التفكير التآمري الذي يسيطر على المعارضة السورية يعكس تفاهة هذه المعارضة

المعارضة السورية لا تعتبر نفسها مسؤولة عما حصل بالأمس في رميلان. هي تلقي باللوم على أميركا وروسيا.

المعارضة السورية لا ترى مشكلة في قرار إقصاء الأكراد عن محادثات جنيف. المعارضة السورية تعتبر أن رغبة الأميركان والروس في إشراك الأكراد في المحادثات هو دليل على أن الأميركان والروس يدعمون انفصال الأكراد.

المعارضة السورية تريد من أميركا وروسيا ما يلي:

-يجب أن تقوم أميركا وروسيا بمهاجمة العلويين والأكراد وتدميرهم وإخضاعهم.

-بعد ذلك سيدخل الجهاديون إلى دمشق وسيعلنون إمارة هناك. هذه الإمارة ستدخل في صراع مع إمارات أخرى. آنذاك ستطلب المعارضة السورية من أميركا وروسيا إرسال مليوني عسكري أجنبي إلى سورية بهدف مكافحة الجهاديين وتأمين البلاد.

-بعد ذلك سيدخل أعضاء الائتلاف إلى دمشق وسيرفعون “علم الثورة” فيها، وسيبدؤون في إصدار فرماناتهم الحكيمة التي تهدف لتأسيس ما يسمونه بدولة المواطنة.

-بمجرد أن يبدأ أعضاء الائتلاف عملهم في دولة المواطنة في دمشق سيحصل تمرد في حلب، وآخر في السويداء، وثالث في دير الزور. آنذاك سيطلب الائتلاف من أميركا وروسيا مهاجمة حلب والسويداء ودير الزور وإخضاع سكانها كما حصل سابقا مع العلويين والأكراد.

هذه هي طريقة حل الأزمة السورية من وجهة نظر ائتلاف المعارضة. طالما أن أميركا وروسيا ترفضان تنفيذ هذا المخطط فهذا يدل على أن هناك “مؤامرة دولية” تهدف لتقسيم سورية.

في الحقيقة لا توجد أية مؤامرة دولية ولا توجد خطط لتقسيم سورية. الأميركان والروس يحاولون جاهدين منع انهيار الكيان السوري. كل ما يفعلونه بشأن سورية يهدف لمنع تقسيم سورية وليس العكس. هذا شيء غريب. المرء يقول لنفسه أن تقسيم سورية هو السيناريو الأسهل بالنسبة لهذه الدول الكبرى. لماذا يتعبون أنفسهم ويحاولون جاهدين منع تقسيم سورية؟ لماذا لا يكررون فيها السيناريو اليوغوسلافي مثلا؟

أظن أن الأميركان والروس يعتقدون أن انهيار الكيان السوري سيؤدي لانهيار كيانات أخرى في المنطقة، وهذا سيدخل المنطقة في فوضى جيوسياسية ستؤدي في النهاية لنشوء إمبراطوريات كبيرة.

يجب أن نتذكر أن كثيرا من كيانات المنطقة هي دول حديثة جدا. مثلا الكيان السوري هو عبارة عن مستعمرة أسسها البريطانيون والفرنسيون بعد الحرب العالمية الأولى. من يقرأ تاريخ الكيان السوري سيجد أن شعب الكيان لم يكن يعترف بهذا الكيان قبل حكم عائلة الأسد. عمليا الكيان السوري لم يتحول إلى دولة إلا في عهد عائلة الأسد، وتحديدا في عام 1982 بعدما تمكن حافظ الأسد من إخماد الثورة الأخيرة ضد النظام (مجزرة حماة الشهيرة كانت في الحقيقة الحدث الذي أدى لتحويل الكيان السوري إلى دولة. قبل ذلك لم يكن الكيان يستحق أن يوصف بالدولة). إذن نحن نتحدث عن دولة لا يزيد عمرها الحقيقي عن ثلاثين عاما، وهذه الدولة بالكاد تملك هوية وطنية (بعد مجزرة حماة والهزيمة النهائية للمعارضة حاولت عائلة الأسد أن توحد الشعب على أساس القومية الدمشقية، ولكن سيطرة هذا الفكر على سورية ما تزال غير مكتملة. القومية الدمشقية تسيطر على الجيل الشاب الذي نشأ بعد مجزرة حماة، ولكن ليس على الأجيال الأقدم من ذلك).

ما ينطبق على الكيان السوري ينطبق على كيانات أخرى. هذه الكيانات هي ليست دولا قومية nation-states على غرار الدول الأوروبية. هي مجرد مستعمرات رسمها البريطانيون والفرنسيون في أزمنة ليست بالبعيدة. معظم هذه الكيانات بدأت عملية التحول إلى دول قومية، ولكن معظمها لم يكمل هذه العملية (مصر قد تكون الدولة العربية الوحيدة التي أكملت تحولها إلى دولة قومية. السبب هو أن تاريخ تأسيس الدولة المصرية الحديثة يسبق بكثير تاريخ تأسيس بقية الدول. الدولة المصرية الحديثة تأسست في عهد محمد علي في بداية القرن 19، في حين أن الدولة الدمشقية -التي تسمى زورا بـ”سورية”- تأسست فعليا بعد مجزرة حماة في عام 1982. بالنسة للكيان اللبناني فهو لم يتحول حتى الآن إلى دولة).

بما أن كثيرا من كيانات المنطقة هي ليست دولا حقيقية فهذا يعني أن انهيار الكيان السوري ربما يؤدي لانهيار تلك الكيانات أيضا. هذا يعني أن خريطة المنطقة التي رسمها البريطانيون والفرنسيون قد تنهار. على أنقاض هذه الخريطة سوف تقوم إمبراطورية عربية سنية ودولة عربية شيعية ودولة كردية ودولة تركية.

الأميركان والروس لا يريدون هذه الدراما. لهذا السبب هم يسعون بجهد كبير للمحافظة على الكيان السوري.

المحافظة على الكيان السوري لا تعني المحافظة على القومية الدمشقية. القومية الدمشقية تعرضت لنكسات كبيرة بعد الثورة السورية، وفي المستقبل سوف تتعرض لنكسات أكبر (أولى النكسات هي الفكر الجهادي الذي لا يعترف بالقومية الدمشقية ويرفض رفع علمها المسمى بعلم الثورة، وثاني النكسات هي مشروع الإدارة الذاتية الذي تحول الآن إلى فدرالية كردية، وفي المستقبل سوف تظهر نكسات أخرى. في النهاية سيكون من المستحيل توحيد الكيان السوري على أساس القومية الدمشقية).

الدول الكبرى تفهم أن توحيد الكيان السوري على أساس القومية الدمشقية هو أمر مستحيل. لهذا السبب هذه الدول تشجع على تبني اللامركزية أو الفدرالية. هم لا يفعلون لذلك لأنهم متآمرون على القومية الدمشقية، وإنما لأنهم يفهمون أن القومية الدمشقية لا تصلح لتوحيد سورية. صحيح أن العلويين والدروز والحلبيين ما زالوا يظهرون التأييد للقومية الدمشقية، ولكن هذا شيء مؤقت. بمجرد زوال ذيل الكلب سوف تتغير مواقف هؤلاء. في النهاية سيتبين أن سواد الشعب لا يقبل بالقومية الدمشقية، كما كان الحال قبل حكم حافظ الأسد.

الإصرار على القومية الدمشقية يزيد احتمالات تقسيم سورية، ولكن يبدو أن الدول الكبرى ترفض ذلك وستعمل على إجهاضه. أنا أظن أن الدول الكبرى ستجبر المعارضة السورية على التفاهم مع الأكراد، لأن عدم التفاهم مع الأكراد سيفتح الباب أمام تقسيم سورية.

Advertisements

3 thoughts on “التفكير التآمري الذي يسيطر على المعارضة السورية يعكس تفاهة هذه المعارضة

    • هذا مقال طريف ولكنه ليس كلاما جديا… في زمن حافظ الأسد وقعت أيضا الكثير من الأمور السيئة… يكفي فقط أن نشير إلى انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991… وفي زمن بشار الأسد لم يكن كل شيء سيئا… أميركا هددته ولكنها في عام 2008 عادت إلى حضنه بعد تقرير بيكر هاميلتون… وفي نفس العام ذهب إليه ملك آل سعود وطلب منه معاودة وصايته على لبنان… وأتى إليه الحريري وتصالح معه… حتى بعد الثورة السورية كانت هناك مخارج عديدة لبشار.. منها الصفقة التي عرضها عليه داود أوغلو والتي كانت ستبقيه رئيسا…

  1. نعم. واذا دخل السارق منزلك وسرق لكنه لم يسرق كل شيء فهذا يعني انه ليس لصا بل شخص طيب.

    الدول التي تتحدث عن طيبتها سخرت مليارات الدولارات والاف العملاء ووسائل الاعلام لافتعال مؤامرة الربيع العربي ثم يصفها بالدول الطيبة والبريئة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s