الأكراد عادوا إلى حضن بشار فباتت أميركا مضطرة لمفارقتهم

 

 

موقف ترمب من قضية “الانسحاب من سوريا” تبدل.

في البداية هو تحدث عن انسحاب “فوري” خلال شهرين، وأمر حتى بوقف الطلعات الجوية فوق سوريا. ثم بعد ذلك بدأ موقفه يتغير تدريجيا (تحت تأثير الضغوط الكبيرة التي تعرض لها) وقبل حتى أن ينتهي العام الماضي كان موقفه قد عاد نظريا إلى حيث كان قبل اتخاذه القرار الأهوج، بحسب ما نقل عنه لندسي غراهام.

 

أنا الآن لا أريد أن أتحدث عما جرى ويجري داخل أميركا بسبب قرار ترمب لأن هذا لم يعد أمرا مهما بالنسبة للقضية السورية. الشيء الأهم حاليا هو ما فعله الأكراد. هم ارتموا تماما في حضن بشار والروس بحيث أن أميركا باتت مضطرة للتخلي عنهم.

الأكراد ارتكبوا “الانتحار الاستراتيجي” الذي سبق أن حذرناهم منه مرارا. قرار ترمب بالانحياز لمصلحة تركيا ضد الأكراد كان مرفوضا داخل أميركا وأدى إلى أمر كبير هو استقالة وزير الدفاع، ولكن هذا الموقف الأميركي المتعاطف مع الأكراد سوف يتغير بسرعة (هو قد تغير بالفعل) بسبب ارتماء الأكراد في حضن بشار. إذا صار الأكراد محسوبين على بشار فعندها لن يكون هناك سبب سياسي أو أخلاقي يجعل أحدا يدعمهم ضد تركيا.

هذا المقال مختصر ولن نطيل الكلام كثيرا، ولكن السياسة الأميركية الآن (على ما يبدو) هي تحجيم نفوذ الأكراد الأوجلانيين وإحلال تركيا محلهم في منبج وربما في غيرها. هذا الموقف كان في بادئ الأمر بمثابة خيانة للأكراد ولذلك هو أثار غضبا ضد ترمب في أميركا، ولكنه الآن لم يعد خيانة للأكراد وإنما أمرا مطلوبا لسبب سياسي هو حماية مصالح أميركا وأيضا لسبب أخلاقي هو منع المجرم بشار من التمدد في المناطق المحررة.

يبدو أن الأميركان سيسعون الآن لإعادة رسم الحدود بين الأكراد الأوجلانيين والاحتلال التركي داخل سوريا. الأكراد الأوجلانيون بغبائهم لم يحاولوا الحد من خسائرهم والحصول على أشياء من تركيا وأميركا في مقابل الخسائر التي ستلحق بهم. بدلا من ذلك هم اختاروا تكرار سيناريو عفرين، أي منح كل شيء لتركيا وعدم أخذ أي شيء في المقابل.

هم عادوا مجددا إلى الرهان على بشار. هذه المرة هم لا يراهنون عليه ضد تركيا فحسب وإنما ضد تركيا وأميركا مجتمعتين. القراء يعرفون كيف ستكون نتيجة هذا الرهان ولا حاجة لتوضيحها.

في السابق كتبنا أن خروج أميركا من سوريا سوف يغير الموقف الروسي من تركيا. نحن قلنا ذلك الكلام على سبيل الفرض. نحن لم نتوقع أن أميركا ستخرج فعلا من سوريا. إذا خرجت أميركا من سوريا فسوف تضطر تركيا للخروج أيضا، ولكن ذلك لن يحصل لأن أميركا لن تخرج فعلا. ما سيحصل في الواقع هو أن أميركا سوف تقلل تدخلها المباشر وسوف تعتمد على تركيا في سوريا. أميركا سوف تكون حاضرة لمنح الغطاء للوجود العسكري التركي في سوريا. تركيا ستصير بمثابة وكيل لأميركا في سوريا.

حتى لو فرضنا أن أميركا خرجت تماما من سوريا فإن ذلك ما كان سيعني الشيء الأبله الذي فهمه بعض الأكراد الأوجلانيين. عندما كتبنا أن روسيا سوف تسعى لإخراج تركيا من سوريا بعد الانسحاب الأميركي فإننا لم نقصد بذلك أن روسيا ستنضم إلى الأكراد في حرب ضد تركيا أو أنها ستخرب علاقاتها مع تركيا لأجل الأكراد أو سوريا. الخطوة الأولى التي كان الروس سيخطونها في طريق إخراج تركيا من سوريا هي التنكيل بالأكراد وإرجاعهم إلى تحت حذاء بشار، لأن الروس يعلمون أن تركيا سوف تتذرع بقضية الأكراد لكي تبرر بقاءها في سوريا.

رهان الأكراد على الروس في قضية منبج يشي بغباء استثنائي منقطع النظير. هم راهنوا سابقا على روسيا في قضية عفرين ولكن روسيا خذلتهم هناك رغم أن عفرين كانت محسوبة على النفوذ الروسي. منبج هي ليست محسوبة على النفوذ الروسي وإنما على النفوذ الأميركي. من يقرر مصير منبج هم الأميركان. الروس لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا للأكراد في منبج لو فرضنا نظريا أنهم سيقررون الدخول في مواجهة مع تركيا لأجل دعم الأكراد في هذه القضية، وهم لن يقرروا ذلك.

في الماضي وضحنا أن السبب الذي جعل أميركا تختار التحالف مع الأكراد الأوجلانيين هو أنهم ظهروا كبديل لبشار. أميركا لم ترغب في التعاون مع المجرم بشار واختارت التعاون مع هؤلاء الأكراد على أساس أنهم بديل لبشار. لو أن الأكراد فهموا ذلك لكانوا سعوا لتعزيز وضعهم كبديل لبشار. ولكننا في العام الماضي رأيناهم يرتمون في حضن بشار ويمنحونه الشرعية. هم لم يعودوا يطرحون أنفسهم كبديل لبشار، وبالتالي لم يعد هناك سبب لكي تتحالف أميركا معهم. التحالف معهم الآن لن يفهم سوى على أنه دعم لمشروع كردي استقلالي، وهذا شيء لا يناسب مصلحة أميركا أبدا. الأميركان وضحوا منذ البداية أنهم لا يدعمون ولن يدعموا أي مشروع كردي استقلالي.

الخطأ العميق الذي ارتكبه الأكراد هو أنهم نسوا (أو ربما لم يفهموا) السبب الذي جعل أميركا تتحالف معهم من الأساس.

في السابق لمنا ترمب لأنه لم يدعم تأسيس حكومة لسوريا في المنطقة المحررة، وقلنا أن نتيجة ذلك سوف تكون تمدد الاحتلال التركي في منبج وغيرها. ما يلي ورد في مقال كتبناه قبل شهرين:

أميركا ترفض الاحتلال التركي لمنبج، ولكن هل هذا الموقف الأميركي سوف يدوم للأبد؟ أنا أشك في ذلك. التواجد الأميركي في منبج وسوريا أصبح الآن غير قابل للاستمرار […] أميركا لن تدعم تأسيس حكومة لسوريا ولن تدعم حلا جديا للأزمة السورية. الأميركان ينوون ترك الوضع الراهن على حاله، وهو ما لا يمكن أن يستمر لزمن طويل، لأن تركيا (بخلاف أميركا) لا تريد بقاء الوضع الراهن ولا تنوي الانكفاء. تركيا سوف تستمر في العمل لتوسيع نفوذها وسوف تستمر في الضغط على أميركا وسوف تزيد من شدة الضغط. أميركا هي الآن متهمة من تركيا ومن غيرها بأنها تدعم حركة انفصالية في سوريا. حتى الدول العربية تتهم أميركا بذلك. هل يعقل أن أميركا سوف تظل في سوريا لكي تدعم حركة انفصالية؟ هذا شيء غير منطقي وغير قابل للدوام.

الكلام أعلاه ما يزال صحيحا، ولكنني أعتقد أنني أخطأت عندما وجهت اللوم الأساسي نحو ترمب. من يجب أن يلام أساسا هم الأكراد الأوجلانيون، لأن هؤلاء محسوبون على سوريا بخلاف ترمب الذي هو أميركي انعزالي لا يهتم بسوريا. الأكراد الأوجلانيون لم يسعوا لتأسيس حكومة لسوريا وإنما حاولوا تخذيل أميركا عن مثل ذلك التوجه. لو أنهم أسسوا حكومة لسوريا مستقلة عن بشار فإن العالم كان سينظر إليهم بوصفهم البديل الذي يجب دعمه في سوريا، ولكنهم لم يرغبوا في أن يكونوا بديلا. هم أرادوا أن يعودوا إلى تحت حذاء بشار بسبب صفقة عقدها زعيمهم أوجلان في الماضي مع حافظ الأسد. مفاد تلك الصفقة هي أن الأوجلانيين سوف يخضعون في سوريا لسلطة عائلة الأسد في مقابل أن تدعمهم عائلة الأسد ضد تركيا. هذه الصفقة البائسة هي الأساس الذي حرك وما زال يحرك الأوجلانيين، وهي السبب الذي أوصلهم الآن إلى هذه الخسارة الاستراتيجية الكبيرة.

في بداية القرن الماضي لاحت للأكراد فرصة بعد الحرب العالمية الأولى وأضاعوها. في بداية القرن الحالي لاحت لهم أيضا فرصة وأضاعوها. يجب عليهم الآن أن ينتظروا الفرصة القادمة ربما في بداية القرن القادم.

إضافة

في الأعلى لم نقصد أن أميركا ستتخلى تماما عن الأكراد وإنما قصدنا أنها سوف تزيد من اعتمادها على تركيا على حساب الأكراد، أي أن أميركا سوف تعود مجددا للعمل المشترك مع تركيا في سوريا. هذا التوجه الجديد قد يوصل الأكراد إلى مصائب كبيرة إذا استمروا في التمسح ببشار وإظهار أنفسهم كأعداء لتركيا وأميركا.

Advertisements

2 thoughts on “الأكراد عادوا إلى حضن بشار فباتت أميركا مضطرة لمفارقتهم

  1. انت تكذب ياسيد هاني والكذب معيب ومخجل، الاكراد لم يرتمو بحضن الدولة السورية وأميركا لم تستغني عنهم لاجل ذلك.
    اميركا اعلنت عن انسحابها ورغبتها بمغادرة الاراضي السورية التي تحتلها قبل محاولة الاكراد الانفصاليون البحث عن بديل بعد ان تخلت عنهم اميركا وهؤلاء بطبيعة الحال وكل من يراهن على الاميركي او التركي مصيره كمصير اي خائن وعميل، وتمنياتك او احلامك باعلان حكومة كردية مستقلة عن الحكومة السورية هي مجرد احلام لن تحدث لانهم يعلمون تماما باننا سنحرر كل شبر من الاراضي السورية من المحتل الاميركي او التركي او كل من يفكر بالانفصال او سلخ جزء من الاراضي السورية. هذه الحقيقة التي عليك تقبلها بعيدا عن الاوهام التي تعيشها وتحاول ترويجها

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s