سياسة “السعودة” تزيد بطالة السعوديين بدلا من أن تنقصها

منذ سنوات وعقود يتحدث آل سعود عما يسمونه بـ”سعودة” الوظائف في اقتصادهم.

هم يريدون إحلال رعاياهم السعوديين محل العمال الأجانب في المملكة.

ولكن المتابعين لاقتصاد آل سعود على مدى العقود الماضية يقولون أن هذه السعودة لم تكن سوى مهزلة. هذه السعودة لم تقلل الاعتماد على العمال الأجانب ولكن ما فعلته هو أنها زادت الأعباء على أصحاب الأعمال (لأنهم صاروا مضطرين لتوظيف سعوديين دون أن يكونوا بحاجة حقيقية لهم)، وبالتالي هي أثرت سلبا على نمو الاقتصاد. ناهيك عن أن السياسة الحكومية المعادية لتوطين الأجانب أجبرت العمال الأجانب على تحويل مداخيلهم إلى خارج المملكة، التي هي مبالغ خرافية تصل ربما إلى تريليونات الدولارات. لو أن هذه المبالغ الخرافية ظلت داخل اقتصاد المملكة لكانت هذه المملكة أغنى بمرات عديدة مما هي عليه الآن.

آل سعود ما زالوا حتى الآن يسعون لسعودة وظائف مثل مصلحي الجوالات وبائعي الخضار وسائقي سيارات الأجرة، ولكن جهودهم لا تنجح، لأن رعاياهم السعوديين بشكل عام لا يرغبون في العمل في هذه الوظائف. السبب الأساسي لذلك هو تدني مداخيل هذه الوظائف. لكي يقبل رعايا آل سعود على العمل في هذه الوظائف لا بد من رفع أجورها، وهذا يعني زيادة الأعباء على أصحاب الأعمال والمستهلكين، وبالتالي تثبيط نمو الاقتصاد. عندما يتثبط نمو الاقتصاد فهذا يعني إفقار الجميع: أصحاب الأعمال والمستهلكين وحتى آل سعود أنفسهم.

“السعودة” لا تختلف عن “الاشتراكية”. كلا هذين النهجين يؤديان لتثبيط النمو الاقتصادي وإفقار المجتمع. كلا هذين النهجين لا ينبعان من العقل وإنما من عواطف. السعودة تنبع من الكسينوفوبيا أو رهاب الأجانب، مثلما أن الاشتراكية تنبع من رهاب الأغنياء.

الرهاب أو الفوبيا لا يمكنها أن تبني اقتصادا ناجحا. الاقتصاد الناجح يبنى على العقل والمنطق وليس على عواطف بدائية.

خلال الفترة الأخيرة لاحظنا كيف أن ألمانيا استوعبت عددا ضخما من اللاجئين. الحكومة الألمانية لم تشعر بالخوف من هؤلاء اللاجئين ولكنها نظرت إليهم كيد عاملة من شأنها تنشيط الاقتصاد. لماذا لا ينظر آل سعود بطريقة مماثلة إلى العمال الأجانب؟

مملكة آل سعود تحتاج للعمال الأجانب. أليس من الغريب أن تتعامل هذه المملكة بعداء مع العمال الأجانب رغم حاجتها لهم؟

مملكة آل سعود هي ليست بلدا صغيرا. هذه المملكة يمكنها أن تستوعب مليار مهاجر.

استيعاب المهاجرين هو ليس كارثة. هؤلاء المهاجرون سيقومون بتنمية الاقتصاد وإعمار البلاد، وهذا يعني زيادة غنى البلاد وقوتها وأهميتها. زيادة السكان تعني أن الحكومة ستكون قادرة على تجنيد جيش ضخم من شعبها دون الحاجة لاستئجار المرتزقة أو تسول المقاتلين من الدول الأخرى.

إذا نما الاقتصاد فهذا يعني توفير المزيد من الوظائف، وبالتالي تخفيف أزمة البطالة. هذا هو الحل الصحيح لأزمة البطالة. السعودة لا تحل أزمة البطالة بشكل حقيقي، لأن السعودة تثبط نمو الاقتصاد، وبالتالي هي تقلل الوظائف وتزيد البطالة.

عزوف أصحاب الأعمال عن توظيف السعوديين له سببان رئيسيان:

-السبب الأول هو أن السعوديين يبحثون عن مداخيل عالية ولا يقبلون بأجور متدنية.

-السبب الثاني هو ضعف مستوى التعليم والثقافة للسعوديين بشكل عام (يدخل في ذلك ثقافة التسيب واللامبالاة والتغيب عن العمل).

سياسة السعودة لا تحل أيا من هاتين المشكلتين. لهذا السبب ليس غريبا أن سياسة السعودة لم تخفف من بطالة السعوديين. الأثر الوحيد لسياسة السعودة هو تثبيط نمو الاقتصاد، وبالتالي زيادة بطالة السعوديين بدلا من تقليلها.

الحل الصحيح لقضية بطالة السعوديين هو كما يلي:

-تسريع وتيرة نمو الاقتصاد، وبالتالي زيادة الوظائف ذات الأجور المرتفعة التي يطلبها السعوديون.

-تحسين جودة التعليم في مملكة آل سعود بحيث يغدو السعوديون قادرين على منافسة العمال الأجانب والتفوق عليهم (ويجب أيضا تحسين ثقافة السعوديين وتعليمهم الانضباط والالتزام. هذا يمكن تحقيقه عبر زيادة الصرامة في نظام التعليم والتخفيف من التسيب والتساهل).

السعودة لا تفعل شيئا سوى تثبيط نمو الاقتصاد، وبالتالي هي لا تحل أزمة بطالة السعوديين بل تفاقمها.

يجب على حكومة آل سعود أن تتخلى عن سياسة السعودة وأن تتبنى سياسة جديدة تهدف لتوطين المهاجرين الأجانب والاستفادة منهم في تنمية الاقتصاد.

لا أدري ما هو سبب رهاب الأجانب في مملكة آل سعود. ما هو الشيء المخيف في السوريين والمصريين والباكستانيين والهنود؟ هؤلاء بشر مثل رعايا آل سعود. كل من يأتون إلى مملكة آل سعود يتعلمون اللغة العربية، وهم في الغالب مسلمون، وبالتالي أنا لا أرى أن هناك “خطرا ثقافيا” على مملكة آل سعود كذاك الذي يتحدث عنه الأوروبيون. رهاب الأجانب في الدول الغربية يستهدف أساسا الناس القادمين من دول غير غربية. أميركا في القرن 19 استقبلت أعدادا هائلة من المهاجرين الأوروبيين دون أن تظهر مقاومة شعبية كبيرة لذلك (غالبية المهاجرين الأوروبيين آنذاك كانوا من الكاثوليك، لهذا السبب ظهر تيار في أميركا يسعى لمنع “كثلكة” البلاد، ولكن هذا التيار لم يتولى السلطة). في المقابل أميركا في القرن 19 حظرت استقبال المهاجرين القادمين من الصين وشرق آسيا. الأميركان آنذاك كانوا يرحبون بالمهاجرين الأوروبيين ولكنهم لم يكونوا يرحبون بالمهاجرين غير الأوروبيين.

معظم من يأتون إلى مملكة آل سعود هم من المسلمين، وكثير منهم عرب، فما هو سبب الرهاب؟

من يريد أن يحكم دولة كبرى ومهمة يجب أن يتحلى بعقل منفتح وأفق واسع. إذا أصر آل سعود على النظر إلى مملكتهم بوصفها مجرد مجموعة من القبائل البدوية فهذا يعني أن المملكة لن تكون أبدا دولة كبرى.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s