لماذا خسر السعوديون الحرب الدعائية ضد تركيا؟ وكيف يمكن لهم أن يخرجوا من خيبتهم في هذا المجال

تحدثنا سابقا عن الدعاية التركية وتأثيرها الكبير في الرأي العام الدولي، وكيف أن منافذ الدعاية التركية هي محترمة دوليا بعكس منافذ الدعاية السعودية.

تركيا لديها شبيحة إعلاميون (أو “مطبلون” كما يسمون في تويتر السعودي) أكثر بكثير مما لدى السعودية، ولكننا لا نرى أحدا في الغرب ينتقد تركيا بسبب استعانتها بهذا الجيش من الشبيحة الإعلاميين. بل على العكس من ذلك، شبيحة تركيا (بمن فيهم شبيحة قطر) يحظون باحترام وتقدير في الغرب على أساس أنهم دعاة حقوق إنسان ودعاة ديمقراطية.

في المقابل السعودية تعرضت لأذى كبير بسبب استخدامها للدعاية السياسية، ومن الملفت أن تهمة استخدام الدعاية السياسية التصقت بالسعودية حصرا ولكن ليس بتركيا ولا حتى بحمد بن خليفة الذي هو ملك الدعاية السياسية.

ما هو سبب نجاح تركيا وفشل السعودية في هذا المجال؟

السبب على ما أعتقد هو أن الدعاية السعودية هي ذات نمط بدائي غبي، بخلاف دعاية الأتراك وذراعهم حمد بن خليفة.

دعاية السعودية تشبه كثيرا الدعاية التي استخدمها بشار الأسد قبل الثورة السورية من حيث غبائها وعدم جدواها وكونها تضر ولا تنفع.

الملاحظ عموما في الدعاية التركية والقطرية هو أنها لا تكتفي بتمجيد تركيا وقطر وإنما تركز على جوانب وشعارات أخرى. كل منافذ الدعاية التركية والقطرية تتحدث عن قضايا حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية. هذا الحديث هو في جله مجرد نفاق، ولكنه رغم ذلك ذو فائدة. هو أشبه بقشرة أو غطاء يغلف محتوى الدعاية ويجعلها قابلة للتسويق شعبيا.

أنا عندما أستمع للدعاية التركية والقطرية فإنني أدرك فورا أنها مجرد دعاية تركية قطرية لا هدف لها سوى خدمة مصالح تركيا وقطر غير الشريفة، ولكن ما ينطبق علي لا ينطبق على عموم الناس. كثير من الناس ينخدعون بالدعاية التركية والقطرية ويصدقون أن المروجين لتلك الدعاية هم دعاة حرية وحقوق إنسان وديمقراطية. السبب هو أن الدعاية التركية القطرية هي مغلفة بشعارات براقة ومظاهر خداعة.

الدعاية السعودية هي ليست مغلفة بشيء. هي مجرد تمجيد لآل سعود على طريقة تمجيد بشار الأسد. من الملفت أن ابن سلمان دفع أموالا لجهات أوروبية لكي تعلق صوره في شوارع لندن (وربما غيرها) على طريقة بشار الأسد الذي كان يعلق صوره في الشوارع ويكتب تحتها كلمة “منحبك” (أي “نحبك” بلغة دمشق). تعليق الصور بهذه الطريقة يمكن أن يعتبر إرهابا للناس إذا فعلته داخل بلادك، ولكن ما هي الحكمة منه في لندن؟ هل ابن سلمان اعتقد أنه بذلك العمل سيرهب البريطانيين ويجعلهم يخشونه؟ أم أنه اعتقد أن البريطانيين سيحبونه لأنه علق صوره في شوارعهم كما لو أنه ديكتاتور في نظام شمولي؟

قصة تعليق الصور في لندن هي مجرد مثال على الدعاية البدائية الغبية التي تضر بدلا من أن تنفع. هناك أمثلة أخرى. مثلا الحملات الدعائية السعودية على موقع تويتر كانت في كثير من الأحيان مجرد تمجيد فج لابن سلمان وشتم لمخالفيه وتهجم عليهم. طريقة تلك الحملات كانت نفس طريقة الشبيحة التابعين لبشار الذين قالوا “الأسد أو لا أحد” و”الأسد أو نحرق البلد” و”الأسد للأبد” ونحو ذلك. في المقابل الحملات التركية والقطرية نادرا ما اتبعت هذا الأسلوب البدائي.

لو أجرينا تحليلا لما بثه كبار الشبيحة المدعومين من تركيا وقطر فإننا سنرى أن أكثر ما ورد على ألسنتهم هو التهجم على “الطغاة” ومن ينتهكون الحقوق ونحو ذلك. التمجيد الصريح لتركيا وقطر هو ليس الشيء الأساسي الذي يتحدثون به. كثير منهم (أو ربما كلهم) ينكرون أصلا أنهم مدعومون من تركيا وقطر ويزعمون أنهم مجرد أفراد مستقلين.

أحدهم أنتج برنامجا ذو حلقات كثيرة ونشره على موقع يوتيوب. البرنامج يتحدث عن تاريخ آل سعود منذ زمن عبد العزيز آل سعود. في هذا البرنامج هو لم يترك كتابا أو وثيقة تاريخية تتعلق بآل سعود إلا واقتبس منها. لو صدقنا أنه أنتج البرنامج بجهده الذاتي فذلك يعني أنه بحّاثة وعلّامة متخصص في تاريخ آل سعود، لأن من قرأ كل تلك الكتب والوثائق التاريخية واستخلص منها الاقتباسات هو ليس مجرد هاو للتاريخ ولكنه باحث متخصص. ولكن المشكلة هي أن هيئة الرجل وكلامه وسلوكه لا تدل على أنه أنتج تلك البحوث بنفسه. هناك احتمال كبير لأن مصدر بحوثه هو مركز بحثي ممول من حمد بن خليفة، وبرنامج يوتيوب الذي بث تلك البحوث هو على الأغلب ممول من حمد بن خليفة.

الأتراك يستترون خلف حمد بن خليفة، وحمد بن خليفة يستتر خلف شبكة كبيرة من الأفراد والمنظمات الذين ينكرون أنهم مدعومون من حمد بن خليفة. في المحصلة هناك شبكة دعائية ضخمة تابعة لتركيا ولكن الناس لا يعلمون أن تلك الشبكة هي تابعة لتركيا لأن الأفراد والجهات المنضويين في الشبكة يستخدمون صنوفا شتى من صنوف التمويه والتعمية.

في المقابل الشبكة الدعائية السعودية هي واضحة مكشوفة. هناك زعيم معلن للشبكة، وهذا الزعيم له حساب على موقع تويتر، وهو في حسابه يتفاخر بأنه يدير الدعاية السعودية لمصلحة محمد بن سلمان. هو يقول أنه “لا يقدح من رأسه” وأن كل ما يقوله هو بتوجيه من محمد بن سلمان. تخيلوا أن يغرد فيصل القاسم قائلا “أنه لا يقدح من رأسه” وأن كل ما يقوله هو بتوجيه من حمد بن خليفة. لو فعل ذلك فإن مصداقيته ستنهار ونظرة الناس له سوف تكون مثل نظرتهم لمروجي الدعاية السعودية.

المملكة السعودية يجب أن تعيد النظر في كل سياستها الدعائية والإعلامية. استخدام أساليب بشار الأسد هو عمل غبي يجلب الضرر بدلا من النفع.

نقترح على المملكة السعودية أن تفعل ما يلي:

  1. إلغاء كل منافذ الدعاية الحكومية الرسمية. وجود هذه المنافذ لا يخدم السعودية بل يشوه صورتها. الحكومة السعودية لا يجب أن يكون لديها منافذ للدعاية وإنما مجرد وسائل إعلام مهنية تقدم الأخبار للناس بحيادية دون تسييس.
  2. دعم منافذ دعائية مستقلة (ظاهريا) عن السعودية. الدعم يجب أن يكون سريا (عبر جهاز المخابرات)، والجهات المدعومة يجب أن تنكر الدعم وأن تدعي الاستقلالية، تماما كما تفعل منافذ الدعاية التركية والقطرية.
  3. محتوى الدعاية يجب أن يكون ذكيا وليس مجرد تمجيد فج للسعودية وآل سعود. الدعاية يجب ألا تتطرق لآل سعود على نحو مباشر وإنما يجب أن تركز على كشف مخططات تركيا وتعرية أتباعها.

أنا لا أؤيد الدعاية السياسية، ولكن الدعاية السياسية التركية هي أمر واقع يمثل تهديدا كبيرا للأمن القومي العربي، ولا بد للدول العربية أن ترد على الدعاية التركية بدعاية مضادة. الهدف هنا هو هدف دفاعي. من يجب أن يتولى هذه المسألة هو أجهزة المخابرات. الحكومات لا يجب أن تمارس الدعاية على نحو رسمي مكشوف لأن هذا عمل مخز يشوه سمعة من يقوم به.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s