مشكلة قد تؤدي لثورات مستقبلية في مملكة آل سعود: التفاوت في النمو الاقتصادي بين المناطق

حسب هذا المقال فإن المملكة السعودية سوف تبدأ بخصخصة قطاعي تحلية المياه وتوليد الكهرباء في العام الحالي.

هذا يدل على أن عملية الإصلاح الاقتصادي في المملكة تسير بسرعة مثيرة للإعجاب.

قطاعا تحلية المياه وتوليد الكهرباء كانا يستنزفان الكثير من أموال حكومة آل سعود. خصخصة القطاعين سوف تخلص الحكومة من هذا العبء، وهذا يعني تقوية وضع الحكومة المالي.

إذا كانت الحكومة في وضع مالي قوي فهذا سينعكس بشكل إيجابي على الاقتصاد بشكل عام. المستثمرون والمقرضون والجهات الدولية كلهم سيرغبون بالتعامل مع حكومة آل سعود والاستثمار في المملكة إذا اقتنعوا بأن حكومة المملكة هي في وضع مالي سليم وأنها تطبق اقتصاد السوق.

لا أحد يرغب في أن يقرض أمواله لحكومة اشتراكية، لأن تلك الحكومة سوف تهدر الأموال وربما لن تتمكن من سداد الدين. أيضا الاستثمار في بلد ذي حكومة اشتراكية هو أمر غير مرغوب لأن اقتصادات الدول الاشتراكية تتميز بضعف النمو وبالتالي قلة الأرباح للمستثمرين، ناهيك عن أن الحكومات الاشتراكية تميل إلى فرض الضرائب على المستثمرين وربما حتى سرقة رؤوس أموالهم عبر التأميم ونحو ذلك.

هناك مسألة يجب أن ينتبه إليها محمد بن سلمان وهي ضرورة توزيع النمو الاقتصادي على كل مناطق المملكة.

فرنسا (وغيرها من الدول الأوروبية) شهدت خلال القرن 19 الكثير من الثورات والاضطرابات. كثيرون يفسرون تلك الثورات على أساس نظرية “صراع الطبقات” الماركسية، ولكن تلك التفسيرات في رأيي هي سطحية. السبب الأعمق لتلك الثورات كان في الحقيقة التفاوت في النمو الاقتصادي بين باريس وبين بقية مناطق فرنسا. باريس شهدت نموا اقتصاديا ضخما بسبب الثورة الصناعية، ولكن معظم مناطق فرنسا الأخرى ظلت ذات اقتصاد زراعي. الشعب في باريس صار يطالب بأمور معينة تتوافق مع أوضاعه الجديدة التي نتجت من الثورة الصناعية، ولكن بقية الفرنسيين لم يكونوا يؤيدون تلك المطالب. عندما كانت تجرى انتخابات كان الباريسيون يخسرونها لمصلحة التيارات المحافظة التي كانت تسيطر على معظم مناطق فرنسا، وهذا كان يدفع الباريسيين للثورة والتمرد.

نفس الأمر حصل في أميركا. الولايات الأميركية الشمالية حققت نموا اقتصاديا كبيرا خلال النصف الأول من القرن 19 بسبب الثورة الصناعية، ولكن الولايات الجنوبية ظلت ذات اقتصاد زراعي. التفاوت الاقتصادي بين الشمال والجنوب تحول إلى استقطاب سياسي حاد انفجر في النهاية في الحرب الأهلية.

الثورة الأخيرة في “سورية” (الدويلة الدمشقية) كانت أيضا لذات السبب. النمو الاقتصادي في الدويلة الدمشقية كان تاريخيا يتركز في دمشق والمناطق المحيطة بها، وأما المناطق المحيطية (المستعمرات) فكانت مجرد مصدر للأموال والمواد الخام والأيدي العاملة. بعد كارثة القحط التي وصلت أوجها في حدود عام 2007 قام بشار الأسد بتغيير سياسات حكومته وصار ينفق أموالا لتنمية المستعمرات. إنفاق الأموال على المستعمرات انعكس سلبا على المناطق المركزية لأن تلك المناطق خسرت قسما من المال الذي كانت تحصل عليه، ولهذا انفجرت الثورة في المناطق المركزية.

نفس الأمر يمكن أن يقال عن الكثير من الثورات الأخرى. التفاوت في النمو الاقتصادي بين المناطق هو من أهم مسببات الثورات تاريخيا. عندما يكون هناك فرق اقتصادي بين المناطق فإن المناطق المختلفة تتوقع من الحكومة أمورا مختلفة. التوقعات ربما تكون متناقضة، والحكومة قد تجد نفسها غير قادرة على إرضاء كل المناطق. النتيجة قد تكون اندلاع ثورات في المناطق الساخطة.

مملكة آل سعود قد تشهد نموا اقتصاديا مهما في السنوات المقبلة، ولكن أين سيحصل ذلك النمو؟ إذا تركز النمو في الرياض دون غيرها فسوف تنشأ تناقضات بين الرياض وبين بقية المناطق، وهذه التناقضات قد تؤدي لعدم استقرار اجتماعي وسياسي.

أنا أنصح محمد بن سلمان (وغيره من المهتمين باقتصاد مملكة آل سعود) بألا يغتر كثيرا بمعدل النمو الاقتصادي العام وغير ذلك من المؤشرات العامة. هذه المؤشرات العامة قد تعطيك صورة مضللة، لأنها ربما تعكس الوضع في الرياض دون بقية المناطق. الأفضل لفهم الاقتصاد على حقيقته هو احتساب المؤشرات الاقتصادية لكل منطقة من مناطق المملكة على حدة.

أنا أنصح محمد بن سلمان بتأسيس هيئة للإحصاء في كل منطقة من مناطق المملكة (ممولة من المنطقة ذاتها). يجب أن يكون هناك اهتمام كبير بالإحصاء الدقيق والتفصيلي.

المشكلة هي أن بعض الحكومات تتعمد التضليل في إحصاءاتها لأن تلك الحكومات تريد التغطية على حقيقة ما يجري في المناطق المهمشة. هذا كان يحصل دائما في الدويلة الدمشقية البائدة. تلك الدويلة كانت تعتمد سياسة “التضليل الاستراتيجي” في بياناتها وإحصاءاتها. بعض الحكومات تريد أن تظهر نفسها بمظهر جيد أمام الرأي العام الداخلي والخارجي ولهذا هي تعرض إحصاءات مضللة. هذه الممارسات هي أشبه بعمل انتحاري. التلاعب بالإحصاءات هو من أسوأ الأمور التي يمكن لأية حكومة أن تقوم بها. إذا كانت مملكة آل سعود جادة في الخروج من تخلفها فيجب عليها أن تتجنب مثل هذه الممارسات المجنونة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s