خصخصة أرامكو: تقويض أساس الاشتراكية في المملكة السعودية

شاهدت على حساب “مجتهد” الحملة التي يشنها البعض ضد خطة محمد بن سلمان لخصخصة شركة أرامكو.

هناك أمر إيجابي في هذه الحملة وهو أن لا أحد من المشاركين فيها يتجرأ على الحديث بمنطق اشتراكي. هم يعترضون على بيع أرامكو لأسباب كسينوفوبية كما يظهر من كلامهم. مثلا أحدهم قال أن البيع يجب أن يكون لمساهمين سعوديين حصرا.

هم يعتبرون بيع أرامكو لجهات غير سعودية مغامرة ومقامرة ومخاطرة.

حسب ما قرأت فإن محمد بن سلمان لا ينوي أن يبيع أكثر من 49% من أسهم الشركة، أي أن الحكومة السعودية سوف تظل المساهم الأكبر في الشركة، وبالتالي كل هذه الحملة هي غير مبررة. يجب الانتباه أيضا إلى أن أرامكو لا تساوي شيئا خارج السعودية لأن مصدر ثروة هذه الشركة هو حقول النفط السعودية. هذه الشركة سوف تظل مرتبطة دائما بالسعودية وسوف تظل تدفع الأموال للحكومة السعودية (على شكل ضرائب) بغض النظر عن هوية مالكيها.

خصخصة أرامكو هي توجه صحيح إذا كان محمد بن سلمان يريد أن ينهي الاشتراكية في السعودية. إذا كان الهدف هو إنهاء الاشتراكية فمن الطبيعي أن تقوم الحكومة ببيع كل شركاتها الاقتصادية. شركة أرامكو هي أولى شركة بالبيع والخصخصة في السعودية لأن هذه الشركة هي أكبر ممول للحكومة.

المعترضون يقولون أن أرامكو هي “الدجاجة التي تبيض ذهبا”، وأحدهم قال أنها “البيضة الوحيدة في السلة”، وهذا في رأيهم هو المبرر الذي يمنع بيع الشركة. الحقيقة هي أن هذا المبرر الذي يذكرونه يوجب بيع هذه الشركة أكثر من غيرها. إذا كان الهدف هو تصحيح مالية الدولة وإنهاء الاشتراكية فمن الطبيعي أن تباع الشركة التي تدر أكثر الأموال على الحكومة، وإلا فلن يكون هناك أي تغيير حقيقي.

الحكومة في الوضع السليم يجب أن تتمول بالكامل من عائدات الضرائب (التي يجب أن تكون قليلة) ولا يجوز أن تحاول الحكومة أن تلعب دور رجل أعمال عبر امتلاكها لشركات ونشاطات اقتصادية ربحية. الحكومة بطبيعتها هي غير مؤهلة للعب دور رجل أعمال لسببين، السبب الأول هو أن الحكومة لديها دائما دوافع واعتبارات غير اقتصادية تؤثر في قراراتها، والسبب الثاني هو أن الحكومة لديها سلطات وقوة لا يجوز أن تكون بيد أي رجل أعمال.

الاعتبارات غير الاقتصادية التي تؤثر في الحكومة هي غالبا اعتبارات سياسية، وأحيانا هي اعتبارات شخصية تتعلق بأفراد في الحكومة يبحثون عن مصالح شخصية. بسبب هذه الاعتبارات غير الاقتصادية فإن الشركات الاقتصادية المملوكة للحكومة تتجه غالبا نحو الخسارة والإفلاس (أو على الأقل: هي لا تربح كما تربح الشركات الطبيعية).

عندما نتحدث عن خسارة في شركة “حكومية” فهذا يعني أننا نتحدث عن خسارة لكل المجتمع، لأن المجتمع بأكمله يتحمل الكلفة المالية لهذه الخسارة. هذه نقطة جوهرية تغيب عن بال قسم كبير من الجمهور العربي. هذا الجمهور ينظر إلى الحكومة وكأنها جسم مستقل عن المجتمع يمنح الأموال للمجتمع، ولكن الحقيقة هي أن الحكومة لا تملك أية أموال سوى الأموال التي تجنيها من المجتمع. عندما توزع الحكومة الأموال فهي توزع أموالا تعود لكل فرد في المجتمع. عندما تخسر الحكومة الأموال فهذه الخسارة تصيب جيبك وجيب كل فرد آخر في المجتمع.

الحكومة التي تملك شركات تحاول أن تغطي خسائر تلك الشركات بطريقتين، الطريقة الأولى هي دفع أموال كاش للشركات، والطريقة الثانية هي استخدام الحكومة سلطاتها للتأثير في السوق لمصلحة شركاتها. كلا الأمرين هما أسوأ من بعضهما.

الاقتصاد السليم يقوم على المنافسة الشريفة العادلة. إذا تدخلت الحكومة في السوق كمنافس غير شريف فهذا من شأنه أن يدمر أصحاب الأعمال الذين تنافسهم الحكومة. الاشتراكيون لا يرون مشكلة في تدمير أصحاب الأعمال لأن أساس الاشتراكية هو كراهية أصحاب الأعمال، ولكن تدمير أصحاب الأعمال يعني تدمير الاقتصاد وإفقار المجتمع.

السيناريو الاشتراكي النمطي هو كما يلي: الحكومة تؤسس شركة عامة. هذه الشركة تعجز عن منافسة الشركات الخاصة. لتغطية العجز تدفع الحكومة أموالا للشركة العامة. بالإضافة إلى ذلك تتدخل الحكومة في السوق لمصلحة شركتها. محصلة هذا السيناريو الاشتراكي النمطي هي تثبيط النمو الاقتصادي وإفقار المجتمع.

بالنسبة لشركة أرامكو فهذه الشركة تدر أموالا طائلة على الحكومة السعودية، وهذا بحد ذاته سبب للفساد. طالما أن الحكومة السعودية تملك نهرا جاريا من الأموال فمن الطبيعي أن تلك الحكومة سوف تسيء التصرف بالأموال وسوف تهدرها. هكذا حكومة لن تكون قادرة على إعداد موازنة صحيحة ممولة من عائدات الضرائب. إذا انقطع النهر المالي فجأة عن الحكومة السعودية فستجد تلك الحكومة نفسها في حالة عجز مالي كارثي.

محمد بن سلمان يريد خصخصة أرامكو لأنه يريد أن ينهي “الإدمان النفطي”. هو يريد أن يحول الحكومة السعودية إلى حكومة ذات موازنة سليمة قادرة على البقاء حتى لو انقطعت عائدات النفط.

كثيرون يتباكون على الاقتصاد السعودي وما يجري فيه بسبب سياسة ترشيد الإنفاق الحكومي. صحيح أن الاقتصاد السعودي يتأثر سلبا بالترشيد الحكومي، ولكن يجب على الناقدين أن يفهموا أن الاقتصاد السعودي لم يكن أصلا في حالة طبيعية.

لماذا يتعاطى الناس المخدرات؟ هم يتعاطونها لأنها تحسن مزاجهم وتشعرهم بالسعادة. إذا قطعنا المخدرات عنهم فهذا سيسبب لهم التعاسة وسيسبب لهم مشاكل صحية هي أقل ضررا من مشاكل الاستمرار في تعاطي المخدرات. نفس الأمر ينطبق على الاقتصاد السعودي. ذلك الاقتصاد عاش حالة إوفوريا مزمنة سببها مخدر اسمه النفط. محمد بن سلمان يريد أن يقطع ذلك المخدر عن الاقتصاد، وهذا يسبب مشاكل متوقعة، ولكن ما يفعله محمد بن سلمان هو أمر مفيد وضروري لمصلحة الاقتصاد على المدى البعيد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s