إصلاحات ابن سلمان تعبر عنق الزجاجة… وعن مستقبل الاقتصاد السعودي

 

خلال الأيام الماضية رأينا مشهدين مختلفين في كل من إيران والمملكة السعودية.

الرئيس الإيراني روحاني يحمل أجندة إصلاحية. هو يريد أن ينهي ما يسمى بدعم الأسعار وأن يحول الاقتصاد الإيراني إلى اقتصاد غير اشتراكي، ولكن الثورة الشعبية من شأنها أن تعرقل خططه الإصلاحية.

في المقابل لم نر إلى الآن أية تحركات شعبية تعرقل الإصلاح في مملكة آل سعود، رغم أن إصلاحات ابن سلمان وصلت إلى مرحلة متقدمة جدا بمعايير العالم العربي والشرق الأوسط. هو زاد أسعار البنزين بنسبة 80% خلال يوم وليلة. هذا أمر كبير جدا في مملكة آل سعود لأن معظم المواطنين هناك يقتنون سيارات ويسرفون في استهلاك البنزين (كثير منهم يركبون سيارات SUV).

التحول الذي يقوم به ابن سلمان هو تحول ضخم وجذري. هكذا تحول لا يمكن أن يجري على نحو مثالي دونما أخطاء وأعراض جانبية. من المحتم أن بعض المواطنين سيتعرضون للضرر بسبب هذا التحول، لأن الحكومة مهما بلغت قدراتها لا تستطيع أن تحمي كل فرد من تبعات التحول، ولكن ما نراه إلى الآن يدل على أن الأمور تسير بسلام دونما ثورات شعبية.

في الماضي كتبت أن سبب تخلف الدول العربية (خاصة مملكة آل سعود) هو سياسات حكوماتها، وأن تلك الدول يمكن أن تتحول إلى دول متقدمة خلال عقد أو عقدين من الزمان إذا أصلحت الحكومات سياساتها. ما يحصل الآن في مملكة آل سعود هو الإصلاح الذي تحدثت عنه. إذا استمرت الأمور تسير بهذه الطريقة في مملكة آل سعود فأنا أظن أن المملكة سوف تكون دولة متقدمة أو شبه متقدمة بحلول عام 2030.

ما يفعله ابن سلمان هو أنه يطبق في بلاده سياسات شبيهة بالسياسات المطبقة في أميركا. في النهاية سوف تصل المملكة إلى مرحلة تكون فيها سياساتها شبيهة إلى حد كبير بسياسات أميركا (وغيرها من الدول المتقدمة). المطلوب من شعب المملكة هو أن يتأقلم مع السياسات الجديدة ومع نمط الحياة الجديد. هذا ليس أمرا سهلا ولكنه أمر لا مفر منه إذا كان الشعب يريد الانتقال من التخلف إلى التقدم. إذا كنتم تريدون أن تكونوا متقدمين مثل أميركا فلا بد أن تعيشوا كالأميركان. ليس من الممكن أن تكون دولتكم متقدمة كأميركا إذا لم تكونوا راغبين بأن تعيشوا كالأميركان.

مواطنو المملكة اعتادوا على أن الحكومة (أي عائدات النفط) هي مصدر دخلهم. هذه الفكرة يجب أن تكون من الماضي. الحكومة لا يمكن أن تكون مصدر دخل للشعب لأن هذا النموذج سوف يوصل الحكومة إلى الإفلاس في النهاية. حكومة المملكة كانت مفلسة بالفعل عندما بدأ ابن سلمان إصلاحاته. الميزانية ما زالت إلى الآن غير متوازنة.

نموذج الحكومة التي تعيل الشعب يصلح في دول قليلة السكان مثل الكويت وقطر والدول الإسكندنافية، لأن حكومات هذه الدول تستغل الموارد الطبيعية (النفط والغاز ونحو ذلك) لإعالة الشعب، ولكن هذا النموذج لا يصلح في دول ذات تعداد سكاني كبير لأن عائدات الموارد الطبيعية لن تكفي لإعالة الشعب، خاصة وأن حكومات الدول الكبيرة لديها التزامات لا توجد لدى حكومات الدول الصغيرة. على سبيل المثال، الدول الكبيرة تحتاج لأن تنفق الكثير من المال على الدفاع وعلى أمور خارجية تتعلق بدورها الإقليمي والدولي.

في الدول المتقدمة الكبيرة الشعب يعيل نفسه بنفسه. إعالة المواطنين هي ليست دور الحكومة وليست واجبا عليها كما يدعي مغردون سعوديون على موقع تويتر.

الشعب يجب أن يفهم أن مكان العمل وكسب الرزق هو القطاع الخاص. الحكومة هي ليست مصدرا للرزق. عندما يفهم الشعب هذا الأمر فسنقول أن الشعب قد خطا خطوة مهمة نحو الخروج من التخلف.

جوهر التخلف يكمن في نظرة الناس للحكومة وفهمهم لدورها. الشعوب المتخلفة تنظر إلى الحكومة بوصفها بقرة حلوب. لهذا تجدهم يتسابقون على حلبها ويعتبرون ذلك شطارة. أنا لا أتحدث فقط عن صغار المواطنين وإنما أيضا عن “الكبار” من أمثال الجرذ بشار الأسد الذي نظر إلى الحكومة في دمشق وكأنها ثروته العائلية (ولأجل الاحتفاظ بهذه الثروة العائلية ارتكب جرائم لم يسبقه إليها أحد).

ابن سلمان لديه خطط مبهرة لتنمية القطاع الخاص. هو أعلن عددا من الاستثمارات العملاقة التي وصفت بأنها megaprojects، رغم أن هذا الوصف لا يفيها حقها نظرا لحجمها الخرافي (كلمة megaproject تطلق على مشروع تبلغ كلفته مليار دولار. مشروع نيوم سوف يكلف 500 مليار، أي أنه يساوي 500 من الـ megaprojects). آخر ما أعلن عنه ابن سلمان هو خطة لإنفاق 19 مليار دولار خلال أربع سنوات بهدف تحفيز النمو في القطاع الخاص. هذه الخطة لوحدها هي شيء كبير ومبهر.

التشكيك في جدوى إصلاحات ابن سلمان هو مجرد كلام فارغ. هذا الرجل ينفق أموال قارون على الاستثمار وتحفيز الاستثمار ولا يمكن لكل هذا الإنفاق الاستثماري أن يكون بلا جدوى.

من ينكرون جدوى سياسات ابن سلمان هم ثلاثة أصناف:

  • أناس تحركهم دوافع الحسد والغيرة والعداء للمملكة السعودية والعرب. على رأس هؤلاء يأتي حمد بن خليفة متزعم قطر (هذا الرجل يعتبر تدمير الدول العربية هدفه في الحياة وآخر ما يرغب في رؤيته هو دولة عربية ناجحة ومتقدمة).
  • أناس لا يفهمون الإصلاحات وأبعادها بسبب جهلهم بمسائل الاقتصاد.
  • صحفيون أجانب يشككون في الإصلاحات ليس بسبب عدم قناعتهم بها وإنما لأن عملهم الصحفي يتطلب منهم الكتابة النقدية وعدم التطبيل والتزمير للحكومات.

أنا لا أشك في أن الاستثمارات الضخمة التي يقوم بها ابن سلمان سوف تؤدي إلى نمو كبير وسوف تغير طبيعة اقتصاد المملكة من اقتصاد يعتمد على ريع النفط إلى اقتصاد متنوع.

الناس سخروا من ابن سلمان عندما قال أن طموحه سوف يبتلع مشكلة البطالة، ولكن كلامه ذلك كان واقعيا. الأموال الهائلة التي يستثمرها داخل المملكة سوف تؤدي إلى نمو اقتصادي كبير. هذا النمو سوف يتطلب الكثير من الأيدي العاملة، والأيدي العاملة السعودية لن تكفي لتلبية الطلب. المملكة السعودية سوف تكون بحاجة للكثير من الأيدي العاملة الأجنبية حتى بعد انتهاء بطالة السعوديين.

الملفت هو أن ابن سلمان يتخذ إجراءات من شأنها “تطفيش” الأجانب من العمل في اقتصاد المملكة. هذا السلوك هو ليس جيدا لأن المملكة تحتاج لهؤلاء وسوف تظل تحتاج لهم في المستقبل. ابن سلمان يفعل ذلك لأنه يبحث عن حل سريع لبطالة السعوديين. هو يريد إنجازا سريعا لكي يخفف من الضغوط التي يتعرض لها.

أنا أظن أنه حقق بالفعل إنجازات سريعة. حسب ما فهمت فإنه حل أزمة السكن التي تفاقمت كثيرا في عهد الملك السابق (صاحب السياسات التدميرية). المواطنون السعوديون لا يشعرون بأن أزمة السكن حلت لأن حل الأزمة في نظرهم يعني الحصول على مسكن مجاني بشكل فوري، ولكن ابن سلمان (على ما يبدو) أوجد آلية تؤدي لمنح مساكن مدعومة لأعداد كبيرة من الناس خلال زمن قصير، بالتالي هذه المشكلة تبدو وكأنها انتهت.

حسب الأرقام الرسمية السعودية فإن عدد المواطنين السعوديين في عام 2017 كان أقل من 23 مليون نسمة. هذا الرقم يجعل المملكة السعودية في ذيل قائمة دول مجموعة الـ G20 من حيث عدد السكان. لا أدري كيف يتصور ابن سلمان وغيره أن اقتصاد المملكة يمكن أن ينافس اقتصادات العالم الكبرى بهذا العدد الضئيل من السكان. المملكة السعودية قد تكون أحوج دولة في العالم إلى المهاجرين، ولكن الغريب هو أن هذه المملكة ما زالت إلى الآن ترفض الهجرة.

معاداة الهجرة في الدول الغربية تبرر على أساس الاختلاف العرقي والثقافي. العنصريون في أوروبا وأميركا يقولون أنهم لا يريدون مهاجرين من أعراق وثقافات مختلفة. ما هو مبرر العنصرية في المملكة السعودية؟ هل اليمنيون والسوريون هم من عرق مختلف عن عرق السعوديين؟ أم أنهم من ثقافة مختلفة؟ أنا بصراحة لا أعلم ما هو التبرير السعودي الرسمي لسياسة رفض الهجرة. كل ما سمعته هو مجرد هذيانات بلا معنى من أشخاص يوصفون بأنهم صحفيون وإعلاميون (منهم الشخص المدعو “داود الشريان” الذي يعتبر بطلا في المملكة رغم عنصريته المثيرة للاشمئزاز).

الإصلاح في المملكة يتطلب مكافحة العنصرية ورهاب الأجانب. يجب على المملكة السعودية أن توطن اللاجئين اليمنيين والسوريين لأنها تحتاجهم، ولأن عدم توطينهم هو أمر لا يمكن تبريره بأي مبرر.

الأفضل من توطين اليمنيين هو توحيد اليمن بكامله مع المملكة السعودية. أنا دعوت ابن سلمان في السابق لأن يفعل هذا، وأظن أنه في النهاية سيضطر لفعله رغما عنه. لا يمكن للمملكة السعودية أن تنمو وتزدهر بينما اليمن هو من أفقر دول العالم. اليمنيون لن يسمحوا بذلك.

Advertisements

2 thoughts on “إصلاحات ابن سلمان تعبر عنق الزجاجة… وعن مستقبل الاقتصاد السعودي

  1. 550مليون دولار ثمن يخت و450 مليون دولار ثمن لوحة فنية و300مليون دولار ثمن قصر .
    اعتقال تعسفي غير مشروع لأكثر من 250 من الاثرياء وتعذيبهم وابتزازهم وانتزاع 50 مليار دولار منهم ( اي حمار يستثمر في هكذا دولة وقد قالهم نجيب ساويرس في مؤتمر روما للاستثمار)
    محاولة فاشلة لاحتلال قطر ومحاولة احرئ لسجن رئيس وزراء لبنان ومحاولة لقلب نظام الحكم في الاْردن ومحاولة قديمة لقلب النظام في عمان ومحاولة احلال دحلان مكان عباس وكلها فشلت.
    هل هذا هو املك يا هاني ؟
    يا للتعاسة!!!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s