المقاطع اللفظية syllables

مفهوم المقاطع اللفظية syllables هو من المفاهم المحورية في علم اللغويات الحديث، ولكنني أظن أن قليلا من الناس في العالم العربي يعرفون معنى هذا المفهوم باستثناء دارسي اللغويات/اللسانيات.

مفهوم المقاطع اللفظية هو غير معروف في علم اللغويات العربي. هو على ما يبدو ظهر لأول مرة في أوروبا في القرون الوسطى.

الأصل اليوناني لكلمة syllable هو συλλαβή syllabḗ الذي يعني حرفيا «المأخوذ سوية» what is taken together (من الفعل συλλαμβάνω syllambánō «أنا آخذ سوية» I take together). المعنى هو “الأصوات المأخوذة سوية”، أي الأصوات التي تعامل كوحدة واحدة. الترجمة الصحيحة لكلمة syllable هي إذن “وحدة لفظية” وليست “مقطعا لفظيا”.

ترجمة كلمة syllable إلى “مقطع لفظي” قد تولد وهما بأن الكلام البشري يصدر متقطعا، ولكن الحقيقة هي ليست كذلك. عندما يتحدث الإنسان فإنه يصدر أصواتا متصلة دون أي تقطع. لا يوجد تقطع في نطق الكلمات ولا حتى الجمل. عندما ينطق الإنسان جملة فإنه ينطق كلماتها على نحو متصل دون أي تقطع في الصوت بين الكلمات المختلفة، ناهيك عن أن يكون هناك تقطع داخل كل كلمة.

العمليات الفونولوجية كثيرا ما تتجاهل الفواصل بين الكلمات. مثلا في اللغة الإنكليزية المحكية في أميركا الحرف t يضعف إلى صوت شبيه بالراء عندما يقع بين صوتي علة (كما في كلمة better). هذا التغير يمكن أن يحصل بشكل عابر لحدود الكلمات، كما في عبارة “might I”. في اللغة الإسبانية المحكية في إسبانيا بعض الأصوات الوقفية stops تضعف إلى أصوات احتكاكية عندما تسبق بأصوات علة. هذا التغير يمكن أن يحصل عبر حدود الكلمات، كما في عبارة “mi gato”. هذه التغييرات الفونولوجية لا تعترف بالحدود الفاصلة بين الكلمات لأن هذه الحدود هي غير موجودة في النطق المتصل. عندما يتحدث الإنسان بكلام متصل فإن صوته لا يتقطع.

إذن ترجمة كلمة syllable إلى “مقطع” هي ترجمة خاطئة لغويا وقد تكون مضللة علميا، ولكنني رغم ذلك أستخدم هذه الترجمة في هذا المقال بسبب شيوعها. مشكلة الترجمات العربية الخاطئة هي للأسف مشكلة شائعة ولا تقتصر على هذه الكلمة (يبدو لي أن من ترجموا كثيرا من المصطلحات العلمية إلى العربية لم ينظروا في قواميس وكتب لكي يعرفوا معاني تلك المصطلحات ولكنهم ترجموا المصطلحات “على البركة”، أي مثلما يفعل بعض الصحفيين العرب حاليا عندما يترجمون الكلمات الأجنبية).

۞ماهية المقطع اللفظي

المقاطع اللفظية هي وحدات كلامية أصغر من الكلمات. مثلا الكلمة العربية «بَيْتٌ» هي مكونة من مقطعين هما «بَيْ» و «تُنْ» (بالكتابة الصوتية الدولية /baj.tun/). بعض الباحثين يعتقدون أن المقاطع اللفظية هي مفهوم نظري بحت ليس له وجود حقيقي في الواقع، والبعض الآخر (ربما الأكثرية) يعتقدون بأن المقاطع هي شيء حقيقي وإن كنا لا نستطيع إدراكه بالحس المباشر.

المقاطع كما قلنا لا تظهر في الكلام المنطوق. إن كانت المقاطع موجودة في الحقيقة فهي موجودة في الدماغ البشري وليس في الكلام المنطوق.

لا يمكن لنا أن نحدد المقاطع بمجرد الاستماع إلى كلام شخص. لكي نحدد المقاطع لا بد أولا أن تكون لدينا معرفة جيدة باللغة التي يتحدثها الشخص وبقواعدها الفونولوجية، ولا بد أن تكون لدينا معرفة ببعض المبادئ النظرية العامة التي تستخدم في تقطيع الكلمات في كل اللغات.

من يعتقدون بأن المقاطع لها وجود حقيقي يطرحون الكثير من الحجج والأدلة النظرية لإثبات وجودها. هذه الحجج والأدلة يمكن أن تصنف في فئتين، أدلة “نفسية لغوية” psycholinguistic وأدلة لغوية.

الأدلة النفسية اللغوية هي الأهم. هي تشمل مثلا الظواهر التالية:

  • الناس أحيانا ينسون كلمة معينة ولكنهم يتذكرون عدد مقاطعها.
  • زلات اللسان. الناس أحيانا يحذفون مقاطع من الكلمات عند النطق بها، مثلا قد يقولون specifity بدلا من specificity.

الأدلة اللغوية التي تطرح لإثبات وجود المقاطع هي كثيرة، ولكنها ليست أدلة مقنعة. هذه الأدلة تدور في الغالب حول الأفكار التالية:

  • وجود المقاطع يفسر التشابه في قواعد النبر stress في اللغات المختلفة، لأن موقع نبرة الكلمة هو مرتبط ببنيتها المقطعية.
  • وجود المقاطع يفسر بعض التغييرات الصوتية الشائعة في كل اللغات (مثلا تقصير أصوات العلة في المقاطع فوق الثقيلة suprheavy).
  • وجود المقاطع يفسر ظواهر تصريفية شائعة مثل ظاهرة التكرار reduplication (مثلا في اللغة العربية اشتقاق الفعل «زَلْزَلَ» من «زَلَّ»، والفعل «مَدْمَدَ» من «مَدَّ»، ونحو ذلك).

كل الظواهر اللغوية التي يقال أن وجود المقاطع يفسرها يمكن أن تفسر دون الحاجة لمفهوم المقاطع، وبالتالي الأدلة اللغوية هي بلا أهمية كبيرة. حتى الأدلة النفسية اللغوية هي ليست قاطعة. ولكنني شخصيا أميل إلى الاعتقاد بوجود المقاطع لأن هذه الفكرة تتناسب مع الآلية العامة التي يعمل بها الدماغ البشري. في مقالات سابقة تحدثت عن بعض آليات عمل الدماغ البشري وذكرت مثلا أن الدماغ يقوم بتحليل الصور والأصوات إلى عناصر بسيطة قبل تخزينها في الذاكرة. ليس من الغريب أن يقوم الدماغ بتفكيك الكلمات الطويلة إلى عناصر بسيطة قبل تخزينها.

الأطفال الصغار (قبل سن الرابعة أو الثالثة) يلاقون صعوبة في نطق وحفظ الكلمات الطويلة، ولهذا هم يحذفون مقاطع من الكلمات. مثلا بدلا من computer هم قد يقولون puter. من الوارد أن هذا الأسلوب في تبسيط الكلمات يستمر في دماغ الإنسان طوال حياته، بمعنى أن الدماغ ربما يقوم بتحليل الكلمات الطويلة إلى كلمات قصيرة بهدف تسهيل حفظها.

عدد الكلمات المختلفة التي يحفظها الإنسان في دماغه هو عدد كبير جدا (يصل إلى عشرات الآلاف لكل لغة يتحدثها الشخص). تحليل الكلمات إلى مقاطع صغيرة يسهل على الدماغ حفظها، لأن المقطع الواحد يمكن أن يتكرر في كلمات كثيرة. مثلا المقطع com يوجد في الكثير من الكلمات الإنكليزية المختلفة. الأسهل للدماغ هو أن يحفظ هذا المقطع ويحفظ مواقع تواجده في الكلمات المختلفة بدلا من أن يحفظ كل كلمة كقطعة واحدة.

۞مكونات المقطع اللفظي

الباحثون اللغويون يختلفون في تحديد أشكال المقاطع اللفظية ولكنهم يتفقون عموما على مبدأ أساسي وهو أن عدد مقاطع كل كلمة يساوي على الأقل عدد أصوات العلة vowels فيها، أو بعبارة أخرى: كل صوت علة هو موجود في مقطع مستقل. على سبيل المثال، الكلمة العربية «كَتَبَ» /kataba/ تحوي ثلاثة أصوات علة (ثلاث فتحات)، وبالتالي هذه الكلمة هي مكونة من ثلاثة مقاطع على الأقل، لأن كل فتحة من الفتحات الثلاث هي موجودة في مقطع مستقل.

حسب اصطلاحات اللغويين فإن كل صوت علة يشكل نواةً nucleus أو ذورةً peak لمقطع لفظي. الأصوات الصحيحة consonants السابقة للنواة (إن وجدت) تسمى بالفرنسية والإنكليزية “الهجوم” (بالفرنسية attaque، بالإنكليزية onset)، والأصوات الصحيحة التالية للنواة (إن وجدت) تسمى “الذيل” coda. النواة والذيل يسميان معا “القافية” rime. في هذا المقال سوف أسمي القسم الأول من المقطع باسم “الرأس”، وبالتالي المقطع هو مكون من رأس ونواة وذيل.

الشكل التالي يبين تصورا شائعا لبنية مقطعين إنكليزيين هما cat و sing.

الرمز σ في أعلى الشكل هو اختصار لكلمة συλλαβή. حسب الشكل فإن المقطع cat يتفرع إلى رأس هو c وإلى قافية هي at. القافية بدورها تتفرع إلى نواة هي a وإلى ذيل هو t. المقطع sing يتفرع إلى رأس هو s وإلى قافية هي ing. القافية تتفرع إلى نواة هي i وإلى ذيل هو ng (الكتابة الإنكليزية ng ترمز لصوت صحيح واحد هو /ŋ/).

إذا كان رأس المقطع مكونا من أكثر من صوت صحيح فيقال أن الرأس هو “متفرع”، ونفس الأمر ينطبق على الذيل. بالنسبة للنواة فهي توصف بالمتفرعة إذا كانت صوت علة طويلا أو دفثونغا diphthong. مثلا المقطع grind له رأس متفرع هو gr (مكون من صوتين هما g و r)، وله ذيل متفرع هو nd (مكون من صوتين هما n و d)، وله نواة متفرعة هي الدفثونغ /ɑɪ̯/.

۞تسلسل الصُّوات

بعض الباحثين يعرفون المقاطع اللفظية على أساس تسلسل الصُّوات sonority sequencing.

الأصوات الكلامية تنتج بسبب تضييق المجرى الصوتي أثناء الزفير وهو ما يؤدي إلى خلخلة تيار الهواء الخارج من الفم أو من الفم والأنف. شدة التضيق في المجرى الصوتي تختلف من صوت إلى آخر. التضيق يكون أقل ما يمكن في أصوات العلة vowels، ويكون أشد ما يمكن في الأصوات الصحيحة الوقفية stops التي يتطلب إنتاجها وقف تيار الهواء بشكل كامل ثم تفجيره.

بما أن التضيق المرافق لأصوات العلة هو قليل نسبيا فهذا يعني أن شدة تيار الهواء الخارج من الفم (أو من الفم والأنف) أثناء النطق بأصوات العلة هي كبيرة نسبيا. التضيق يكون أقل ما يمكن أثناء النطق بصوت العلة a، وهذا يعني أن النطق بهذا الصوت يؤدي إلى خروج أكبر قدر من الهواء من الفم. لهذا السبب أطلق سيبيويه على الألف الممدودة (الألف اللينة) مسمى “الحرف الهاوي”، نسبة إلى الهواء الكثير الذي يخرج من الفم أثناء النطق بها.

شدة الصوت المسموعة هي مرتبطة بشدة تيار الهواء الخارج من الفم. لهذا السبب أصوات العلة هي مسموعة أكثر من الأصوات الصحيحة. الباحثون يعبرون عن ذلك بقولهم أن أصوات العلة هي صائتة sonorant.

هناك مفهوم يسمى ميزان الصُّوات sonority scale (تحدثت عنه سابقا في المدونة). هذا الميزان يرتب الأصوات الكلامية بحسب شدة صُواتها sonority، أي بحسب شدة صوتها. أصوات العلة تأتي في قمة هذا الميزان.

الشكل التالي يوضح صوات كلمتين إنكليزيتين هما salad و mineral.

sonority salad mineral.gif

من الرسم يتضح أن الصوات يشتد عند النطق بأصوات العلة وينخفض عند النطق بالأصوات الصحيحة. بما أن أصوات العلة هي نوى أو ذرى المقاطع اللفظية فهذا يعني أن نواة أو ذروة كل مقطع لفظي هي عبارة عن قمة على منحنى الصوات.

بعض الباحثين يعرفون المقطع اللفظي على أساس مبدأ يسمونه تسلسل الصوات sonority sequencing. حسب هذا التعريف فإن صوات نواة المقطع يجب أن يكون أعلى من صوات الرأس (إن وجد) وأعلى من صوات الذيل (إن وجد)، وصوات كل صوت من الأصوات المكونة للرأس يجب أن يكون أقل من صوات الصوت التالي له (أي أن صوات الرأس يجب أن يرتفع باتجاه النواة دون انخفاض)، وصوات كل صوت من الأصوات المكونة للذيل يجب أن يكون أقل من صوات الصوت السابق له (أي أن صوات الذيل يجب أن ينخفض دون ارتفاع). إذن المقاطع وفق هذا المفهوم هي المرتفعات التي نراها على منحنى الصوات.

sonority skat taks.gif

بناء على مبدأ تسلسل الصوات فإن الكلمة الإنكليزية scat تحوي مقطعا هو cat، وأما الصوت s في بداية الكلمة فهو لا ينتمي إلى المقطع لأن صواته هو أعلى من صوات الصوت الصحيح التالي له. الصوت s في هذه الكلمة يوصف بأنه خارج مقطعي extrasyllabic أو خارج وزني extrametric. هو يعتبر ذيلا لمقطع متفسخ degenerate syllable.

كلمة tax تحوي مقطعا هو tak، والصوت s في نهاية الكلمة هو خارج المقطع لأن صواته هو أعلى من صوات الصوت الصحيح السابق له. هو رأس لمقطع متفسخ.

تعريف المقاطع وفق مبدأ تسلسل الصوات هو جدلي وليس مقبولا من كل الباحثين. كثيرون يرفضون فكرة الأصوات خارج المقطعية التي تنتمي لمقاطع متفسخة. هم يصرون على أن كلمة scat هي بأكملها مقطع لفظي رأسه هو sc، وكلمة tax هي بأكملها مقطع لفظي ذيله هو x. حسب هذه النظرة فإن الكلمة الإنكليزية strengths هي بأكملها مقطع من الشكل CCCVCCCC (حيث C ترمز لـ consonant و V ترمز لـ vowel).

الخلاف إذن لا يتعلق بعدد المقاطع في الكلام وإنما ببداية كل مقطع ونهايته. هناك اتفاق عام على أن كل صوت علة هو نواة لمقطع، ولكن الخلاف هو حول تحديد رأس وذيل كل مقطع. هذا الخلاف يظهر غالبا عند تقطيع كلمات تحوي عناقيد من الأصوات الصحيحة consonant clusters، أي مثلا كلمات من البنية CCVC أو CVCC أو CCVCC. كثير من لغات العالم لا تحوي مثل هكذا كلمات. على سبيل المثال، اللغة العربية الفصيحة لا تحوي هكذا كلمات لأن قواعدها الصوتية تمنع الابتداء بحرف ساكن وتمنع التقاء ساكنين. لهذا السبب تقطيع الكلمات العربية هو ليس إشكاليا. مقاطع اللغة العربية الفصيحة لها فقط ثلاثة أشكال هي CV و CVV و CVC. مثلا تقطيع كلمة «كَتَبَ» هو /ka.ta.ba/، وتقطيع كلمة «مفتاح» هو /mif.taa.ħun/.

۞تعظيم الرأس والجواز الفونولوجي

لماذا تقطع كلمة «كَتَبَ» بهذا الشكل /ka.ta.ba/ ولا تقطع مثلا بهذا الشكل /kat.ab.a/؟

التقطيع يتم وفق مبدأين:

  • تعظيم الرأس onset maximization.
  • الجواز الفونولوجي phonological legality.

مبدأ تعظيم الرأس يلزمنا بأن نزيد حجم رؤوس المقاطع إلى أقصى ما يمكن، وهذا يتضمن تجنب المقاطع عديمة الرؤوس إن كان ذلك ممكنا. تقطيع كلمة «كَتَبَ» على هذا النحو /kat.ab.a/ يخرق المبدأ المذكور لأنه يجعل المقطعين الثاني والثالث عديمي الرأس دون ضرورة لذلك.

مبدأ الجواز الفونولوجي ينص على أن القواعد الفونولوجية التي تسري على الكلمات يجب أن تسري أيضا على المقاطع. تقطيع كلمة «كَتَبَ» على هذا النحو /kat.ab.a/ يولد مقاطع غير جائزة فونولوجيا في اللغة العربية. المقطعان الثاني والثالث يبدآن بصوت الفتحة، وفي اللغة العربية لا توجد كلمات تبدأ بصوت الفتحة أو بأي صوت عليل آخر. الكلمات العربية تبدأ دائما بأصوات صحيحة، ولهذا فإن المقاطع يجب أن تبدأ بأصوات صحيحة.

لو قطعنا الكلمة الإنكليزية apply وفق مبدأ تعظيم الرأس فإن النتيجة هي a.pply. المقطع الأول هو عديم الرأس، ولكن هذا أمر حتمي لعدم وجود صوت صحيح سابق للنواة، والمقطع الثاني له أعظم رأس ممكن. المقطع الثاني يلفظ /plɑɪ/، أي أنه يبدأ بعنقود مكون من صوتين هما p + l. في اللغة العربية مثل هذا المقطع هو غير جائز فونولوجيا لأن الكلمات العربية لا تبدأ بعناقيد، ولكن في الإنكليزية توجد كلمات تبدأ بالعنقود pl (مثلا كلمة play)، وبالتالي المقطع /plɑɪ/ هو جائز فونولوجيا في الإنكليزية.

تقطيع الكلمة الإنكليزية alpine وفق مبدأ تعظيم الرأس يعطي a.lpine. المقطع الثاني /lpɑɪn/ يبدأ بالعنقود lp، الذي هو عنقود لا يوجد في بدايات الكلمات الإنكليزية، وبالتالي المقطع /lpɑɪn/ هو غير جائز فونولوجيا. لهذا السبب فإن التقطيع الصحيح للكلمة هو al.pine. في هذه الحالة مبدأ الجواز الفونولوجي يتقدم على مبدأ تعظيم الرأس. نفس الأمر يحصل أيضا في تقطيع كلمات عربية مثل كلمة «مفتاح». لو قطعنا هذه الكلمة وفق مبدأ تعظيم الرأس فإن النتيجة هي /mi.ftaa.ħun/، ولكن المقطع الثاني /ftaa/ هو غير جائز فونولوجيا، ولهذا السبب فإن التقطيع الصحيح هو /mif.taa.ħun/.

يجب الانتباه أيضا إلى أن مقطعا مثل /lpɑɪn/ يخرق مبدأ تسلسل الصوات، لأن صوات الصوت l هو أعلى من صوات الصوت p. في المقابل المقطع /plɑɪ/ يتوافق مع مبدأ تسلسل الصوات.

۞مشاكل في مبدأ الجواز الفونولوجي

في الأعلى شرحنا ثلاثة مبادئ أساسية تستخدم في تحديد المقاطع هي تسلسل الصوات وتعظيم الرأس والجواز الفونولوجي. تطبيق هذه المبادئ يعطي نتائج غير إشكالية في معظم لغات العالم، ولكن ليس في اللغة الإنكليزية.

الباحثون في اللغة الإنكليزية يختلفون حول تقطيع عدد لا بأس به من كلمات هذه اللغة. هذا الخلاف حول تقطيع الكلمات الإنكليزية يظهر حتى في القواميس الشهيرة. مثلا قاموس Cambridge يقطع كلمة balance على النحو التالي bal.ance، وأما قاموس Merriam-Webster فيقطع نفس الكلمة على النحو التالي ba.lance. أحد الباحثين قارن بين قاموسين إنكليزيين ووجد أنهما يختلفان في تقطيع حوالي 25% من الكلمات، مع العلم أن القواميس عموما تتبع نهجا متشابها في التقطيع. إذا أخذنا في الحسبان الآراء التي لا تظهر في القواميس فسيتبين أن هناك خلافا حول تقطيع نسبة كبيرة جدا من الكلمات الإنكليزية.

أهم سبب يخلق البلبلة في تقطيع الكلمات الإنكليزية هو قاعدة تنص على أن المقاطع الإنكليزية لا يجب أن تنتهي بأصوات عليلة مسترخية lax vowels، باستثناء الصوت /ə/ في المقاطع غير المنبورة unstressed.

المقصود بالأصوات العليلة المسترخية هو الأصوات العليلة التي كانت تاريخيا قصيرة، وهي تحديدا الأصوات /ɪ/ و /ʊ/ و /ʌ/ و /ɛ/ و /ɒ/ و /æ/ و /ə/. هذه الأصوات (باستثناء الصوت /ə/ تاريخيا) لا توجد في نهاية الكلمات الإنكليزية، وبناء على ذلك ظهرت قاعدة تقول أن المقاطع الإنكليزية لا يجوز أن تنتهي بهذه الأصوات. تطبيق هذه القاعدة في الواقع يخلق مشاكل جمة. من هذه المشاكل أن التقطيع الإنكليزي كما نراه في القواميس يختلف عن التقطيع المألوف في معظم لغات العالم الأخرى. مثلا الكلمات التي من الشكل (CVCV(C تقطع في معظم لغات العالم إلى (CV.CV(C، ولكن في القواميس الإنكليزية هذه الكلمات تقطع إلى (CVC.V(C إذا كان صوت العلة الأول مسترخيا. مثلا كلمتا city و level تقطعان إلى cit.y و lev.el.

هذه القاعدة تخلق تناقضات ضمن مبدأ الجواز الفونولوجي نفسه. مثلا كلمة parish يجب أن تقطع إلى par.ish، ولكن المقطع الأول الناتج من هذا التقطيع /pær/ هو غير جائز فونولوجيا لسببين، السبب الأول هو أن صوت العلة /æ/ يتغير إلى /ɑ/ في الكلمات الإنكليزية التي من الشكل CVr (كما في bar و car و far)، والسبب الثاني هو أن الحرف r لا ينطق في الكلمات التي من الشكل CVr في لهجة بريطانيا، ولكنه ينطق في المقطع المفترض /pær/. نفس التناقضات تظهر عند تقطيع كلمات مثل ferry و hurry و mirror و sorrow. مثلا إذا قطعنا كلمة hurry إلى hurr.y فالمقطع الأول /hʌr/ سوف يكون غير جائز بسبب احتوائه على صوت العلة /ʌ/ بدلا من /ɜ/ وبسبب كون الحرف r منطوقا في آخره.

بعض الباحثين حاولوا أن يحلوا هذه التناقضات عبر طرح فرضيات اعتباطية ad hoc، مثل قولهم بأن الحرف r في الكلمات المذكورة أعلاه ينتمي إلى مقطعين في آن واحد (أطلقوا عليه وصف “ambisyllabic”). أنا لا أفهم تماما ما هو معنى هذا الطرح. عندما تمعنت فيه شعرت بأنني أفكر في قضية فلسفية وليس في قضية علمية.

sonority-salad-mineral

مبدأ تسلسل الصوات لا يساعد على تحديد المقاطع في كلمات من الشكل (CVCV(C. مثلا لو نظرنا إلى منحنى الصوات لكلمة salad فسنرى أن الصوت l هو في الوسط بين صوتي العلة في الكلمة ولا يوجد سبب يجعلنا نضمه إلى أحد الصوتين دون الآخر. هذا ينطبق أيضا على الصوتين n و r في كلمة mineral.

مشكلة تقطيع الكلمات الإنكليزية هي مشكلة مستمرة ولا يبدو أنها ستحل قريبا، ولكنني شخصيا أعتقد أن هذه المشكلة يمكن أن تتلاشى إلى حد كبير إذا تجاهلنا القاعدة التي تقول بأن المقاطع الإنكليزية لا يجب أن تنتهي بأصوات عليلة مسترخية، لأن هذه القاعدة هي السبب الأساسي للبلبلة والمشاكل. هذه القاعدة تجعل تقطيع اللغة الإنكليزية مختلفا عن تقطيع معظم اللغات الأخرى، وهذا بحد ذاته سبب يدفعنا للاعتقاد ببطلانها. إذا تجاهلنا هذه القاعدة فسوف تتلاشى معظم التناقضات المتعلقة بتقطيع الكلمات الإنكليزية.

سوف أنشر قريبا مقالا يتحدث عن أصوات العلة في اللغة الإنكليزية، ومن الممكن أنني سأتحدث أيضا عن قواعد النبر في تلك اللغة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s