سببان سيؤديان لفشل تسوية جنيف عند تطبيقها عمليا

من الواضح أن أميركا وروسيا اتفقتا منذ أشهر على الخطوط العريضة لتسوية الأزمة السورية.

الخلاف بين الجانبين ينحصر في بعض المسائل التفصيلية، وخاصة موعد خروج بشار الأسد.

التطورات الأخيرة توحي بأن قضية موعد خروج بشار الأسد تقترب من الحسم.

الخطوط العامة للتسوية المتفق عليها بين أميركا وروسيا هي كما يلي:

-إخراج بشار الأسد من السلطة.

-تمكين قوات بشار الأسد من السيطرة على معظم مساحة البلاد.

-عدم حل قوات بشار الأسد وأجهزته الأمنية، وعدم تطبيق الاجتثاث بحق مؤيديه.

-تأليف سلطة مشتركة من أنصار الأسد ومن معارضيه.

هذه التسوية تفيد روسيا من حيث أنها تحافظ على طاقم دولة الأسد دون تغييرات كبيرة (وبالتالي هي يجب أن تحافظ على النفوذ الروسي في سورية)، وهي تفيد أميركا من حيث أنها تمنع حدوث فوضى في سورية (على غرار ما حصل في ليبيا مثلا).

هذا هو ما يتخيله الأميركان والروس، ولكنني أجزم بأن الأمور لن تسير كما يتخيلون.

فلسفة اتفاقية جنيف هي فلسفة مثالية إلى حد السذاجة. هي غير واقعية على الإطلاق.

أنا أظن أن الأميركان والروس يعلمون أن هذه الاتفاقية هي غير واقعية، ولكنهم يسيرون فيها لأنها الحل الوحيد المتاح في الوقت الحالي (الفدرالية أو التقسيم هي غير ممكنة التطبيق في الوقت الحالي).

هناك سببان كبيران سيؤديان لفشل تسوية جنيف عند تطبيقها في الواقع:

-السبب الأول هو أن مجال هذه الاتفاقية ينحصر في دمشق ولا يغطي بقية المناطق السورية.

-السبب الثاني هو أن هذه الاتفاقية لا تصلح حتى لحكم دمشق.

الأميركان والروس يتحدثون عن كتابة دستور لسورية خلال الأشهر القادمة. كتابة الدستور هي شيء كبير وليست شيئا بسيطا. لكي يكون الدستور واقعيا لا بد أن تشارك كل مكونات الشعب السوري في كتابته، ولكن هذا لن يحدث، لأن مكونات الشعب السوري هي مغيبة عن مباحثات جنيف.

الأطراف السورية الموجودة في جنيف تمثل مدينة دمشق حصرا. صحيح أن بشار الأسد يوصف بأنه علوي، ولكن بشار الأسد لا يطرح في جنيف أية مطالب أو قضايا تتعلق بالعلويين. الأمور التي يطرحها تعنيه هو شخصيا بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية هي تعني مدينة دمشق. نفس الأمر ينطبق على مطالب وفد المعارضة.

مباحثات جنيف هي أشبه بمباحثات دمشقية داخلية. هذه المباحثات لا تتطرق لمطالب الأكراد والعلويين والدروز (والأهم من كل ذلك هو أنها لا تتطرق لمطالب الحلبيين). هذه المباحثات تخص مدينة دمشق حصرا. لهذا السبب فإن الدستور الذي سينتج عن هذه المباحثات لن يكون صالحا لإدارة سورية في المستقبل.

ما سيحصل هو شبيه بما حصل في أربعينات القرن العشرين. آنذاك وضع البريطانيون سورية بأكملها في قبضة دمشق، ولكن دمشق لم تتمكن من حكم سورية. النظام الدمشقي الذي أسسه البريطانيون في عام 1943 انهار تماما في عام 1948 (بعد ذلك لجأ الدمشقيون إلى الحكم العسكري، ولكن هذا لن يحصل مجددا في زماننا).

السبب الثاني لفشل هذه التسوية هو أنها غير واقعية حتى في داخل مدينة دمشق نفسها.

هذه التسوية ستمنع المعارضة السورية من اجتثاث العلويين والبعثيين. هل هذا معقول؟

مشكلة المعارضة السورية هي ليست مع عائلة الأسد. مشكلتهم الحقيقية هي مع “النظام النصيري”. هم يعتقدون أن النصيريين استولوا على الدولة وحولوها إلى دولة نصيرية. الهدف الأول للثورة السورية هو طرد النصيريين من الدولة، وخاصة من الجيش والأجهزة الأمنية.

تسوية جنيف ستمنع الثورة من تحقيق أهم أهدافها ألا وهو اجتثاث النصيرية. لهذا السبب هي ليست تسوية واقعية.

إذا ظل بشار الأسد دون محاكمة فهذا سيكون سببا آخر لفشل التسوية.

فكرة تشارك السلطة بين المعارضة السورية والنصيريين هي فكرة مثالية جدا. هي بصراحة مجرد فكرة هزلية. هذه الفكرة لا يمكنها أبدا أن تنجح. وأظن أن القوى الكبرى تعلم ذلك.

في النهاية لن يكون هناك حل سوى عزل العلويين عن المعارضة السورية، أي الفدرالية أو التقسيم.

الحل الحقيقي للأزمة السورية هو ليس تسوية جنيف التي تطبخ الآن وإنما تسوية أخرى ستظهر في المستقبل بعد فشل تطبيق اتفاقية جنيف.

تسوية جنيف ستنقل الأزمة السورية إلى طور جديد أكثر تعقيدا من الطور الحالي (ولكن أقل عنفا، لأن بشار الأسد سيخرج. معظم العنف في سورية هو بسبب بشار الأسد).

تطبيق تسوية جنيف سيخفض مستوى العنف في سورية ولكنه سيحول الأزمة إلى صراع سياسي أكثر تعقيدا بسبب دخول لاعبين جدد كانوا غائبين (العلويين، الدروز، الحلبيين).

الصورة ستكون تقريبا كما يلي: في دمشق سيكون هناك صراع بين المعارضة السورية والنصيرية، وخارج دمشق سوف تنشأ كيانات لامركزية أو أقاليم فدرالية (وربما دول مستقلة، من يدري).

سوف يكون هناك مخاض طويل. من يتصور أن الأزمة السورية ستنتهي قريبا هو يحلم. الأزمة السورية هي مستمرة ربما لعقود قادمة، ولكن الشيء المهم هو ألا يكون هناك الكثير من العنف والتدمير. أسوأ ما يحدث الآن هو العنف والتدمير وأعمال الإبادة والتهجير. هذا العنف والتدمير المفرط يحصل بسبب بشار الأسد. إذا أزيح بشار الأسد فسوف تتحسن الأوضاع في سورية كثيرا، حتى وإن لم تنته الأزمة.

Advertisements

3 thoughts on “سببان سيؤديان لفشل تسوية جنيف عند تطبيقها عمليا

  1. ممكن تخبرنا كيف وصلت لهذذه الإستنتاجات (إتفاق أمريكي روسي لإبعاد الأسد)
    وماهي مطالب العلويين والدروز اتي ذكرتها والتي بسببها لن تنجح العملية السلمية
    وممكن تبقى كتاباتك كماالآن تتسم بالرزانة (بعد أن كانت تتسم الفترة الماضية بالرزالة)

  2. لك ياابن الشرموطة أنا واحد.,وبنكح أمك دائمآ
    وصفحتي موجودة باسمي عالفيسبوك.,بس أنت مين؟
    حاكم بنكح كتير و وصعب اتذكر اب مين أنت

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s