تاريخ اللغات التركية (4)

بنية الكلمات

في مقال سابق تحدثت عن الفرق بين اللغات اللصقية والصهرية والتحليلية. اللغات التركية (واللغات الآلطائية بشكل عام) هي لغات لصقية agglutinative. هذا يعني أن بنية الكلمات الآلطائية هي أعقد من بنية الكلمات الصينية (التي تحدثت عنها في هذا المقال).

إقرأ المزيد

Advertisements

أصل الأتراك (6)

حوض تاريم

في الأجزاء السابقة تحدثنا عن منطقتي آسيا الوسطى وسهل البحر الأسود-قزوين وبينا أن هاتين المنطقتين كانتا على الأغلب مسكونتين بشعوب هندو-أوروبية Indo-European منذ ما قبل 2000 قبل الميلاد، أي منذ زمن طويل قبل الزمن الذي تفرقت فيه اللغة التركية البدائية Proto-Turkic إلى عدة لغات (والذي هو ربما 500 قبل الميلاد).

إقرأ المزيد

تاريخ الصين

هذه التدوينة هي ملحق للتدوينة السابقة. أنا عندما فكرت في التدوين في البداية لم أكن أريد أن تنحصر مدونتي في الأمور السياسية ولذلك فإنني سوف أقوم بين الفينة والأخرى بالتدوين عن مواضيع عامة لا علاقة لها بالسياسة. في السياسة اليوم لا يوجد شيء جديد حيث أن هناك معركة دعائية مستمرة بين الأطراف المتصارعة وهذه المعركة هدفها الحقيقي هو مجلس الأمن. الدول الغربية تريد عبر وكيلتها قطر أن يصدر قرار عن الجامعة العربية يضعف الموقف الروسي في مجلس الأمن، والرئيس السوري يقوم بالتصعيد الكلامي في هذه الأيام لكي يحبط هذه الخطة. حديث الرئيس السوري المتكرر عن الحرب هو في رأيي يهدف إلى نزع العباءة “التحاورية” عن الدول الغربية وأتباعها. الدول الغربية كانت تحاول في الفترة الأخيرة أن تلبس عباءة السلام والحوار لكي تغير الصورة التي انطبعت عنها في الفترة الأخيرة بسبب أحداث ليبيا. في الفترة الماضية ظهرت روسيا على أنها داعية سلام وحوار بينما ظهرت الدول الغربية على أنها داعية حرب ودمار، وهذا ما خلق رأيا عاما في دول العالم غير الغربي مؤيد للموقف الروسي. ما تحاول الدول الغربية فعله هو أن تنسل عبر عباءة الجامعة العربية لكي تظهر نفسها على أنها مهتمة بالحوار (وهو كذب لأن هذه الدول لا مصلحة لها في الحوار من قريب أو بعيد). كلام الرئيس الأسد بالأمس هدفه إفشال المساعي الغربية وتذكير العالم بأن دول الغرب تسعى للحرب. أيضا الرئيس الأسد أراد بهجومه على الدول الغربية تبديد الصورة التي حاولت قطر أن ترسمها وهي أن المشكلة هي بين سورية والعرب وليست بين سورية والغرب. إذا كانت المشكلة بين سورية ومحطيها العربي فهذا سيضعف موقفها عالميا بشكل كبير، أما إذا كانت المشكلة بينها وبين الغرب فهذا سيكسبها تعاطف دول العالم النامي والعالم المناهض للغرب عموما.

تاريخ الصين

 

دولة الصين الحالية هي امتداد لإمبراطورية الصين القديمة التي تعود جذورها إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، وعلى ما أظن فإن الصين هي أقدم دولة في العالم ما زالت مؤسساتها قائمة بدون انقطاع منذ آلاف السنين.

الدولة المصرية قديمة جدا ويعود تاريخ تأسيسها إلى عام 3100 قبل الميلاد على يد الملك الأسطوري منس، ولكن الدولة المصرية اختفت من الوجود في العام 30 قبل الميلاد عندما جعلها الرومان مجرد مقاطعة رومانية، واستمرت مصر بعد ذلك مجرد مقاطعة في دول مختلفة (البيزنطية، الخلفاء الراشدين، الأموية، العباسية، إلخ) ولم تعد دولة مستقلة إلا لفترات متقطعة. حتى عندما كانت تقوم في مصر دولة مستقلة فإنها اسميا كانت دائما ما تتبع لدولة أخرى. من الناحية القانونية مصر ظلت جزءا من الدولة العثمانية حتى العام 1914، وبالتالي فإن الدولة المصرية لا يمكن اعتبارها أقدم دولة في العالم في رأيي لأنها زالت فعليا من الوجود منذ العام 30 قبل الميلاد ولم تعد كدولة حقيقية مستقلة إلا قبل أقل من 100 عام.

وضع الصين مختلف. الدولة الصينية حافظت على مؤسساتها قائمة بدون انقطاع (إلا لفترات قصيرة) منذ العام 1500 قبل الميلاد على الأقل. الفترة الوحيدة التي خضعت فيها الصين بالكامل لحكم دولة أجنبية هي فترة الحكم المغولي الذي استمر لحوالي 90 عاما فقط، وحتى في تلك الفترة فإن الحكام المغول كانوا يطلقون على أنفسهم مسمى “إمبراطور الصين” وهم لم يقوموا بهدم بنية الدولة الصينية وإنما تركوها قائمة.

الدولة الصينية دولة متعددة الإثنيات (أو دولة متعددة “الأعراق” حسب المصطلحات القديمة). الإثنية الصينية الأساسية هي الخان Hàn zú وهي تشكل أكثر من 90% من الصينيين. الخان هم الذين يتحدثون ما يسمى باللغة الصينية (وهي في الحقيقة ليست لغة واحدة وإنما مجموعة من اللغات المتقاربة)، أما بقية الإثنيات الصينية (والتي يزيد عددها عن الخمسين) فأغلبها يتحدث لغات غير صينية.

 

اللون الأحمر على الخريطة (الصين الشمالية) هو الموطن الأصلي للخان أو الصينيين الأصليين، وهي منطقة زراعية منبسطة يمر فيها نهر رئيسي هو النهر الأصفر Huáng Hé الذي ينبع من شرق هضبة التيبت ويصب في بحر الصين الشرقي جنوب بي جينغ Běi jīng (بكين). حوض النهر الأصفر (وتحديدا القسمان الغربي والأوسط منه) هو الموطن الأصلي للخان أو الصينيين. إلى الشمال من منطقة الصين الشمالية تقع منطقة صحراوية شاسعة هي صحراء غوبي Gobi والتي تمثل القسم الجنوبي من منغوليا التاريخية، وإلى الشمال الشرقي منها يقع سهل فسيح خصب محاط بجبال مغطاة بالغابات هو سهل منشوريا التاريخي الذي كانت تسكنه شعوب طنغوسية Tungusic (الطنغوسيون هم شعوب قبلية قريبة من المنغوليين والأتراك تعيش في شرق سيبيريا وفي منشوريا).  إلى الغرب من الصين الشمالية تقع هضبة التيبت التي هي موطن التيبتيين (شعب قريب للصينيين)، وإلى الجنوب منها يقع حوض نهر يانغ دزي Yáng zǐ Jiāng الذي هو أطول أنهار قارة آسيا وينبع من هضبة التيبت ويصب في بحر الصين الشرقي شمال مدينة شنغ خاي Shàng hǎi (شنغهاي).

عائلة اللغات الصينية-التيبتية هي ثاني أكبر عائلة في العالم من حيث عدد متحدثيها بعد اللغات الهندو-أوروبية. أهم فروعها هي الصينية والتيبتية والبورمية. أهم لغة من الفرع الصيني هي المندرين.


اللغة الصينية تشكل عائلة لغوية واحدة مع اللغتين التيبتية والبورمية تسمى عائلة اللغات الصينية-التيبتية Sino-Tibetan. في القرن 19 كان بعض الباحثين الأوروبيين يصنفون هذه اللغات مع اللغات المنغولية والتركية ضمن عائلة واحدة “آسيوية” أو “منغولوية” Mongoloid، وسبب هذا التصنيف كان بالأساس التشابه الشكلي بين متحدثي هذه اللغات، لأن الأوروبيين في القرن 19 كانوا مهووسين بفكرة “الأعراق” وكانوا يقحمون هذه الفكرة في كل شيء بما في ذلك تصنيف اللغات. بما أن الصينيين والمنغوليين والأتراك والأوراليين (وغيرهم من الشعوب الآسيوية) متشابهون في الشكل الخارجي نوعا ما كان كثير من الباحثين الأوربيين يصنفونهم ضمن “عرق” واحد كبير هو العرق الآسيوي أو العرق الأصفر أو المنغولوي، ولهذا السبب كانوا أيضا يصنفون لغاتهم ضمن عائلة واحدة كبيرة آسيوية أو منغولوية.

حاليا لم تعد اللغات الصينية-التيبتية تصنف مع اللغات المنغولية والتركية ضمن عائلة واحدة لأن التشابه بين هذه اللغات ضعيف وغير كاف علميا حتى يقال أن لهذه اللغات أصل واحد. ما يعتقد حاليا هو أن الصينيين والتيبتيين والبورميين (سكان بورما التي تعرف الآن بميانمار) كانوا شعبا واحدا عاش قبل 6000 سنة أو أكثر في هضبة التيبت (التي تفصلها عن الهند سلسلة جبال الهيمالايا) ثم بدؤوا بالانتشار على مسار الأنهار التي تنبع من الهضبة نحو الشرق والجنوب الشرقي. الصينيون ساروا شرقا على مسار النهر الأصفر، وقبل حوالي 1000 سنة نزل البورميون من الهضبة نحو الجنوب الشرقي على مسار نهر إروادي Irrawaddy واستوطنوا في غرب شبه جزيرة الهند الصينية في المنطقة التي تعرف الآن بميانمار (سابقا بورما) وهم يشكلون الآن حوالي ثلثي السكان هناك. أما الذين بقوا على الهضبة فهم التيبتيون. بما أن البورميين انفصلوا عن التيبتيين بعد الصينيين بآلاف السنين فاللغة البورمية أقرب للغة التيبتية من الصينية.

المنطقة التي تقع جنوب شرق هضبة التيبت وتمتد حتى بحر الصين الجنوبي (الصين الجنوبية) تختلف عن الصين الشمالية بكونها وعرة التضاريس، حيث تكثر فيها المرتفعات والأنهار، ولهذا السبب فإن هذه المنطقة كانت قبل قدوم الصينيين إليها مسكونة بعدد كبير من الشعوب التي تتحدث لغات متنوعة، وبقايا هذه الشعوب ما زالت موجودة حتى الآن وهي تشكل معظم إثنيات الصين الـ 55 المعترف بها رسميا. بسبب تنوع اللغات المحكية في هذه المنطقة وتداخلها فإن تصنيفها صعب وفيه آراء كثيرة. هناك أربع مجموعات رئيسية من اللغات المحكية جنوب نهر اليانغ دزي هي Hmong–Mien و Tai–Kadai و Austro-Asiatic و Austronesian، وتصنيف هذه المجموعات وعلاقتها مع بعضها ومع غيرها هو مسألة خلافية. بسبب التمدد الصيني من الشمال نحو مناطق هذه اللغات فإن متحدثيها انتشروا جنوبا نحو شبه جزيرة الهند الصينية وهم حاليا يشكلون معظم سكان تلك المنطقة التي تضم فيتنام ولاوس وكمبوديا وتايلاند وميانمار.

بعد أن تمدد الصينيون إلى أراضي الصين الجنوبية الوعرة بدأت لهجات بعضهم بالتباعد والتباين حتى أضحى بعضها اليوم لغات منفصلة عن اللغة الصينية الأم التي يسميها الغربيون مندرين Mandarin (ويسميها الصينيون guān huà ومعناها “اللغة الرسمية”). سبب ظهور هذه اللغات المنفصلة هو الطبيعة الوعرة والمنعزلة لمناطق جنوب الصين. هذه اللغات هي عموما غير مفهومة لمتحدثي المندرين الذين يشكلون غالبية الصينيين الخان.


الصينيون بدؤوا بالتمدد جنوب نهر اليانغ دزي قبل أكثر من 3000 عام. الصينيون القدماء كانوا شعبا زراعيا بامتياز ولذلك فهم كانوا يفضلون التمدد نحو الأراضي الصالحة للزراعة ويتجنبون الأراضي القاحلة كمنغوليا مثلا، ولكنهم مع ذلك اضطروا لاحتلال منغوليا لاحقا لكي يضعوا حدا لغارات القبائل المنغولية على الصين التي كانت طوال التاريخ الصيني تشكل عامل قلق واضطراب مزمن.

الصين في عهد سلالة الخان


الدولة الصينية توسعت كثيرا وبلغت ذروة مجدها السياسي والاقتصادي والثقافي لأول مرة في عهد سلالة الخان Han dynasty التي حكمت الصين بين عامي 206 قبل الميلاد و220 ميلادي، ولهذا السبب يسمي الصينيون أنفسهم حتى اليوم بـ”شعب الخان” Hàn zú ويسمون لغتهم المحكية بـ”لغة الخان” Hàn yǔ (أما الصين نفسها فيسميها الصينيون جونغ غوو 中国  Zhōng guó ومعناها هو “البلد الأوسط” أو “الدولة الوسطى”). في عهد سلاسة الخان غزا الصينيون جنوب منغوليا ومنشوريا لإيقاف هجمات القبائل المنغولية على الصين، وتمددوا غربا حتى وصلوا إلى القسم الشرقي من آسيا الوسطى (وهي المنطقة التي كانت تسمى سابقا تركستان الشرقية ويسميها الصينيون شين جيانغ Xīn jiāng ومعناها “الحد الجديد.” سكان هذه المنطقة هم من الأتراك الأويغور وهم مسلمون صوفيون كمعظم أتراك آسيا الوسطى). وفي عهد الخان أيضا تمدد الصينيون جنوبا حتى وصلوا إلى منطقة يون نان Yún nán وهي منطقة من المرتفعات الوعرة تفصل بين الصين الجنوبية والهند الصينية، واحتل الصينيون أيضا أجزاء كبيرة من فييتنام وكوريا. في عهد الخان أصبحت الفلسفة الكونفوشيوسية هي العقيدة الرسمية للدولة الصينية لأول مرة (واستمرت كذلك حتى عام 1912).

الصين في عهد السلالة المنشورية (تشهينغ Qing) والتي هي آخر سلالة إمبراطورية حكمت الصين.


هضبة التيبت أصبحت جزءا من الصين لأول مرة في زمن متأخر هو القرن 18 (في زمن السلالة المنشورية أو تشهينغ Qing التي هي آخر سلالة إمبراطورية حكمت الصين وانتهى حكمها في عام 1912). وفي القرن 18 أيضا بسط الصينيون سيطرتهم على منغوليا بالكامل بما في ذلك المناطق الشمالية (Outer Mongolia) حيث تسكن القبائل المنغولية الشرسة.

الاسم العربي للصين مأخوذ من الاسم الفارسي “چین” (يلفظ “تشين”)، والاسم الفارسي هو أيضا مصدر الأسماء الأوروبية للصين. كلمة چین الفارسية مأخوذة من السنسكريتية (لغة الهند القديمة)، والهنود أخذوا هذا الاسم على الأغلب من اسم سلالة تشهين Qin التي كانت تحكم الصين قبل سلالة الخان.