عن صفقة ترمب المفترضة مع بوتن حول سورية

بعض الصحف العربية تزعم (نقلا عن “مصادر دبلوماسية” وغير ذلك) أن ترمب يريد أن يعقد صفقة مع بوتن تنقذ رأس بشار الأسد ولكنها تخرج إيران من سورية.

هذه الصفقة التي يتحدثون عنها هي تماما ما يريده بوتن من سورية. كما وضحنا في مقالات ماضية: بوتن تدخل في سورية بعد الأزمة الأوكرانية لأنه أراد عقد صفقة مع الأميركان تنهي العقوبات المفروضة عليه بسبب قضية القرم.

الأمر الذي لا يدركه من يدبجون تلك المقالات أن هذه الصفقة التي يتحدثون عنها هي استسلام أميركي صريح لروسيا. إذا رفع ترمب العقوبات عن روسيا وبقيت شبه جزيرة القرم مع روسيا فهذا سيعني أن أميركا سلمت بالأمر الواقع وقبلت بضم القرم إلى روسيا. هذا سيكون انتصارا روسيا ضخما على أميركا والمعسكر الغربي. هذا الانتصار سيكون بداية لصفحة جديدة في تاريخ أوروبا والعالم، لأن ما حصل في قضية القرم يمكن أن يتكرر لاحقا في قضايا أخرى (ليس الروس فقط من قد يكررون ذلك وإنما الصينيون أيضا).

السؤال المحوري هو: ما السبب الذي يدفع أميركا لتقديم تنازل هائل كهذا التنازل لدولة مثل روسيا ولشخص مثل بوتن؟

لا يوجد أي سبب. أميركا لا تحتاج لعقد هكذا صفقة. أميركا هي ليست مضغوطة حتى تتنازل. من يجب أن يتنازل هو روسيا لأن روسيا هي التي تتعرض للضغط.

كما شرحنا سابقا: أميركا هي ليست خاسرة في سورية وإنما رابحة. حلفاء أميركا في سورية يتمددون ويسيطرون على المزيد من الأراضي. الخاسر الحقيقي في سورية هو روسيا وليس أميركا. من يجب أن يتنازل بسبب القضية السورية هو روسيا وليس أميركا.

الضغوط الروسية على أميركا هي في مجملها مجرد ضغوط إعلامية. هي عبارة عن تحرش إعلامي ودعائي (آخرها هو “المؤتمر الكردي” الذي يعقد الآن في موسكو. الروس يريدون من عقد هذا المؤتمر الدعائي أن يوحوا بأنهم يسحبون الورقة الكردية من يد أميركا ويجردون أميركا من حلفائها الأكراد، ولكن هذا الكلام هو مجرد دعاية وليس شيئا واقعيا).

السبب الوحيد لعقد صفقة كالصفقة التي يتحدثون عنها هو كون ترمب عميلا لبوتن.

ترمب غرد بالأمس زاعما أن الصفقة التي يسعى لها مع بوتن هي مثل صفقة أوباما مع إيران، ولكن المؤشرات التي نراها لا توحي بذلك. الصفقة التي يسعى لها ترمب مع بوتن تبدو وكأنها تنازلات مجانية لبوتن.

بعض الأشخاص في أميركا يطالبون بإقرار قانون يجبر وزارة المالية على كشف حسابات الرئيس الضريبية. إذا أصر ترمب على صفقته الخيانية مع بوتن فمن الوارد أن هكذا قانون سيقر بالفعل، وبعد ذلك سنرى حسابات ترمب ولعلنا سنفهم ما هو سر علاقته مع بوتن.

لو فرضنا أن الصفقة التي يتحدثون عنها عقدت بالفعل، فالسؤال هو ما الذي سيقدمه بوتن لأميركا؟

أقصى ما قد يستطيع بوتن أن يقدمه نظريا هو أن يقطع جسوره مع إيران وأن يسمح بإصدار قرارات من مجلس الأمن تستهدف إيران بسبب وجودها في سورية. من المفترض نظريا أن صدور هكذا قرارات سيرغم الإيرانيين على الانسحاب من سورية.

إذا انسحب الإيرانيون من سورية فسوف يختل ميزان القوى بشدة ضد مصلحة بشار الأسد، ونحن نعلم أن السوريين لهم ثأر ضخم مع بشار الأسد، فكيف يمكن للأمور أن تستقر بعد ذلك؟

انسحاب إيران من سورية يعني حكما نهاية بشار الأسد. لا يمكن لأية صفقة تبقي بشار الأسد أن تنفذ فعلا في الواقع. هكذا صفقة سوف تكون مجرد حبر على ورق وستنهار بمجرد سريانها في الواقع، لأن ضحايا بشار الأسد لن يقبلوا ببقائه حرا طليقا ولن يحترموا أية اتفاقية تبقيه حرا طليقا.

انسحاب إيران من سورية يعني نهاية بشار الأسد، والإيرانيون يعلمون ذلك، فهل سينسحب الإيرانيون من سورية إن فرضت عليهم عقوبات من مجلس الأمن؟ أنا أشك في حصول ذلك. إيران ستبقى في سورية حتى وإن عقدت الصفقة التي يتحدثون عنها.

من المحتمل أن الصفقة ستنص على بقاء قوات روسية وأميركية في سورية بهدف حماية بشار الأسد بدلا من القوات الإيرانية (تحت عنوان “دعم الحكومة السورية لمحاربة الإرهاب”)، ولكن من الوارد جدا أن هذه القوات ستضحي أهدافا لعمليات ينفذها ضحايا بشار الأسد، بالتالي أميركا ستكون قد تورطت في مستنقع جديد لا يختلف عن المستنقعين الأفغاني والعراقي. هذه مسألة أخرى سوف تثار في أميركا إن حاول ترمب المضي في تلك الصفقة الحمقاء.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s