كيف يجعل الجهل والتعصب الديني منك أضحوكة… وعن العشائر في سورية ومحافظة حلب

هذا المقال المأساوي نشر في وسيلة إعلامية هي ربما الأهم في مدينة حلب حاليا.

هذا المقال هو مثال على ما قصدته عندما تحدثت عن التردي الثقافي والجهل والأمية في مدينة حلب.

كاتب المقال بالكاد يجيد اللغة العربية. هو يقول أن اسم عائلة الشهابي يعود إلى بلدة شهبا في السويداء. لا أدري كيف استقام معه ذلك. (النسبة إلى شهبا هي “شهبي” أو “شهباوي”. كلمة “شهابي” لا يمكن أن تكون منسوبة إلى “شهبا”. لو كنت ذهبت إلى مدرسة لكنت عرفت ذلك يا كاتب المقال.)

هو أقحم بلدة شهبا الدرزية في المقال لأنه يريد أن يقول أن عائلة الشهابي في حلب هي من أصل درزي، وهذا بالنسبة له يطعن في العائلة.

فارس الشهابي هو شخصية سيئة وهناك ألف شيء يمكن أن يقال للطعن به، ولكن كاتب هذا المقال لم يجد شيئا لكي يجعله عنوانا سوى “الماسونية”!

هذا المقال المأساوي يكشف واقع الحال في حلب. كثير من الناس هناك هم جهلة لا يعرفون شيئا في الحياة سوى بعض الأفكار الدينية التحريضية التي تعلموها من أهاليهم ومن الجوامع. هم يفسرون كل شيء في الحياة على أساس تلك الأفكار الدينية لأنهم لا يعرفون غيرها.

مثل هؤلاء الجهلة وأشباه الأميين هم ذخيرة القومية الدمشقية في مدينة حلب. لو سألت كاتب هذا المقال عن مدينة دمشق فسيقول لك أنها أقدم عاصمة في التاريخ. هو بالكاد يجيد اللغة العربية، فأنى له أن يعرف أن دمشق هي ليست أقدم عاصمة في التاريخ.

بالنسبة لعائلة الشهابي فأنا لا أعرف أصلها من مصدر علمي، ولكنني قرأت مرارا في وسائل إعلامية أن أصل هذه العائلة يعود إلى عشيرة موجودة في مدينة الباب. مسمى “شهاب” هو موجود بكثرة لدى عشائر تقطن في بلاد ما بين النهرين (هذا المقال يعدد عشائر كثيرة تحمل هذا المسمى. حسب المقال فإن عشيرة الشهابات في الباب تنتمي إلى قبيلة “البو رمضان” المنتشرة في عدد من المحافظات السورية).

كثير من العائلات في مدينة حلب هي من أصل عشائري، وهذا شيء طبيعي ومتوقع لأن الريف الشرقي لحلب هو منطقة ذات تكوين عشائري.

محافظة حلب هي من الناحية الثقافية أو الإثنية منطقة التقاء بين ثقافتين: الثقافة الشامية وثقافة ما بين النهرين.

القسم الغربي من محافظة حلب هو مثل محافظة إدلب (محافظة إدلب كانت قبل ستينات القرن العشرين جزءا من ريف حلب الغربي). هذا القسم يشبه محافظة حماة وحمص وغيرها من المحافظات التي تقع ضمن منطقة “الشام” التاريخية.

القسم الشرقي من محافظة حلب يشبه بلاد ما بين النهرين. سكان هذا القسم يتحدثون بلهجات تشبه لهجة مدينة الرقة (التي تنتمي إلى ما يسمى gelet-dialects وفق تصنيف Haim Blanc  للهجات ما بين النهرين) وهم منتظمون في عشائر كما هو الحال في بلاد ما بين النهرين.

القوميون الدمشقيون يطلقون على أبناء العشائر تسمية “الشوايا”. هذه الكلمة هي مستخدمة في مدينة دمشق حصرا وليست مستخدمة في حلب (من يستخدمها في حلب هم المتدمشقون فقط). هذه الكلمة لها أساس في اللغة والتاريخ. هي جمع كلمة “شاوي” التي تعني “راعي الشاء”.

شاوي يحمل شاء

في الماضي كان يوجد على أطراف الصحراء السورية عشائر “نصف بدوية” seminomadic تعتاش من رعي الشياه والضأن. تلك العشائر كانت مستقرة في مواطنها ولا تتنقل، بالتالي هي كانت تختلف عن القبائل البدوية الحقيقية التي ترعى الإبل (على غرار قبيلتي عنزة وشمر). القبائل البدوية كانت متنقلة: في قسم من العام كانت تستقر بالقرب من سورية، وفي القسم الآخر كانت ترتحل بعيدا باتجاه عرعر ونحو ذلك من المناطق التي تقع حاليا في شمال مملكة آل سعود. القبائل البدوية كانت تسمي نفسها بالقبائل الأصيلة وكانت تطعن في الشوايا وتعتبرهم عربا غير أصلاء (بسبب استقرارهم، وبسبب تشبههم بأبناء القرى، وبسبب دفعهم الضرائب للحكومات). القبائل الأصيلة كانت تعتبر نفسها مستقلة وغير تابعة لأية دولة. هم لم يكونوا يدفعون الضرائب للعثمانيين أو لغيرهم. هم في الحقيقة كانوا ينتزعون من الناس ضرائب تسمى بـ”الخُوّات”. هم كانوا يأخذون هذه الخوات من سكان القرى وأيضا من الشوايا.

بدو من الصحراء السورية في عام 1893

بعد تأسيس مملكة آل سعود وازدهارها رحل معظم البدو الحقيقيين عن الصحراء السورية واستقروا في مملكة آل سعود (حسب ما أعلم فإن معظم أفراد قبيلة عنزة هم موجودون الآن في مملكة آل سعود. هذه القبيلة كانت حتى بداية القرن العشرين تعيش في الصحراء السورية. هي كانت تنزل بالقرب من حلب وكان أفرادها يدخلون إلى مدينة حلب ويتعاملون مع الناس هناك. بعض المستشرقين في القرن 19 درسوا قبيلة عنزة أثناء وجودهم في مدينة حلب، وكامل الغزي ذكر قصصا حول أمور صنعتها هذه القبيلة في مدينة حلب).

من بقي في سورية هم الشوايا، الذين هم “نصف بدو” وليسوا بدوا حقيقيين. هم يرعون الشاء والضأن، ويمارسون الزراعة عندما يكون الطقس مناسبا لذلك.

الشوايا هم موجودون في المناطق الريفية المحاذية للصحراء السورية، ولكن ليس كل أبناء عشائر ما بين النهرين هم من الشوايا. العشائر في بلاد ما بين النهرين هي موجودة في كل مكان. حتى أبناء المدن الكبيرة هم منتظمون في عشائر. انتساب المرأ في تلك البلاد إلى عشيرة لا يعني بالضرورة أنه شاوي.

القوميون الدمشقيون لا يعرفون ما هو معنى كلمة “شاوي” الذي شرحته في الأعلى. هم يستخدمون هذه الكلمة دون أن يفهموا معناها (بعضهم يظن أنها مشتقة لغويا من شي اللحم). هم يطلقون هذه التسمية على كل شخص يتحدر من محافظة دير الزور أو الجزيرة. هم في الغالب يستخدمون هذه الكلمة بغرض الإساءة والسخرية. إذا أرادوا الإساءة لشخص من محافظة دير الزور أو الحسكة فإنهم يقولون عنه “شاوي”.

العشائر هي موجودة في كل مكان من ريف حلب الشرقي. بعض العشائر التي تسكن قرب البادية يمكن أن تكون من “الشوايا” (أذكر مجددا بأن كلمة “الشوايا” هي ليست معروفة لدى أهالي حلب. الحلبيون يعرفون كلمة “البدو” فقط. استخدام كلمة “الشوايا” هو من خصائص القوميين الدمشقيين)، ولكن ليس من المنطقي أن نطلق تسمية “الشوايا” على كل عشائر ريف حلب. معظم العشائر في ريف حلب هي مستقرة وتعمل في الزراعة.

العشائر هي موجودة أيضا في الريف الغربي لحلب وفي إدلب، ولكنها هناك أقل وضوحا.

العلويون في الساحل هم منتظمون في عشائر، ولكن عشائرهم هي ليست بدوية ولا نصف بدوية. العلويون بشكل عام هم مزارعون.

معظم سكان مدينة حلب الحاليون هم مهاجرون أتوا من الريف خلال القرن العشرين. كثير منهم أتوا من الريف الشرقي. بالتالي كثير من سكان مدينة حلب هم من أصل عشائري. ولكن هذا لا يعني أنهم من أصل بدوي. أنا حاولت في الأعلى أن أوضح أن العشائر هي ليست بالضرورة عشائر بدوية. القبائل البدوية الحقيقية هي نادرة جدا في سورية لأن معظمها هاجر إلى مملكة آل سعود. في سورية توجد عشائر من أصل “نصف بدوي” (الشوايا)، ولكن هؤلاء نادرون في محافظة حلب. في محافظة حلب معظم العشائر هي مستقرة تعتاش من الزراعة طوال العام.

بالنسبة لسكان الريف الشمالي لحلب فهم على ما يبدو يشبهون سكان الريف الغربي من حيث اللهجة والنظام الاجتماعي (مثلا سكان مارع وتل رفعت وأعزاز هم ربما أشبه بسكان الريف الغربي)، وأما سكان الريف الجنوبي فأنا لا أعرف عنهم الكثير ولكن الظاهر هو أنهم يشبهون سكان الريف الشرقي. الريف الجنوبي لحلب كان تاريخيا منطقة زراعية خصبة ترتوي من نهر قويق الذين ينتهي في منطقة قنسرين (العيس)، ولكن في حقبة الدويلة الدمشقية جف نهر قويق وتحول الريف الجنوبي إلى منطقة قاحلة. من المحتمل أن هذا التبدل أثر على وضع السكان هناك وأدى إلى غلبة العشائر الرعوية على المنطقة. هذا الكلام هو مجرد تصورات نظرية لأنني لا أعرف الكثير عن التاريخ الحديث لتلك المنطقة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s