بشار الأسد يحقق مكاسب بسبب اعتماده لاستراتيجية “فرق تسد” التي تعلمها من والده

تحدثت في الماضي عن استراتيجية ذيل الكلب في الحسكة وكيف أنه يغذي الصراع العربي-الكردي في تلك المحافظة لكي يتمكن من إيجاد موطئ قدم لنفسه فيها.

الأكراد باتوا يسيطرون على مساحة شاسعة خارج محافظة الحسكة، ولكنهم لم يقوموا حتى الآن بتطهير مدينتي القامشلي والحسكة من ذيل الكلب.

خوفهم من طيران ذيل الكلب وبراميله هو سبب لذلك، ولكنهم أيضا يخشون من اندلاع مواجهة شاملة مع العشائر العربية في الحسكة.

العشائر العربية في الحسكة تخاف من أن تجد نفسها ضمن دولة كردية أو ضمن إقليم يهيمن عليه الأكراد. لهذا السبب تلك العشائر بشكل عام تأخذ موقفا عدائيا من الأكراد. قسم من أفراد العشائر التحق بداعش، والقسم الآخر التحق بذيل الكلب. القسم الذي التحق بداعش تعرض لهزيمة عسكرية كبيرة، والآن يبدو أن بقايا هذا القسم انضوت تحت مظلة الائتلاف. القسم الذي التحق بذيل الكلب دخل في ميليشيات تحمل مسميات من قبيل “الدفاع الوطني” ونحو ذلك. الهدف النظري من هذه الميليشيات هو دعم ذيل الكلب ضد الأكراد، ولكن الحقيقة هي أن أفراد هذه الميليشيات لديهم مشكلتهم الخاصة مع الأكراد. هم اشتبكوا مع الأكراد عدة مرات دون أخذ موافقة ذيل الكلب. في كل مرة اندلعت فيها مواجهة بين هذه الميليشيات وبين الأكراد كان ذيل الكلب يأخذ دور الوسيط، وهذا شيء مضحك نظرا لأن هذه الميليشيات هي من الناحية النظرية تابعة لذيل الكلب.

ذيل الكلب رعى عدة اتفاقيات بين الميليشيات المحسوبة عليه وبين الأكراد، ولكن كل تلك الاتفاقيات كانت مجرد هدن مرحلية. لا توجد مصلحة لذيل الكلب في عقد مصالحة حقيقية بين العشائر العربية والأكراد. إذا حصلت مثل تلك المصالحة فسوف يزول مبرر وجود الميليشيات التي توصف بأنها تابعة لذيل الكلب.

ذيل الكلب يطبق استراتيجية مشابهة في دير الزور. ذيل الكلب أوهم العالم بأن لديه قاعدة عسكرية في دير الزور وبأن قواته تحمي تلك القاعدة، ولكن هذا الكلام هو غير منطقي. نحن شاهدنا سابقا ما الذي حصل لقواعد ذيل الكلب في الرقة وتدمر وريف حلب. داعش تمكنت من اقتحام كل تلك القواعد وارتكبت مجازر بحق مجندي ذيل الكلب الموجودين فيها.

استعصاء مطار دير الزور على داعش هو ليس بسبب قدرات ذيل الكلب العسكرية. السبب الحقيقي هو أن كثيرا من السكان المحليين في دير الزور يحاربون داعش تحت راية ذيل الكلب.

في دير الزور حصلت حرب بين داعش وجبهة النصرة. تلك الحرب كانت في حقيقتها حربا أهلية بين عشائر دير الزور. بعض العشائر التي هزمت في تلك الحرب التحقت بذيل الكلب وصارت تحارب تحت رايته. أيضا سكان مدينة دير الزور يقاتلون داعش تحت راية ذيل الكلب بسبب كرههم لداعش وليس بسبب تأييدهم لذيل الكلب. ما يجري في دير الزور هو في الحقيقة حرب أهلية بين أبناء المحافظة. ذيل الكلب ركب على هذه الحرب الأهلية المحلية واستغلها لإيجاد موقع له في المحافظة. هو في الحقيقة لا يقدم أي دعم مؤثر لأتباعه في المحافظة. دعمه لهم هو تافه. هم عجزوا طوال الفترة الماضية عن أخذ أية مناطق من داعش. هم عانوا من حصار ومجاعة. أوضاعهم هي سيئة جدا وذيل الكلب لا يفعل شيئا حقيقيا لإنهاء مأساتهم (قارنوا بين حالهم وبين حال الأكراد. الأكراد حرروا مساحات شاسعة من داعش، في حين أن أتباع ذيل الكلب في دير الزور عجزوا طوال أشهر عن تحرير تلة تقع بالقرب من مطار دير الزور).

ذيل الكلب لا يقدم لأتباعه في دير الزور سوى فتات، وفي مقابل هذا الفتات هو يتمكن من القول للعالم بأنه موجود في دير الزور. هو ليس جادا في نصرة طرف ضد طرف في الحرب الأهلية الجارية في دير الزور. هو يتدخل في هذه الحرب بشكل مسرحي وليس أكثر. دوره في هذه الحرب هو كدوره في الحرب بين المقنعين والأكراد في الحسكة (بدلا من أن يدعم المقنعين ضد الأكراد هو يعقد هدنا بينهم وبين الأكراد، وشروط تلك الهدن تصب في مصلحة الأكراد أكثر من المقنعين. لا أدري ما هو هذا الدعم الذي يقدمه ذيل الكلب للمقنعين).

نفس القصة تتكرر أيضا في محافظة حلب. ثوار محافظة حلب تمكنوا في عام 2012 من السيطرة على معظم المحافظة، ولكن ذيل الكلب احتفظ بجيب في مدينة حلب. سكان هذا الجيب كانوا بشكل عام موالين لذيل الكلب وكانوا يظهرون الدعم والتأييد والتشبيح له. كتابات بعضهم على فيسبوك كانت مخزية ولا تختلف عن كتابات مؤيدي ذيل الكلب العلويين (كانوا يهللون لجرائم ذيل الكلب في ريف حلب والقسم الشرقي من مدينة حلب وكانوا يحرضونه على ارتكاب المزيد من الجرائم). هؤلاء لديهم عنصرية واستعلاء طبقي ضد مناطق الريف. هم يحتقرون سكان الريف إلى درجة أنهم لا يمانعون إبادتهم. أنا فسرت هذه النزعة بوصفها جزءا من حالة التخلف العام الذي تعيشه محافظة حلب.

أنا بينت في السابق كيف أن حقبة الدولة الدمشقية أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والثقافية في حلب إلى درجة غير مسبوقة في التاريخ. خلال حقبة الدولة الدمشقية كان معظم سكان محافظة حلب يعيشون في فقر وجهل وتخلف، وقلة قليلة من الناس في مدينة حلب كانوا يملكون أموالا ورثوها عن أجدادهم من العصر العثماني. هذا التمايز الطبقي تحول إلى شكل غريب من الكراهية والعنصرية. بعض سكان مدينة حلب الذين يرون أنفسهم في مستوى عال لا يعيرون أي اهتمام لمظالم الريفيين وثورتهم ولا لما فعله ذيل الكلب بهم، بل هم يطالبون ذيل الكلب بأن يزيد من تنكيله بهم.

هؤلاء هم حمقى. هم ليسوا بالفعل أثرياء أو أصحاب امتيازات. هم كانوا مجرد عبيد لدى الدمشقية السياسية وقيمة أحدهم في الدولة الدمشقية لم تكن تزيد عن قيمة الكلب. الدولة الدمشقية سرقتهم وأفقرتهم وأذلتهم طوال عقود. رغم ذلك هم لا يكرهون ذيل الكلب، بل يبدو أنهم ينظرون إلى فترة حكمه بإيجابية. سبب ذلك هو أن ذيل الكلب أحسن معاملتهم في السنوات القليلة التي سبقت الثورة. أنا شرحت هذه القصة بالتفصيل في مقالات سابقة، باختصار: في عام 2007 تدخلت الأمم المتحدة لمساعدة سكان الحسكة وحلب بسبب المجاعات التي ضربتهم. ذلك التدخل أحرج ذيل الكلب دوليا. لهذا السبب هو قدم بعض المكرمات لحلب والحسكة والرقة ودير الزور. تلك المكرمات كانت في الحقيقة مجرد فتات أخرجه ذيل الكلب من جيبه ومنحه لسكان المحافظات المنكوبة لكي يوهم الرأي العام الدولي بأن الاستعمار الدمشقي يغير سياسته تجاه المستعمرات، ولكن الحقيقة هي أن ذيل الكلب لم يقم بأي تغيير هيكلي في بنية الإمبراطورية الدمشقية، بل على العكس هو رفع امتيازات دمشق إلى مستوى غير مسبوق. الدولة الدمشقية لم تبلغ عزا كذاك الذي بلغته في زمن ذيل الكلب.

الفتات الذي رماه ذيل الكلب في حلب في السنوات القليلة التي سبقت الثورة أثر في بعض البلهاء هناك وأقنعهم بأنهم أثرياء وذوو أهمية. بسبب التردي الثقافي الشديد هؤلاء احتقروا ثورة الفقراء وأهل الريف وتذرعوا بوجود التطرف الديني في الريف لتبرير موقفهم، ولم يسأل هؤلاء أنفسهم من أين أتى التطرف الديني إلى الريف من الأساس. التطرف الديني استشرى في ريف حلب بسبب سياسات الدولة الدمشقية وسياسات ذيل الكلب.

أنا أظن أن كثيرا من المتحمسين لذيل الكلب في مدينة حلب تخلوا عنه ولم يعودوا بالفعل يدعمونه. ذيل الكلب دمرهم ونهبهم ولم يترك لهم مالا يتفاخرون به. من لا زالوا يدعمون ذيل الكلب في حلب هم نسبة ضئيلة من سكان المدينة، ولكن هذه النسبة الضئيلة توفر لذيل الكلب عددا لا بأس به من المقاتلين، لأن العدد الإجمالي لسكان المدينة هو كبير.

في إعلام الثوار هناك تركيز على العراقيين واللبنانيين والأفغان الذين يقاتلون مع ذيل الكلب في حلب، ولكن الحقيقة هي أن ذيل الكلب يجند أيضا بعضا من سكان مدينة حلب ويزج بهم في المعارك ضد الثوار. هذه المعارك هي عبثية بامتياز وليس لها أفق. ذيل الكلب ليس جادا في هزيمة الثوار في حلب ولكنه يريد أن يبقى في المدينة لكي يستمر في جني أموال الأمبيرات وغيرها.

قصة محافظة حمص تشبه القصص السابقة. في حمص يوجد انقسام أهلي بين السنة والعلويين، وهذا الانقسام هو رأس مال ذيل الكلب في المحافظة. ذيل الكلب أوهم العلويين بأنه يدعمهم ضد السنة، ولكنني أتساءل عما جناه العلويون من السير مع ذيل الكلب؟ هل انتصار ذيل الكلب المزعوم في حمص أوقف سقوط القتلى في صفوف العلويين؟ كم هو عدد المفخخات التي انفجرت في مناطق العلويين في حمص؟ كم هو عدد قتلى العلويين في حمص؟ خسائر علويي حمص هي باهظة جدا بالقياس إلى عددهم، ومعظم تلك الخسائر لم يكن ضروريا. العلويون في حمص وغيرها كانوا يستطيعون أن يخرجوا من هذه الأزمة بخسائر تقل بكثير عن الخسائر التي تكبدوها حتى الآن.

خلاصة المقال هي أن قليلا جدا من الناس في سورية يدعمون ذيل الكلب بشكل حقيقي. ذيل الكلب لا يعني شيئا للسوريين. ما يحصل في سورية هو أن السوريين يختلفون فيما بينهم لأسباب دينية وإثنية واقتصادية (وبسبب الجهل كما هو الحال في حلب)، وذيل الكلب يستفيد من الخلافات لكي يوجد لنفسه موقعا من الإعراب.

واجب الحكومة هو حل الخلافات بين الناس وتثقيفهم وتطويرهم. حكومة عائلة الأسد لم تكن يوما تفعل ذلك. هذه الحكومة كانت طوال عقود تغذي الانقسامات والخلافات بين السوريين، وخاصة الانقسام بين العلويين والسنة. ما هي الجهود التي بذلتها عائلة الأسد لحل الخلاف العلوي-السني؟ عائلة الأسد لم تكن أصلا تعترف بوجود العلويين ناهيك عن أن تعترف بوجود مشكلة بينهم وبين غيرهم. عائلة الأسد كانت تمنع السوريين من نطق كلمة “علوي” وكانت تعتبر ذلك جريمة. كيف يمكن حل الخلاف بين السنة والعلويين إذا كان هؤلاء لا يستطيعون أن يناقشوا الخلاف ولا يستطيعون حتى أن ينطقوا اسم العلويين على ألسنتهم؟

حل الخلاف العلوي-السني لا يصب في مصلحة عائلة الأسد. لو زال هذا الخلاف فسيزول الدعم العلوي لعائلة الأسد. هذه نفس القصة التي ذكرت في الأعلى حول دير الزور والحسكة. منطق عائلة الأسد في كل مكان هو فرق تسد.

التشرذم الشديد الذي نراه في سورية سببه أن عائلة الأسد كانت وما زالت تشرذم المجتمع لكي تتمكن من السيطرة عليه. هم يضربون فئات الشعب ببعضها لكي يضعفوها ويتمكنوا من السيطرة عليها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s