بماذا يمكن أن تتفوق السعودية دوليا غير تصدير النفط؟

بعيدا عن شركة “أرامكو” المنتجة للنفط، هناك شركة سعودية واحدة فقط ذات أهمية كبيرة على المستوى الدولي هي “سابك”.

شركة سابك تنتج البتروكيماويات. الحكومة السعودية تملك 70% من أسهمها والباقي هو مطروح في سوق الأسهم في الرياض. بعد مجيء ابن سلمان للسلطة هذه الشركة صارت تسعى للتوسع دوليا. على سبيل المثال، قبل فترة قرأنا أن هذه الشركة تريد أن تستحوذ على شركة كيماويات سويسرية. أيضا يبدو أن هذه الشركة وسعت من قاعدة إنتاجها وصارت تنتج أشياء لم تكن تنتجها في السابق. حاليا هي تعد ثالث أو رابع أكبر شركة منتجة للكيماويات على مستوى العالم. أكبر شركة منتجة للكيماويات هي شركة BASF الألمانية وتليها شركة Dow الأميركية.

في الأيام الماضية قرأنا أن ابن سلمان أوعز لشركة أرامكو بالاستحواذ على أسهم سابك. لا أدري تماما ما هو الغرض من ذلك، ولكنني أظن أن ابن سلمان يريد من هذه الصفقة أن يزيد حجم سابك. هو يريد أن يستفيد من حجم أرامكو الضخم لتنمية سابك وتحويلها ربما إلى أكبر شركة منتجة للكيماويات في العالم. لو نجح ذلك فهو سيعني أن السعودية صارت تتفوق دوليا في أمر آخر غير تصدير النفط الخام.

تفوق السعودية في إنتاج الكيماويات هو أمر متوقع من بلد كهذا ينتج الكثير من النفط. هناك مجالات أخرى يفترض نظريا أن تتفوق السعودية فيها، كمجال تحلية مياه البحر على سبيل المثال. السعودية هي أكثر من يستخدم تحلية مياه البحر في العالم، ولكن المفارقة هي أن الشركات السعودية ليس لها حضور دولي في هذا المجال. (هل هناك أصلا شركات سعودية تعمل في هذا المجال؟)

السعوديون أهملوا فرصة الاستثمار في تقنيات تحلية مياه البحر رغم أنهم أكبر مستهلك لهذه التقنيات عالميا.

بالنسبة لبلد كالسعودية فإن تحلية مياه البحر هي ليست مجرد مسألة اقتصادية. ما الذي سيفعلونه لو فرض عليهم حصار ومنعت الشركات الأجنبية من التعاون معهم؟ هم لن يجدوا ماء ليشربوه.

مجال إنتاج الطاقة الشمسية هو مجال آخر يناسب الاقتصاد السعودي ويمكن للسعودية نظريا أن تتفوق فيه. قبل فترة قرأت أن هناك شركة سعودية ناجحة في هذا المجال اسمها ACWA Power. هذه شركة خاصة أسسها أشخاص سعوديون ولكن يبدو أن أعمالها انحصرت خارج السعودية في بلاد مثل جنوب أفريقيا والمغرب وفييتنام والإمارات. حسب ما يقال فإنها شركة ناجحة. ابن سلمان التفت لها واستثمر فيها ومنحها مشروعا في السعودية.

سبب نجاح هذه الشركة هو أنها عملت خارج السعودية وليس في داخلها. سوق الطاقة السعودي لا يساعد على تطوير الشركات العاملة فيه لأن هذا السوق ما زال محكوما بالاشتراكية. رؤية ابن سلمان تضمنت التخلص من الاشتراكية وهو بدأ في تنفيذ ذلك.

مجال آخر يجب نظريا أن تتفوق السعودية فيه هو مجال إنتاج الغذاء بتقنية “الزراعة في الماء” hydroponics ونحوها من التقنيات التي تقتصد في استهلاك الماء. هذا الموضوع هو من أول المواضيع التي كتبت عنها في هذه المدونة قبل سنوات. أنا تحدثت تحديدا عن الزراعة في الماء، ولكنني بعد ذلك علمت أن هناك تقنية أحدث تسمى الزراعة في الهواء aeroponics.

aeroponics.jpg

حسب كلام أنصار “الزراعة في الهواء” فإن استهلاك تقنيتهم للماء يقل بنسبة 40-70% عن الزراعة في الماء.

هدر الماء في الزراعة التقليدية يحصل بطريقتين أساسيتين:

  1. معظم الماء يذهب في باطن الأرض أو يتبخر من التربة.
  2. ما تبقى يتبخر من النبات نفسه.

الزراعة في الماء تزيل مصدر الهدر الأول، وبالتالي هي تقلل من الهدر بنسبة كبيرة جدا تبلغ 60-90%، ولكن الهدر بالطريقة الثانية هو موجود حتى في الزراعة في الماء. في نظام الزراعة في الماء تكون جذور النبات منقوعة في الماء طوال الوقت. الجذور تمتص الماء باستمرار وهذا الماء يتبخر من أوراق النبات. النبات لا يحتاج لأن يمتص الماء باستمرار. الامتصاص الدائم للماء وتبخيره هو هدر.

في تقنية الزراعة في الهواء تكون الجذور في وسط هوائي جاف. تعريض الجذور للماء يحصل عبر رشها برذاذ مائي في أوقات محددة. أنصار هذه التقنية يقولون أن النبات ينمو فيها بشكل أفضل من طرق الزراعة الأخرى.

حسب مقال ويكيبيديا فإن الزراعة في الهواء نجحت تجاريا في أميركا. المقطع أدناه يتحدث عن زراعة القمح بهذه التقنية.

مقال ويكيبيديا يقول أن فييتنام تسعى لاستخدام هذه التقنية في زراعة البطاطا.

ما يبدو لي هو أن الأميركان وغيرهم لا يهتمون كثيرا بهذه التقنية. سبب ذلك مفهوم: الأميركان لا يعانون شحا في إنتاج الغذاء بالزراعة التقليدية وهم ليسوا بحاجة للاستثمار في تقنيات غير تقليدية.

ولكن الأمر الغريب هو أن دولة كالسعودية لم تبد اهتماما بهذا الأمر إلا في الآونة الأخيرة بعد مجيء ابن سلمان. رؤية ابن سلمان ركزت على موضوع الزراعة في الماء واعتبرته أولوية، وحسب ما قرأت فإن هناك بالفعل نشاطا في هذا الاتجاه. مثلا قبل أيام أتت شركات فرنسية إلى الرياض بهدف تأسيس صناعة للطحالب في السعودية. موضوع إنتاج الطحالب هو على ما أظن مرتبط بتقنيات الزراعة الحديثة التي نتحدث عنها.

لو كنت موظفا في الحكومة السعودية أو في جامعة سعودية وعلمت أن هناك شخصا في أميركا ينتج القمح بأسلوب يوفر الماء بنسبة 65% فإنني كنت سأهتم كثيرا بذلك وسأسعى لجلب هذا الشخص إلى السعودية لكي يجرب طريقته هناك. من الغريب أن السعوديين لم يهتموا بذلك. إذا استخدموا مياه البحر المحلاة في مثل هذا النوع من الزراعة ونجح ذلك تجاريا فإنهم لن يحتاجوا لاستيراد القمح.

تقنيات إنتاج الغذاء الحديثة هي ليست ثابتة وإنما تتطور. قبل فترة قرأنا أن الصينيين زرعوا الأرز بمياه مالحة ونجح ذلك. أيضا بعض الأعلاف زرعت بمياه مالحة ونجح ذلك. من الممكن أن يتمكنوا في المستقبل من زراعة القمح أيضا بمياه مالحة.

أنا أعتقد أن تقنيات الزراعة في الماء والهواء ستكون قادرة في المستقبل على إنتاج كل أنواع الغذاء بكلف غير عالية. المطلوب هو الاهتمام بها والاستثمار فيها. السعودية يجب أن تكون أكثر دول العالم اهتماما بهذا المجال لأنها أكثر من يعتمد على الغذاء المستورد.

هذه التقنيات بالمناسبة لها فوائد أخرى كثيرة غير الاقتصاد في الماء. إحدى فوائدها هي الاقتصاد في المساحة اللازمة للزراعة والاقتصاد في كلفة النقل. حاليا يوجد شيء يسمى “المزارع العمودية” vertical farms. هذه عبارة عن أبنية عالية تزرع النباتات بداخلها بأسلوب الهيدروبونك ونحوه. النباتات تُرص فوق بعضها في طبقات وبذلك يمكن زراعة الكثير جدا من النباتات ضمن مساحة صغيرة.

تأسيس المزارع العمودية هو ممكن نظريا في أي مكان، وبالتالي من الممكن مثلا تأسيسها داخل المدن. هذا يلغي الحاجة لنقل الأغذية من أماكن بعيدة. المشكلة الأساسية التي أفشلت مشاريع الزراعة العمودية في أميركا هي عدم قدرتها على منافسة الزراعة التقليدية بسبب استهلاكها للكثير من الطاقة في توليد الضوء الصناعي اللازم لنمو النباتات، ولكنني لا أظن أن هذه المشكلة ستوجد في السعودية لأن الزراعة التقليدية هناك لا تنتج مثلا القمح أو الأرز إلا بكميات ضئيلة.

مجال آخر يجب نظريا أن تتفوق السعودية فيه هو مجال تقنيات تعديل الطقس weather modification. هذا المجال يعتبر حاليا من مجالات الخيال العلمي أكثر من كونه مجالا علميا. الدول المتقدمة لا تستثمر في هذا المجال لأن تلك الدول لا تعاني من أزمة في المناخ، ولكن السعودية تعاني من أزمة كارثية في المناخ ويفترض أن تهتم بالبحث في هذا المجال. يجب أن يبحثوا مثلا في إمكانية نشر مظلات عملاقة في السماء ونحو ذلك. (يمكن مثلا أن يستخدموا طائرات مروحية دون طيار تعمل بالطاقة الشمسية بهدف تعليق المظلات في السماء فوق المدن. لا أدري إن كان ذلك ينجح ولكن هل جربوه؟)

ابن سلمان يهتم كثيرا بتطوير الصناعات العسكرية لأن السعودية هي من أكثر دول العالم إنفاقا على شراء الأسلحة. ما يريد أن يحققه في هذا المجال هو شيء سبق لدول أخرى في المنطقة أن حققته. مثلا تركيا استفادت من عضويتها في حلف الناتو وأسست صناعة عسكرية. ولكن هل يمكن للسعودية أن تتفوق دوليا في صناعة السلاح؟ هذا لن يحصل في المستقبل القريب. صناعة السلاح (كالكثير من الصناعات الأخرى) تعتمد على التقنية العالية وهناك منافسة دولية كبيرة فيها بين شركات ذات باع طويل في هذا المجال. السعودية ما زالت بعيدة عن المنافسة في مثل هذه المجالات. قبل أن يصلوا إلى تلك المرحلة يجب عليهم أن يطبقوا الأمور المكتوبة في رؤية ابن سلمان.

المنافسة في مجال التقنية العالية هي مرتبطة بالتنافس على استقطاب العقول. سبب تفوق أميركا في التكنولوجيا هو أنها أكثر دول العالم استقطابا للعقول المهاجرة. كثير ممن يعملون في تطوير التكنولوجيا في أميركا هم مهاجرون من دول طاردة للعقول كالهند على سبيل المثال. هل السعودية تستطيع أن تستقطب العقول المهاجرة؟ حاليا السعوديون هم ليسوا راغبين أصلا في استقطاب العقول المهاجرة لأنهم لا يفهمون أهمية ذلك، وحتى لو أرادوا استقطابها فإنهم لن ينجحوا في ذلك لأنني لا أظن أن العقول المهاجرة ستفضل الجنسية السعودية والحياة في السعودية على الجنسية الأميركية والحياة في أميركا.

ابن سلمان يهتم أيضا بتطوير قطاع الخدمات على طريقة دبي. إمارة دبي تفوقت دوليا في مجال السياحة وأيضا في مجالات خدمية أخرى مثل الطيران (شركة طيران الإمارات) وتشغيل الموانئ، وأظن أيضا أن لديهم شركات إنشاءات ناجحة. التقدم في مثل هذه المجالات الخدمية هو ليس أمرا صعبا وهو موجود بنسب متفاوتة في كثير من دول المنطقة. تركيا هي مثال على دولة شهدت نموا كبيرا في مجال السياحة، ولكن قطاع الخدمات التركي هو في رأيي متخلف وبلا أفق بسبب انغلاقه وانعزاله عن العولمة لأسباب ثقافية وسياسية.

أحد أسباب النمو الكبير للسياحة التركية هو حمد بن خليفة وجهوده في اختراق العالم العربي لمصلحة تركيا. الاستراتيجية التي طبقها حمد بن خليفة تقوم على مبدأين: محاولة تنمية تركيا وجذب الأموال لها، ومحاولة محق الدول العربية وتدميرها. هو كبد العالم العربي خسائر ضخمة جدا لم يحصل ما يوازيها منذ الغزو المغولي في القرن 13.

أنا أرى أن التخلص من حمد هو شرط أساسي من شروط التنمية في العالم العربي. ابن سلمان كان يجب أن يضع ذلك في رؤيته لأن كل الرؤية يمكن أن تفشل بسبب حمد. من شاهد ما فعله حمد في سورية واليمن وليبيا لا يمكنه أن يستهين بذلك. حتى لو نجح ابن سلمان في تنمية الاقتصاد السعودي وجعله أكبر اقتصاد في العالم فإن كل الاقتصاد يمكن أن ينهار ويزول بسبب حمد، كما حصل في سورية واليمن وليبيا. حمد أظهر أنه يستطيع أن ينظف بلدا من كل التنمية التي حصلت فيه خلال 100 عام (أو حتى منذ بدء العصر النيوليثي قبل 10 آلاف عام). هو يستطيع أن يعيد البلد إلى الحالة التي خلقه الله بها. هذا خطر وجودي لا يمكن الاستهانة به.

نظريا أفضل طريقة لتحصين البلد ضد حمد هي بتطوير ثقافة المجتمع، ولكن السعودية ما تزال بعيدة عن اكتساب مثل هذه الحصانة الثقافية. سوف تمر عقود كثيرة يكون خلالها المجتمع السعودي معرضا للاختراق من حمد.

Advertisements

One thought on “بماذا يمكن أن تتفوق السعودية دوليا غير تصدير النفط؟

  1. كيف حالك صديقي ؟؟
    سألتك مرة ولم تجاوب, ما مصلحة حمد من تدمير العالم العربي (كما تقول) ؟
    ولم التقارب مع تركيا بالذات ؟؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s