صناعة السيارات هي نشاط اقتصادي وليست قضية عاطفية وطنية

هذا المقال يثير الاستغراب.

أنا قرأت سابقا أن هناك في مملكة آل سعود مصانع لتجميع السيارات ولتصنيع قطع الغيار، فما هو سبب خيبة الأمل التي يتحدث عنها المقال؟

على ما يبدو فإن هؤلاء يريدون تصنيع سيارة كاملة متكاملة داخل مملكة آل سعود، دون استيراد أية قطع من الخارج. ليس هذا فقط بل هم يريدون أن تكون براءات الاختراع لكل القطع محلية.

على ما يبدو فإن هناك سببا عاطفيا وراء هذا الكلام: هؤلاء يشعرون بـ”دونية وطنية” عندما يقارنون أنفسهم مع الدول الصناعية المتقدمة، وكتابتهم لمثل هذه المقالات هي نابعة من ذلك الشعور بالدونية.

طبعا المسألة هي ليست مجرد شعور عاطفي بالدونية وإنما هناك أيضا قدر لا يستخف به من الجهل والسذاجة. هم يظنون أن تصنيع السيارة يمكن أن يحصل بأسلوب “كن فيكون”. هم لا يفهمون أن شركات تصنيع السيارات العالمية هي شركات قديمة بنت نفسها خلال عقود كثيرة. هناك كم هائل من تراكم المعارف والخبرات لدى تلك الشركات. كيف يمكن لك أن تمتلك نفس المعرفة والخبرة التي تمتلكها جهة سبقتك بعقود إلى العمل في مجال معين؟

هم لا يفهمون أيضا أن الشركات يمكن أن تعتمد على بعضها. ليس من الضروري أن تكون كل القطع مصنعة في شركة واحدة. من الممكن لشركة معينة أن تستخدم قطعا مصنعة في شركة أخرى، ومن الممكن أيضا أن تقوم الشركة بتصنيع قطع بناء على براءة اختراع مملوكة لشركة أخرى.

هم على ما يبدو لا يفهمون أصلا أن هناك شركات تصنع السيارات. هم يظنون أن الدول تصنع السيارات. الحقيقة هي أن شركات تصنيع السيارات العالمية هي شركات متعددة الجنسية. مثلا شركة Toyota (التي هي ربما أكبر شركة سيارات في العالم) هي شركة مساهمة مملوكة لجهات عديدة في اليابان وخارج اليابان.

كل هذه المسائل هي غائبة عن تصورات من كتب المقال المشار إليه. كاتب ذلك المقال يتخيل أن صناعة السيارات هي منافسة وطنية بين الدول. هذا البعد العاطفي الوطني هو موجود، ولكنه مجرد شيء هامشي، لأن تصنيع السيارات هو في الأساس نشاط اقتصادي وليس قضية عاطفية وطنية. عندما تكتب مقالا عن صناعة السيارات فإن أول أمر يجب أن يكون في بالك هو أن صناعة السيارات هي صناعة، أي أنها نشاط اقتصادي. إن كنت لا تدرك أن صناعة السيارات هي نشاط اقتصادي فإن مقالك سيكون كارثة على غرار المقال المشار إليه.

إن كنت تدرك أن صناعة السيارات هي نشاط اقتصادي فسوف تتحدث عنها كما تتحدث عن أي نشاط اقتصادي آخر. مثلا أنت ستتحدث عن أرباحها وفوائدها للاقتصاد والمجتمع وانعكاساتها على الصحة والبيئة وأوضاع العاملين فيها وكيفية تنظيمها إلخ.

هذا المقال هو منشور في وسيلة إعلامية مهمة في مملكة آل سعود، ولكنه مقال ينضح بالجهل. هذه مشكلة عامة في الإعلام العربي ألا وهي مشكلة تفشي الجهل. هناك فرق هائل بين ما نقرؤه في الإعلام الأميركي مثلا وبين ما نقرؤه في الإعلام العربي. أنا أشرت في الماضي إلى هذه القضية وكتبت الكثير حول ضرورة رفع مستوى التعليم والثقافة في العالم العربي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s