عن الدويلة الدمشقية وتبليط أرصفة حلب

كتبت الكثير في هذه المدونة عن الاقتصاد الفاشل للدويلة الدمشقية وكيف كانت تلك الدويلة تهدر الموارد المالية للشعب السوري على أمور عبثية، وكيف أن حلب بالذات كانت الضحية الأكبر لتلك الدويلة.

في السنوات التي سبقت الثورة السورية قررت حكومة الدويلة الدمشقية إنفاق بعض الأموال بهدف تحسين الأوضاع في محافظة حلب. أنا شرحت في مقالات سابقة سبب تلك السياسة (هي كانت متعلقة بحالة المجاعة والهجرة الجماعية التي ضربت المحافظات الشمالية وأدت إلى حصول تدخل دولي).

بلدية مدينة حلب حصلت على بعض الأموال من حكومة الدويلة الدمشقية. حسب ما سمعنا آنذاك فإن تلك الأموال لم تكن في الحقيقة من ميزانية الدويلة الدمشقية ولكنها كانت مساعدات خارجية. الدويلة الدمشقية كانت طوال فترة وجودها المشؤوم تحصل على الكثير جدا من المساعدات الخارجية (من الدول الخليجية، وأوروبا، واليابان، وحتى من أميركا عندما كانت حكومة الدويلة الدمشقية تقدم تنازلات لإسرائيل). المساعدات الخارجية كانت تأتي إلى تلك الدويلة بهدف تنميتها، ولكن القسم الأكبر من المساعدات كان ينفق على مشاريع استعراضية في مدينة دمشق بدلا من أن ينفق على التنمية.

في إحدى السنوات التي سبقت الثورة اختيرت مدينة حلب كعاصمة للثقافة الإسلامية. آنذاك وصلت إلى دمشق مساعدات مالية من دول عربية بهذه المناسبة، وحسب ما أشيع حينها فإن دمشق أرسلت قسما من تلك الأموال إلى حلب. ولكن كيف أنفقت بلدية حلب تلك الأموال؟ على ما أذكر فإن الأموال أنفقت على طلاء جدران وتعليق لمبات على أشجار. هذا يدل على أن الأموال التي أرسلت من دمشق كانت شحيحة ولا تكفي لشيء سوى طلاء جدران وتعليق لمبات، ولكن ذيل الكلب أشاع في حلب حينها أنه أرسل أموالا كبيرة وأن الأموال سرقت في حلب (ذيل الكلب كان دائما ما يشيع قصصا كهذه في حلب بهدف خداع الناس. هو استمر في إشاعة هكذا قصص حتى بعد الثورة. مثلا هو أشاع أن المتمردين دخلوا إلى حلب لأن ضابطا في حلب تآمر وفر إلى تركيا، وهو  الآن يزعم أن لا علاقة له بالأمبيرات التي تسرق الناس في حلب. سبب كل المشاكل هو من حلب ذاتها وأما ذيل الكلب فلا علاقة له بشيء).

بلدية حلب أنفقت قسما كبيرا من ميزانيتها قبل الثورة على تبديل أرصفة الشوارع في مدينة حلب، وهذا أثار استغرابي حينها، لأن نصف سكان مدينة حلب كانوا أميين لا يقرؤون ولا يكتبون، والوضع الصحي في المدينة كان يشبه الوضع في مجاهل أفريقيا (المدينة كانت تعاني من تفشي أوبئة خطيرة مثل الليشمانيا والتهابات الكبد الفيروسية، وفي شوارع المدينة كانت هناك لوحات إعلانية تحذر من مرض الإيدز). بالنسبة للوضع الاقتصادي فالقسم الأعظم من سكان المدينة كانوا عاطلين عن العمل فعليا (معظم الناس في مدينة حلب كانوا لا يملكون وظائف دائمة. هم كانوا يعملون بالأجرة اليومية).

مجتمع مدينة حلب قبل الثورة كان تقريبا كما يلي:

1. السواد الأعظم من الناس كانوا بلا عمل وكانوا يعانون الجهل والأمراض.

2. قلة من الناس كانوا موظفين في حكومة الدويلة الدمشقية (سواء في أجهزتها الأمنية أم المدنية). هؤلاء كانوا يتلقون رواتب شحيحة من حكومة الدويلة، ولكنهم رغم ذلك كانوا محظوظين في نظر غيرهم بسبب امتلاكهم لمصدر دخل ثابت.

3. قلة قليلة جدا من الناس كانوا يملكون أموالا تسمح لهم بالاستثمار والعمل الحر. هؤلاء لم يكونوا يفيدون اقتصاد حلب كثيرا لأن ضرائبهم وجماركهم وحصص أربحاهم كانت تذهب إلى دمشق ولا يعود منها شيء إلى حلب.

في ظل هذا الوضع المأساوي كانت بلدية حلب منشغلة بتبديل الأرصفة. هي أمضت عدة سنوات في تبديل أرصفة المدينة. تبديل الأرصفة كان هدف الخطة الخمسية لحلب في السنوات التي سبقت الثورة.

لا أدري ما هو تفسير ذلك. هناك قضية يجب الانتباه إليها وهي أن سكان مدينة حلب بشكل عام لا يدركون الوضع المزري الذي يعيشون فيه. ذيل الكلب كان يقول لهم أن أوضاعهم ممتازة وأن حلب هي العاصمة الاقتصادية وأن أهل حلب هم أغنياء، وهم على ما يبدو كانوا يصدقون ذلك (المفارقة هي أن البيانات الإحصائية التي نشرها “مكتب الإحصاء” التابع لذيل الكلب تظهر أن دخل الفرد في حلب كان أقل من دخل الفرد في بقية مناطق الدويلة الدمشقية، ولكن سكان حلب ظلوا رغم ذلك يصدقون أنهم أغنياء). بما أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم أغنياء فهذا قد يفسر (إلى حد ما) اهتمامهم بتبديل الأرصفة وتجاهلهم للتخلف للتنموي الرهيب الذي يعيشون فيه.

أنا أذكر أن تبديل الأرصفة كان يتم بطريقة مكلفة. هي تقريبا نفس الطريقة الظاهرة في الصورة التالية:

بلدية حلب أنفقت ميزانياتها على شراء أحجار كتلك الظاهرة في الصورة أعلاه، وهذه الأحجار استخدمت في تبليط الأرصفة.

أميركا هي أغنى دولة في العالم، ولكن الأميركيين لا يهدرون أموالهم على تبليط الأرصفة بأحجار. الأرصفة في أميركا هي عبارة عن باطون مصبوب، كما في الصورة التالية:

 هذه الأرصفة الباطونية هي جميلة رغم انخفاض كلفتها. أجمل ما فيها هو منطقيتها: لماذا نهدر أموالنا على الأرصفة؟ هناك أشياء أهم بكثير لإنفاق الأموال عليها.

الأميركان (بغناهم) يتورعون عن البذخ في أرصفة الشوارع، ولكن بلدية حلب أمضت سنوات وهي تبلط الشوارع بأحجار نفيسة، رغم أن مدينة حلب هي من أكثر المدن تخلفا في العالم بأسره (أنا لا أريد أن أتسرع وأن أقول كلاما دون دليل، ولكن هناك احتمالا كبيرا بأن مدينة حلب كانت أكثر مدن العالم تخلفا بالقياس إلى عدد سكانها. هذه المدينة كانت تحوي ملايين الناس، ولكن مرافقها العامة كانت مثل مرافق قرية صغيرة).

أنا سمعت من بعض الناس أن تلك الأحجار التي استخدمت في رصف شوارع حلب كانت تأتي من معمل مملوك لشخص متنفذ. أنا لا أعرف حقيقة تلك الإشاعة، ولكنني أظن أن حكومة الدويلة الدمشقية ما كانت ستسمح بتنفيع معمل بتلك الأموال الكبيرة لولا أن المعمل كان تابعا لها بشكل أو بآخر. المعمل الذي صنع تلك الأحجار كان إما مملوكا لحكومة دمشق، أو أنه كان مملوكا لشخص له علاقة بذيل الكلب.

أنا لا أروي هذه القصص بهدف شحن النفوس أو التحريض. هدفي مما أكتبه هو التوعية. أنا أريد أن يخرج الناس من جهلهم. عندما كنت في مدينة حلب كنت أشعر بالأسى بسبب ما كنت أراه من فقر الناس وأوضاعهم الكارثية. أنا لم أر هناك شعبا غنيا كما كانت تروج ماكينة الدويلة الدمشقية الاستعمارية. ما رأيته هناك هو شعب يتعرض للاستغلال والسرقة الممنهجة من حكومة استعمارية تحمل فكرا فاشيا ضيقا لا يتخطى حدود مدينة واحدة.

حال الحلبيين لا يختلف عن حال الأكراد. هؤلاء جميعا هم ضحية لاستعمار مدمر استمر لعقود وأوصلهم إلى الحضيض. بدلا من أن يتعاون الحلبيون مع الأكراد هم ما زالوا يسمحون للقومية الدمشقية المريضة بأن تحركهم وتستخدمهم لضرب الأكراد. متى ستخرجون من هذا الجهل الذي أنتم فيه؟

سبب المشاكل في سورية هو ليس الأكراد، ولا حتى النصيرية. الحلبيون كانوا ثائرين على حكومة دمشق قبل مجيء النصيرية إلى السلطة (الحقيقة التي لا يعرفها جهلة حلب هي أن النصيريين وصلوا إلى السلطة بفضل الحلبيين. الحلبيون في ستينات القرن العشرين كانوا متحالفين مع النصيريين ضد القوميين الدمشقيين. هدف التحالف كان هزيمة القومية الدمشقية وتحقيق الوحدة العربية. النصيريون وصلوا إلى السلطة بفضل الحلبيين، ولكن النصيريين غدروا بعد ذلك بالحلبيين وتخلوا عن قضية الوحدة العربية وتحالفوا مع القومية الدمشقية).

الحلبيون والسوريون لديهم مشكلة قديمة مع القومية الدمشقية تسبق بكثير وصول النصيرية إلى حكم سورية. عائلة الأسد وصلت إلى حكم الدويلة الدمشقية في عام 1970، ولكن الدويلة الدمشقية كانت موجودة قبل ذلك. الشعب السوري (وخاصة الشعب الحلبي) خاض صراعات مريرة مع الدويلة الدمشقية منذ بداية تأسيسها، لأن هذه الدويلة لم تكن يوما شرعية. الحلبيون والسوريون دخلوا في هذه الدويلة خلال فترة الانتداب الفرنسي على أساس أنها دويلة مؤقتة إلى حين جلاء الاحتلال الفرنسي. عندما جلا الاحتلال طالب الحلبيون والحمصيون (وكل السوريين) بإلغاء حدود سايكس-بيكو وتحرير فلسطين، ولكن القومية الدمشقية رفضت ذلك وتحالفت مع بريطانيا والصهيونية ضد السوريين. هذا هو أساس كل المشاكل في سورية. أساس المشاكل هو أن السوريين وجدوا أنفسهم ضمن دويلة دمشقية انفصالية تافهة لم يقبلوا بها في أي يوم من حياتهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s