لا دليل على تأييد دروز سورية لبشار الأسد

اتهام دروز سورية بتأييد بشار الأسد يبدو لي اتهاما فارغا.

إقرأ المزيد

الدمشقية السياسية هي أول من ارتكب المجازر ضد الدروز في العصر الحديث

المجزرة الأخيرة التي ارتكبتها جبهة النصرة ضد دروز جبل السماق تعيد إلى الأذهان مجازر الدمشقية السياسية ضد الدروز.

إقرأ المزيد

فيصل القاسم ينتقم من المخابرات السورية بمحاولة تأليب الدروز على النظام السوري

الحلقة الأخيرة من برنامج الاتجاه المعاكس تدخل في إطار الحرب العبثية (التي ليس لها نهاية) بين النظام السوري ومعارضيه:

 

المعلومات التاريخية التي وردت في هذه الحلقة هي جديرة بالمعرفة، ولكن أنا أتحفظ على الأسلوب الذي طرحت به هذه المعلومات.

الأسلوب الذي طرحت به المعلومات التاريخية في هذه الحلقة هو أسلوب انتقائي هدفه استثارة العواطف وتحريض الناس ديماغوجيا.

هذه الطريقة هي التي يتبعها المعارضون السوريون دائما. هم ينتقون بعض الحقائق التاريخية ويفصّلون على أساسها تاريخا وهميا مزيفا لا علاقة له بالتاريخ السوري الحقيقي.

أي شخص لديه اطلاع على التاريخ السوري يعلم أن علاقة الدروز بالنظام السوري في الأربعينات والخمسينات كانت سيئة.

الدروز كانوا رأس الحربة في معارضة النظام السوري آنذاك. شكري القوتلي كان يمقت الدروز وكان يعتبرهم التهديد الأخطر لنظامه. هو كان يكره العلويين أيضا، ولكن العلويين كانوا بعيدين عن دمشق، بخلاف الدروز الذين يسكنون على مقربة من دمشق ويشكلون تهديدا مباشرا للنظام. شكري القوتلي كان يخشى أن يهاجم الدروز دمشق كما حصل في زمن الثورة السورية الكبرى. لهذا السبب شكري القوتلي (وبقية أعضاء “الحزب الوطني” الحاكم) كان يصر بشدة على أن يضع الجيش السوري (الذي كان يعرف آنذاك بـ”القوات الخاصة”) تحت سيطرته. الفرنسيون كانوا يرفضون وضع الجيش السوري تحت سيطرة شكري القوتلي ونظامه. هم كانوا يقولون أن شكري القوتلي ونظامه سوف يستخدمون الجيش لقمع الأقليات وإلحاق الضرر بها. شكري القوتلي وجماعته كانوا يردون بأن هذا الكلام هو مؤامرة فرنسية هدفها إبقاء سورية ضعيفة وممزقة وتابعة للهيمنة الفرنسية.

النظام السوري الحاكم آنذاك كان يقول أن فرنسا تحرض الدروز وغيرهم من الأقليات على رفض الانصياع للنظام السوري، وفي نفس الوقت فرنسا كانت ترفض وضع الجيش السوري تحت سلطة نظام دمشق بحجة أن النظام سوف يضطهد الأقليات. في رأي النظام السوري أن فرنسا كانت تستخدم الأقليات كذريعة لإبقاء استعمارها لسورية.

البريطانيون قبلوا منطق شكري القوتلي، ليس بالضرورة لأنهم اقتنعوا به، ولكن لأن أجندتهم في ذلك الوقت كانت تقضي بتصفية الوجود الفرنسي في سورية ولبنان.

هناك أكثر من نظرية تفسر الموقف البريطاني آنذاك. رأيي الشخصي هو أن البريطانيين ربما كانوا يخشون أن تستغل فرنسا ظروف الدولة الصهيونية لوضع هذه الدولة تحت هيمنتهم. لو فرضنا أن فرنسا بقيت في سورية ولبنان تحت شعار “حماية الأقليات” فهذا كان سيؤهلها للعب دور حامي الصهاينة في فلسطين. كان من الممكن لفرنسا أن تنسج حلفا مع الصهاينة بحجة أنهم أقلية مهددة وبحاجة لحماية.

المحصلة ستكون إخراج فلسطين من النفوذ البريطاني ووضعها تحت النفوذ الفرنسي، أي أن فرنسا ستكون قد نجحت في وضع “سورية الكبرى” تحت سيطرتها. هذا المطلب هو المطلب الفرنسي التاريخي الذي يعود إلى زمن الحرب العالمية الأولى والقنصل جورج بيكو. البريطانيون رفضوا أثناء الحرب العالمية الأولى أن يضعوا فلسطين تحت الهيمنة الفرنسية. البريطانيون في أربعينات القرن العشرين كانوا يعتزمون الخروج من فلسطين لكي يفسحوا المجال أمام إنشاء إسرائيل. لو أن البريطانيين خرجوا من فلسطين وتركوا فرنسا في سورية ولبنان فكان من المتوقع جدا بعد ذلك أن تقوم فرنسا بمد نفوذها على فلسطين، وهذا ما لم يرده البريطانيون. لهذا السبب هم حرصوا على إخراج فرنسا من سورية ولبنان قبل أن ينسحبوا من فلسطين.

البريطانيون أرادوا ربما أن تبقى فلسطين منطقة نفوذ لهم حتى بعد انسحابهم منها. من الممكن أيضا أن العامل الديني والعاطفي له دور في الموضوع. فلسطين هي أرض مقدسة بالنسبة للأوروبيين وهم كانوا مهتمين بها منذ القرن 19 (إذا لم نقل منذ الحملات الصليبية).  من الممكن أن البريطانيين كرهوا أن يسلموا هذه الأرض المقدسة للفرنسيين، خاصة وأن الفرنسيين ينتمون لمذهب مسيحي مختلف عن مذهب البريطانيين (وهناك تاريخيا تنافس بين هذين المذهبين).

هذه النظريات هي طروحات شخصية من عندي، رغم أنني قرأت ما يشبهها في بعض الكتب والمؤلفات. المهم هو أن بريطانيا في أربعينات القرن العشرين كانت تحرص على إخراج فرنسا من سورية ولبنان، وهي لهذا السبب قبلت طروحات شكري القوتلي وساعدته على بناء دولته المركزية المجنونة. أنا لم أقرأ (حتى الآن) ما يثبت موافقة شكري القوتلي على إنشاء إسرائيل، ولكن قراءة السياق العام الذي رافق قيام دولة القوتلي توحي بأنه كان على الأغلب متواطئا في مشروع بيع فلسطين. هناك نص تاريخي يدل على أن رياض الصلح (رئيس وزراء لبنان آنذاك) كان متورطا بعلاقات سرية مع الصهاينة. رياض الصلح ينتمي لـ”الكتلة الوطنية” التي هي نفس حزب شكري القوتلي. شكري القوتلي كان من الناحية النظرية رئيس رياض الصلح. إذا كانت هناك علاقات سرية بين رياض الصلح والصهاينة فمن باب أولى أن تكون هناك علاقات سرية بين شكري القوتلي والصهاينة.

شكري القوتلي وجماعة “الحزب الوطني” لعبوا دورا محوريا في ترسيخ الجمهورية اللبنانية. قبل أربعينات القرن العشرين لم يكن غالبية المسلمين في لبنان يعترفون بالدولة اللبنانية. غالبية المسلمين في هذه الدولة كانوا يعتبرون أنفسهم سوريين. المزاج الشعبي في لبنان كان لا يختلف عن المزاج الشعبي في دولة اللاذقية وغيرها من الدويلات السورية. السكان عموما (ما عدا المسيحيين الموارنة) كانوا يعتبرون أنفسهم سوريين تحت الاستعمار الفرنسي. زعماء المسلمين في لبنان كانوا ينتسبون إلى “الكتلة الوطنية”، التي هي نفس الحزب السياسي الذي كان يضم السياسيين السوريين المناوئين للاستعمار الفرنسي.

“الكتلة الوطنية” قررت في أربعينات القرن العشرين الاعتراف باستقلال لبنان. رياض الصلح لعب الدور الأساسي في هذا الموضوع، وهو حظي بدعم كبير من شكري القوتلي. شكري القوتلي أرسل إلى لبنان رئيس الوزراء السوري (سعد الله الجابري) لكي يطوف على المدن اللبنانية ويخطب في اللبنانيين ويطلب منهم أن يعترفوا باستقلال لبنان. سعد الله الجابري ألقى خطابات في لبنان دعا فيها المسلمين اللبنانيين إلى أن يكونوا “رسل العروبة في لبنان” (على أساس أن سعد الله الجابري ومعلمه القوتلي يمثلان العروبة وهما مخولان بإرسال “رسل العروبة” نحو البلاد المختلفة).

سعد الله الجابري هو حلبي الأصل، ولكنه أحد الحلبيين الذين اختاروا الانضمام إلى نظام القوتلي وتخلى عن قضية الوحدة العربية وقضية فلسطين.

في أربعينات القرن العشرين حصل في سورية انشقاق داخل صفوف “الكتلة الوطنية”. كثير من أعضاء الكتلة الوطنية (خاصة الحلبيين) طالبوا بتحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين، ولكن هناك فريق آخر (يقوده شكري القوتلي) رفض الوحدة العربية وقرر أن يتبنى الرؤية البريطانية للمنطقة. الفريق الثاني هو الذي كان في السلطة، وهو تعاون مع البريطانيين على تحقيق رؤيتهم للمنطقة.

البريطانيون طلبوا من شكري القوتلي أن يساعدهم على ترسيخ استقلال لبنان، وهو تجاوب معهم وأرسل سعد الله الجابري إلى لبنان لهذا الغرض. سعد الله الجابري هو من الحلبيين القلائل الذين التحقوا بنظام القوتلي وتخلوا عن قضية الوحدة العربية وقضية فلسطين. لهذا السبب كافأه القوتلي بأن عينه رئيس حكومة. سعد الله الجابري كان أشبه بواجهة حلبية لنظام القوتلي، ولكنه لم يكن يعبر عن التوجه الشعبي في حلب. حاليا أهم ميدان في مدينة حلب يحمل اسم هذا الشخص، وهذه على ما أظن ليست مصادفة.

شكري القوتلي تعاون مع البريطانيين في ترسيخ استقلال لبنان. لا شك أن البريطانيين طلبوا منه أيضا (كما طلبوا من غيره) أن يتعاون معهم في إنشاء إسرائيل. لو قرأنا في الكتب السورية التي تباع حاليا فلن نجد فيها ما يشير إلى تورط القوتلي في بيع فلسطين، ولكن المفارقة هي أن الشعب السوري في عام 1948 حمل القوتلي وحكومته مسؤولية بيع فلسطين. المؤرخون السوريون يحرصون دائما على تبرئة القوتلي ونظامه من هذه التهمة. هم يقولون أن الشعب السوري كان عاطفيا وأبلها وأن القوتلي كان مظلوما. أنا لا أدري ما هو سر الثقة الكبيرة التي يبديها المؤرخون بالقوتلي. أنا بصراحة لا أثق بما يقوله المؤرخون السوريون عن تلك الحقبة (وغيرها). كلام المؤرخين السوريين هو نفس وجهة النظر الرسمية التي كان يروجها إعلام النظام (وما زال يروجها حتى الآن).

النظرية التي يطرحها المؤرخون هي عجيبة للغاية. هم يقولون أن المطالبين بالوحدة العربية وتحرير فلسطين كانوا عملاء للمخابرات البريطانية، وأما شكري القوتلي وأديب الشيشكلي فهما البطلان اللذان أحبطا مؤامرة المخابرات البريطانية لتوحيد المشرق العربي. العجيب هو أن هذه النظرية ما زالت مطروحة بجدية حتى يومنا هذا.

من الذي أتى بالقوتلي للسلطة؟ هل القوتلي كان ليصبح رئيسا لولا البريطانيين؟ هل القوتلي كان يقوى على فعل أي شيء دون استئذان البريطانيين؟

التاريخ السوري الحديث تم تشويهه وتزييفه على نحو عجيب. هذه ليست مصادفة. التاريخ السوري الحديث هو مرتبط على نحو مباشر بمؤامرة بيع فلسطين للصهاينة. هذا هو سبب التزييف الرهيب الذي لحق بالتاريخ السوري الحديث.

المطالبون بالوحدة العربية لدى المؤرخين السوريين هم عملاء للمخابرات البريطانية، والشخص الذي نصبه البريطانيون رئيسا لسورية والذي انخرط في جميع المشاريع البريطانية في المنطقة هو الوطني الشريف الذي قاوم المؤامرات البريطانية.

القوتلي انخرط في إنشاء دولة لبنان، وانخرط في إنشاء جامعة الدول العربية في عام 1945. هذان المشروعان هما مشروعان بريطانيان يهدفان في العمق لإبقاء المشرق العربي مقسما وبالتالي ترسيخ وجود إسرائيل. عندما قامت دولة إسرائيل في عام 1948 كان القوتلي ما يزال حديث عهد بالاستقلال عن الاحتلال البريطاني المباشر، وكان ما يزال يتلقى الأوامر من البريطانيين. أنا لن أستغرب إن ثبت يوما ما أن القوتلي كان على علاقة سرية بالصهاينة (كرياض الصلح والهاشميين) وأنه أمر الجيش السوري بالانسحاب من فلسطين نحو الحدود الدولية التي رسمها البريطانيون.

لا أستطيع أن أصدق أن شكري القوتلي كان جادا بالفعل في خوض حرب ضد الصهاينة في فلسطين. هذا الرجل كان يتلقى التعليمات من البريطانيين، وهو كان يعتبر الوحدة العربية “مؤامرة”. هل هكذا إنسان يمكن أن يفكر جديا في محاربة الصهاينة؟

عقلية القوتلي الحقيقية تشبه عقلية الإخوان المسلمين والوهابيين ونحوهم من الطائفيين. هو لم يكن مشغول البال بفلسطين بقدر ما أنه كان مشغولا بإخضاع الدروز والعلويين وغيرهم من مناوئي نظامه. هو لم يكن يريد الحصول على الجيش لكي يحرر به فلسطين، ولكنه كان يريد الجيش لكي يهاجم به الدروز والعلويين والأكراد والبدو. هو كان يعتبر هذه الأقليات “مؤامرة فرنسية”. جميع أعضاء الحزب الوطني كانوا يحملون هذا التفكير. هم كانوا يعتبرون الأقليات من “بقايا الاستعمار”، وكانوا يرون أن “دعوى الأقليات هي دعوى باطلة من أساسها”.

البريطانيون سلموا الجيش السوري للقوتلي وطلبوا منه (شفهيا) أن يتعامل مع الدروز والعلويين على نحو أخلاقي، ولكنه لم يستجب لهذه المطالبة النفاقية وبدأ يعد العدة لمحاربة الدروز والبدو والأكراد وغيرهم من المتمردين.

هو كان يخشى كثيرا من سلمان المرشد في اللاذقية، ولهذا السبب قتله، وكان يخشى أيضا من سلطان باشا الأطرش في السويداء.

الجيش السوري احتل السويداء عدة مرات في أواخر الأربعينات والخمسينات. أديب الشيشكلي بالذات اشتهر في التاريخ السوري بعداوته للدروز. هو قصف القرى الدرزية بالمدفعية، وكان يحرض بشكل دائم على الدروز في الإعلام، إلى درجة أنه طلب من الإعلام المصري أن يساهم في الحملة التحريضية على الدروز وأن يتهمهم بأنهم كفار وعملاء للصهاينة ونحو ذلك. الحملة التي شنها الشيشكلي على الدروز تشنه الحملة الوهابية المعاصرة على الشيعة.

الشيشكلي بعد الإطاحة به في عام 1954 هرب إلى لبنان، ولكنه اضطر لمغادرة لبنان بعدما تلقى تهديدات من كمال جنبلاط. هو ذهب بعد ذلك إلى أميركا الجنوبية وقتل هناك على يد رجل درزي.

من الغريب أن يتجاهل شخص كل هذا التاريخ وأن يحاول تصوير حقبة الأربعينات والخمسينات على أنها العصر الذهبي للدروز. ما ظهر في حلقة الاتجاه المعاكس هو مجرد تضليل وتزوير للتاريخ. هذا هو الديدن الدائم للمعارضين السوريين. هم يطرحون دائما صورة مزيفة للتاريخ السوري لا علاقة لها بالصورة التي نجدها في كتب التاريخ (المكتوبة باللغتين الإنكليزية والفرنسية).

صحيح أن حافظ الأسد أساء للدروز (كما أساء لغيرهم)، ولكن هذا لا يعني أن من قبله كانوا أفضل منه. المشكلة في سورية لا تنحصر في حافظ الأسد. المشكلة تتعلق ببنية وفلسفة النظام السوري. النظام السوري أسس في الأربعينات على عقيدة مركزية معادية للأقليات ولمدينة حلب. في عهد حافظ الأسد الأمور أصبحت أسوأ بسبب النهج الاشتراكي للدولة. النهج الاشتراكي يسبب الفقر والبؤس واليأس، وهذا هو سبب الهجرة الكبيرة من مناطق الأرياف (وهذه الهجرة أدت بدورها لانتشار الفكر الوهابي نتيجة عودة المهاجرين من السعودية ودول الخليج).

أساس كل المشاكل في سورية هو المركزية بشقيها الإداري والاقتصادي. المركزية سببت الفقر واليأس، وهذا بدوره أدى للهجرة، والهجرة أدت لانتشار الوهابية، وانتشار الوهابية أدى للثورة السورية.

طبعا الجهل له أيضا دور جوهري في انتشار التعصب والوهابية. لو كانت العقلية العلمية تتحكم بالمجتمع لما كان هناك عنف على نطاق واسع. في المجتمع الأميركي هناك تعدد طائفي، ولكن العنف الطائفي هو قليل، لأن العقلية العلمية تتحكم بالمجتمع. العقلية العلمية تنشأ من نظام التعليم. نظام التعليم في سورية يقوم على أساس منطق اشتراكي تعريبي تجهيلي. الأساسات التي يقوم عليها نظام التعليم السوري تتعارض مع التفكير العلمي. نظام التعليم السوري هو مسؤول بصورة مباشرة عن نشر التعصب والتطرف.

هذه الأمور أنا تحدثت عنها بالتفصيل في مقالات سابقة.