عرب سورية المعتدلون يجب أن يقبلوا بمطالب الأكراد لأنها باتت أمرا واقعا… ولأن الأكراد السوريين يستحقون الاستجابة لمطالبهم

كثير من السوريين العرب يكنون مشاعر طيبة تجاه الأكراد، وهم لا يمانعون منح الأكراد حريتهم الكاملة من الناحية الثقافية، ولكنهم يتحفظون على منح الأكراد أية استقلالية سياسية.

بعض هؤلاء ينطلقون من نزعة عنصرية عروبية، ولكن بعضهم الآخر يقول لنفسه ما يلي: الأكراد في سورية هم فئة صغيرة جدا ولا تستحق مزايا سياسية.

هذا التفكير كان منطقيا قبل الثورة السورية، ولكن في وقتنا الحالي هذا التفكير بات ضربا من إنكار الواقع والمكابرة.

الاستقلالية السياسية للأكراد (هي تحديدا استقلالية سياسية يقودها الأكراد، لأنها لا تقوم على الأكراد فقط) باتت واقعا قائما على الأرض. هي حاليا أقرب شيء في سورية إلى ما يمكن وصفه بحكومة معتدلة.

الأكراد ملؤوا الفراغ الذي خلفته معارضة الائتلاف. كان المفترض بالائتلاف أن يلعب الدور الذي يلعبه الأكراد الآن، ولكن الائتلاف أبى أن يلعب هذا الدور وأصر على ترك الساحة خالية للإرهابيين والمتطرفين. متابعو هذه المدونة يعلمون أنني كتبت عشرات المقالات في الماضي حول هذه المشكلة. معارضة الائتلاف (للأسف) أبت أن تصحح سلوكها وأصرت حتى النهاية على الركوب في سفينة الإرهاب والتطرف. أنا شرحت في الماضي سبب هذا الموقف للائتلاف (السبب باختصار هو أن تركيا لم تكن يوما جادة في إسقاط الأسد بالعمل الميداني. الأتراك راهنوا في البداية على إخراج الأسد من دمشق بتدخل عسكري دولي أو بصفقة دولية، وعندما فشل ذلك صار هدف الأتراك الوحيد هو النيل من الأكراد وليس أي شيء آخر).

أخطاء معارضة الائتلاف لا تحصى، ولكن الخطأ الأعظم هو أن هذه المعارضة رفضت أن تخرج من العباءة التركية وأصرت بعناد وغباء منقطع النظير على البقاء داخل هذه العباءة حتى بعدما تدهورت العلاقات بين تركيا وأميركا وبعدما صارت أميركا تعتمد على الأكراد كحلفاء في سورية.

الائتلاف هو ابن “روبرت فورد”. بداية موت الائتلاف كانت عندما استقال روبرت فورد من منصبه. هذا الرجل يتحدث كثيرا في الإعلام ويحمل أوباما مسؤولية فشل الائتلاف، ولكن الحقيقة هي أن روبرت فورد نفسه وائتلافه هم مشروع فاشل وهم لعبوا دورا أساسيا في تدمير سورية.

الائتلاف كان منذ البداية غير مؤهل لإدارة سورية أو للدخول في حل سياسي حقيقي. هذا الائتلاف لا يعبر عن المجتمع السوري. الائتلاف يعبر عن تيار معين في المجتمع السوري يمكن أن نسميه باليمين المتطرف. ما فعله روبرت فورد في سورية هو كالمثال التالي: تخيلوا أنني ذهبت إلى جنوب أميركا وجمعت بعض العنصريين والمتطرفين ممن يسمون بالرقاب الحمراء والإنجيليين، ثم صنعت مجلسا من هؤلاء وطالبت بدعم هذا المجلس حتى يحكم أميركا. كيف ستكون النتيجة؟ وما الذي سيقوله الناس عني وعن المجلس الذي صنعته؟

الائتلاف من أساس تكوينه هو خطأ، وسياسته بكاملها كانت سلسلة غير متناهية من الأخطاء.

بعدما انهارت حكومة ذيل الكلب وتحولت إلى حكومة معادية للبلد بدلا من أن تكون حكومة للبلد نشأ فراغ سياسي في سورية. الائتلاف رفض أن يملأ هذا الفراغ لأن السياسة التركية أملت عليه ذلك. الأكراد (مشكورين) تقدموا وملؤوا الفراغ. هم في الحقيقة لعبوا دورا بطوليا وأنقذوا سورية من مصير أسوأ بكثير من المصير الحالي. لو لم يحارب الأكراد داعش لكانت سورية دخلت في سيناريوهات كارثية كانت ستؤدي لتقسيمها.

الأكراد هزموا داعش، وهذا بحد ذاته هو إنجاز عظيم. هم نجحوا أيضا في تأسيس حكومة متعددة الإثنيات ومتعددة الأديان، وهذا أمر مهم ويدل على أن تقسيم سورية هو ليس أمرا حتميا. الأكراد نجحوا أيضا في كسب ثقة الأميركان ونسجوا تحالفا حقيقيا معهم.

إنجازات الأكراد في سورية هي كبيرة. الشيء المستغرب هو أن بعض السوريين يصرون على التعامي عن هذه الإنجازات وإنكارها. هذا الموقف ينطلق حتما من خلفية عنصرية عروبية وليس له أي تفسير آخر.

أتمنى من الإخوة السوريين أن ينقوا نفوسهم من العنصرية وأن ينظروا إلى الواقع كما هو. في سورية حاليا لا يوجد أي شيء جيد سوى ما صنعه الأكراد. الأكراد لعبوا في سورية دورا كبيرا يفوق حجمهم العددي. هم لعبوا دورا قياديا. هذا لوحده يؤهلهم للحصول على مكاسب سياسية استثنائية.

هم لا يطلبون فدرالية وفق النموذج العراقي. هم حتى لا يطلبون فدرالية متعددة القوميات. ما يطلبونه هو فدرالية متعددة الإثنيات غير مستندة على فكر قومي. هذا المطلب هو ليس مطلبا عظيما، ويجب الانتباه إلى أنهم صنعوا ما يريدونه بالفعل على أرض الواقع. هم قدموا الكثير من التضحيات حتى صنعوا ما صنعوه.

أنا في هذا المقال لا أخاطب أعضاء الائتلاف وأمثالهم من المتطرفين، ولكنني أخاطب السوريين المعتدلين (مثلا هيثم مناع وأمثاله). أنا أرى أن السوريين المعتدلين يجب أن يقبلوا بمطلب الحكم الذاتي أو الفدرالية بوصفه أمرا واقعا. المفاوضات مع الأكراد يجب أن تدور حول طبيعة الفدرالية وصلاحياتها وحدودها الجغرافية. لا أظن أن هذه المفاوضات ستكون صعبة جدا لأن حزب PYD يبدو متساهلا وليس متعنتا كالبرزاني في العراق.

سوف أضرب مثالا مهما: البرزاني في العراق يرفض أية علاقة تنظيمية تضم البيشمركة مع الجيش العراقي. هو يريد أن تبقى البيشمركة جيشا مستقلا عن الجيش العراقي. أكراد سورية ليس لديهم مثل هذا الموقف. هم أسسوا “قوات سوريا الديمقراطية”. هذه القوات هي خليط يضم أكرادا وعربا وسريانا، وكل مكوناتها تخضع لقيادة مشتركة. بالتالي من الواضح أن أكراد سورية ليس لديهم هاجس تأسيس جيش كردي مستقل (حتى قوات YPG هي من الناحية الرسمية ليست جيشا كرديا. هناك بعض العرب في صفوف هذه القوات).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s