اللغة اللاتينية – Ⅰ. مقدمة

۞المحتويات

۞1. ما قبل تاريخ اللغة اللاتينية

كثيرون يربطون وصول اللغات الهندو-أوروبية إلى إيطاليا بظهور ثقافة برونزية متأخرة في إيطاليا تسمى Villanova I أو ڤيلانۆڤا البدائية Proto-Villanova (تاريخها بين 1200 و 900 قبل الميلاد). هذه الثقافة هي فرع من ثقافة حقول الجِرار Urnfield culture (تاريخها بين 1300 و 750 قبل الميلاد) التي ظهرت في وسط أوروبا وتمددت نحو مناطق عديدة، ويعتقد أنها لعبت دورا في نشر اللغات الهندو-أوروبية في أوروبا.

تسمية ثقافة حقول الجرار أتت من أسلوب دفن الموتى في هذه الثقافة: جثث الموتى كانت تحرق ورمادها كان يوضع في جرار تسمى واحدتها urn (من اللاتينية urna)، وهذه الجرار كانت توضع في قبور موجودة في حقول (مقابر).

مع الجرة التي تحوي رماد الشخص الميت كانوا يضعون آنية (كانت تحوي ربما أطعمة) وأدوات معدنية (شفرات، أسلحة، حلي، تمائم، إلخ) وكانوا يضعون أيضا أضاحي من الحيوانات. قبور الأشخاص المهمين كانت تحوي أشياء إضافية منها على ما يبدو أضاحي بشرية.

أصحاب هذه الثقافة تميزوا بكثرة تسليحهم وببنائهم لحصون على التلال وبدفنهم لكميات كبيرة من المقتنيات الثمينة. هذه المؤشرات تدل ربما على أنهم كانوا محاربين، وهذا قد يفسر انتشارهم الواسع.

ثقافة حقول الجرار تمددت نحو إيطاليا وأنتجت هناك ثقافة ڤيلانۆڤا I أو ڤيلانۆڤا البدائية. هذه الثقافة تمددت وغطت إيطاليا بأسرها، ولكن معظم مواقعها كانت توجد في شمال إيطاليا. لاحقا هذه الثقافة تفرعت وأنتجت عدة ثقافات أهمها ثقافة تسمى ڤيلانۆڤا II أو ڤيلانۆڤا Villanova proper (تاريخها بين 900 و 700 قبل الميلاد)، التي هي أول ثقافات عصر الحديد في إيطاليا وتميزت بصلات ثقافية قوية مع الشرق (اليونان).

ثقافة ڤيلانۆڤا الحديدية هي التي أدخلت الكتابة إلى إيطاليا لأول مرة في حدود 700 قبل الميلاد. أصحاب هذه الثقافة استخدموا أبجدية مشتقة من الأبجدية اليونانية وخلفوا آلاف الكتابات بلغتهم. الحقبة التي بدأت مع استخدامهم للكتابة تسمى الحضارة الإترسكية Etruscan civilization. أصحاب الحضارة يسمون الإترسكيين Etruscans.

ما يلي هي حروف الأبجدية الإترسكية في شكلها الباكر:

𐌀 𐌁 𐌂 𐌃 𐌄 𐌅 𐌆 𐌇 𐌈 𐌉 𐌊 𐌋 𐌌 𐌍 𐌎 𐌏 𐌐 𐌑 𐌒 𐌓 𐌔 𐌕 𐌖 𐌗 𐌘 𐌙

عندما بدأ الإترسكيون بالكتابة قلدتهم الشعوب المحيطة بهم وصارت تكتب هي أيضا مستخدمة الأبجدية الإترسكية أو أبجديات مشتقة منها. لهذا السبب نحن نملك بعض المعلومات عن اللغات المحكية في إيطاليا في تلك الحقبة التي تلت بداية الحضارة الإترسكية واستمرت حتى قيام الإمبراطورية الرومانية. ما نعلمه هو أن إيطاليا آنذاك كانت تحوي غابة من اللغات المختلفة. الشكل التالي من ويكيبيديا يظهر أشهرها.

Source: https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/4/4a/Iron_Age_Italy.svg

اللغة اللاتينية قبل تأسيس روما كانت لغة لقبيلة تسكن في منطقة صغيرة تسمى لَتِي Latium. هذه المنطقة كانت تقع إلى الجنوب من نهر تِـبِر Tiber عند مصبه في البحر التُّوراني Tyrrhenian Sea.

اسم Latium هو أصل تسمية منطقة Lazio في إيطاليا حاليا. من اسم هذه المنطقة اشتق اسم اللغة اللاتينية Latīna واسم القبيلة التي كانت تتحدث تلك اللغة Latīnī. هذه القبيلة سكنت مدينة روما، ومع توسع سلطة روما بدأت اللغة اللاتينية تحل تدريجيا محل اللغات الأخرى في إيطاليا إلى أن أبادتها جميعها بحلول القرون الميلادية الأولى.

نهر تبر (اسمه باللاتينية تِبرِي Tiberis) كان الحد الفاصل بين اللاتينيين وبين الحضارة الإترسكية. اللاتينيون كانوا يطلقون على بلاد الإترسكيين مسمى إتروريا Etrūria (هذه الكلمة هي تحريف صوتي لاتيني للاسم الأصلي إتروسيا Etrūsiā*)، وكانوا يسمون أصحابها بالإترُسكيين Etruscī أو التُسكيين Tuscī (الاسم الثاني هو أصلا الترسكيين –Trusc*). من التسمية الأولى تأتي التسمية المعاصرة Etruscans، ومن التسمية الثانية يأتي اسم منطقة تسكانا Tuscany في إيطاليا حاليا. الأصل الذي اشتقت منه كل المسميات اللاتينية هو تروس –Trūs*. هذا اللفظ يشبه لفظ تورس –Tūrs* الذي يوجد في التسمية اليونانية Τυρσηνοί Tyrsēnoí/Τυρσανοί Tyrsānoí التي حرفت أيضا إلى Τυρρηνοί Tyrrhēnoí، ومن التسمية المحرفة أتى اسم البحر التوراني Tyrrhenian Sea.

اللاتينيون (كغيرهم من شعوب إيطاليا) كانوا شديدي التأثر بالحضارة الإترسكية. الأبجدية اللاتينية هي مشتقة من الأبجدية الإترسكية.

البعض يظنون أن الإترسكيين هم الذين أسسوا مدينة روما في القرن الثامن قبل الميلاد، رغم أن هذا يتعارض مع روايات المؤرخين الرومان التي تقول أن الإترسكيين استولوا على حكم روما بعد تأسيسها. حسب المؤرخين الرومان فإن أول ملوك روما هو Romulus الذي من اسمه أتت تسمية المدينة. هذا الملك الأسطوري بنى المدينة مع أخيه Remus وبنى سورا حولها، ثم قتل أخاه وصار ملكا على المدينة، ثم دعا إلى المدينة قبيلة السَّبِينيين Sabīnī التي كانت تسكن إلى الشرق من اللاتينيين واختطف نساء تلك القبيلة وحولهن إلى زوجات لسكان روما، وبذلك تكاثر سكان روما. الملك الثاني لروما كان من قبيلة السبينيين ذاتها. الملك الخامس Lucius Tarquinius Priscus كان أول الملوك الإترسكيين لروما. حسب المؤرخ Livy فإن اسمه الإترسكي هو Lucumo، التي هي كلمة نعلم الآن أنها تعني “مَلِك” بالإترسكية. هذا الرجل أتى إلى روما مهاجرا من إتروريا مع زوجته وعاش في روما وصار مقربا من ملكها ثم خلفه. هو أسس المنتدى Forum في مدينة روما، وخَلَفُهُ (الذي كان إترسكيا أيضا) نظّم الجيش الروماني وبنى سورا جديدا حول المدينة. حكم الإترسكيين استمر حتى عام 509 قبل الميلاد عندما ثار الرومان على الملك الإترسكي الجائر وأسسوا الجمهورية.

بعض باحثي الآثار يرون أن روايات المؤرخين الرومان حول أصل مدينتهم تتفق مع الدلائل الأثرية. مدينة روما عند بداية تأسيسها في القرن الثامن قبل الميلاد كانت مجرد أكواخ على التلة البلاطية Palatine Hill، التي هي مسكن Romulus وأخيه Remus حسب الأساطير الرومانية. الأكواخ كانت تنتمي لثقافتين مختلفتين، ما يتوافق مع كلام المؤرخين عن وجود السبينيين إلى جانب اللاتينيين عند تأسيس روما. أيضا زمن تأسيس المنتدى الروماني في القرن السادس قبل الميلاد هو صحيح. ما يظهر هو أن مدينة روما الأصلية كانت مجرد بلدة متواضعة وأن الإترسكيين هم من حولوها إلى مدينة مهمة. الباحثون يرون أن حكم الإترسكيين لروما انتهى في زمن كان الإترسكيون خلاله يخوضون حروبا ضد القلط Celts شمالا واليونانيين جنوبا.

اللغة الإترسكية هي ليست مفهومة بشكل جيد ولكن الواضح هو أنها ليست هندو-أوروبية، وهذا أمر محير نظرا إلى المعطيات الأركيولوجية التي سردناها في الأعلى. الحضارة الإترسكية هي امتداد أركيولوجي لثقافة ڤيلانۆڤا، وهذه بدورها هي امتداد لثقافة ڤيلانۆڤا البدائية التي تعتبر فرعا لثقافة حقول الجرار Urnfield الناطقة بالهندو-أوروبية. البعض زعموا أن ثقافة ڤيلانۆڤا البدائية لم تكن نتيجة هجرة من خارج إيطاليا، ولكن هذا الكلام هو غير مقنع لأن خصائص الثقافة (حرق الموتى ووضع رمادهم في جرار، وبناء حصون على التلال، إلخ) هي شبيهة جدا بخصائص ثقافة حقول الجرار في وسط أوروبا ولا بد أن ظهور هذه الثقافة في إيطاليا كان بسبب هجرة.

الأرجح هو أن ثقافة ڤيلانۆڤا كانت في أصلها ناطقة بلغة هندو-أوروبية ولكن لغة الثقافة تغيرت بعدما استقبلت مهاجرين يتحدثون اللغة الإترسكية. السؤال الصعب هو تحديد المكان الذي أتى منه هؤلاء المهاجرون المفترضون والطريق الذي أتوا عبره.

هيرودوت (في القرن الخامس قبل الميلاد) روى عن سكان لوديا Lydia (غرب الأناضول) قولهم أن تورسانيا Τυρσηνίη (إتروسيا) هي مستعمرة أسسها مهاجرون من لوديا غادروا بسبب المجاعة. بعض المعاصرين أشاروا إلى أن اسم الإترسكيين قد يكون على علاقة بكلمة Ta-ru-(ú-)i-ša (التي يجب ربما أن تقرأ /Trūisa/) التي وردت في كتابات مسمارية حتية كاسم لمنطقة في غرب الأناضول، هي ربما نفس المنطقة التي سماها اليونانيون طروادة Τροίᾱ Troíā.

فكرة الهجرة من غرب الأناضول ومنطقة بحر إيجة تتوافق مع ما نعرفه عن تاريخ تلك المنطقة في نهاية عصر البرونز. في نهاية عصر البرونز (خلال الأحداث التي تسمى “انهيار عصر البرونز” Bronze Age collapse) انطلقت موجة من الهجرات من تلك المنطقة. الشعوب المهاجرة (التي تسمى عادة باسم “أقوام البحر” Sea Peoples) تسببت في دمار الحضارة الحتية في وسط الأناضول وحضارة موقينا Mycenae اليونانية الباكرة وعدد من الحضارات في سورية. النقش المصري الشهير في مدينة Habu يسرد أسماء الأقوام المهاجرة. ثلاثة من الأسماء تشبه أسماء شعوب وجدت لاحقا في إيطاليا:

  • شأكرشأ (شكلش) š3krš3 (الصقليين)
  • شأردن (شردن) š3rdn (السردينيين)
  • تورشأ (ترش) twrš3 (الإترسكيين)

اليونانيون القدماء ذكروا أن سكان سردينيا هم مهاجرون من لوديا وأن اسم سردينيا نفسه هو مشتق من اسم Sardis المدينة الكبرى في لوديا.

في جزيرة Lemnos في بحر إيجة عُثر على كتابات بلغة شبيهة جدا بالإترسكية تسمى اللمنية Lemnian. وجود هذه اللغة في جزيرة Lemnos يتوافق مع كتابات اليونانيين القدماء الذين ذكروا أن هذه الجزيرة هي من مواطن الـ Πελασγοί Pelasgoí، أي غير اليونانيين من سكان منطقة بحر إيجة القدماء.

أخيرا نشير إلى أن اللغة الإترسكية (واللمنية) تتميز بنظام ڤۆكالي غريب يحوي أصوات العلة a, e, i, u ويفتقر إلى الصوت o. هذا النظام غير المتناظر هو شبيه بأنظمة لغات الشرق الأوسط المسمارية القديمة (بما فيها الحتية) التي تفتقر كلها تقريبا إلى صوت العلة o ولكنها تحوي الصوت e.

نظرية الهجرات من منطقة بحر إيجة إلى إيطاليا في نهاية عصر البرونز هي واردة جدا وليس هناك ما يتعارض معها، ولكن عددا لا بأس به من الباحثين المعاصرين (خاصة الإيطاليين على ما يبدو) يرفضونها. من يرفضون نظرية الهجرة يرون أن اللغة اللمنية وصلت إلى جزيرة Lemnos بسبب هجرة من إيطاليا إلى تلك الجزيرة.

في جبال الألب الشرقية كانت تسكن قبائل سماها المؤرخون الرومان باسم الريتيين Rhaetī. حسب المؤرخين الرومان فإن هذه القبائل هي إترسكية الأصل وصعدت إلى الجبال هربا من الغاليين. هناك عدد قليل من الكتابات القصيرة التي تسمى الآن بالريتية Rhaetic نسبة إلى تلك القبائل. بعض من درسوا هذه الكتابات قالوا أن لغتها شبيهة بالإترسكية والبعض الآخر قالوا أنها هندو-أوروبية، وبالتالي تصنيفها هو ليس واضحا.

إلى الشمال من نهر تبر، في بلاد الإترسكيين، كان يسكن شعب يسمى الفلسكيين Faliscī. هذا الشعب كان يتحدث لغة قريبة جدا من اللغة اللاتينية تصنف ضمن عائلة لغوية واحدة مع اللاتينية تسمى اللاتينية-الفلسكية Latin-Faliscan. البعض يعتبرون الفلسكية مجرد لهجة من لهجات اللاتينية. البعض يرون أن وجود الفلسكيين في بلاد الإترسكيين هو دليل على أن تلك البلاد كانت مسكونة بقبائل تنطق بلغات قريبة من اللاتينية قبل مجيء الإترسكيين إليها كمهاجرين.

إلى الشرق من Latium توجد جبال الأبنين Apennine. في تلك الجبال كانت تسكن أقوام تتحدث لغات هندو-أوروبية منها اللغات المسماة Paelignian و Marrucinian و Vestinian و Marsian و Volscian وHernican و Aequian، بالإضافة إلى اللغة السبينية Sabīne التي أشرنا سابقا إلى متحدثيها. إلى الشمال من هؤلاء (إلى الشرق من إتروريا) كانت توجد منطقة تسمى أمبريا Umbria وشعبها يسمى الأمبريين Umbrī، وإليهم تنسب اللغة المعروفة الآن بالأمبرية Umbrian. إلى الشرق من أمبريا على ساحل البحر الأدرياتي كانت توجد منطقة تسمى پـيـقـێـن Pīcēnum عثر فيها على كتابات للغتين تسميان الپيقێنية الجنوبية South Picene والپيقێنية الشمالية North Picene. في جنوب إيطاليا كانت توجد قبائل تتحدث لغة تسمى بالأسكية Oscan، أشهرها قبيلة السَّمْنيين Samnītēs (اسم هذه القبيلة له نفس أصل اسم السبينيين Sabīnī). في جنوب إيطاليا أيضا كانت توجد لغة تسمى الآن “ما قبل السَّمْنية” Pre-Samnite. كل اللغات سالفة الذكر باستثناء الپيقينية الشمالية تصنف ضمن عائلة لغوية تسمى السبلّية Sabellian أو الأسكية-الأمبرية Osco-Umbrian. سبب التسمية الثانية هو أن اللغتين الأسكية والأمبرية هما أكثر لغتين معروفتين ضمن المجموعة بسبب وفرة كتاباتهما.

في الماضي كان من المعتاد تصنيف العائلة السبلية مع العائلة اللاتينية-الفلسكية ضمن عائلة أكبر تسمى الإيطالية Italic، ولكن هذا التصنيف هو ليس مبنيا على معطيات قوية وكثير من المؤلفات الحديثة تتجاهله. اللغات السبلية تشترك فيما بينها بعدد كبير من الخصائص الغريبة التي لا وجود لها في اللاتينية-الفلسكية، وأما الخصائص المشتركة بينها وبين اللاتينية-الفلسكية فهي قليلة ويمكن تفسيرها بأنها نتيجة لانتشار ثقافي (حتى العائلة القلطية Celtic هي محل شك في بعض المؤلفات الحديثة. المعطيات المتوفرة تدل على أن أصحاب ثقافة حقول الجرار Urnfield لم يكونوا يتحدثون لغة واحدة وإنما عددا من اللغات أو اللهجات المتباينة، وعندما استقرت مجموعات منهم في مناطق متجاورة حصل تقارب convergence بين لغاتهم فصارت تشبه بعضها، وبهذا نشأت العائلات الكبيرة كالقلطية والإيطالية. إذن هذه العائلات الكبيرة هي ليست جينية genetic ولكنها نشأت على ما يبدو بسبب التقارب والانتشار الثقافي).

في شمال شرق إيطاليا كانت توجد منطقة ونتيا Venetia (حاليا تسمى بالإيطالية Veneto، وعاصمتها هي البندقية Venezia). اللغة المحكية في هذه المنطقة كانت لغة هندو-أوروبية تسمى الآن Venetic. هذه اللغة تشبه كلا من اللغات الإيطالية والقلطية ولكن الصحيح هو اعتبارها فرعا مستقلا ضمن العائلة الهندو-أوروبية. نفس الأمر ينطبق على اللغة الهندو-أوروبية المسماة Messapic التي كانت محكية في جنوب شرق إيطاليا؛ هذه اللغة (بخلاف اللغة سابقة الذكر) لا تشبه اللغات الإيطالية ولا أحد يصنفها ضمن العائلة الإيطالية. البعض يظنون وجود رابط بينها وبين اللغة الإلُّورية Illyrian التي كانت محكية على الطرف الآخر من البحر الأدرياتي، والتي هي عمليا لغة مجهولة.

بعض اللغات التي كانت محكية في إيطاليا وما حولها هي مجهولة تماما ولا نعرف عنها شيئا. مثلا اللغة اللغورية Ligurian التي كانت محكية في شمال غرب إيطاليا هي غير موثقة في أية كتابات. البعض يظنون أنها كانت لغة هندو-أوروبية بالاستناد على بعض أسماء المواضع وبعض المفردات التي يُظن أنها تعود لتلك اللغة. اللغة الإلورية Illyrian التي كانت محكية على الساحل الشرقي للبحر الأدرياتي (في ألبانيا وإلى الشمال منها) هي أيضا غير موثقة في أية كتابات، ولكن هناك اعتقادا بأنها كانت لغة هندو-أوروبية بالاستناد إلى أسماء مواضع وأسماء أشخاص تنتمي لتلك اللغة. البعض يظنون أن اللغة الألبانية المعاصرة هي متحدرة من اللغة الإلورية القديمة. اللغة الپيقينية الشمالية North Picene هي موثقة في أربع كتابات (إحداها تتضمن ترجمة إلى اللاتينية)، ولكن اللغة رغم ذلك تظل مجهولة بسبب عدم فهم كتاباتها.

اليونانيون استوطنوا جنوب إيطاليا وجزيرة صقلية بدءا من القرن 8 قبل الميلاد وأسسوا مدينة نابولي (Νεᾱ́πολῐς Neā́polis). المستوطنون اليونانيون أطلقوا على الشعوب الأصلية لجزيرة صقلية مسميات Σικελοί Sikeloí و Σικανοί Sikanoí و Ἔλυμοι Élymoi (من الاسم الأول أتى اسم الجزيرة). هؤلاء السكان الأصليون خلفوا عددا قليلا من الكتابات بالأبجدية اليونانية، ولكنها كلها غير مفهومة. بعض كلمات اللغة المسماة Sicel أو Siculan فسرت على أنها هندو-أوروبية.

۞2. تاريخ اللغة اللاتينية

الكتابة اللاتينية على صحائف بدأت في حدود 240 قبل الميلاد مع Livius Andronicus الذي يعد أقدم مؤلف لاتيني ومؤسس الأدب اللاتيني (أول أعماله كانت ترجمة للأدوسيا Odyssey من اليونانية إلى اللاتينية). قبل ذلك كانت الكتابات اللاتينية مجرد نقوش على أحجار أو ألواح أو آنية أو أدوات معدنية. تاريخ النقوش يبدأ من القرن السابع أو السادس قبل الميلاد. عدد هذه النقوش هو قليل ومعظمها هو قصير وغير محفوظ بشكل كامل.

أقدم نقش لاتيني محفوظ بشكل جيد ولا ينازع أحد في مصداقيته هو نقش Duenos الذي يؤرخ إلى الفترة بين القرنين السابع والخامس قبل الميلاد. النقش موجود على ثلاث جرار متصلة ببعضها (kernos) ويتكون من ثلاثة أجزاء. اتجاه الكتابة هو من اليمين إلى اليسار دون فواصل بين الكلمات. تفسير محتوى الكتابة هو أمر صعب ومحل اجتهاد.

الكتاب اللاتينيون الأوائل كانوا يكتبون بلغاتهم المحكية. هذا استمر حتى زمن قِقرون Cicerō الذي عاش في القرن الأخير قبل الميلاد. ققرون كان خطيبا مفوها وكاتبا بارعا، وبسبب إعجاب كتاب جيله بلغته صاروا يقلدون هذه اللغة في كتاباتهم، وهذه العادة استمرت مع الأجيال اللاحقة وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا. اللغة اللاتينية الققرونية تسمى اللاتينية الكلاسيكية Classical Latin. الكتاب الذين عاشوا بعد عصر ققرون لم يستخدموا لغاتهم المحكية وإنما كانوا يسعون لتقليد اللاتينية الكلاسيكية. هذه اللغة هي التي تدرس في أكاديميات تعليم اللغة اللاتينية وهي اللغة المقصودة عندما يقال “اللغة اللاتينية”.

أغلب دارسي اللغة اللاتينية يتفقون على تقسيم تاريخها إلى المراحل التالية، رغم أنهم يختلفون في تحديد بداية ونهاية كل مرحلة:

Ⅰ. اللاتينية الباكرة أو القديمة Early/Old Latin (قبل 81 قبل الميلاد)

يقصد بها كل الكتابات السابقة لعصر ققرون، سواء النقوش أم الكتابات الأدبية.

ما يلي هم الكتاب الذين ينسبون إلى هذه الحقبة:

  • Livius Andronicus, about 275-204 B.C. (Translation of Homer’s Odyssey; Tragedies).
  • Plautus, about 250-184 B.C. (Comedies).
  • Naevius, about 270-199 B.C. (“Punic War”; Comedies).
  • Ennius, 239-169 B.C. (“Annals”; Tragedies).
  • Terence, about 190-159 B.C. (Comedies).
  • Lucilius, 180-103 B.C. (Satires).
  • Pacuvius, 220-about 130 B.C. (Tragedies).
  • Accius, 170-about 85 B.C. (Tragedies).

Ⅱ. اللاتينية الكلاسيكية Classical Latin (بين 81 قبل الميلاد و 14 ميلادية)

المقصود بهذه المرحلة هو كتابات جيل ققرون. لا يوجد تواريخ متفق عليها لبداية ونهاية هذه المرحلة ولكنها تحدد أحيانا من 81 قبل الميلاد وحتى موت الإمبراطور أغسطس في 14 ميلادية.

ما يلي هم الكتاب الذين ينسبون إلى هذه الحقبة:

  • Lucretius, about 95-55 B.C. (Poem on Epicurean Philosophy).
  • Catullus, 87-about 54 B.C. (Poet).
  • Cicero, 106-43 B.C. (Orations; Rhetorical Works; Philosophical Works; Letters).
  • Caesar, 102-44 B.C. (Commentaries on Gallic and Civil Wars),
  • Sallust, 86-36 B.C. (Historian).
  • Nepos, about 100-about 30 B.C. (Historian).
  • Virgil, 70-19 B.C. (“Aeneid”; “Georgics”; “Bucolics”).
  • Horace, 65-8 B.C. (Odes; Satires , Epistles).
  • Tibullus, about 54-19 B.C. (Poet).
  • Propertius, about 50-about 15 B.C. (Poet).
  • Ovid, 43 B.C.-17 A.D. (“Metamorphoses” and other poems).
  • Livy. 59 B.C.-17 A.D. (Historian).

Ⅲ. اللاتينية بعد الكلاسيكية Post-Classical Latin (بين 14 و 180 ميلادية)

لغة هذه المرحلة هي شبيهة جدا باللاتينية الكلاسيكية ولكنها تشهد بداية دخول تعابير من اللغة المحكية. هذه المرحلة تسمى أحيانا “اللاتينية الفضية” Silver Latin تمييزا لها عن “العصر الذهبي” الذي هو العصر الكلاسيكي.

Ⅳ. اللاتينية المتأخرة Late Latin (من 180 ميلادية إلى القرن الميلادي السادس)

في هذه المرحلة لم يعد الكتاب يحرصون كثيرا على تقليد اللاتينية الكلاسيكية وباتوا يستخدمون الكثير من تعابير وكلمات لغاتهم المحكية.

بعد القرن الميلادي السادس بات الفرق بين اللاتينية الكلاسيكية واللاتينية المحكية كبيرا إلى درجة أن عامة الناس لم يعودوا يفهمون اللاتينية الكلاسيكية. في عام 813 وجهت الكنيسة الكاثوليكية قساوستها باستخدام اللغات المحكية في عظاتهم بدلا من اللاتينية حتى يفهمها الناس. هذا يعني أن اللغة اللاتينية كانت ميتة آنذاك. رغم ذلك فإن اللاتينية ظلت مستخدمة كلغة رسمية في المحاكم والكنائس وفي مجالات الدراسة والتأليف. اللغة اللاتينية المستخدمة خلال القرون الوسطى تسمى لاتينية القرون الوسطى Medieval Latin، وبعدها ظهرت لاتينية عصر النهضة Renaissance Latin، ثم اللاتينية الحديثة New/Modern Latin (حتى القرن 19)، ثم اللاتينية المعاصرة Contemporary Latin. كل هذه اللغات اعتبرت اللاتينية الكلاسيكية مرجعا لها ولكنها تميزت بإدخال الكثير من المصطلحات والتعابير الجديدة.

بالنسبة للغة اللاتينية المحكية فإنها كانت حتى بداية العصر الكلاسيكي مطابقة للغة المكتوبة. اللغة المحكية خلال العصر الكلاسيكي وحتى القرن الميلادي السادس تسمى اللاتينية العامية Vulgar Latin. هذه اللغة لم تكن تكتب ولذلك هي غير موثقة ومعظم ما نعرفه عنها هو استنتاجات نظرية. بعد القرن الميلادي السادس تفرعت اللغة اللاتينية العامية إلى عدة لغات كانت تسمى في القرون الوسطى باللغات الرومانية Linguae Rōmānicae، ومن هذه التسمية أتت التسمية الإنغليزية المعاصرة Romance languages. اللغات الرومانية تقسم عادة إلى قسمين أساسيين، قسم شرقي يشمل اللغة الرومانيوية (الرومانية) Romanian (المحكية في رومانيا المعاصرة)، وقسم غربي يشمل الإيطالية والفرنسية والإسبانية. الإيطالية تعتبر عادة أكثر اللغات الرومانية محافظة وأقربها إلى اللاتينية، وأما الفرنسية فهي غالبا ما تعتبر الأكثر انحرافا عن اللاتينية. اللغة الإنكليزية لا تصنف كلغة رومانية ولكن قسما كبيرا جدا من مفرداتها (قد يصل ربما إلى الثلثين) هو من أصل لاتيني.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s