التسمية نبعت من الاعتقاد بأن العقل البشري هو نفسه الروح أو من ماهية الروح.

المدرسة الميتافيزيقية الثانية هي المدرسة الأحادية monism التي ترى أن الكون له جوهر واحد فقط.

المدرسة التي تقول أن الكون يتألف من الروح فقط تسمى المثالية idealism. الفلسفة المثالية كانت شائعة تاريخيا وهي تضم مثلا الفلاسفة الرواقيين Stoics والأفلاطونيين الجدد Neoplatonists. الفكر المثالي شائع لدى الصوفيين من مختلف الأديان. فكرة “وحدة الوجود” pantheism هي فكرة مثالية.

المثاليون يعتقدون أن وجود المادة هو وهم وأن الروح (الله) هي الشيء الحقيقي الوحيد في الكون.

George Berkeley

رمز الفلاسفة المثاليين في العصور الحديثة هو رجل الدين الإيرلندي George Berkeley الذي عاش في النصف الأول من القرن 18. هذا الرجل نفى وجود المادة بالمطلق واعتبر أن الأشياء المادية التي يدركها الناس بحواسهم هي مجرد أفكار ideas في عقولهم، وهذه الأفكار مصدرها “عقل” كبير هو الله.

المدرسة التي ترى أن الكون يتألف من المادة فقط هي المدرسة المادية materialism أو الفيزيائية physicalism. مثلا الفيلسوف الإنكليزي Thomas Hobbes (في القرن 18) أنكر وجود روح في الجسم البشري ورأى أن كل أفعال الإنسان تحدث بسبب ظواهر مادية. الفكر المادي تصاعد كثيرا في الغرب خلال القرنين 19 و 20، والسبب الأساسي لذلك هو النجاحات الكبيرة التي حققها العلم الطبيعي الحديث modern science (العلم الطبيعي الحديث لم يظهر أي دليل على وجود مكون غير مادي في الكون).

Thomas Hobbes

بالإضافة إلى المثالية والمادية هناك مدرسة أحادية ثالثة تسمى الأحادية المحايدة neutral monism. أصحاب هذا المذهب يرون أن الكون مؤلف من جوهر واحد ولكن هذا الجوهر هو ليس الروح ولا المادة وإنما جوهر ثالث “محايد” يظهر أحيانا بشكل روحي وأحيانا بشكل مادي. من الأسماء المرتبطة بهذا المذهب الفيلسوف الهولندي اليهودي Baruch Spinoza الذي كان يقول بوحدة الوجود وكان يعتبر أن الله يتجلى في الكون بشكلين مادي وروحي.

المدرسة الثالثة في الميتافيزيقيا هي التعددية pluralism التي اشتهر بها الفيلسوف الألماني Gottfried Wilhelm Leibniz. هذا الفيلسوف رأى أن الكون يتألف من عدد لا نهائي من المكونات أو الجواهر المختلفة أطلق عليها مسمى monads.

طبعا البحث في الميتافيزيقيا لا ينفصل عن فرع آخر من فروع الفلسفة هو الإبستيمولوجيا epistemology (نظرية المعرفة). بعض الفلاسفة يرون أن معرفة حقائق الكون ومكوناته (خاصة المكونات غير المادية) هي أمر ممكن بواسطة التفكير المجرد (a priori). وفقا لمنطق هؤلاء فالإنسان يمكنه أن يكتشف حقائق الكون الأساسية وهو مستلق على سريره، لأن حقائق الكون الأساسية هي حقائق “بديهية”.

هذا النمط من التفكير يسمى “العقلانية” rationalism، وهو مذهب فلاسفة اليونان القدماء. هذا النمط من التفكير كان يسيطر على العالم قبل النهضة الأوروبية الحديثة. النمط الفكري المضاد يسمى الفكر التجريبي empiricism. التجريبيون يرون أن حقائق الكون تعرف حصرا بالتجربة عبر الحواس (a posteriori). الفكر التجريبي طبعا هو المهيمن اليوم في العالم الغربي. الفكر العقلاني لم يعد مقبولا في زمننا وهو يربط عادة بالجهل والخرافات.

Francis Bacon

الفكر التجريبي بدأ في أوروبا مع الفيلسوف الإنكليزي Francis Bacon الذي لعب دورا محوريا في صياغة مبادئ العلم الطبيعي الحديث modern science في بداية القرن 17. أيضا الفيلسوف الإنكليزي John Locke أيد الفكر التجريبي ولكنه أظهر نزعة من الشك حول صحة المعلومات التي تدرك عبر الحواس perceptions. حسب Locke فإن معرفة البشر بالأشياء المادية هي ليست دقيقة لأن الحواس البشرية تنقل معلومات غير دقيقة. الأسقف George Berkeley أخذ هذه الفكرة إلى أبعد مدى ممكن عندما أنكر بالمطلق وجود الأشياء المادية؛ هو قال أن كل ما يعرفه عقل الإنسان عن الأشياء المادية يأتيه عبر الحواس، ولا يوجد دليل على مصداقية المعلومات التي تأتي عبر الحواس. في المحصلة الأشياء التي يدركها عقل الإنسان عبر الحواس هي ليست أكثر من أفكار. بالتالي كل شيء في الوجود هو مجرد أفكار. بما أن عقل الإنسان لا يتحكم في كل الأفكار التي ترد إليه (خاصة الأفكار الحسية perceptions) فهذا يعني أن هناك “عقلا خارجيا” يقوم بتوليد هذه الأفكار، وهذا العقل هو الله.

John Locke

الفيلسوف الأسكتلندي David Hume تأثر بكلام الأسقف Berkeley ولكنه رفض الاستنتاج بأن المادة غير موجودة وأن كل الأفكار مصدرها الله. Hume اعتبر أن وجود الروح هو غير حقيقي مثلما أن وجود المادة هو غير حقيقي. فكر Hume في هذه المسألة يصنف ضمن المذهب الأحادي المحايد neutral monism.

David Hume

اسم David Hume ارتبط بمدرسة الشك skepticism لأنه مضى أبعد من أسلافه المشككين وشكك حتى في مصداقية بعض القوانين المنطقية أو “البديهية” التي توجد في عقل الإنسان. Hume شكك في مصداقية قوانين الطبيعة القائمة على مبدأ السببية causality. حسب Hume فإن العلاقة بين السبب والنتيجة هي ليست علاقة منطقية أو “بديهية” ولكنها مجرد ربط يتوصل إليه البشر بالمراقبة والتعود، أي أنها نابعة من الإدراك الحسي perception وليست نابعة من المنطق. طالما أن القوانين القائمة على مبدأ السببية هي ليست قوانين منطقية فهذا يعني أنها ليست موثوقة، وبما أن قوانين الكون عموما تقوم على مبدأ السببية فهذا يعني أن ما يعرفه البشر عن الكون هو ليس موثوقا (مثلا قوانين الفيزياء هي ليست موثوقة ويمكن أن تتغير مستقبلا، لأن هذه القوانين تقوم على مبدأ السبب والمسبب وليس على حتميات منطقية).

Immanuel Kant

الفيلسوف الألماني الشهير Immanuel Kant حاول أن يوجد صيغة وسطية بين الفكر العقلاني والفكر التجريبي والفكر الشكي. هو اتفق مع الفكر التجريبي في أن المعرفة لا تأتي سوى من الإدراك عبر الحواس، واتفق مع الفكر الشكي في أن المعرفة الناتجة من الإدراك عبر الحواس هي ليست أكيدة، واتفق أيضا مع العقلانيين في مفهوم سماه “المعرفة العابرة للحدود” أو “العابرة للتصانيف” transcendental. هذا النوع من المعرفة يوجد في العقل البشري بشكل “فطري” أو “بديهي” وهو ضروري للإدراك الحسي. هذا النوع من المعرفة هو عبارة عن مفاهيم تجريدية ومنطقية (الوقت، الزمن، السببية، التركيب، العلاقة) يستخدمها العقل لإدراك المحسوسات. حسب Kant فإن العقل لا يمكنه أن يدرك المحسوسات دون الاستعانة بهذه المفاهيم الفطرية.

Kant زعم أن فلسفته ستحسم الجدل بين الفلاسفة، ولكن الجدل لم يحسم وهو ما زال مستمرا حتى الآن.

Georg Wilhelm Friedrich Hegel

تراجع Kant عن النهج التجريبي البحت وقبوله ببعض الأفكار العقلانية شجع عددا من الفلاسفة الألمان في القرن 19 على النكوص مجددا إلى الفلسفة العقلانية، ومن هؤلاء مثلا الفيلسوف الألماني الشهير Georg Hegel الذي أعاد إحياء أسلوب عقلاني يوناني قديم يسمى الجدلية dialectic. هذا الأسلوب كان يتبعه فلاسفة اليونان القدماء لكي يتوصلوا إلى حقائق الكون وهم نائمون على أسرتهم. Hegel استخدم هذا الأسلوب وصاغ من خلاله نظرية تفسر تاريخ العالم. لاحقا الفيلسوف الألماني Karl Marx اقتبس أسلوب Hegel الجدلي ودمجه مع نزعة مادية وصاغ نظرية سماها “المادية الجدلية” dialectical materialism. هذه النظرية كانت محاولة من Marx لتفسير تاريخ العالم على أساس اقتصادي. طبعا هذه النظرية هي فلسفة عقلانية لا تتفق مع المبدأ التجريبي الذي يقوم عليه العلم الحديث.

Karl Marx

الفلسفة هي موضوع كبير وأنا الآن سأتوقف عند هذا الحد ولن أستمر في سرد الأفكار والمدارس الفلسفية. المهم بالنسبة لموضوعنا هو أن الجدل حول طبيعة العقل البشري ما زال مستمرا حتى يومنا هذا. بعض الناس حاليا (بما في ذلك باحثون في علوم الجهاز العصبي neuroscience) ما زالوا يشكون في مادية العقل البشري، وبعضهم ما زالوا يثيرون قضية يسمونها “مسألة العقل والجسد” mind–body problem. أول من طرح هذه المسألة هو ربما ديكارت. من يطرحون هذه المسألة يميزون بين العقل mind والدماغ brain ويقولون أن العقل البشري سوف يظل للأبد مجهولا وخارج نطاق البحث العلمي، حتى لو تقدم العلم إلى درجة سمحت لنا بفهم آليات عمل الدماغ البشري بشكل كامل.

ديكارت رأى أن العقل (الذي هو نفسه الروح) موجود في الغدة الصنوبرية pineal gland التي تقع في قلب الدماغ. هو رأى أن العقل/الروح يقوم بتحريك هذه الغدة وهذه الحركة تؤدي إلى “موجة روحية” تنتقل من فتحات الدماغ عبر الأعصاب إلى العضلات لتحريكها. طبعا هذا الكلام حاليا يبدو أشبه بخرافة. الناس في الغرب حاليا يجدون حرجا في تبني أفكار ديكارت بحرفيتها لأن هذه الأفكار لها طابع خرافي لا يتفق مع المناخ العلمي السائد في الغرب. لهذا السبب الثنائيون المعاصرون يحاولون أن يطرحوا أنفسهم بطرق جديدة.

قليل من الفلاسفة والباحثين في العالم الغربي اليوم يجرؤون على التصريح بوجود مكون غير مادي في الكون، لأن هذه الفكرة عفى عليها الزمن في التفكير العلمي. قبل القرن العشرين كان هناك صراع في أوروبا بين الميكانيكيين mechanists والحيويين vitalists حول مسألة وجود الروح في أجساد الكائنات الحية. الحيويون كانوا يصرون على أن التفاعلات الكيماوية التي تجري في أجسام الكائنات الحية (التفاعلات العضوية organic) هي ليست ظاهرة مادية بحتة ولكنها تتم تحت تأثير “قوة حيوية” (تسمى vital force أو élan vital). وجود هذه القوة الحيوية (التي هي نفسها الروح) هو شرط لإتمام التفاعلات العضوية، ودون التفاعلات العضوية لا يمكن لأجسام الكائنات الحية أن تعمل. إذن الحياة هي غير ممكنة دون القوة الحيوية/الروح. المدرسة “الميكانيكية” في المقابل كانت تنفي وجود القوة الحيوية/الروح وكانت ترى أن التفاعلات العضوية هي ظاهرة مادية بحتة كالتفاعلات غير العضوية.

طبعا في النهاية هذا الصراع انتهى بانتصار حاسم للميكانيكيين. حاليا لا أحد يميز بين التفاعلات العضوية وغير العضوية على أساس وجود “القوة الحيوية”. آلية التفاعلات العضوية صارت مفهومة وهي آلية مادية بحتة.

معركة “القوة الحيوية” هي واحدة من المعارك العديدة التي خسرها أنصار الفكر الثنائي خلال القرن 19. لهذا السبب المناخ الغربي العام لم يعد يتقبل الحديث عن وجود “الروح”، خاصة في المجالات العلمية.

رغم ذلك فإن الفكر الثنائي لم يمت بل هناك حتى يومنا هذا باحثون وفلاسفة يروجون له (هذا الشخص هو مثال). الثنائيون المعاصرون يميزون أنفسهم عن المذهب الديكارتي بالتفريق بين الجوهر substance والخصائص properties. حاليا مذهب ديكارت صار يسمى “ثنائية الجوهر” substance dualism تمييزا له عن مذهب غالبية الثنائيين المعاصرين الذي يسمى “ثنائية الخصائص” property dualism.

فكرة “ثنائية الخصائص” property dualism هي عبارة عن فذلكة فلسفية تعود جذورها إلى فكرة “الانبثاقية” emergentism التي يبدو أن أول من طرحها هو الفيلسوف البريطاني John Stuart Mill في القرن 19. قبل توضيح هذه الفكرة يجب أولا أن نوضح ما هو المقصود بالجوهر substance والخصائص properties.

نظرية الجوهر والخصائص هي فذلكة فلسفية قديمة لا أدري من الذي اخترعها (ربما ديكارت أو رجال الدين في القرون الوسطى). حسب هذه النظرية فإن الأشياء الموجودة في الكون تتألف من جوهر وخصائص.

لنأخذ مثالا هو كرة لونها أحمر. هذه الكرة لها جوهر هو المادة. بالإضافة إلى ذلك هذه الكرة لها مجموعة من الخصائص تشمل مثلا “اللون الأحمر” و”الشكل الدائري” إلخ. مجموع الجوهر مع الخصائص ينتج “شيئا” (object أو particular) (الشيء في مثالنا هو الكرة الحمراء).

خاصية “اللون الأحمر” هي ليست حكرا على الكرة الحمراء التي ذكرناها في المثال. هناك في الكون أشياء كثيرة تملك هذه الخاصية. لهذا السبب مفهوم الخاصية property هو مفهوم عام أو تجريدي. اللون الأحمر في مثالنا هو مجرد تجلي واحد (instance) لخاصية اللون الأحمر، ولكن هذه الخاصية تتجلى في أشياء أخرى عديدة. خاصية اللون الأحمر يمكن أن تتجلى أيضا بشكل كتابي. مثلا عندما نكتب بالإنكليزية the ball is red فهذا يعتبر تجليا لخاصية اللون الأحمر على شكل خبر نحوي predicate. خاصية اللون الأحمر تتجلى في الكتابة الإنكليزية هكذا is red، ولكنها في الكتابة الفرنسية تتجلى هكذا est rouge. إذن التجلي الكتابي لخاصية اللون الأحمر يمكن أن يأخذ أشكالا مختلفة في اللغات المختلفة.

الخاصية تتبع في طبيعتها الميتافيزيقية الجوهر الذي تتجلى فيه. مثلا خاصية اللون الأحمر هي خاصية مادية وليست روحية، لأن هذه الخاصية لا تتجلى سوى في الأشياء المادية. اللون الأحمر (في الرؤية) هو عبارة عن موجات كهرومغناطيسية يمكن إدراكها وقياسها بالطرق الفيزيائية، واللون الأحمر في الكتابة هو عبارة عن أحرف يمكن رؤيتها وإدراكها ماديا. إذن خاصية اللون الأحمر هي خاصية مادية. في المقابل الخصائص التي تميز الروح أو الله هي خصائص روحية وليست مادية. الخصائص الروحية لا تتجلى في الأشياء المادية.

قبل القرن العشرين كان هناك كما قلنا جدل بين الميكانيكيين mechanists والحيويين vitalists حول فهم الكيمياء العضوية (الكيمياء التي تدرس التفاعلات داخل أجسام الكائنات الحية). الميكانيكيون كانوا يرون أن الكيمياء العضوية هي في المحصلة فرع من الفيزياء، أي أن فهم التفاعلات العضوية هو ممكن عبر قوانين الفيزياء (القوانين المادية). معتقد الميكانيكيين هذا يعني أنهم كانوا يعتقدون بإمكانية “اختزال” أو “إرجاع” reduce الكيمياء العضوية إلى الفيزياء. في المقابل الحيويون كانوا يرون أن الكيمياء العضوية هي غير قابلة للاختزال أو الإرجاع إلى الفيزياء irreducible، والسبب هو وجود الجوهر الروحي (القوة الحيوية) في الكيمياء العضوية.

John Stuart Mill

الفيلسوف John Stuart Mill ومن تبعوه من الفلاسفة في القرن العشرين حاولوا أن يوجدوا طريقا وسطا بين المذهبين الميكانيكي والحيوي عبر طرحهم للفكرة التي تسمى “المادية الانبثاقية” emergent materialism. هذا المذهب يتفق مع الميكانيكيين في أن المادة هي الجوهر الوحيد في الكون، ولكن وفقا لرأي John Stuart Mill فإن بعض الأشياء المادية ذات التركيب المعقد تكتسب خصائص properties لا يمكن إرجاعها إلى الخصائص الفيزيائية irreducible.

مثلا في رأي John Stuart Mill أن التفاعلات الكيميائية لا يمكن فهمها وفق القوانين الفيزيائية. علم الكيمياء له قوانين خاصة تختلف عن قوانين الفيزياء. هو لم يكن يشير إلى مسألة القوة الحيوية ولكنه كان يتحدث عن الكيمياء بشكل عام (بما في ذلك الكيمياء غير العضوية). هو مثلا تحدث عن الكيمياء غير العضوية (ذات الطابع المادي الأكيد في ذلك الوقت) وقال أن قوانين الكيمياء غير العضوية لا يمكن فهمها وفق قوانين الفيزياء (مثلا قوانين الفيزياء المعروفة في زمنه لم تكن توضح لماذا يؤدي تفاعل الحمض مع القاعدة إلى إنتاج ملح وماء). لهذا السبب هو قسم الخصائص المادية إلى مستويين:

  • خصائص المستوى الأدنى lower-level (الخصائص الفيزيائية)
  • خصائص المستوى الأعلى higher-level (الخصائص الكيميائية)

خصائص المستوى الأعلى هي منبثقة emergent من خصائص المستوى الأدنى، ولكن رغم ذلك من غير الممكن اختزال أو إرجاع هذه الخصائص إلى خصائص المستوى الأدنى. قوانين المستوى الأعلى هي قوانين سببية مادية كقوانين المستوى الأدنى، ولكن من غير الممكن اختزال أو إرجاع قوانين المستوى الأعلى إلى قوانين المستوى الأدنى. قوانين المستوى الأعلى ليست بديلا عن قوانين المستوى الأدنى ولكنها إضافة أو تعزيز supplement لقوانين المستوى الأدنى.

هذا باختصار هو أساس الفكرة التي تسمى “المادية الانبثاقية” emergent materialism. غالبية الثنائيين المعاصرين يتسترون وراء هذه الفكرة ويزعمون أن “الخصائص العقلية” mental properties هي ليست خصائص فيزيائية، ومن غير الممكن في زعمهم اختزال أو إرجاع الخصائص العقلية إلى الخصائص الفيزيائية. الهدف النهائي من وراء كل هذه الفذلكة هو القول بأن الخصائص العقلية ستظل غير مفهومة حتى لو تمكن العلم من كشف الآلية الفيزيائية لعمل الدماغ بشكل كامل.

هذا الرسم يشرح وجهة نظر “ثنائية الخصائص” property dualism (التي هي وجهة نظر غالبية الثنائيين المعاصرين):

ما يريد أصحاب هذا المذهب قوله هو ما يلي:

الدماغ البشري (المادي) هو مقر العقل mind (وبالتالي العقل هو مادي)، ولكن مكونات العقل هي من مستوى أعلى من المستوى الفيزيائي الذي ندركه حاليا، وبالتالي نحن لن نفهم آلية عمل العقل حتى لو فهمنا آلية عمل الدماغ بمكوناته التي نفهمها حاليا.

ما هو العقل؟

قبل أن نستمر في الحديث عن العقل يجب أولا أن نعطي فكرة عن المقصود به.

ما يلي تعريف العقل في ويكيبيديا:

A mind is the set of cognitive faculties that enables consciousness, perception, thinking, judgment, and memory.

حسب هذا التعريف فإن العقل هو “مجموعة من القدرات المعرفية”set of cognitive faculties . هذا التعريف يوحي بأن العقل هو مفهوم أضيق من مفهوم “القدرة المعرفية” cognition. ما يلي تعريف القدرة المعرفية في ويكيبيديا:

In science, cognition is a group of mental processes that includes attention, memory, producing and understanding language, learning, reasoning, problem solving, and decision making.

تعريف القدرة المعرفية هو “مجموعة من العمليات العقلية” group of mental processes.

إذن العقل هو “مجموعة من القدرات المعرفية” والقدرة المعرفية هي “مجموعة من العمليات العقلية”. ربما هناك أناس يفهمون المقصود ولكن بالنسبة لي أنا أشعر بأن هذا تعريف دائري circular. القدرات أو العمليات أو الوظائف التي وردت في مقال ويكيبيديا عن العقل هي نفس القدرات أو العمليات أو الوظائف التي وردت في مقال ويكيبيديا عن القدرة المعرفية، وبالتالي أنا لم أجد فرقا في ويكيبيديا بين مفهومي “العقل” mind و”القدرة المعرفية” cognition.

ما يلي تعريف آخر للقدرة المعرفية:

Cognition, act or process of knowing. Cognition includes attention, perception, memory, reasoning, judgment, imagining, thinking, and speech.

Microsoft Encarta 2009

وما يلي هو التعريف في قاموس Encarta:

1. ability to acquire knowledge: the mental faculty or process of acquiring knowledge by the use of reasoning, intuition, or perception

2. knowledge acquired: knowledge acquired through reasoning, intuition, or perception

[15th century. < Latin cognition- < cognoscere “get to know” < (g)noscere “know”]

ما يلي تعريف العقل في Encarta:

Mind, the mental activities and memory of a person. The mind includes both conscious thoughts and unconscious activity such as dreaming. The human identity can be viewed as being made of mind and body.

Microsoft Encarta 2009

وما يلي التعريف في قاموس Encarta:

1. seat of thought and memory: the center of consciousness that generates thoughts, feelings, ideas, and perceptions, and stores knowledge and memories

2. thinking capacity: the capacity to think, understand, and reason

تعاريف Encarta هي أفضل من تعاريف ويكيبيديا. حسب Encarta فإن العقل هو مفهوم عام يعني كل ما يدور في الرأس من تفكير وذاكرة وحتى التفكير غير الواعي unconscious، أما القدرة المعرفية فهي مفهوم أضيق قليلا ينحصر في القدرة على اكتساب المعرفة (والمعرفة المكتسبة بواسطة هذه القدرة). القدرة المعرفية هي إذن جزء من العقل.

الذاكرة memory هي في المحصلة جزء من التفكير، بالتالي المقصود بالعقل هو باختصار التفكير thinking. التفكير يمكن أن يكون واعيا أو غير واع.

كلمة التفكير هي كلمة واسعة تشمل الكثير من الأمور، ولكن لغرض التبسيط يمكن أن نصنف الأفكار على النحو التالي:

  • المحسوسات المدركة perceptions
  • المعلومات المحفوظة في الذاكرة memory
  • المعالجة المنطقية reasoning
  • القرارات decisions
  • الخيال imagination
  • العواطف emotions

هذه الأمور تسمى عمليات عقلية mental processes أو وظائف عقلية mental functions. هناك في المصادر عدد كبير من العمليات العقلية الأخرى، ولكنني لم أذكرها في القائمة لأنني لم أقتنع بها وشعرت أنها مشتقة من العمليات الست الواردة في القائمة (سوف أذكر المزيد عن هذا الموضوع لاحقا).

الفلاسفة يستخدمون مصطلح “حدث عقلي” mental event للتعبير عن تجلٍ واحد instance لعملية أو وظيفة عقلية. مثلا عندما يرى الإنسان زهرة فهذا يعتبر حدثا عقليا لأنه تجل لعملية أو وظيفة الإدراك الحسي perception، وعندما يتذكر الإنسان كلمة فهذا يعتبر حدثا عقليا لأنه تجل لعملية أو وظيفة التذكر، وعندما يتخذ الإنسان قرارا فهذا حدث عقلي لأنه تجل لعملية أو وظيفة اتخاذ القرارات، وهكذا.

قائمة “الوظائف العقلية” التي ذكرتها في الأعلى خلت من أهم وظيفة على الإطلاق بالنسبة لكثير من الباحثين والفلاسفة ألا وهي وظيفة الوعي consciousness. أنا لم أضع هذه الوظيفة في القائمة لأنها في رأيي مفهوم غير واضح ومثير للجدل، ولكن هذا المفهوم هو أهم شيء في مفهوم “العقل” بالنسبة لكثير من الفلاسفة. مثلا ديكارت عندما كان يستخدم مصطلح العقل فهو كان يقصد أساسا الوعي، بدليل أنه كان يميز بين العقل (الذي هو الروح ومقره الغدة الصنوبرية) وبين الذكاء intelligence (الذي مقره في الدماغ المادي). ديكارت كان على ما يبدو يعتبر أن الذكاء هو شيء مادي، وأما العقل فهو شيء روحي غير مادي. هذه الفكرة هي تقريبا نفس الفكرة التي نشاهدها حاليا لدى David Chalmers الذي تحدث عن مفهومين:

  • مسألة الوعي السهلة easy problem of consciousness
  • مسألة الوعي الصعبة hard problem of consciousness

المقصود بـ”مسألة الوعي السهلة” هو القدرة المعرفية cognition، والمقصود بـ”مسألة الوعي الصعبة” هو العمليات العقلية “الظواهرية” phenomenal (أي العمليات المرتبطة بالوعي). David Chalmers يرى أن العلم الحديث يمكنه أن يحل “مسألة الوعي السهلة” بالتفسيرات الفيزيائية وأما “مسألة الوعي الصعبة” فهناك “فجوة معرفية” تمنع حلها بالتفسيرات الفيزيائية. هذا الكلام هو ثنائي بامتياز وهو لا يختلف من حيث الجوهر عن نظرية ديكارت وإن تم تلبيسها بلبوس جديد.

ما هو الوعي؟

مفهوم الوعي هو إذن محوري في أي حديث يتعلق بالعقل، ولكن ما هو الوعي؟

ما يلي من ويكيبيديا:

Consciousness is the quality or state of being aware of an external object or something within oneself. It has been defined as: sentience, awareness, subjectivity, the ability to experience or to feel, wakefulness, having a sense of selfhood, and the executive control system of the mind.

الجملة الأولى هي منقولة (بشكل غير حرفي) عن قاموس Merriam-Webster. ترجمة هذه الجملة هي كما يلي:

الوعي هو خاصية أو حالة أن تكون مدركا لشيء خارجي أو لشيء داخل نفسك.

ما يلي من Encarta:

No simple, agreed-upon definition of consciousness exists. Attempted definitions tend to be tautological (for example, consciousness defined as awareness) or merely descriptive (for example, consciousness described as sensations, thoughts, or feelings).

Microsoft Encarta 2009

لا يوجد تعريف متفق عليه للوعي. بعض التعريفات هي تفسير للماء بالماء (تفسيرات دائرية circular) وبعضها الآخر هو تعداد لبعض الوظائف المعرفية cognitive التي كثيرا ما تربط بالوعي. من يحاولون تعريف الوعي كثيرا ما يركزون على أنه مفهوم “فطري” أو “بديهي”، ولكن هذا الكلام لا يفيد في التعريف.

التعريف الوارد في ويكيبيديا يسلط الضوء على بعض العمليات المعرفية التي كثيرا ما تربط بالوعي. في رأيي أن أهم العمليات المعرفية التي كثيرا ما تربط بالوعي هي العمليات التالية:

  • القدرة على مطالعة ما في داخل الذات introspection
  • الشعور الشخصي subjectivity أو sentience
  • إدراك الذات self-awareness
  • إدراك الذوات الأخرى intentionality

بالنسبة لإدراك الذات self-awareness وتمييزها عن الذوات الأخرى فهذه خاصية مهمة من خصائص العقل البشري. المقصود بهذه الخاصية هو أن يدرك الإنسان وجوده كشيء مستقل عن الأشياء المحيطة به وعن الأشخاص الآخرين. هناك مفهوم شبيه هو “نظرية العقل” theory of mind. المقصود بهذا المفهوم هو أن يدرك الإنسان أن له عقلا وأن للآخرين عقولا مختلفة.

الأطفال المصابون بمرض التوحد autism (وبعض الأمراض الأخرى الشبيهة) قد يعانون من نقص في إدراك النفس وفي نظرية العقل، ولهذا السبب هم قد يؤذون أنفسهم.

الطفل الطبيعي يميل إلى تخريب وتدمير الأشياء المحيطة به (مثلا الألعاب). الطفل المصاب بالتوحد ربما لا يميز بين جسده وبين الأشياء المحيطة به، ولهذا السبب هو ربما يؤذي نفسه كما يؤذي الأشياء المحيطة به.

بعض الباحثين يقيسيون إدراك النفس لدى الحيوانات بواسطة اختبار يسمى اختبار المرآة mirror test. فعالية هذا الاختبار هي محل جدل، ولكن وفقا لنتائج هذا الاختبار فإن بعض الحيوانات لديها على ما يبدو إدراك للنفس (مثلا القرود الكبيرة والدلافين والفيلة).

كلب ينظر في مرآة

غالبية الأطفال البشريين لا يدركون أنفسهم في المرآة إلا بعد أن يبلغوا من العمر 18 شهرا (من ويكيبيديا):

From the age of 6 to 12 months, the child typically sees a “sociable playmate” in the mirror’s reflection. Self-admiring and embarrassment usually begin at 12 months, and at 14 to 20 months most children demonstrate avoidance behaviors. Finally, at 18 months half of children recognize the reflection in the mirror as their own and by 20 to 24 months self-recognition climbs to 65%.

على ما يبدو فإن خاصية إدراك النفس هي مرتبطة بالذكاء، بدليل أن الحيوانات المعروفة بالذكاء (مثلا القرود الكبيرة والدلافين والفيلة) نجحت في اجتياز اختبار المرآة، ولكن الحيوانات الأقل ذكاء (مثلا الكلاب والقطط) لم تنجح في اجتياز هذا الاختبار. أيضا من اللافت أن أطفال البشر لا ينجحون في تجاوز هذا الاختبار إلا في عمر متأخر نسبيا.

إذن خاصية إدراك الذات هي ميزة للعقول الذكية، وهي شرط أساسي لما يسمى بالوعي consciousness، ولكن السؤال هو هل هذه الخاصية هي عملية عقلية مستقلة عن العمليات العقلية الأساسية التي سبق أن عددتها في الأعلى؟

أنا لست في محل يؤهلني للإفتاء في هكذا موضوع، ولكن رأيي الشخصي هو أن خاصية إدراك الذات هي ليست عملية عقلية مستقلة. إدراك الذات هو ببساطة شكل من أشكال المعرفة knowledge التي يختزنها الإنسان في عقله. المقصود بالمعرفة هو المعلومات المخزنة في ذاكرة الإنسان الدائمة أو طويلة الأجل. إذن إدراك الذات هو جزء من وظيفة الذاكرة memory لدى الإنسان.

الإنسان يختزن في ذاكرته الكثير من المعلومات التي جمعها منذ طفولته. بعض هذه المعلومات هو من مصدر خارجي، وبعضها الآخر هو نتيجة للمعالجة المنطقية reasoning في العقل. إدراك الذات (والذوات الأخرى) هو من المعلومات المهمة التي يتوصل إليها الإنسان نتيجة للمعالجة المنطقية. الطفل الصغير لا يفهم (على ما يبدو) الفرق بين ذاته والذوات الأخرى، أو على الأقل هو لا يستطيع أن يميز جسمه الخارجي عن بقية الأشياء المحيطة به. مع مرور الزمن عقل الطفل الصغير يفهم تدريجيا أنه موجود داخل جسم (وهذا الجسم له رأس ويدان ورجلان إلخ). الطفل يصل إلى هذا الفهم بشكل كامل عندما يدرك الحدود الفاصلة بين جسمه وبين الأشياء الأخرى. عندما يفهم الطفل أين تنتهي حدود جسمه وأين تبدأ حدود العالم الخارجي فإنه يكون قد وصل بشكل كامل إلى مرحلة “إدراك الذات”.

بعد ذلك الطفل يبدأ في مراقبة الأشياء المحيطة به ويبدأ في رسم حدود لها كما فعل سابقا مع جسمه. عندما يتمكن الطفل من تقسيم العالم المحيط به إلى “أشياء” منفصلة عن بعضها فإنه يكون قد وصل إلى مرحلة إدراك الذوات الأخرى.

المرحلة التالية تحدث عندما يقول الطفل الصغير لنفسه ما يلي “طالما أنني أملك عقلا أو أفكارا فلا بد أن الأجسام الأخرى التي تشبهني في الشكل والسلوك لها أيضا عقل أو أفكار.” عندما يتوصل الطفل إلى هذا الاستنتاج فإنه يكون قد امتلك “نظرية العقل”. في هذه المرحلة الطفل يصبح قادرا على تصنيف الذوات المحيطة به إلى ذوات بشرية وذوات غير بشرية.

إذن خصائص “إدراك الذات” و”إدراك الذوات الأخرى” و”نظرية العقل” هي في رأيي ليست عمليات عقلية مستقلة ولكنها مجرد معلومات أو استنتاجات يتوصل إليها الطفل الصغير نتيجة التحليل المنطقي للمعلومات التي يحصل عليها عبر حواسه.

هل هناك عقل داخل العقل؟

أهم العمليات العقلية التي تربط بمفهوم الوعي هي العملية المسماة introspection. أنا أرى أن أدق تعريف لهذه العملية هو “إدراك العقل لما يدور في داخله”. هذا التعريف هو دقيق من حيث أنه يعبر عن المعنى المقصود بكلمة introspection، ولكنني لا أظن أن هذه الكلمة تعبر عن مفهوم منطقي أو واقعي. أنا أظن أن مفهوم introspection هو مجرد وهم وليس عملية عقلية حقيقية.

أصحاب الفكر الثنائي يعرفون كلمة introspection كما يلي “إدراك الوعي لما يدور داخل العقل” أو “إدراك العقل لما يدور داخل الدماغ”.

الفرق بين تعريفهم وتعريفي هو أنني أفترض وجود كيان واحد يدرك ما في داخل نفسه (إن كان لهذا الكلام معنى)، أما هم فيفترضون وجود كيانين يدرك أحدهما ما في داخل الآخر.

الثنائيون لا يقبلون أن الدماغ هو نفسه العقل. هم يفترضون دائما أن هناك شيئا آخر غير الدماغ “يشاهد” ما في داخل الدماغ. هذا الشيء هو “الوعي” consciousness أو “العقل” mind.

هذا الرسم يعبر عن عقيدة الثنائيين:

في هذا الرسم يظهر رجل وهو يشاهد بيضة مقلية، ويظهر أيضا رجل صغير (homunculus) يشاهد ما يدور داخل دماغ الرجل الكبير. الرجل الصغير يعبر عن “الوعي” أو “العقل” في مفهوم الثنائيين. الرجل الصغير هو الذي ينفذ العملية المسماة introspection.

فكرة الرجل الصغير أو العقل داخل العقل هي زبدة الفكر الثنائي. الثنائيون لا يملكون أي دليل عملي أو نظري على صحة هذه الفكرة. هم يستندون في الأساس على ما يسمونه “الفطرة” أو “البديهة”. في رأيهم أن وجود الرجل الصغير هو أمر يعرفه الناس بالفطرة.

فكرة الرجل الصغير أو العقل داخل العقل تعرضت لانتقادات لاذعة من فلاسفة وباحثين عديدين. الفيلسوف البريطاني Gilbert Ryle ألف في عام 1949 كتابا أسماه The Concept of Mind (مفهوم العقل). في هذا الكتاب هو سمى العقيدة الديكارتية بعقيدة “الشبح في الآلة” the dogma of the Ghost in the Machine. هو أيضا طرح سؤالا بديهيا: لو فرضنا أن هناك عقلا صغيرا داخل العقل الكبير فهذا يلزمنا بأن نقول بأن هناك عقلا أصغر داخل العقل الصغير، وهناك عقل أصغر داخل هذا العقل، وهكذا إلى ما لا نهاية infinite regress.

هذا الرسم يعبر عن المشكلة التي طرحها Ryle:

الثنائيون ردوا على هذه الحجة بطرح كلاسيكي معهود عنهم: هم قالوا أن العقل الصغير هو ليس فيزيائيا وبالتالي قوانين الفيزياء لا تسري عليه.

هذا الجدل ذكرني بأطروحة “السبب الأول” التي كان رجال الدين المسيحيون يروجونها في القرون الوسطى. أصل هذه الأطروحة يعود إلى الفيلسوف اليوناني الفاشل أرسطو. هذه الأطروحة تقول ما يلي: كل سبب له مسبب، وكل متحرك له محرك. لو كان هناك شيء متحرك فلا بد أن شيئا متحركا آخر قد قام بتحريكه، ولا بد أن شيئا متحركا ثالثا قد قام بتحريك الشيء الثاني، ولا بد أن شيئا متحركا رابعا قد قام بتحريك الشيء الثالث، وهكذا إلى ما لا نهاية. لكسر هذه السلسلة اللامتناهية لا بد من وجود محرك أول غير متحرك unmoved mover. هذا المحرك الأول لم يكن ماديا، ولهذا السبب القوانين المادية (قوانين السبب والمسبب) لا تسري عليه.

هذه النظرية تسمى نظرية “السبب الأول”. رجال الدين المسيحيون في القرون الوسطى كان يطرحون هذه النظرية كدليل عقلاني على وجود الله. هذه النظرية تعرضت لطعنة قاتلة في تجربة الزحلقة على الصابون التي أجراها غاليليو والتي أدت إلى اكتشاف مفهوم العطالة inertia. هذا المفهوم هو جوهر القانون الأول للميكانيك الذي صاغه نيوتن (والذي هو أول قانون في علم الفيزياء الحديث). هذا القانون ينص على أن الحركة والسكون هما حالتان أصليتان وليس هناك سبب للقول بأن السكون هو حالة سابقة للحركة أو العكس؛ بالتالي لا يوجد شيء اسمه “محرك أول” أو “محرك غير متحرك” كما زعم أرسطو.

كل النظريات التاريخية التي كانت ترتكز على فكرة “السبب الروحي” ثبت خطؤها، بدءا من نظرية “المحرك الأول” ووصولا إلى نظرية “القوة الحيوية” (وغيرهما الكثير). العلم الحديث قضى على معظم هذه النظريات الثنائية (التي تفترض وجود جوهر روحي يؤثر في المادة). النظرية الثنائية الوحيدة التي ما زالت صامدة حتى يومنا هذا هي نظرية العقل داخل العقل. لا يوجد سبب للافتراض بأن مصير هذه النظرية سيكون أفضل من سابقاتها.

ملاحظة للتوضيح: العلم الحديث نفى وجود علاقة سببية بين المادة وبين أي جوهر آخر غير مادي، ولكن العلم الحديث لم ينف (ولا يمكنه أن ينفي) وجود جوهر غير مادي لا يؤثر سببيا في المادة. طبعا نحن نقول هذا الكلام في إطار إحساسنا وإدراكنا، ولكننا لا ندري إن كانت هناك أمور أخرى تقع خارج نطاق إحساسنا وإدراكنا. أنا لست من الماديين الذين يجزمون بأن المادة هي كل شيء في الوجود. أنا أتحدث فقط عن الأمور التي أدركها. بالنسبة لي أنا لا أدرك شيئا غير مادي في هذا الكون، ولكنني في نفس الوقت لا أستطيع أن أجزم بعدم وجود أشياء غير مادية. الأشياء غير المادية (لو وجدت) لا تؤثر سببيا في المادة، على الأقل ليس في نطاق إدراكنا الأكيد.

هل هناك شيء يدرك ما في داخل العقل؟

العملية العقلية المسماة introspection تعني وجود شيء يدرك ما في داخل العقل (سواء كان هذا الشيء هو العقل نفسه كما في تعريفي أم “الوعي” كما في تعريف الثنائيين). هناك نظريات عديدة طرحت حول ماهية هذا الشيء الذي يدرك ما في داخل العقل، ولكنني أتساءل إن كان هذا الشيء موجودا بالفعل؟

الفيلسوف David Hume قال ما يلي في معرض رده على مقولة ديكارت “أنا أفكر إذن أنا موجود”:

“It must be some one impression, that gives rise to every real idea. But self or person is not any one impression, but that to which our several impressions and ideas are supposed to have a reference. If any impression gives rise to the idea of self, that impression must continue invariably the same, through the whole course of our lives; since self is supposed to exist after that manner. But there is no impression constant and invariable. Pain and pleasure, grief and joy, passions and sensations succeed each other, and never all exist at the same time. It cannot, therefore, be from any of these impressions, or from any other, that the idea of self is derived; and consequently there is no such idea.”

David Hume, A Treatise of Human Nature

هذا الكلام هو نفي لوجود الذات self، ولكنني عندما قرأته شعرت بأنه يصلح لنفي وجود “الوعي” بالمعنى الذي تدل عليه كلمة introspection.

David Hume يعتبر أن جميع أفكار الإنسان هي في المحصلة نابعة من الإدراك الحسي perception، ولكنه يميز بين نوعين من الأفكار: النوع الأول هو الانطباعات impressions، والمقصود بها هو المدركات الحسية والعواطف القوية والمباشرة (مثلا الرؤية والسمع والحب والكره إلخ). النوع الثاني هو الأفكار ideas النابعة من الانطباعات.

هذا التقسيم يعجبني لأنه يبدو واقعيا ويتناسب مع آلية عمل الدماغ البشري كما أفهمها. الدماغ البشري يستقبل بيانات حسية من خارج الجسم وداخله. هذه البيانات الحسية هي ما يقصده Hume بالانطباعات. الدماغ البشري ينتج أيضا الأفكار بشكل ذاتي بعد معالجة البيانات الحسية، وهذا هو ما يقصده Hume بالأفكار الناتجة من الانطباعات.

Hume يقول أن كل فكرة حقيقية هي نابعة من انطباع. مفهوم “النفس” self هو ليس انطباعا ولكنه فكرة دائمة يفترض أن جميع الانطباعات والأفكار في العقل البشري تعود إليها. فكرة النفس لا بد أن تكون نابعة من أحد الانطباعات، وهذا الانطباع لا بد أن يكون دائما وثابتا طوال فترة حياة الإنسان. المشكلة هي أنه لا يوجد أي انطباع يحقق هذا الشرط: الألم والمتعة، الحزن والفرح، العواطف والأحاسيس كلها تتبع بعضها ولا تكون في آن واحد. لهذا السبب فكرة النفس لا يمكن أن تكون مشتقة من أي من هذه الانطباعات أو غيرها، ولهذا السبب فكرة النفس هي غير موجودة. اهـ.

هذا الكلام لـ Hume لم يلق تأييدا من بقية الفلاسفة، ولكنني عندما قرأته شعرت بأنه يصلح لنفي وجود “الإنسان الصغير” داخل العقل. وجود الإنسان الصغير داخل العقل هو ليس من المدركات الحسية وليس من العواطف، إذن لا بد أنه فكرة نشأت في العقل. الأفكار تنشأ في العقل بسبب معالجة المدركات الحسية والعواطف، ولكن ما هي المدركات الحسية والعواطف التي أدت معالجتها إلى إنتاج فكرة الإنسان الصغير؟ لا يمكن ربط فكرة الإنسان الصغير بأي من المدركات الحسية أو العواطف، بالتالي هذه الفكرة لا وجود لها وهي مجرد وهم. الناس يتوهمون وجود الإنسان الصغير ولكن هذا الإنسان هو ليس عملية عقلية حقيقية.

هذا الكلام ربما لن يعجب كثيرا من الناس. أنا لا أجزم بأنه صحيح. في كل الأحوال أنا مقتنع بأن David Hume هو أحد أنبه الفلاسفة في التاريخ. طروحات هذا الرجل تبدو متوافقة مع المفاهيم التي نعرفها حاليا عن الدماغ، رغم أنه عاش في القرن 18.

David Hume بالمناسبة رفض فكرة “الجوهر” substance من أساسها واقترح بدلا من ذلك فكرة تسمى “نظرية الحزمة” bundle theory. هذه النظرية تقول أن كل الأشياء الموجودة في الكون هي عبارة عن “حزم” من الخصائص properties. لا يوجد في الكون جوهر بلا خصائص، وبالتالي افتراض وجود الجوهر هو مجرد فذلكة لا لزوم لها.

هل هناك شعور شخصي؟

فيما سبق تحدثت عن الخاصية المسماة introspection والتي هي إحدى أهم مرتكزات فكرة “الوعي” الذي يدرك ما في داخل عقل الإنسان. الآن سوف أتحدث عن خاصية “الشعور الشخصي” subjectivity، التي هي أيضا من المرتكزات الهامة لفكرة “الوعي”.

المقصود بالشعور الشخصي هو الأشياء التي تتولد في عقل الإنسان نتيجة لإدراك العقل للمدركات الحسية perceptions. وفق المنطق الثنائي تعريف الشعور الشخصي يجب أن يكون هكذا “هو الأشياء التي تتولد في الوعي نتيجة لإدراك الوعي للمدركات الحسية الموجودة في العقل” أو “هو الأشياء التي تتولد في العقل نتيجة لإدراك العقل للمدركات الحسية الموجودة في الدماغ”.

للتوضيح سوف نعود مجددا إلى صورة الإنسان الصغير:

الإنسان الصغير في الصورة يشاهد صورة البيضة المقلية على لوحة عرض سينمائي داخل الدماغ. الأشياء التي تظهر على لوحة العرض السينمائي هي “الشعور الشخصي”؛ هي تحديدا الكيفية التي يدرك بها الإنسان الصغير المدركات الحسية الموجودة في الدماغ.

مثلا لنأخذ صورة البيضة المقلية كمثال. الإنسان الكبير شاهد هذه الصورة بعينيه. الإشارات العصبية انتقلت من شبكية العينين عبر الأعصاب البصرية إلى قشرة المخ. الإشارات العصبية التي تولدت في قشرة المخ بسبب رؤية البيضة المقلية هي الإدراك perception الدماغي لصورة البيضة المقلية. الإنسان الصغير عندما يدرك الإشارات العصبية التي في قشرة المخ فإنه يدركها على هيئة صورة البيضة المقلية كما تظهر في “الوعي”. هذا الإدراك الحسي النهائي الذي يظهر في الوعي هو الشعور الشخصي subjective experience، وهو يختلف عن الإدراك الدماغي الفيزيائي. طبعا الشعور الشخصي لا يتعلق بحاسة الرؤية فقط ولكنه يتعلق بكل الحواس.

جميع المدركات الحسية التي يشاهدها الإنسان الصغير على لوحة العرض السينمائي تسمى “الشعور الشخصي”. المشهد الواحد على شاشة العرض يسمى qualia (مثلا لو شاهد شخص كرة حمراء وسمع زقزقة طائر فهذا سينتج في عقله اثنين من الـ qualia).

الثنائيون يعتبرون وجود الشعور الشخصي أو الـ qualia دليلا على صحة مذهبهم، ولكن المشكلة هي أنه لا يوجد دليل ملموس يثبت وجود “الشعور الشخصي”. الثنائيون يعتبرون أن وجود الشعور الشخصي هو أمر يعرفه الناس بالفطرة، ولكن هذا الكلام هو ليس دليلا. فطرة الناس كثيرا ما تكون خاطئة.

ما يلي مثال على الحجج العقلانية التي يطرحها الثنائيون لإثبات وجود الشعور الشخصي:

http://plato.stanford.edu/entries/dualism/#ArgForDua

The knowledge argument asks us to imagine a future scientist who has lacked a certain sensory modality from birth, but who has acquired a perfect scientific understanding of how this modality operates in others. This scientist—call him Harpo—may have been born stone deaf, but become the world’s greatest expert on the machinery of hearing: he knows everything that there is to know within the range of the physical and behavioural sciences about hearing. Suppose that Harpo, thanks to developments in neurosurgery, has an operation which finally enables him to hear. It is suggested that he will then learn something he did not know before, which can be expressed as what it is like to hear, or the qualitative or phenomenal nature of sound. These qualitative features of experience are generally referred to as qualia. If Harpo learns something new, he did not know everything before. He knew all the physical facts before. So what he learns on coming to hear—the facts about the nature of experience or the nature of qualia—are non-physical. This establishes at least a state or property dualism.

هذا الطرح يسمى “حجة المعرفة” knowledge argument وفكرته باختصار هي كما يلي:

  • لنتخيل أننا في المستقبل بعد تقدم العلم وتمكنه من كشف كل أسرار الدماغ والجهاز العصبي.
  • لنتخيل إنسانا مصابا بالصمم منذ ولادته.
  • هذا الإنسان درس العلوم العصبية وأصبح لديه فهم كامل لآلية السمع من الناحية الفيزيائية والسلوكية وهو يدرك تماما ما هي الآلية الفيزيائية التي يسمع من خلالها الإنسان الأصوات.
  • لاحقا أجريت عملية لهذا الشخص أعادت له سمعه المفقود منذ الولادة.
  • هذا الشخص سوف يفاجئ عندما يسمع الأصوات لأول مرة وسوف يشعر بأنه عرف شيئا جديدا لم يكن يعرفه من قبل (هو الشعور الشخصي بالأصوات)، رغم أنه يفهم بشكل كامل الآلية الفيزيائية التي تجعل الناس يسمعون الأصوات.
  • طالما أنه فوجئ وتعلم شيئا جديدا (رغم أنه يفهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل) فهذا يعني أن الشعور الشخصي بالأصوات هو ليس شيئا فيزيائيا، وإلا لما كان فوجئ به.

الرابط الذي في الأعلى فيه ردود فلسفية على هذه الأطروحة. رأيي الشخصي هو أن الرد على هذه الأطروحة ليس أمرا صعبا لأنها قائمة على منطق دائري circular reasoning، بمعنى أن افتراضاتها هي من الأساس افتراضات غير مثبتة وتنص على نفس الفكرة التي تهدف الأطروحة لإثباتها.

الأطروحة تفترض أن الشخص المصاب بالصمم لا يمكنه أبدا أن يدرك “الشعور الشخصي” بالأصوات حتى لو فهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل. لا أدري هو الشيء الذي يثبت ذلك؟ أنا أرى عكس ذلك تماما. لو أن هذا الشخص الأصم فهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل فهو ما كان ليفاجئ عندما يستعيد سمعه وما كان ليشعر بأي “شعور شخصي” لم يتوقعه سابقا.

أصحاب الأطروحة يعتقدون أن الوعي هو شيء غير فيزيائي، ولهذا السبب هم يفترضون أن الشخص الأصم لا يمكنه أبدا أن يفهم آلية تجلي الأصوات في الوعي حتى لو فهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل. هذا الطرح بحد ذاته يحتاج لإثبات، لأنه طرح نظري خيالي يذكرنا بنظرية القوة الحيوية ونحوها.

لو فرضنا أن الشخص الأصم فهم الآلية الفيزيائية التي تتجلى بها حاسة السمع في الوعي فهو كان سيتوقع أو سيتخيل “الشعور الشخصي بالسمع” حتى لو لم يمتلك حاسة السمع.

طبعا الأطروحة التي في الأعلى هي نظرية إلى حد كبير، لأننا ما زلنا بعيدين عن الفهم الكامل لآلية عمل الدماغ البشري. نحن نجهل آلية عمل الدماغ، وهذا الجهل هو في رأيي السبب الأساسي الذي يجعل الناس يطرحون مثل هذه الأطروحات.

يجب أن نتذكر أن الدماغ هو معقد للغاية ويضم عددا كبيرا من التشابكات العصبية المتغيرة والمتداخلة على نحو هائل. لو فرضنا أن شخصا أصما حاول أن يفهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل (منذ لحظة سقوط الموجات الصوتية على طبلتي الأذنين وحتى تجلي الإشارات الصوتية في “الوعي”) فهو سيلاقي صعوبة بالغة لسببين، السبب الأول هو أن هذه الآلية معقدة للغاية، والسبب الثاني هو أن هذا الشخص الأصم ليست لديه خبرة في السمع ولا يعرف شعور السمع، بالتالي هو سيكون مضطرا لأن يعتمد بشكل كامل على الخيال حتى يتمكن من إدراك الشعور (المعقد) الذي يسميه الثنائيون بالشعور الشخصي بالأصوات. لو فرضنا أن هذا الشخص الأصم حقق المعجزة وتمكن من فهم آلية السمع بشكل كامل وتمكن من بناء تصور نظري للكيفية التي يتجلى بها شعور السمع في الوعي فهو لن يفاجئ (أو لن يفاجئ كثيرا) عندما يستعيد حاسة السمع.

الثنائيون المعاصرون طرحوا حججا أخرى لإثبات وجود الشعور الشخصي أو الـ qualia، وكل هذه الحجج هي ذات منطق دائري كالحجة التي رددنا عليها للتو. هناك مثلا الحجة المسماة zombie argument والتي تقوم على فرضية عجيبة غريبة لا يقبلها أي عقل لا يؤمن بالفكر الثنائي. أنا لن أتحدث عنها لأنها لا تضيف جديدا إلى موضوعنا.

أنا في الأعلى قلت أنني أشك في وجود عملية عقلية حقيقية تسمى introspection. بالتالي أنا أشك في وجود عملية عقلية حقيقية تسمى “الشعور الشخصي”. أنا لا أظن أن هناك شيئا يدرك ما في داخل العقل وبالتالي لا يوجد شيء يتم إدراكه خلال هذه العملية الوهمية.

ما هو الوعي؟

ما يلي هو خلاصة العرض السابق لخصائص الوعي:

  • القدرة على مطالعة ما في داخل الذات introspection
  • الشعور الشخصي subjectivity أو sentience
  • إدراك الذات self-awareness
  • إدراك الذوات الأخرى intentionality

في رأيي أن العمليتين المسماتين introspection و subjectivity قد تكونان مجرد وهم، وأما إدراك الذات وإدراك الذوات الأخرى فهو حقيقة، ولكنني لا أظن أن هذين المفهومين يعبران عن عمليات عقلية مستقلة ولكنهما مجرد شكل من أشكال المعرفة.

العمليتان المسماتان introspection و subjectivity هما أهم أركان مفهوم “الوعي” consciousness وفق الفهم التقليدي لهذا المفهوم، وهما أيضا أهم أركان مفهوم العقل mind لدى أصحاب الفكر الثنائي. نفي وجود هاتين العمليتين يعني أن مفاهيم الوعي والعقل كما يفهمها الثنائيون هي مجرد أوهام شبيهة بوهم القوة الحيوية ونحوه.

في رأيي (المتواضع) أن الشعور الذي يصفه الناس بالوعي يرتكز أساسا على ثلاث عمليات معرفية cognitive هي ما يلي:

  • إدراك الذات self-awareness
  • إدراك الذوات الأخرى intentionality
  • الإنتباه attention

هذه العمليات هي ليست عمليات مستقلة ولكنها متفرعة من عمليات أخرى. إدراك الذات والذوات الأخرى هو نابع من ثلاث عمليات معرفية أساسية هي الإدراك الحسي perception والمعالجة المنطقية reasoning والذاكرة memory. الإنتباه attention هو عملية معرفية متفرعة من عملية الإدراك الحسي perception. معنى الإنتباه هو أن يقوم العقل بتوجيه قسم من طاقته الإدراكية الحسية نحو شيء معين. مثلا الإنسان عندما يرى أمامه منظرا لافتا فإنه يقوم بتوجيه طاقته الإدراكية الحسية perceptive نحو هذا المنظر، وعندها نقول أن الإنسان هو منتبه لهذا المنظر. الإنسان يمكنه أن ينتبه لأكثر من شيء في آن واحد، وبالتالي الطاقة الإدراكية الحسية يمكن أن تتوزع على أكثر من شيء في آن واحد.

إدراك الإنسان لذاته وللذوات الأخرى هو شيء جوهري بالنسبة لحياته. لو أن الإنسان فقد هذا الإدراك (أو أن هذا الإدراك أصيب بالضعف أو التشوش) فهذا سيؤدي إلى كارثة كبيرة. لهذا السبب الإنسان هو دائما متيقظ vigil فيما يتعلق بإدراكه لذاته وللذوات الأخرى. معنى التيقظ vigilance هو ببساطة الإنتباه الدائم. الإنسان هو منتبه بشكل دائم لذاته وللذوات المحيطة به. هذه المسألة لا يمكن للإنسان أن يتهاون بها لأنها أهم شيء يتعلق بوجوده في هذا العالم المحسوس. لو فرضنا أن الإنسان “نسي” حدود جسمه وحدود الأجسام الأخرى فهذا يعني أنه سيضيع بشكل كامل ولن يفهم أي شيء مما يجري حوله.

إذن العقل البشري يوجه بشكل دائم قسما من طاقته الإدراكية الحسية نحو الذات ونحو الذوات المحيطة. في رأيي أن هذه العملية لها دور في خلق الشعور لدى الناس بوجود “عقل” أو “وعي” يقرأ ما يدور في أدمغتهم، ولكن هذا الشعور هو مجرد وهم. العقل (الذي هو نفسه الدماغ) لا يدرك ما يدور في داخله ولكنه يدرك أين تنتهي حدود الجسم الذي هو موجود فيه وأين تبدأ حدود العالم الخارجي. هذا الإدراك القائم بشكل مستمر (بسبب التيقظ) هو الذي يولد لدى الناس المشاعر التي توصف بعبارات من قبيل introspection و subjectivity و consciousness. هذه المشاعر هي حقيقية، ولكن فهمها وتعريفها على النحو الشائع بين الناس هو مجرد وهم.

والله أعلم.

تطور الإنسان (6)

رسم من عام 1920 يظهر مجموعة من النياندرثال، وأحدهم يحمل رمحا موسترية Mousterian

 

تحدثت في الأجزاء السابقة من هذا الموضوع عن الأجيال البشرية الأولى. من الممكن أن نلخص هذه الأجيال كما يلي:

الجيل الأول (الباكر) هو جيل الإنسان الماهر Homo habilis وإنسان رودولف Homo rudolfensis. هذا الجيل عاش تقريبا من 2,5 مليون سنة قبل الوقت الحالي إلى 1,5 مليون سنة قبل الوقت الحالي. هذا الجيل عاصر القرود الجنوبية النحيلة gracile australopithecines حتى 2 مليون سنة قبل الوقت الحالي، وبعد ذلك عاصر القرود الجنوبية الغليظة robust australopithecines (المسماة أيضا Paranthropus) والإنسان العامل Homo ergaster في الفترة الممتدة بين 2 مليون و1,5 مليون عام قبل الوقت الحالي. هذا الجيل كان صغير الدماغ لا يزيد حجم دماغه في أحسن الأحوال عن 600-700 سم مكعب، وهو كان يعتاش أساسا من صناعة الأدوات الألدوية Oldowan التي كان يستخدمها في نهش الجيف ونبش الفطور والجذور من باطن الأرض، وربما كان يمارس الصيد أيضا بشكل محدود. هذا الجيل لم يخرج من أفريقيا.

الجيل الثاني (المتوسط) يشمل الإنسان الجورجي Homo georgicus والإنسان العامل Homo ergaster والإنسان المنتصب Homo erectus والإنسان الموريتاني Homo mauritanicus والإنسان الطليعيHomo antecessor . هذا الجيل ظهر تقريبا قبل مليوني عام في أفريقيا، وبعد ذلك انتشر نحو غرب آسيا ومن هناك نحو شرق آسيا وأوروبا. هذا الجيل انقرض من أفريقيا في الفترة الممتدة بين 800,000-500,000 عام قبل الوقت الحالي. بالنسبة لشرق آسيا فالإنسان المنتصب ربما ظل موجودا هناك حتى 50,000-30,000 عام قبل الوقت الحالي (أو حتى 550,000-143,000 عام قبل الوقت الحالي وفقا لرأي آخر). في أوروبا الصناعة المسماة Clactonian ظلت موجودة حتى 100,000 عام قبل الوقت الحالي. هذه الصناعة قبل-الأشولية تنسب عادة للإنسان المنتصب، ولكنها في رأيي ربما تعود للإنسان الطليعي (الذي هو نفسه الإنسان المنتصب على أي حال).

حجم أدمغة الجيل البشري الثاني اقترب من 1000 سم مكعب. هذا الجيل استخدم كلا من الأدوات الألدوية والأدوات الأشولية Acheulian (وأيضا الأدوات الألدوية الشبيهة بالأشولية التي استخدمت في شرق آسيا وسورية وأوروبا). هذا الجيل تخلى تدريجيا عن حياة النهش والنبش وصار يركز على الصيد وجمع الثمار hunting and gathering.

الجيل الثالث (المتأخر) يشمل إنسان روديسيا Homo rhodesiensis وإنسان هايدلبرغ Homo heidelbergensis وإنسان نياندرثال Homo neanderthalensis والإنسان الحكيم الحديث Homo sapiens sapiens. هذا الجيل ظهر تقريبا قبل 800,000-600,000 عام، ويعتقد أن أصوله تعود إلى أفريقيا وأنه انتشر من هناك نحو جميع أنحاء العالم على عدة دفعات. أولى هجرات هذا الجيل من أفريقيا هي ربما الهجرة التي أوصلت إنسان هايدلبرغ إلى أوروبا قبل حوالي 600,000 عام، وآخر الهجرات هي هجرة الإنسان الحكيم الحديث قبل حوالي 100,000 عام.

حجم أدمغة الجيل الثالث هو نفس حجم أدمغة البشر المعاصرين (أكثر من 1000 سم مكعب). هذا الجيل استخدم الأدوات الأشولية منذ البداية ولم يستخدم الأدوات الألدوية، وهو كان يعتاش من الصيد وجمع الثمار. هذا الجيل بدأ باستخدام الصناعة الأشولية الموروثة من الجيل السابق ولكنه طور هذه الصناعة قبل حوالي 600,000 عام إلى صناعة أكثر إتقانا تسمى أحيانا “الأشولية المتأخرة” Later Acheulian. الفؤوس الأشولية المتأخرة تتميز بأنها أرق وأكثر تناظرا وتشذيبا من الفؤوس الأشولية الأقدم.

الفترة الأشولية المتأخرة (بين 600,000-300,000 عام قبل الوقت الحالي) شهدت انتقالا تدريجيا نحو الصناعة الموسترية Mousterian (نسبة إلى موقع Le Moustier في فرنسا). الصناعة الموسترية بدأت تقريبا قبل 300,000 عام وانتهت قبل 30,000 عام. فترة الصناعة الموسترية تسمى الحقبة الباليوليثية الوسطى Middle Paleolithic.

الصناعة الموسترية تعتمد على تقنية تسمى التحضير المسبق للقلب prepared-core technique. المقصود بهذه التقنية هو تحضير الحجر الخام (الذي يسمى “القلب” core) قبل طرقه.

صناعة الأدوات الحجرية عموما تعتمد على طرق حجر صوان خام بحجر آخر (الحجر المطروق يسمى “قلب” core، والحجر الطارق يسمى “حجر مطرقة” hammerstone، وعملية الطرق تسمى knapping). طرق القلب يؤدي إلى تشظيه. الشظايا تكون ذات أطراف حادة وتسمى رقائق flakes. الرقائق كانت تستخدم كأدوات للتقطيع ونحو ذلك، وأيضا القلب المطروق كان يستخدم أحيانا كأداة تقطيع.

هذا المقطع يبين شخصا يطرق قلبا من الصوان بحجر مطرقة بهدف الحصول على رقائق:

 

الصناعة الأشولية كانت تستخدم رقائق كبيرة (أو القلب بعد طرقه) كفؤوس حجرية عبر تركيبها على عصي خشبية (العصي الخشبية التي تحمل فؤوسا أو أنصالا تسمى hafts). ما يلي صورة تبين كيفية صناعة فأس أشولية:

 

البشر في الزمن الألدوي والأشولي كانوا يأخذون الحجر الخام (القلب) من الأرض ويطرقونه كما هو. النتيجة هي أن الرقائق الناتجة كانت ذات أشكال متغيرة وغير معروفة سلفا (وغير متناسقة). مبدأ الصناعة الموسترية هو تهذيب القلب وتشكيله بشكل معين قبل طرقه لاستخلاص الرقائق منه. النتيجة هي أن الرقائق الناتجة عن طرقه كانت ذات أشكال متناسقة ومعلومة سلفا.

أشيع أشكال تقنية التحضير المسبق للقلب هي التقنية المسماة Levallois. القلب المحضّر بهذه التقنية يسمى “قلب السلحفاة” tortoise core لأن شكله يشبه صدفة السلحفاة.

هذا المقطع يبين شخصا يقوم بتحضير قلب وفق تقنية Levallois:

 

الصورة التالية تبين قلبين محضرين وفق تقنية Levallois. القلب الذي بالأعلى طرق للحصول على رقاقة flake، والقلب الذي بالأسفل طرق للحصول على نصل مقذوف projectile point:

Levallois technique

القلوب المحضرة بتقنية Levallois كانت كثيرا ما تستخدم لإنتاج أنصال المقذوفات projectile points (أنصال الرماح والسهام). إنتاج أنصال المقذوفات شاع خلال العصر الباليوليثي الأوسط وأصبح بديلا للفؤوس الحجرية الأشولية. الباحثون يرون أن أنصال المقذوفات التي أنتجت خلال العصر الباليوليثي الأوسط كانت تركب على عصي خشبية طويلة لإنتاج رماح كانت تستخدم في الصيد. الرماح هي أنفع في الصيد من الفؤوس. بالنسبة للسهام أو النبال فغالبية الباحثين يرون أنها شاعت خلال العصر الباليوليثي الأعلى Upper Paleolithic (الذي هو العصر التالي للعصر الباليوليثي الأوسط وبدأ قبل حوالي 50,000-40,000 عام).

نصل سهم من الحجر

 

الباحثون تقليديا يربطون الصناعة الموسترية (والعصر الباليوليثي الأوسط) بإنسان نياندرثال، ويربطون العصر الباليوليثي الأعلى بالإنسان الحكيم الحديث. عندما كانوا يجدون أدوات موسترية في موقع ما كانوا يفترضون أنها من مخلفات إنسان نياندرثال، وعندما كانوا يجدون أدوات من العصر الباليوليثي الأعلى في موقع ما كانوا يفترضون أنها من مخلفات الإنسان الحكيم الحديث. كان هناك أيضا اعتقاد بأن الإنسان الحكيم الحديث تطور من إنسان نياندرثال (أو على الأقل بعض البشر المعاصرين تطوروا من إنسان نياندرثال). لهذا السبب إنسان نياندرثال كان يصنف ضمن فئة “الإنسان الحكيم العتيق” Homo sapiens archaicus.

هذه المقاربة لم تعد مقبولة حاليا. غالبية الباحثين حاليا يرون أن الإنسان الحكيم وإنسان نياندرثال عاشا معا خلال العصر الباليوليثي الأوسط. إنسان نياندرثال هو كائن أوروبي الأصل تمدد إلى آسيا بسبب تقلبات المناخ في أوروبا، والإنسان الحكيم هو كائن أفريقي الأصل. إنسان نياندرثال والإنسان الحكيم كلاهما متحدران من أصل مشترك هو إنسان هايدلبرغ/روديسيا الذي هاجر من أفريقيا إلى أوروبا قبل حوالي 600,000 عام. بالإضافة إلى ذلك الباحثون حاليا يرون أن الإنسان الحكيم استخدم الأدوات الموسترية خلال العصر الباليوليثي الأوسط، وبالتالي هذه الأدوات لم تكن حكرا على إنسان نياندرثال. أيضا هناك باحثون يرون أن إنسان نياندرثال قبيل انقراضه استخدم أدوات العصر الباليوليثي الأعلى.

تصنيف الأجيال البشرية

كما قلنا في الأعلى فإن الجيل البشري الثالث (إنسان هايدلبرغ/روديسيا وأولاده) يتميز بحجم دماغ كبير يفوق 1000 سم مكعب. حجم أدمغة البشر المعاصرين يتراوح بين 1000-1900 سم مكعب. حجم أدمغة إنسان هايدلبرغ/روديسيا وإنسان نياندرثال يتراوح بين 1100-1400 سم مكعب، وكما ذكرنا في مقال سابق فإن بعض الباحثين الآن يقولون أن حجم دماغ إنسان نياندرثال (والإنسان الحكيم الباكر) كان في المتوسط أكبر من حجم دماغ البشر المعاصرين.

الخلاصة هي أن أحجام أدمغة الجيل البشري الثالث لم تتغير بقدر مهم منذ 800,000 عام وحتى يومنا هذا.

الباحثون تقليديا كانوا يصنفون إنسان هايدلبرغ/روديسيا وإنسان نياندرثال تحت عنوان “الإنسان الحكيم العتيق” (Archaic Homo sapiens أو Homo sapiens archaicus)، وكانوا يسمون البشر المعاصرين “الإنسان الحكيم الحديث” (modern Homo sapiens أو Homo sapiens sapiens). هذه التسميات تعني أنهم لم يكونوا يعتبرون كائنات الجيل البشري الثالث أنواعا species مختلفة عن البشر المعاصرين.

وفق المنطق القديم جميع الكائنات البشرية يجب أن تصنف في أربع فئات:

  • الإنسان الماهر Homo habilis
  • الإنسان المنتصب Homo erectus
  • الإنسان الحكيم العتيق Homo sapiens archaicus
  • الإنسان الحكيم الحديث Homo sapiens sapiens

 

الإنسان الحكيم العتيق هو ليس نوعا منفصلا عن الإنسان الحكيم الحديث، وبالتالي جميع البشر هم مصنفون ضمن ثلاثة أنواع فقط. كل نوع يعبر عن جيل من الأجيال التي ذكرتها في الأعلى.

الإنسان المنتصب ظل يعيش حتى بعد ظهور الإنسان الحكيم العتيق، ولو قبلنا منطق نظرية الأصل المتعدد (التي تقول أن التزاوج بين الإنسان المنتصب وبين الإنسان الحكيم العتيق كان أمرا ممكنا) فهذا يوصلنا إلى أن الإنسان المنتصب هو أيضا صنف من أصناف الإنسان الحكيم العتيق.

هذا الأسلوب في التصنيف تعرض لهجمة إعلامية كبيرة في أواخر القرن العشرين، وبعد ذلك سادت النزعة التشطيرية التي أنتجت مصطلحات من قبيل Homo ergaster و Homo neanderthalensis إلخ.

في الآونة الأخيرة منطق التشطير بدأ يشهد تراجعا (بسبب اكتشاف مستحاثات جديدة وبسبب ظهور نتائج دراسات جينية لا تدعم طروحات المشطرين). أنا أظن أن الباحثين سوف يعودون في النهاية لنفس المنطق القديم في التصنيف.

وفق المنطق القديم اسم إنسان نياندرثال يجب أن يكتب هكذا Homo sapiens neanderthalensis. هذه الكتابة تعني أن إنسان نياندرثال هو مجرد “عرق” (subspecies) من أعراق الإنسان الحكيم. الإنسان الحكيم الحديث Homo sapiens sapiens هو في الأصل عرق أفريقي انتشر في جميع أنحاء العالم. إنسان نياندرثال هو عرق أوروبي الأصل.

بالنسبة لي فأنا غير مقتنع بأسلوب التشطير ولكنني أستخدمه بهدف تسهيل الكتابة وزيادة الوضوح. عندما أكتب مصطلحات من قبيل Homo mauritanicus أو Homo rhodesiensis فأنا لا أقصد أن هذه تصنيفات بيولوجية صحيحة.

في الأسفل سوف أستمر في استخدام المصطلحات التشطيرية بهدف زيادة الوضوح ليس أكثر.

ذكاء الجيل الثالث

الجيل البشري الثالث (إنسان هايدلبرغ/روديسيا وإنسان نياندرثال والإنسان الحكيم) يتميز بحجم دماغ متماثل. السؤال البديهي الذي يطرح نفسه هو هل كان إنسان هايدلبرغ/روديسيا وإنسان نياندرثال والإنسان الحكيم العتيق يملكون نفس مستوى ذكاء البشر المعاصرين؟

إجابة هذا السؤال هي غامضة ومحل جدل. الباحثون عموما يتفقون على أن سلوك البشر القدماء كان يختلف كثيرا عن سلوك البشر المعاصرين. البشر الذين عاشوا قبل العصر الباليوليثي الأعلى Upper Paleolithic (الذي بدأ قبل 50,000-40,000 عام) كانوا يستخدمون الرموز بشكل محدود جدا، وهذا يدل على أن ثقافتهم كانت بدائية ومتخلفة جدا عن ثقافة البشر المعاصرين.

الثقافة culture تنقسم إلى ثقافة مادية material culture وثقافة غير مادية. أنا ذكرت سابقا ما هو معنى الثقافة المادية وغير المادية. كل البشر القدماء (منذ زمن الإنسان الماهر) يملكون ثقافة مادية تتمثل في أدواتهم، وأما الثقافة غير المادية فهي كانت ضعيفة جدا وشبه غائبة قبل العصر الباليوليثي الأعلى، بدليل أن البشر قبل هذا العصر لم يكونوا يستخدمون الرموز إلا بشكل محدود، والثقافة غير المادية تقوم على الرموز (اللغة والطقوس والفنون إلخ هي كلها عبارة عن تعابير رمزية).

الباحثون يتفقون على أن الثقافة الرمزية (الثقافة غير المادية) لم تظهر لدى البشر بشكلها المعاصر إلا قبل حوالي 50,000 عام عندما بدأ العصر الباليوليثي الأعلى. الخلاف بين الباحثين هو حول سبب هذه الطفرة الثقافية التي حصلت قبل 50,000 عام. بعض الباحثين يرون أن ما حدث هو طفرة بالمعنى البيولوجي، بمعنى أنهم يرون أن القدرات العقلية للبشر تطورت في ذلك الوقت وظهر عرق بشري جديد يمتلك قدرات عقلية شبيهة بقدرات البشر المعاصرين. هذا يعني أن البشر الذين كانوا يعيشون قبل العصر الباليوليثي الأعلى كانوا أغبياء أو متخلفين عقليا مقارنة بالبشر المعاصرين. هناك مدرسة أخرى ترفض هذا الطرح وترى أن ذكاء البشر لم يتغير “بيولوجيا” عندما بدأ العصر الباليوليثي الأعلى ولكن ما حصل هو مجرد طفرة ثقافية-اجتماعية شبيهة مثلا بالثورة الصناعية في أوروبا قبل 200 عام، أو ببداية عصر الزراعة في الشرق الأوسط قبل حوالي 10,000 عام.

إذن هناك اختلاف في النظرة لذكاء البشر القدماء الذين عاشوا قبل العصر الباليوليثي الأعلى.

سأكمل غدا.

مجددا عن الهيمنة الذكورية وأصل الزواج الأحادي

في مقال سابق تحدثت عن موضوع البطريركية (حكم الذكور) وذكرت النظرية التي تربط ظهور البطريركية بظهور مفهوم الأبوة قبل بضعة آلاف من السنين.

هيمنة الذكور على الإناث هي موجودة لدى الكثير من الحيوانات، بما في ذلك الرئيسيات (هي موجودة لدى كل القرود الكبيرة great apes).

هل ظهور الهيمنة الذكورية لدى القرود هو مرتبط باكتشاف الأبوة؟

لا أظن ذلك. هذا الكلام ليس له معنى.

على ما يبدو فإن الهيمنة الذكورية في عالم الحيوان هي فرع من ظاهرة أعم هي ظاهرة الطبقية dominance hierarchy.

المجتمعات الحيوانية عموما لا تقوم على مبدأ المساواة بين الأفراد egalitarianism، ولكنها تقوم على الطبقية.

إذا كانت هناك عدة طبقات في المجتمع فهذا يسمى linear dominance hierarchy، وإذا كان هناك فرد واحد يتحكم بكل المجتمع فهذا يسمى despotism.

القرود لا تعرف شيئا اسمه المساواة. هناك دائما تفاوت طبقي في مجتمعات القرود.

ما يحدد طبقة القرد هو خصائصه الجسمانية (حجمه وقوته إلخ). القرد الأقوى يتحكم بالقرد الأضعف.

القرد الأقوى يحصل على حصة أكبر من الغذاء، ويحصل على فرص أكبر للتزاوج مع الإناث.

هيمنة الذكور على الإناث في مجتمع القرود هي مرتبطة ربما بثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism. القرود الذكور هم أقوى بدنيا من الإناث، وهذا ربما هو سبب هيمنتهم على الإناث.

الباحثون يرون أن ثنائية الشكل الجنسية تنشأ في مجتمع لا يطبق الزواج الأحادي monogamy.

معنى الزواج الأحادي هو أن يتزوج الذكر من أنثى واحدة فقط. في حال عدم تطبيق الزواج الأحادي فإن الذكر يسعى للتواصل جنسيا مع عدد كبير من الإناث.

الإناث في أغلب أنواع الحيوانات هن أكثر انتقائية من الذكور في موضوع التزاوج، بمعنى أن الأنثى تضع معايير عالية نسبيا للذكر الذي يمكن أن تقبل بالتزاوج الجنسي معه. هذه الظاهرة تسمى mate choice.

السؤال هو لماذا تضع الإناث معايير أعلى من معايير الذكور للتزاوج الجنسي؟

الجواب هو نظرية تسمى parental investment. هذه النظرية تقول أن الإناث ينفقن من الوقت والجهد في موضوع التكاثر أكثر مما ينفقه الذكر، وبالتالي الأنثى يجب أن تكون أكثر حذرا من الذكر في اختيار شريكها الجنسي لأن هناك كما أكبر من المخاطرة في عملية التكاثر بالنسبة لها.

تشارلز داروين ميز بين ظاهرتين تتحكمان في عملية التطور:

  • الانتخاب الطبيعي natural selection
  • الانتخاب الجنسي sexual selection

معنى الانتخاب الطبيعي هو أن التطور evolution يفضل الخصائص التي تناسب بقاء النوع survival of species. مثلا التطور يفضل زيادة الذكاء عند البشر لأن الذكاء يناسب بقاء البشر. أيضا التطور يفضل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية لأن البكتيريا التي لا تقاوم المضادات الحيوية هي عرضة للفناء. التطور يفضل الحشرات المقاومة للمبيدات الحشرية لأن الحشرات التي لا تقاوم المبيدات الحشرية ستفنى، وهكذا.

الانتخاب الجنسي يتعلق بمعدل تكاثر الفرد reproductive success. التطور يفضل الأفراد القادرين على التكاثر بشكل أكبر من غيرهم.

الفرد الذي ينجب أكثر من غيره هو “أنسب” في منظور الانتخاب الجنسي. مفهوم المناسبة fitness هو جوهري في نظرية التطور (شعار نظرية التطور هو “البقاء للأنسب” survival of the fittest). أي شيء إيجابي من منظور الانتخاب الطبيعي أو الانتخاب الجنسي يجعل الفرد أنسب من غيره.

الذكر الأنسب في منظور الانتخاب الجنسي هو الذكر الأقدر على إنجاب الأبناء. لهذا السبب ذكور الحيوانات يسعون للتزاوج مع أكبر عدد ممكن من الإناث، لأن هذا يزيد من تكاثرهم وبالتالي “مناسبتهم”.

الأمور التي تجعل الذكر أنسب يمكن أن تجعل الأنثى أقل مناسبة. مثلا التزاوج المكثف يجعل الذكر أنسب لأنه يزيد من احتمالات تكاثره، ولكن التزاوج المكثف يمكن أن يضر بالأنثى، وبالتالي لدينا هنا تضارب في المناسبة بين الذكر والأنثى. مثل هذه الحالة تسمى sexual conflict أو sexual antagonism.

التزاوج المكثف هو من حيث المبدأ يفيد الأنثى كما الذكر، لأن مصلحة الأنثى هي إنجاب أكبر عدد ممكن من الأبناء، ولكن الإنجاب بالنسبة للأنثى هو مسألة عالية المخاطرة لأنه يتضمن عدة مراحل طويلة (حمل وولادة وإرضاع). لو فرضنا أن الأنثى خسرت طفلها أثناء الولادة فهذا يعني أنها أضاعت شهور الحمل التسعة دون أن تستفيد منها شيئا (ناهيك عن الأضرار البدنية والصحية). الذكر خلال تسعة شهور يمكنه نظريا أن يتزاوج مع آلاف الإناث (وبالتالي ينجب آلاف الأبناء) دون أن يخسر شيئا يذكر من الناحية البدنية والصحية، أما الأنثى فهي تعطل نفسها لمدة تسعة شهور على أمل إنجاب طفل واحد فقط، أي أن هناك فرقا كبيرا في نسبة المخاطرة.

هذا هو معنى نظرية الاستثمار الوالدي parental investment. فرص التكاثر بالنسبة للأنثى هي محدودة مقارنة مع الذكر، وبالتالي الأنثى يجب أن تكون أكثر حرصا في استثمار الفرص. لو تزاوجت الأنثى مع ذكر مريض أو ضعيف فهذا يزيد من احتمالات موت الطفل أو فشله تكاثريا، وبذلك تكون الأنثى قد خسرت مناسبتها (فشل الأنثى في التكاثر يعني أنها غير مناسبة).

بما أن الإناث هن أكثر انتقائية من الذكور فهذا يؤدي إلى ظهور التنافس بين الذكور على الإناث. التنافس بين الذكور هو محفز تطوري من شأنه تغيير أشكال الذكور نحو أشكال تساعد على كسب الإناث، وهذا هو سبب ظهور ثنائية الشكل الجنسية.

ما يلي من ويكيبيديا:

The sexual selection concept arises from the observation that many animals evolve features whose function is not to help individuals survive, but help them to maximize their reproductive success. This can be realized in two different ways:

  • by making themselves attractive to the opposite sex (intersexual selection, between the sexes); or
  • by intimidating, deterring or defeating same-sex rivals (intrasexual selection, within a given sex).

Thus, sexual selection takes two major forms: intersexual selection (also known as ‘mate choice’ or ‘female choice’) in which males compete with each other to be chosen by females; and intrasexual selection (also known as ‘male–male competition’) in which members of the less limited sex (typically males) compete aggressively among themselves for access to the limiting sex. The limiting sex is the sex which has the higher parental investment, which therefore faces the most pressure to make a good mate decision.

الصراع بين الذكور للوصول إلى الإناث يتجسد بشكلين، شكل سلمي يقوم على مبدأ السعي لكسب إعجاب الإناث (هذا الشكل يسمى intersexual selection)، وشكل آخر غير سلمي يقوم على مبدأ إقصاء المنافسين بالقوة (هذا الشكل يسمى intrasexual selection).

طاووس ذكر يستعرض جماله أمام أنثى بهدف إغرائها جنسيا. مثال الطاووس هو من الأمثلة التي طرحها داروين في كتابه The Descent of Man and Selection in Relation to Sex الذي شرح فيه مفهوم الانتخاب الجنسي. ريش الطاووس المزركش ليست له فائدة في موضوع بقاء النوع بل على العكس هو يعيق بقاء النوع بسبب حجمه الكبير وصعوبة التصرف به، بالتالي داروين رأى أن هذا الريش لا يمكن تفسيره وفق مبدأ الانتخاب الطبيعي. داروين رأى أن هذا الريش هو مثال على الانتخاب الجنسي لأن وظيفته في الأصل هي إغراء الإناث بهدف إقناعهن بالتزاوج مع هذا الذكر دون غيره.
الذكر على اليمين والأنثى على الشمال. هذه الصورة تبين ثنائية الشكل الجنسية لدى الطائر المسمى Common Pheasant

الصراع السلمي لكسب إعجاب الإناث يؤدي في المحصلة إلى “تحلية” الذكور وجعلهم أكثر جاذبية للإناث، أما الصراع غير السلمي فيؤدي إلى تنمية القوة البدنية للذكور وجعلهم أكثر قدرة على القتال والعراك. النوع الثاني تحديدا هو الذي أدى إلى هيمنة الذكور على الإناث، لأن الصراع البدني المستمر بين الذكور جعلهم أقوى بدنيا من الإناث، وفي عالم الحيوان الأقوى بدنيا يتحكم بالأضعف.

ما سبق هو نظرية تقليدية تفسر ظهور الهيمنة الذكورية على الإناث. هناك نظريات أخرى غير هذه النظرية، ولكن الآن أنا لن أتطرق سوى لهذه النظرية.

الزواج الأحادي

الزواج الأحادي monogamy هو ظاهرة نادرة نسبيا في عالم الحيوان. من مميزات الكائنات التي تمارس الزواج الأحادي أنها لا تبدي قدرا كبيرا من ثنائية الشكل الجنسية. بعض الباحثين يقولون أن ثنائية الشكل الجنسية قلت تدريجيا في مستحاثات الجنس البشري منذ زمن القرود الجنوبية وحتى يومنا هذا، ما يدل على أن الزواج الأحادي ليس ميزة أصلية في عائلة القرود الكبيرة ولكنه بدعة ظهرت لدى الجنس البشري.

أنا في السابق ورطت نفسي وذكرت نظرية تتعلق بسبب ظهور الزواج الأحادي لدى البشر. هذا الموضوع ما كان يجب أن أخوض فيه لأنه موضوع جدلي وفيه كلام كثير.

النظرية التي ذكرتها سابقا حول سبب ظهور الزواج الأحادي هي نظرية تقليدية شائعة، ولكنها ليست محل إجماع. هناك باحثون يرفضون هذه النظرية ويطرحون نظريات أخرى.

بعض الباحثين يرون أن هناك علاقة بين نمط ترحال الإناث female ranging patterns وبين ظهور الزواج الأحادي. في رأي هؤلاء أن الزواج الأحادي يظهر عندما يعجز الذكر عن مجاراة ترحال الإناث وتنقلاتهن، خاصة وأن هناك ذكورا آخرين ينافسونه عليهن. عندما يكون انتشار الإناث واسعا فإن المحافظة عليهن تصبح صعبة والأسهل هو الاكتفاء بأنثى واحدة (وفقا لمنطق هذه النظرية).

هناك باحثون يرون أن السبب الرئيسي لظهور الزواج الأحادي هو حماية الأطفال الرضع من القتل:

http://www.pnas.org/content/early/2013/07/24/1307903110

Although common in birds, social monogamy, or pair-living, is rare among mammals because internal gestation and lactation in mammals makes it advantageous for males to seek additional mating opportunities. A number of hypotheses have been proposed to explain the evolution of social monogamy among mammals: as a male mate-guarding strategy, because of the benefits of biparental care, or as a defense against infanticidal males. However, comparative analyses have been unable to resolve the root causes of monogamy. Primates are unusual among mammals because monogamy has evolved independently in all of the major clades. Here we combine trait data across 230 primate species with a Bayesian likelihood framework to test for correlated evolution between monogamy and a range of traits to evaluate the competing hypotheses. We find evidence of correlated evolution between social monogamy and both female ranging patterns and biparental care, but the most compelling explanation for the appearance of monogamy is male infanticide. It is only the presence of infanticide that reliably increases the probability of a shift to social monogamy, whereas monogamy allows the secondary adoption of paternal care and is associated with a shift to discrete ranges. The origin of social monogamy in primates is best explained by long lactation periods caused by altriciality, making primate infants particularly vulnerable to infanticidal males. We show that biparental care shortens relative lactation length, thereby reducing infanticide risk and increasing reproductive rates. These phylogenetic analyses support a key role for infanticide in the social evolution of primates, and potentially, humans.

ظاهرة قتل الأطفال الرضع infanticide هي شائعة في عالم الحيوان (راجع مقالات ويكيبيديا). هذه الظاهرة كانت شائعة أيضا لدى البشر إلى وقت قريب. الباحثون يرون أن هناك أكثر من سبب وراء هذه الظاهرة. أحد الأسباب هو الخوف من الإملاق (الفقر).

في كثير من المجتمعات البشرية كان يتم تقديم الأطفال كقرابين وأضاحي للآلهة. هذه الممارسة كانت شائعة لدى الكنعانيين في سورية الكبرى والمغرب العربي. اليونانيون والرومان كان يرفضون التضحية بالأطفال ويعتبرون هذا عملا بربريا، ولكن رغم ذلك فإن ظاهرة رمي الأطفال الرضع على قارعة الطريق كانت شائعة نسبيا في اليونان وإيطاليا. السبب وراء هذه الظاهرة هو في الأساس سبب اقتصادي. إذا كان الإنسان لا يحتمل كلفة تربية طفل فإنه كان يلقيه على قارعة الطريق (إذا كان الطفل محظوظا فإن الآلهة تنقذه وتهيء له شخصا يربيه كما ورد كثيرا في القصص اليونانية القديمة).

المصريون القدماء كانوا لا يقبلون قتل الأطفال الرضع وكانوا يلتقطون الأطفال المرميين في الشوارع والمزابل ويربونهم. الكاتب اليوناني إسطرابون قال أن من خصائص المصريين أنهم يربون جميع الأطفال بلا استثناء. حسب معلوماتي فإن مصر القديمة كانت ربما أغنى بلد في العالم بالغذاء، وهذا ربما يكون السبب الذي جعل المصريين يهتمون بحياة الأطفال.

قتل الأطفال الرضع كان موجودا لدى عرب الجاهلية، بدليل الآية القرآنية التي تقول {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}. من المعروف أيضا أن العرب كانوا يئدون البنات الرضع لسبب مركب اقتصادي-اجتماعي. بما أن عرب الجاهلية كانوا في الغالب فقراء فمن المتوقع أنهم كانوا يمارسون قتل الأطفال بكثرة نسبية.

قتل الأطفال لسبب اقتصادي هو موجود أيضا في عالم الحيوان. إناث القرود من الممكن أن يقتلن أطفالهن عندما لا يكون هناك غذاء كاف (ومن الممكن حتى للأم أن تأكل طفلها)، ولكن هذا نادر.

قتل الأطفال الرضع في عالم الحيوان يحدث في الغالب لسبب جنسي. الذكور في الغالب هم الذين يقتلون أطفال الإناث، لأن الأنثى في فترة الإرضاع لا تكون قادرة على التزاوج.

إناث غالبية الثدييات لا تمتلك الرغبة الجنسية سوى في فترة محددة من الدورة الشهرية هي الفترة يبلغ فيها إفراز الإستروجين ذروته قبيل الإباضة ovulation. هذه الفترة تسمى فترة النزو أو الشبق estrus. خلال هذه الفترة الأنثى تكون خصبة (مهيئة للحمل والإنجاب).

طبعا الدورة الشهرية لدى إناث غالبية الثدييات لا تأتي في كل شهر. بعض الثدييات تأتيها الدورة مرة واحدة في العام، وهناك ثدييات تأتيها الدورة مرتين أو بضعة مرات في العام. هذه الدورات لا تنتهي بالضرورة بالنزف الطمثي الذي يحوي بطانة الرحم الساقطة (كما هو الحال لدى البشر) ولكنها في الغالب تنتهي دون نزف طمثي. النزف لو حصل فهو يكون خلال فترة الشبق وهو لا يحوي بطانة الرحم (سقوط بطانة الرحم يحصل عند الرئيسيات وبعض أنواع الوطاويط والفيلة). الدورات التي تنتهي بسقوط بطانة الرحم تسمى دورات شهرية menstrual cycles، والدورات التي لا تنتهي بسقوط بطانة الرحم تسمى دورات شبقية estrus cycles. غالبية الثدييات تملك دورات شبقية وليس دورات شهرية. (المعلومة التقليدية التي يعرفها جميع الناس هي أن إناث البشر لا يمتلكن فترات شبق، ولكن في الآونة الأخيرة ظهرت عدة دراسات تقول أن الرغبة الجنسية لدى إناث البشر تزداد قبيل الإباضة، ما يعني أن فترة الشبق هي موجودة لدى البشر ولو بشكل أثري vestigial).

خلاصة ما سبق هي أن الرغبة الجنسية لدى إناث غالبية الثدييات لا تظهر سوى في فترات محدودة من العام. طبعا الشبق لا يمكن أن يحصل لدى الإناث المرضعات. لهذا السبب الذكور كثيرا ما يقتلون الأطفال الرضع بهدف تسريع ظهور الشبق لدى أمهاتهم.

حسب الدراسة التي أشرت إليها في الأعلى فإن طول فترة الرضاعة لدى الرئيسيات أدى إلى زيادة ظاهرة قتل الأطفال الرضع، وهذا بدوره أدى إلى ظهور الزواج الأحادي بهدف التقليل من ظاهرة قتل الأطفال الرضع.

هذه الفكرة لا تتعارض مع النظرية التي طرحتها سابقا. أنا قلت أن هدف الزواج الأحادي هو توفير المساعدة للمرأة خلال الحمل والولادة والإرضاع. حماية طفل المرأة من القتل هو شكل من أشكال المساعدة (هو في الحقيقة أهم أشكال المساعدة لأن المرأة احتاجت للمساعدة أصلا بسبب هذا الطفل).

إنجاب الطفل البشري هو مسألة صعبة من عدة نواح. المرأة لكي تنجب الطفل تحتاج للغذاء والراحة لمدة طويلة، وهي تحتاج لحمايتها وحماية طفلها. ظاهرة قتل الأطفال (سواء لسبب جنسي أم بسبب الإملاق) هي ظاهرة شائعة في تاريخ البشر كما تدل على ذلك الآثار والكتابات التاريخية (بما في ذلك الكتاب اليهودي والقرآن). هذا يدل أكثر على أن إنجاب الأطفال البشريين وتربيتهم لم يكن مسألة سهلة. بالتالي الزواج الأحادي كان ضرورة لحفظ النوع البشري.

البشر عندما انتقلوا إلى الزواج الأحادي خسروا ثنائية الشكل الجنسية، والمتوقع هو أن هيمنة الذكور على الإناث خفت أيضا. المجتمعات البشرية القديمة كانت قريبة من مبدأ المساواة egalitarianism، ولكن التمييز والطبقية وهيمنة الذكور على الإناث هي أمور عادت من جديد بعد ظهور المجتمعات الزراعية قبل بضعة آلاف من السنين. ما هو سبب عودة هذه الأمور؟ أظن أن السبب هو اقتصادي. اكتشاف الزراعة وقيام المجتمعات الإقطاعية أدى إلى زيادة الثروة لدى بعض الأشخاص. هؤلاء الأشخاص صاروا يسعون للتحكم في غيرهم، ومن هنا نشأت الطبقية.

الطبقية تنشئ عندما يكون بعض الناس أقوى من غيرهم. من يمتلك الأراضي الزراعية هو أقوى من الذين لا يملكون شيئا.

بالنسبة للأبوية أو هيمنة الذكور على النساء فهي ظهرت بعد ظهور الإقطاع كما يقول بعض الباحثين. من الممكن أن سبب ظهورها هو اكتشاف فكرة الأبوة. هناك دلائل على أن البشر قديما لم يكونوا يفهمون أن كل طفل له أب وحيد. هم كانوا يظنون أن الطفل الواحد يمكن أن يكون له أكثر من أب (أو ليس له أب مطلقا). عندما فهموا أن الطفل الواحد له أب وحيد تغيرت مقاربتهم لقضايا النساء والزواج.

والله أعلم،

تطور الإنسان (5)

هذا المقال هو خارج السياق الذي كنت فيه ولكنه متعلق بموضوع تطور الإنسان.

________________________________________________________________________________

الرئيسيات

الإنسان ينتمي لرتبة الرئيسيات Primates التي تنتمي لطائفة الثدييات Mammalia.

المقصود بالرئيسيات هو باختصار القرود. الرئيسيات هي في الأصل ثدييات تعيش على الأشجار arboreal، وكل خصائصها هي مناسبة للعيش في بيئة الأشجار.

ما يلي بعض الجوانب الأساسية التي تتميز فيها الرئيسيات عن بقية الثدييات:

  • مجال كبير لحركة المفاصل

الرئيسيات تتميز بمجال كبير لتحريك مفاصلها إلى درجة أن مفاصلها تبدو وكأنها “مخلوعة” مقارنة بمفاصل الثدييات الأخرى. هذه الميزة تسهل على الرئيسيات التنقل بين غصون الأشجار عبر أرجحة الأذرع brachiation. أيضا هذه الميزة تمنح الرئيسيات القدرة على الإمساك prehensility (بأصابع اليدين أو أصابع الرجلين أو حتى الذيل)، وهذا أمر مهم للتعلق بأغصان الأشجار. حاليا الإنسان ما زال يمتلك مرونة عالية في تحريك مفاصله. الإنسان استفاد من المرونة العالية في مفاصل اليدين والأصابع لتطوير صناعة الأدوات، ولكن بالنسبة للمرونة الزائدة في مفاصل الكتفين والحوض فهي أصبحت عمليا بلا فائدة كبيرة لدى الإنسان (إلا لدى لاعبي الجمباز). هذه المرونة الزائدة في الكتفين والحوض هي بقايا vestigial من الزمن القديم الذي كان فيه أسلاف البشر يتأرجحون على الأشجار.

  • الأصابع

الأصابع هي ميزة للرئيسيات. الأصابع هي طويلة وذات مجال حركة واسع، والإبهام بالذات له مجال حركة واسع جدا حيث يمكن تحريكه بحيث يصبح في مقابل الأصابع الأخرى، ما يساعد على الإمساك بالأشياء. الأصابع لا تحوي مخالب ولكنها تحوي أظافر، وتحت كل ظفر هناك رأس إصبع طري يحوي مستقبلات حسية. هذا التكوين لليد والأصابع يساعد على الإمساك بالأشياء بكفاءة.

  • الرؤية المجسمة

الرئيسيات لا تملك حاسة شم قوية ولكنها تملك القدرة على الرؤية المجسمة أو ثلاثية الأبعاد stereoscopic، لأن العينين تنظران في اتجاه واحد نحو الأمام وليس نحو الجانبين كما هو الحال لدى الكثير من الثدييات الأخرى. الرؤية المجسمة هي أمر مفيد في بيئة الأشجار لأن القرد عندما يقفز من غصن إلى غصن يهمه أن يقدر البعد بشكل صحيح لكي لا يسقط على الأرض. أيضا عيون الرئيسيات تملك قدرة عالية على التمييز بين الألوان.

  • كبر حجم الدماغ

الاعتماد الكبير على حاسة الرؤية أدى لتكبير حجم الدماغ لدى الرئيسيات مقارنة ببقية الثدييات، لأن معالجة البيانات البصرية تحتاج للكثير من الخلايا العصبية في قشرة المخ. قشرة المخ لدى الرئيسيات هي كبيرة للغاية وتشكل القسم الأكبر من الدماغ، أما الأجزاء المتعلقة بالشم والتذوق والسمع فهي صغيرة نسبيا.

هذه هي الميزات الأساسية للرئيسيات. بالنسبة للزمن الذي ظهرت فيه الرئيسيات الأولى فهو تقريبا قبل 65 مليون عام (ويقال أيضا قبل 85 مليون عام بناء على الدراسات الجينية). ظروف ظهور الرئيسيات الأولى هي ليست معروفة جيدا بسبب قلة المستحاثات. الرئيسيات الأولى ظهرت في بيئة الأشجار والغابات، وهذه البيئة هي ليست جيدة لحفظ المستحاثات.

تصنيف الرئيسيات

تصنيف الرئيسيات حاليا فيه بعض التعقيد بسبب التغيرات التي طرأت بعد ظهور الدراسات الجينية. الشكل التالي يقدم تصنيفا مبسطا للرئيسيات. التواريخ المذكورة تعبر عن الزمن الذي ظهر فيه كل فرع. هذه التواريخ ليست دقيقة على الإطلاق والهدف منها هو إعطاء تصور تقريبي.

primate tree

الانقسام الأول في الشجرة هو بين prosimians وsimians. كلمة simian هي مشتقة من اللاتينية simia التي تعني “قرد”. كلمة simians تعني حرفيا “القرديات”، وكلمة prosimians تعني “ما قبل القرديات”. المقصود بـ prosimians هو مجموعة من الرئيسيات البدائية الأقل تطورا من simians. كلمة anthropoids تعني “شبيهات الإنسان” وهي مرادف لـ simians.

من الفروق الهامة بين prosimians و simians ما يلي:

  • شكل الوجه
وجه الـ lemur الذي هو نوع من الـ prosimians

الـ prosimians تملك فما وأنفا بارزين نحو الأمام على شكل “بوز”، وعلى هذا البوز توجد “شوارب”، أي أن شكل وجه هذه الكائنات يشبه وجوه القوارض، أما الـ simians فوجوهها تميل للتسطح.

  • موعد الاستيقاظ

الـ prosimians تستفيق في الليل وتنام في النهار، أما المجموعة الثانية فنظامها معاكس.

الانقسام الثاني المهم في شجرة الرئيسيات هو بين apes و monkeys. في الأصل هاتان الكلمتان كلتاهما تعنيان “قرد”، ولكن في البيولوجيا هناك تمييز بينهما. أهم فرق بين apes و monkeys هو أن كائنات المجموعة الأولى لا تمتلك ذيلا، أما كائنات المجموعة الثانية فتمتلك ذيلا (وهذا الذيل يتميز بالمرونة العالية ويمكن استخدامه للتعلق على أغصان الشجر). من الفروق الأخرى أن الـ apes عموما تتميز بأن ذراعيها أطول من رجليها. أيضا الـ apes هي أكبر حجما، وأكبر دماغا، وأكثر ذكاء، وأطول عمرا من الـ monkeys.

الـ apes تسمى أيضاhominoids . هذه التسمية مشتقة من كلمة homō اللاتينية بإضافة اللاحقة –oid، أي أن المعنى اللغوي لهذه الكلمة هو مطابق لمعنى كلمة anthropoids (شبيهات الإنسان).

الـ monkeys تقسم إلى صنفين:

  • قرود العالم الجديد New World monkeys (تعيش في أميركا الوسطى والجنوبية)
  • قرود العالم القديم Old World monkeys (تعيش في أفريقيا وآسيا)

أهم فرق بين هذين الصنفين يتعلق بشكل الأنف. المجموعة الأولى تملك أنوفا عريضة ذات مناخير جانبية، ولهذا تسمى “عريضات الأنف” platyrrhines، والمجموعة الثانية تملك أنوفا ضيقة ذات مناخير متجهة نحو الأسفل، ولهذا تسمى “سفليات الأنف” catarrhines. المجموعة الثاني هي الأقرب للـ apes.

الانقسام التالي هو بين “القرود الكبيرة” great apes و”القرود الصغرى” lesser apes. القرود الصغرى تسمى gibbons أو hylobates. هذه القرود تعيش في جنوب شرق آسيا. ميزتها الأهم هي أنها أصغر حجما من القرود الكبيرة. هذه الكائنات تتميز بأنها تمشي في الغالب على رجلين وترفع ذراعيها للتوازن، أي أنها bipedal كالإنسان. هذه الكائنات تشبه الإنسان أيضا في أنها تميل للزواج الأحادي monogamy (زوجة واحدة لكل ذكر)، ولهذا السبب هي تبدي قدرا ضئيلا من ثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism.

gibbon

الـ gibbons هي ماهرة جدا في التنقل عبر الأغصان brachiation.

من الأمور الغريبة التي أظهرتها الدراسات الجزيئية والجينية أن صلة القربى بين الإنسان والقرود الكبيرة هي أوثق من صلة القربى بين gibbons والقرود الكبيرة.

الرسم التالي يعبر عن التصنيف القديم للـ apes:

هذا التصنيف كان سائدا حتى ستينات القرن العشرين. وفق هذا التصنيف فإن الإنسان يمثل فرعا مستقلا في عائلة الـ apes اسمه بالإنكليزية hominids. بقية الـ apes كانت تصنف تحت عنوان pongids. هذا يعني أن كل الـ apes ما عدا الإنسان تتحدر من أصل مشترك.

ولكن حاليا كل هذا المفهوم سقط من التداول. حاليا كلمة pongids لم تعد تستخدم كتصنيف تفرعي cladistic (بمعنى أنها لم تعد تشير إلى مجموعة تتحدر من أصل مشترك حصري)، وكلمة hominids صارت تضم القرود الكبيرة إلى جانب الإنسان. الدراسات الجزيئية والجينية بينت وجود أصل مشترك للقرود الكبيرة والإنسان كان يعيش قبل حوالي 15 مليون عام (هذا الرقم تقريبي كغيره من الأرقام). الـ gibbons هي ليست متحدرة من هذا الأصل المشترك ولكنها متحدرة من أصل مشترك آخر أقدم.

الأكثر غرابة هو أن صلة القربى بين الإنسان والشمبانزي تفوق صلة القربى بين الغوريلا والشمبانزي. دراسات الـ DNA التي أجريت في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين بينت أن القرود الكبيرة المسماة orangutans (باللاتينية Pongo) تمايزت عن القرود الكبيرة وأصبحت كائنات مستقلة قبل تمايز الغوريلات والشمبانزي والإنسان. لاحقا تمايزت الغوريلات عن الأصل المشترك الذي أنتج كلا من الشمبانزي والإنسان، وبعد ذلك تمايز الشمبانزي عن السلالة التي أنتجت الإنسان.

المحصلة هي أن صلة القرابة بين الشمبانزي والإنسان تفوق صلة القرابة بين الشمبانزي والغوريلا. هذه النتيجة الغريبة والمفاجئة دفعت البعض للمطالبة بتصنيف الشمبانزي ضمن جنس الإنسان Homo.

باحثو الجينات يقولون أن نسبة التشابه بين جينوم الإنسان وجينوم الشمبانزي تبلغ 98% (بعضهم أنزلوا هذه النسبة إلى 94-96%). بغض النظر عن نسبة التشابه، المهم هو أن التشابه بين جينوم الإنسان وجينوم الشمبانزي يفوق التشابه بين جينوم الشمبانزي وجينوم الغوريلا.

باحثو الجينات يقولون أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش قبل 4-6 ملايين عام. هذا الزمن هو قليل نسبيا، وأنا بصراحة لا أثق بالأرقام التي يعلن عنها باحثو الجينات. هناك دراسات أخرى قالت أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش قبل 13 مليون عام.

Sahelanthropus tchadensis

هناك مستحاثات تعود للفترة التي يقال أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش فيها. هناك مثلا المستحاثة المسماة “إنسان الساحل التشادي” Sahelanthropus tchadensis التي يعود عمرها لـ 7 ملايين عام. المفترض حسب كلام باحثي الجينات هو أن هذا الكائن كان يعيش في نفس زمن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان (أو قبله)، ومن الممكن أن هذا الكائن هو نفسه الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان، ولكن المشكلة هي أن تفسير هذه المستحاثة وتصنيفها هو أمر متعذر وربما مستحيل. هناك الكثير من الآراء المتضاربة حول هذه المستحاثة. هناك حتى من اقترحوا أن هذه المستحاثة تعبر عن غوريلا بدائية proto-gorilla. بصراحة كل الاحتمالات واردة. هذا الكائن ربما كان بالفعل غوريلا بدائية، ومن الممكن أيضا أنه من سلالة الشمبانزي والإنسان قبل تمايز هذين الكائنين، ومن الممكن أنه من سلالة الشمبانزي أو من سلالة الإنسان بعد تمايز هذين الكائنين، ومن الممكن أنه ينتمي لسلالة قردية أخرى منقرضة أو غير منقرضة. أنا لا أثق كثيرا بآراء الباحثين في مثل هذه المواضيع الغامضة.

Ardipithecus ramidus

هناك عدد من المستحاثات القردية المماثلة التي يصعب تصنيفها. هناك مثلا المستحاثة المسماة “القرد الأرضي” Ardipithecus ramidus، وهناك المستحاثة المسماة Orrorin tugenensis. هذه المستحاثات تعود للفترة السابقة لمستحاثات القرود الجنوبية وهي تبدي خصائص شبيهة بالقرود الجنوبية والإنسان (مثلا المشي على رجلين، وغياب الأنياب الكبيرة لدى الذكور). وجود الصفات “الإنسانية” في هذه المستحاثات الباكرة هو أمر مربك لباحثي الجينات، لأنه يدل على أن الصفات الإنسانية كانت موجودة في نفس الفترة التي يقولون أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش فيها. هذا يوصلنا إلى احتمالين: إما أن هذه المستحاثات تعبر عن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان، وهذا يعني أن الأصل المشترك كان ذا طابع إنساني، وأما الصفات “الغوريلانية” الموجودة لدى الشمبانزي (المشي على أربع والأنياب الذكورية الكبيرة) فهي ظهرت لاحقا، أو أن هذه المستحاثات تنتمي للسلالة الإنسانية بعد تمايزها عن سلالة الشمبانزي. الاحتمال الثاني هو الأكثر منطقية، وبالتالي لا بد أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش في زمن سابق للزمن الذي يزعم باحثو الجينات أنه كان يعيش فيه.

القرود الكبيرة

القرود الكبيرة great apes هي إذن أقرب الكائنات للبشر. كما قلنا في الأعلى فإن الـ apes كانت تسمى سابقا pongids، وأما كلمة hominids فكان يقصد بها الإنسان والكائنات التي تنتمي لسلالة الإنسان بعد افتراقه عن بقية القرود الكبيرة (مثلا القرود الجنوبية). حاليا كلمة hominids صارت تشمل القرود الكبيرة إلى جانب الإنسان، ولكن بعض الباحثين ما زالوا حتى الآن يستخدمون كلمة hominid بالمعنى القديم الذي ينحصر في الإنسان دون القرود الكبيرة. لهذا السبب يجب التعامل بحذر مع كلمة hominid لأن المقصود بها في كثير من الأحيان هو الإنسان دون القرود الكبيرة. نفس الأمر ينطبق على كلمتي hominines و hominins. غالبية الباحثين حالين يستخدمون كلمة hominin في الإشارة إلى الإنسان وسلالته حصرا، ولكن في الشجرة التي أوردتها في الأعلى هذه الكلمة تشمل أيضا الشمبانزي. السبب هو أن الشجرة التي أوردتها تعكس تصورا حديثا.

الميزات الأهم التي تميز القرود الكبيرة عن بقية الرئيسيات هي أولا حجمها الكبير، وثانيا كثرة نزولها عن الأشجار ومكوثها على الأرض، وثالثا ذكاؤها الكبير نسبيا (هي الأذكى في عالم الحيوان).

القرود الكبيرة تصنع الأدوات، وتمارس الصيد وجمع الثمار، وهي تعيش حياة اجتماعية شبيهة بالحياة الاجتماعية لدى البشر.

باحثة تحمل bonobo

أكبر القرود الكبيرة حجما هي الغوريلا، وأصغرها حجما هو نوع من الشمبانزي يسمى bonobo (يسمى أيضا “الشمبانزي القزم” pygmy chimpanzee). الـ orangutan هو أكثر من يعيش على الأشجار من بين القرود الكبيرة، والغوريلا هي أكثر من يعيش على الأرض (ولكنها تصعد أيضا إلى الأشجار). جميع القرود الكبيرة تمشي على أربع quadrupedal عندما تكون على الأرض. الـ orangutan يفتح كفيه الأماميين ويمشي عليهما عندما يكون على الأرض، وأما الغوريلا والشمبانزي فهما يضمان قبضتيهما الأماميتين ويمشيان عليهما (وهذا يسمى knuckle-walking).

knuckle-walking

عمر القرود الكبيرة هو تقريبا نفس عمر الإنسان (50-60 عاما). فترة الحمل لدى إناث القرود الكبيرة هي نفس فترة الحمل لدى الإنسان (7-9 أشهر). الحمل عادة هو أحادي والتوائم نادرة. الطفل عندما يولد يكون في حال شديدة من العجز ومعتمدا على والدته بشكل كامل. نمو أطفال القرود الكبيرة بطيء مقارنا ببقية الحيوانات. لهذا السبب الطفل يظل ملازما لوالدته لسنوات عديدة. الطفل يمضي 4-5 سنوات مع والدته يتعلم خلالها كيفية الحصول على الغذاء بنفسه، وخلال هذه السنوات هو لا يتحرك بنفسه ولكن أمه هي التي تنقله من مكان إلى آخر. عندما يصبح الطفل قادرا على المشي والحصول على الغذاء بنفسه فإنه لا يفارق والدته بل يظل معها حتى يصبح عمره 10-15 عاما. خلال هذه السنوات هو يتعلم المهارات الاجتماعية وكيفية الحياة في مجتمع القرود.

شمبانزي مع والدته

مجتمعات القرود الكبيرة تقوم على تعدد الزوجات polygamy وعلى النظام الأبوي patriarchy والطبقية. هناك في العادة ذكر واحد ينصب نفسه زعيما على القبيلة أو المجتمع، وهذا الذكر يتحكم بالذكور الآخرين وربما يقوم حتى باحتكار إناث القبيلة لنفسه. الذكور عموما يهيمنون على الإناث. هذا النظام الاجتماعي هو سبب ثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism المشاهدة لدى القرود الكبيرة. أشكال ذكور القرود الكبيرة تختلف كثيرا عن أشكال الإناث. الذكر يكون أكبر حجما من الأنثى، ووزنه قد يصل إلى ضعف وزنها. الذكر له أنياب كبيرة تمنحه شكلا مخيفا، وهو يصدر أصواتا مخيفة ويتصرف بطريقة مخيفة.

orangutan

الـ orangutan هو قرد كبير يعيش في أرخبيل المالاي (في ماليزيا وإندونيسيا). كلمة orangutan هي مأخوذة من اللغات المحلية في ماليزيا وإندونيسيا. أصلها هو orang hutan ومعناها هو “إنسان الغابة”.

الـ orangutan يمضي معظم وقته على الشجر ولا ينزل كثيرا إلى الأرض. لونه هو بني-أحمر. الذكور لهم شوارب، وهناك لحى لدى كل من الذكور والإناث.

الذكر الأكبر (الزعيم) في مجتمع الـ orangutan يسمى “الذكر المطوّق” flanged male، والسبب هو خدوده الضخمة التي تبدو وكأنها طوق يحيط بوجهه. هذه الخدود الضخمة لا تنمو سوى لدى الذكر الأكبر حصرا.

الذكر المطوق لا يسمح بإقامة أحد في منطقته سوى النساء والأطفال. الأطفال الذكور يرحلون عن المنطقة بعد بلوغهم سن الرشد. الذكر المطوق يطلق باستمرار صيحات مميزة تسمى “الصيحات الطويلة” long calls. هذه الصيحات تؤثر على ما يبدو في الأطفال الذكور وتمنع نمو خدودهم. هذه الصيحات تؤثر أيضا في الإناث أثناء فترة النزو أو الشبق estrus (فترة الرغبة الجنسية). الأنثى التي تقيم في أرض الذكر المطوق تتأثر بصيحاته الطويلة عندما تكون في فترة الرغبة الجنسية وتذهب إليه للتزاوج.

إذن الذكر المطوق يمضي وقته في الجلوس وإطلاق الصيحات الطويلة. هذه الصيحات تخيف الذكور وتحضر إليه الإناث الراغبات بالتزاوج. الأنثى بعد التزاوج تحمل وتلد طفلا. هي تربي الطفل بنفسها لسنوات عديدة. الذكر المطوق لا يقدم أي مساعدة لها أو لغيرها من الإناث المقيمات في أرضه. الطفل يتربى على الصيحات الطويلة للذكر المطوق التي تمنع نمو خدوده، وبعد أن يبلغ سن الرشد يرحل عن والدته وعن المنطقة. بعض الإناث البالغات أيضا يرحلن عن المنطقة.

الذكور الراحلون عن أمهاتهم يشكلون جماعات متنقلة. كل جماعة لها زعيم. إذا صادفوا أنثى في فترة الرغبة الجنسية فإنهم يغتصبونها. إذا صادفوا ذكرا مطوقا فزعيمهم يهجم عليه ويحاول أن يطرده من منطقته. لو نجح في ذلك فهو يصبح ذكرا مطوقا مكانه.

الغوريلا

الغوريلات تعيش في أفريقيا. قبيلة الغوريلات تسمى troop. كل قبيلة لها زعيم. الزعيم يسمى silverback لأنه يحمل على ظهره شريطا من الشعر الفضي.

الزعيم في الغالب يطرد جميع الذكور من القبيلة ويستبقي فقط الإناث وأطفالهن، ولكنه أحيانا يسمح للذكور بالبقاء بشرط أن يكونوا تحت إمرته. الزعيم يكون في الغالب محاطا بالإناث اللواتي يتوددن إليه. إذا مات الزعيم فالقبيلة تنتهي والإناث يتشردن. إذا استولى ذكر على أنثى مشردة (إما بسبب موت زعيم قبيلتها أو بسبب هجرتها من القبيلة) فإنه في الغالب يقتل طفلها، لأن الطفل ليس من صلبه (هذا التفسير هو من عند الباحثين).

الإناث في مجتمع الغوريلات هن معتمدات جدا على الذكور، لأن الذكور يوفرون الحماية من الوحوش ومن الذكور الغرباء الذين يقتلون الأطفال. لهذا السبب إناث الغوريلات يتوددن كثيرا إلى الذكور وأحيانا يتقاتلن فيما بينهن على التواصل الجنسي مع ذكر معين. طبعا الذكور أيضا يتقاتلون فيما بينهم على الإناث.

الشمبانزي

الشمبانزي يعيش في أفريقيا. هناك نوعان من الشمبانزي، نوع جسيم robust يسمى الشمبانزي الشائع common chimpanzee، ونوع آخر رشيق gracile يسمى bonobo.

التعداد الكلي لمجتمع الشمبانزي قد يصل إلى 150 فردا، ولكن أفراد المجتمع يتوزعون في مجموعات صغيرة تقوم بمهام محددة (مثلا جمع الثمار أو الصيد إلخ).

مجتمع الشمبانزي هو هرمي. هناك زعيم أكبر (يسمى alpha male)، وتحت هذا الزعيم هناك زعماء أصغر، وتحت هؤلاء الزعماء هناك زعماء أصغر منهم، وهكذا. الهرمية موجودة أيضا لدى الإناث، ولكن إناث المجتمع عموما هن خاضعات للذكور.

ذكور الشمبانزي لا يرحلون عن مجتمعهم، ولكن الإناث هن اللواتي يرحلن ويهاجرن إلى مجتمعات أخرى. هذا يعود ربما إلى أن ذكور الشمبانزي يحتاجون للتعاون فيما بينهم ولذلك هم لا يطردون بعضهم.

مجتمع الشمبانزي هو الأكثر تعقيدا بين مجتمعات القرود. الزعيم الأكبر لا يفرض نفسه بالقوة فقط ولكن بالسياسة أيضا. الزعيم يحاول أن يكسب أفراد المجتمع إلى صفه ويقنعهم بزعامته، ولكن في بعض الأحيان هناك ذكور يتآمرون عليه ويحاولون تدبير انقلاب ضده. لهذا السبب الزعيم غالبا ما يتصرف بعدوانية ويحاول أن يخيف الذكور الآخرين حتى لا يفكروا بالتآمر عليه. هو أيضا يقوم بنفش شعره لكي يجعل شكله مخيفا. عندما يذهب الزعيم في مهمة خارج القبيلة ويعود بعد ذلك إلى القبيلة فإنه يتصرف بعدوانية بالغة. الباحثون يرون أن الزعيم يخشى أن تكون هناك مؤامرة قد دبرت أثناء غيابه ولذلك هو يتصرف بعدوانية في الفترة التالية لعودته.

أكثر ما يهم الإناث هو الحصول على الطعام. الإناث يتقربن من الذكور الرفيعين وذوي المناصب من أجل الحصول على الطعام، وهن يمارسن العملية الجنسية مع الذكور من أجل هذا الهدف. هناك إناث معينات ذوات نفوذ وسيطرة يحصلن على طعام وامتيازات أكثر من سائر الإناث.

هذه الأجواء والتعقيدات تخلق الكثير من المشاكل والنزاعات والمؤامرات في مجتمع الشمبانزي.

إناث الشمبانزي يمارسن العملية الجنسية طوال العام (بغض النظر عن وجود الرغبة الجنسية من عدمها). ممارسة الإناث للعملية الجنسية تزداد عند وصول كمية كبيرة من الطعام إلى القبيلة. الإناث يتهافتن لممارسة العملية الجنسية مع الذكور الرفيعين وأصحاب السيطرة. الذكر الرفيع يمكنه أن يمنع الذكور الأدنى منه من ممارسة الجنس.

ذكور الشمبانزي لا يرحبون بالأطفال الغرباء، وفي حال أتتهم أنثى مهاجرة مع طفلها فإنهم يقتلون طفلها.

كل هذه التصرفات تدل على أن مجتمع الشمبانزي هو مجتمع أبوي للغاية.

أفراد مجتمع الشمبانزي يتواصلون مع بعضهم بشكل مكثف. هم يستخدمون لغة الإشارة والتعبيرات ويستخدمون أيضا الأصوات. الباحثون ميزوا عددا من الأصوات التي يستخدمها الشمبانزي للتواصل فيما بينهم. من هذه الأصوات مثلا صوت يسمى “pant-hoot“. هذا الصوت يدل على الرضى بسبب الطعام أو الجنس أو بسبب تواصل اجتماعي. هناك صوت آخر يسمى “pant-grunt“. هذا الصوت يدل على الخضوع والطاعة وهو يصدر عن الشمبانزي عندما يخاطب فردا يفوقه مكانة. عندما يمر زعيم القبيلة بالقرب من مجموعة من الذكور فإنهم يصدرون هذا الصوت احتراما له. هناك أيضا أصوات أخرى تستخدم في النداء والتحذير وأثناء الصيد إلخ.

طبعا من المعروف أن الشمبانزي قادر على الكلام مع البشر. الباحثون علموا عددا من قرود الشمبانزي لغة الإشارة وتمكنوا من الحديث مع هذه القرود. للمزيد من المعلومات يمكن مراجعة هذا المقال من ويكيبيديا.

قرود الشمبانزي يمكنها أن تتعلم لغة البشر ويمكنها أن ترد على الأسئلة التي توجه إليها، ولكن الشيء الذي تعجز عنه هذه القرود هو طرح الأسئلة من تلقاء نفسها. أنا لطالما كنت أعتقد أن طرح الأسئلة هو أساس التفكير البشري. طرح الأسئلة هو الشيء الحقيقي الذي يميز الإنسان عن سائر الحيوانات (بما في ذلك الشمبانزي). لو كان الشمبانزي قادرا على طرح الأسئلة لكان له عقل مماثل لعقل البشر.

الدراسات والتجارب بينت أن الشمبانزي هو قريب جدا من البشر. الشمبانزي هو متأخر عن البشر بخطوة واحدة وهي عدم قدرته على طرح الأسئلة. لهذا السبب أنا لا أستغرب ما يقال عن التشابه الجيني بين الشمبانزي والإنسان. الشمبانزي هو بالفعل شبيه بالإنسان من نواح عديدة.

حاليا الناس يتربون منذ الصغر على أن الشمبانزي والقرود الكبيرة عموما هي قرود، أي أنها حيوانات وليست بشرا. البشر المعاصرون لديهم تعصب كبير لإنسانيتهم وهم لا يقبلون أي تشبيه لهم بالحيوانات. لهذا السبب كثير من الناس لا يقبلون النظر إلى الشمبانزي على أنه قريب من الإنسان. بعض الكتاب والباحثين انتقدوا هذه النظرة المتعصبة وأطلقوا عليها مسمى speciesism. هذه الكلمة هي مصوغة من كلمة species (نوع) على نمط كلمة racism وsexism. المقصود بمصطلح speciesism هو التعصب العنصري الإنساني ضد الحيوانات. من يستخدمون هذا المصطلح يعتقدون أن بعض البشر يبالغون في التمييز بين البشر والحيوانات.

هناك مجموعة من الناس تطالب بمد حقوق الإنسان لكي تشمل القرود الكبيرة. هذا الرابط هو موقعهم. هم يطالبون بإصدار إعلان من الأمم المتحدة يمنع قتل القرود الكبيرة أو تعذيبها أو حجز حريتها.

التمييز الشديد بين البشر والقرود الكبيرة هو شيء حديث لم يكن موجودا في الماضي. كلمة orangutan هي في الأصل orang hutan. كلمة orang في لغة المالاي تعني “شخص” أو “إنسان”. سكان أرخبيل المالاي كانوا يعتقدون في السابق أن هذه القرود تستطيع الكلام ولكنها لا تتكلم لكي لا يجبرها الناس على العمل. هم أيضا كانوا يعتقدون أن هذه القرود قادرة على التزاوج مع البشر.

كلمة gorilla هي يونانية الأصل Γόριλλαι. هذه الكلمة وردت لدى الكتاب اليونانيين كاسم لشعب من البشر في غرب أفريقيا. الكتاب اليونانيون نقلوا قصة ملاح قرطاجي اسمه Hanno أبحر من قرطاج نحو غرب أفريقيا في القرن الخامس قبل الميلاد. في نهاية رحلته هو وصف شعبا من البشر أطلق عليه مسمى Gόrillai. ما يلي هو النص المتعلق بلقاء Hanno مع الـ Gόrillai:

في الخليج الداخلي كانت هناك جزيرة شبيهة بالتي وصفت سابقا، وفي داخلها بحيرة على نحو مماثل وجزيرة أخرى يسكنها شعب فظ. الإناث كن أكثر بكثير جدا من الذكور، وكانت لهن جلود ثخينة. مترجمونا أسموهم Gόrillai. لقد تبعنا بعض الذكور ولكننا لم نتمكن من أخذ أي منهم. جميعهم هربوا إلى قمة الجروف العالية، التي صعدوا إليها بسهولة وضربونا بالحجارة. لقد أخذنا ثلاثا من الإناث، ولكنهن قاومن بعنف بالغ وعضضن ومزقن الممسكين بهن إلى درجة أننا اضطررنا لقتلهن وسلخنا جلودهن وحملناها إلى قرطاج، لأن مؤونتنا نفدت ولم نعد نستطيع المضي أبعد.

هذا الكلام دار في مكان ما على الساحل الغربي لإفريقيا في القرن الخامس قبل الميلاد. عندما اكتشف الغربيون الغوريلات في غرب أفريقيا في عام 1847 أطلقوا عليها مسمى gorillas بسبب هذه القصة.

على ما يبدو فإن الملاح Hanno ظن أن الغوريلات هي شعب من البشر.

هذا يذكرني أيضا بالقصص التي رواها الكتاب المسلمون عن “النسناس”. الرحالة المسلمون قديما كانوا يرون القرود الكبيرة في بعض الجزر الإندونيسية وفي أفريقيا وكانوا يظنون أنها شعوب من البشر، أو أنها مزيج من البشر والجن، ونحو ذلك. لهذا السبب هناك بلبلة في الكتابات الإسلامية حول موضوع النسناس.

الخلاصة هي أن البشر قديما كانوا في بعض الأحيان يظنون أن القرود الكبيرة هي شعوب من البشر.

مصادر

تطور الإنسان (4) (ملحق)

جميع الرئيسيات primates (القرود) تنمو بسرعة بعد الولادة، وجميعها تستمر في النمو لزمن طويل نسبيا بعد الولادة، ولكن الإنسان يستمر في النمو لزمن أطول من جميع الرئيسيات الأخرى.

القرود تنمو بعد الولادة (وقبلها) بمعدل أسرع من الإنسان، ولكن نموها بعد الولادة يستمر لزمن أقصر.

كثير من الباحثين يعتقدون أن البشر القدماء (كإنسان نياندرثال مثلا) كانوا ينمون بمعدل أعلى من الإنسان المعاصر داخل الرحم وخارجه، ولكن نموهم بعد الولادة كان يتوقف في زمن باكر نسبيا مقارنة بالإنسان المعاصر.

هذه النظرية تفسر كبر دماغ الإنسان المعاصر مقارنة بالبشر القدماء والقرود. طالما أن نمو البشر المعاصرين بعد الولادة يستمر لفترة أطول فهذا يفسر كبر حجم أدمغتهم، حتى لو كان معدل نموهم هو أقل من معدل نمو البشر القدماء والقرود. هذه النظرية تفسر أيضا الملامح الوجهية ذات الطابع الطفولي لدى البشر المعاصرين. نمو الملامح الوجهية يتوقف بعد الولادة، وبما أن معدل نمو البشر المعاصرين داخل الرحم هو بطيء فهذا يفسر عدم نضج ملامحهم.

الدراسة التي أشرت إليها في المقال المعنون “تطور الإنسان (4)” حملت فكرة أخرى. هذه الدراسة رأت أن معدل نمو النياندرثال بعد الولادة كان أسرع من معدل نمو البشر المعاصرين، ولكن زمن توقف النمو هو متماثل، ولهذا السبب أدمغة النياندرثال كانت أكبر من أدمغة البشر المعاصرين.