التصعيد الأميركي الأخير ضد بشار الأسد قوض مكيدة محادثات جنيف وقلب سحر بوتن عليه

في الماضي كتبت حول محادثات جنيف ووضحت لماذا تتعارض تلك المحادثات مع المصلحة الأميركية.

الهدف النظري لمحادثات جنيف هو تأسيس حكومة في دمشق تقصي قسد وتدعي السيادة على كل سورية. لو تشكلت تلك الحكومة فإن أول ما ستفعله هو مطالبة أميركا بالتعاون معها في الحرب ضد داعش.

كما تعلمون فإن بوتن استمات لإقناع الأميركان بالتعاون معه ومع بشار الأسد في الحرب ضد داعش. أيضا أردوغان استمات لإقناع الأميركان بالتعاون معه ومع “الجيش الحر”؛ ولكن أميركا رفضت التعاون مع هؤلاء وفضلت العمل بمفردها (لأن طروحاتهم هي أصلا ليست طروحات جدية والهدف منها هو إفشال الحرب على داعش).

الحكومة المفترضة التي ستنشأ من محادثات جنيف سوف تكون في حقيقتها مجرد دمية بيد بوتن وأردوغان. تلك الحكومة الدمية سوف تضغط على الأميركان لإرغامهم على القبول بما رفضوا القبول به سابقا، أي ترك التعاون مع قسد والتعاون بدلا من ذلك مع بوتن وأردوغان.

بوتن يعتبر أن ما حصل في حلب كان مكافحة للإرهاب، وهو يريد من الأميركان أن يبصموا على ذلك وأن يعفوا بشار الأسد من المسؤولية عن تلك الجريمة وأمثالها. أردوغان يريد من أميركا أن تؤيد حرب الإبادة والاستعباد التي يشنها ضد الأكراد ليس فقط في تركيا وإنما في سورية أيضا.

هؤلاء مجرد مجرمين وهم يحاولون أن يحولوا أميركا إلى شريك لهم في إجرامهم. هذا باختصار هو الهدف من محادثات جنيف.

أميركا قاطعت محادثات جنيف (وقرأنا في الصحف أنها طلبت من فصائل الجيش الحر عدم المشاركة في محادثات أستانة). ولكن الروس والأتراك كانوا يضغطون بشدة على أميركا لكي تشارك في تلك المحادثات. رئيس “هيئة المفاوضات” (التابعة شكليا لآل سعود وفي الحقيقة لأردوغان) دأب على مخاطبة أميركا عبر وسائل الإعلام ومطالبتها بالمشاركة في المحادثات. هذا مثال على الخطابات التي وجهها لأميركا. هو في هذا الخطاب حاول أن يحمل أميركا مسؤولية التطهير الطائفي في دمشق. ناهيك عن الضغوط الروسية الكثيرة والمتنوعة.

 إراحة أميركا من تلك الضغوط هي إحدى الفوائد التي تحققت من التصعيد الأميركي الأخير ضد بشار الأسد. بوتن استخدم الكيماوي في خان شيخون لظنه بأن ذلك سيحشر الأميركان في زاوية وسيرغمهم على تغيير سياستهم التي تتجاهل بشار الأسد. هو كان محقا من حيث أن الأميركان اضطروا لتغيير تلك السياسة، ولكن التغيير الذي حصل لم يصب في مصلحة بوتن. بوتن لم يتوقع أن أميركا سترد على هجوم خان شيخون بضرب بشار الأسد عسكريا. هو كان يتخيل أن أميركا ستأتي إليه لعقد صفقة معه حول بشار الأسد.

ما حصل بعد هجوم خان شيخون هو أن السحر انقلب على الساحر. أميركا تقول الآن أن بشار الأسد يجب أن يرحل عن السلطة. هذا يعني أن الصفقة التي أراد بوتن وأردوغان أن يعقدوها في جنيف باتت الآن في حكم المنتهية (رغم محاولات بعض مؤيدي بوتن وبشار الأسد الأوروبيين إحياءها).

ما رأيناه من تصعيد أميركي حتى الآن هو مجرد “قمة جبل الجليد”. أميركا ما زالت تخبئ الكثير من المفاجئات لأولئك السفلة. أحد العوامل التي كانت تضعف الموقف الأميركي هو حاجة أميركا لدعم لوجستي من أردوغان. إذا تمكن الأميركان من بناء قواعد كافية داخل سورية فسوف تنتفي حاجتهم لأردوغان ودعمه اللوجستي، وآنذاك سوف ترون كيف أن الموقف الأميركي سيتغير كثيرا. أقل ما يجب أن تتوقعوه آنذاك هو تصعيد الضربات ضد بشار الأسد وفرض مناطق حظر جوي.

أنا شخصيا أتمنى أن تكون هناك عقوبة أميركية مباشرة وأليمة لأردوغان بسبب ما فعله في محافظة حلب. هو بذلك الفعل لم يؤذ السوريين فقط ولكنه آذى أميركا أيضا. ولكنني لا أدري إن كان الأميركان سيوجهون عقوبة مباشرة لأردوغان أم أنهم سيكتفون بمعاقبته عبر ضرب وتحجيم حليفه بشار الأسد.

التغييرات الجارية في تركيا تجعلني متفائلا بأن أميركا قد تعاقب أردوغان العقوبة الأليمة التي يستحقها. أردوغان ينقض “الجمهورية التركية” التي أسسها أتاتورك ويأخذ تركيا في مسار يشبه المسار الإيراني. هذا النهج سوف يغير نظرة الغرب إلى تركيا. أميركا ستتوقف عن النظر إلى تركيا بوصفها الحليف الوثيق الذي لا غنى عنه، خاصة وأن البديل يبدو متوفرا (العراق وسورية).

بالنسبة لآل سعود فهم ليسوا لاعبا حقيقيا في القضية السورية. حرب اليمن وظروفهم الداخلية سحبتهم بعيدا عن القضية السورية. لهذا السبب أنا لا أظن أن أميركا هي غاضبة منهم رغم ما أظهروه من تضامن مع أردوغان.

اللاعبون الأساسيون في القضية السورية هم أميركا من جهة وروسيا وإيران وأردوغان من جهة أخرى. في الفترة المقبلة سوف نرى كيف أن الأمور ستتغير لمصلحة أميركا ضد ذلك المثلث الاستعماري الإجرامي.

أميركا لا تحتل سورية. عديد القوات الأميركية في سورية هو ضئيل جدا. ما تفعله أميركا في سورية هو أنها تدعم السوريين المعتدلين. هذا هو النهج الصحيح الذي يجب أن ينتصر في النهاية.

قسد شكلت اليوم مجلسا لإدارة الرقة. هذا تطور مهم، لأن هذا المجلس سوف يدير محافظة كاملة تخلو من أي تواجد لبشار الأسد (حتى ولو رمزي). هذه خطوة مهمة على طريق تأسيس دولة جديدة في سورية.

نموذج قسد السياسي هو ليس مثاليا (هو في الحقيقة نموذج سيء لأنه شمولي)، ولكن ميزة هذا النموذج هي أنه على الأقل يسمح للناس أن يعيشوا بسلام دون اضطهاد سبب خلفيتهم الدينية أو العرقية. في بقية المناطق السورية هناك تطهير طائفي وعرقي.

أنا ما زلت أدعو العراق لأن يتدخل في سورية ويدعم القوى المعتدلة التي تعمل مع أميركا ضد داعش. العراق له مصالح كثيرة في دعم هؤلاء. في المقابل العراق ليست أية مصالح في دعم المجرمين المدعومين من إيران وبوتن وأردوغان.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s