الحلبيون والعلويون والدروز هم الآن صامتون… ولكنهم في المستقبل سيكونون من أهم اللاعبين في السياسة السورية

خلال فترة الثورة لم نسمع صوتا سياسيا لكثير من فئات الشعب المهمة، وخاصة الحلبيين والعلويين والدروز.

السياسة السورية تاريخيا يمكن تلخيصها بأنها كنت صراعا دائما بين معسكرين:

-معسكر الدمشقية السياسية (يسيطر على دمشق وريفها وحوران)

-معسكر المعارضة (يسيطر على كل المناطق الأخرى، مثلا حلب وحمص وحماة والساحل وجبل العرب)

المعارضة بطبيعة الحال كانت أقوى من الدمشقية السياسية. مدينة دمشق لوحدها لا تستطيع أن تقف في وجه سورية. لهذا السبب المواجهات بين الدمشقية السياسية والمعارضة انتهت غالبا بهزيمة الدمشقية السياسية.

أولى هزائم الدمشقية السياسية كانت ثورة 1948 التي أسقطت نظام القوتلي. هذا لم يكن حدثا بسيطا، لأن القوتلي هو الشخص الذي أسس الكيان السوري بدعم من بريطانيا. إسقاط مؤسس الكيان السوري المدعوم من بريطانيا (وغيرها من القوى الكبرى) لا يمكن أن يكون حدثا بسيطا.

طبعا لو دخلنا إلى التفاصيل فسنجد أن القوى الكبرى رفعت الغطاء عن القوتلي قبيل سقوطه. القوتلي في نهاية عهده بات عاجزا عن حكم سورية. المعارضة له كانت كبيرة جدا، وهذه المعارضة الكبيرة أوصلت حكومته إلى حالة من الشلل. القوى الكبرى كانت تنتظر منه أمورا مهمة (مثلا تصديق اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، وتصديق اتفاقية التابلاين)، ولكنه عجز عن القيام بهذه الأمور. لهذا السبب القوى الكبرى رفعت الغطاء عن القوتلي وسارعت إلى الاعتراف بالحكومة الانقلابية التي تزعمها حسني الزعيم (القوى الكبرى اعتقدت آنذاك أن الحكم العسكري هو الأنسب لسورية، لأن الحكم الديمقراطي كان سيؤدي للوحدة العربية وتحرير فلسطين).

الهزيمة الثانية للدمشقية السياسية كانت ثورة العام 1954 التي أسقطت أديب الشيشكلي. هذه الثورة أدت للوحدة مع مصر (صحيح أن القوتلي كان يترأس سورية عندما حصلت هذه الوحدة، ولكن الوحدة حصلت من دون مشاورته. هو لم يعترض عليها لأنه تعلم درسا من تجربته السابقة في عام 1948).

الهزيمة الثالثة للدمشقية السياسية كانت ثورة العام 1963 التي أسقطت النظام الانفصالي.

هذه الثورات المفصلية في التاريخ السوري كانت تنجح لأن غالبية الشعب السوري كان يؤيدها، سواء من سكان المدن (حلب، حمص، حماة إلخ) أم الريف (العلويون، الدروز إلخ).

الشعب السوري كان (بصراحة) يكره الدمشقية السياسية. هذا الشعب لم يقبل يوما بالدمشقية السياسية. الدمشقية السياسية حاولت أن تفرض نفسها بالإكراه على الشعب، والشعب قاوم ذلك.

مسار التاريخ السوري تغير بشكل دراماتيكي في منتصف ستينات القرن العشرين. آنذاك نشأ صراع بين البعثيين “اليمينيين” (المتحدرين من المدن، وخاصة حلب) وبين البعثيين “اليساريين” (المتحدرين من الريف، وخاصة العلويين). هذا الصراع بين الحلبيين والعلويين كان ظاهرة جديدة في التاريخ السوري. في السابق كان الحلبيون (والحماصنة والحمويون والديريون إلخ) في معسكر واحد مع العلويين (والدروز، إلخ).

معاداة الدمشقية السياسية كانت توحد سكان المدن مع سكان الريف، ولكن عندما هزمت الدمشقية السياسية في عام 1963 دب الشقاق داخل معسكر المعارضة. سكان المدن (بقيادة الحلبيين) باتوا على خصومة مع سكان الريف (بقيادة العلويين). هذا كان شيئا جديدا في التاريخ السوري.

لاحقا دب الشقاق حتى في داخل المعسكر الريفي. العلويون خاضوا مواجهة مع الدروز وغيرهم، وفي النهاية باتت السلطة توصف بأنها علوية بحتة.

في عام 1970 حصلت ظاهرة جديدة أخرى: حافظ الأسد أقصى منافسيه العلويين واستأثر بالسلطة. هذه كانت المرة الأولى في التاريخ السوري التي يستأثر فيها شخص واحد بالسلطة (الشيشكلي كان أيضا فردا مستبدا، ولكنه كان يحظى بدعم واضح من سياسيي دمشق. هو كان مجرد واجهة للدمشقية السياسية).

إذا أردنا التبسيط فيمكننا أن نقول أن حافظ الأسد نقل سورية من حكم الطوائف أو الجماعات إلى حكم الفرد. هو انتزع السلطة من العلويين كجماعة واستأثر بها كفرد.

نظام حافظ الأسد في بدايته كان ربما نظاما عائليا أو عشائريا، بدليل أن أخاه رفعت كان بمثابة رأس ثان للنظام. في ثمانينات القرن العشرين حصلت مواجهة بين حافظ وأخيه رفعت. رفعت كان يحظى بتأييد الكثير من العلويين. بعد هزيمة رفعت أضحى النظام السوري نظاما فرديا حقيقيا. حافظ الأسد لم يعد يتشارك السلطة مع أحد، ولا حتى مع أخيه.

لا يمكن لشخص واحد أن يفرض نفسه على شعب كامل (الشعب السوري بالذات لا يمكن أن يقبل بهذا، لأن الشعب كان طوال تاريخه يقارع الدمشقية السياسية، ومن باب أولى أن الشعب سيرفض حافظ الأسد). حافظ الأسد كان يفهم حجمه الحقيقي وأنه لا يستطيع أن يحكم سورية بمفرده. لهذا السبب هو عمد إلى إحياء العصبيات التي حكمت سورية قبله وركب عليها. هو أحيى (ظاهريا) العلوية السياسية وركب عليها، وأحيى (ظاهريا) حزب البعث وركب عليه، وأحيى (ظاهريا) الدمشقية السياسية وركب عليها. من الناحية الظاهرية نظام حافظ الأسد كان يمثل العلويين والبعثيين والدمشقيين (هذه هي كل الجماعات التي حكمت سورية قبله).

حافظ الأسد كان مجرد فرد، ولكنه كان يقنع العلويين بأنه يمثلهم، وكان يقنع البعثيين بأنه يمثلهم، وكان يقنع الدمشقيين بأنه يمثلهم. بهذه الطريقة هو تمكن من حكم سورية.

حافظ الأسد بطش بالحلبيين والدروز بطشا شديدا ودمرهم، ولكن ابنه ذيل الكلب انفتح على الحلبيين والدروز وحاول أن يدخلهم ضمن التركيبة الوهمية للسلطة. على ما يبدو فإن جهود ذيل الكلب في هذا المجال كانت ناجحة، لأننا رأينا خلال الثورة أن الحلبيين والدروز كانوا مؤيدين لذيل الكلب على غرار العلويين والدمشقيين.

ذيل الكلب بطش خلال الثورة بمؤيديه الحلبيين، ولهذا السبب أنا أستبعد أن يكون هناك تأييد حقيقي له الآن في صفوف الحلبيين (الحلبيون الذين يظهرون التأييد لذيل الكلب هم إما شبيحة لهم صلات بأجهزة أمن ذيل الكلب أو أنهم يعيشون خارج حلب منذ زمن بعيد ولا علاقة مباشرة لهم بها). رغم ذلك الحلبيون بشكل عام ما زالوا صامتين ولا يتحدثون في السياسة. السبب على الأغلب هو تشوش الرؤية وغياب البدائل لذيل الكلب.

ما هي بدائل ذيل الكلب المطروحة الآن أمام الحلبيين؟ لا توجد بدائل سوى المعارضة السفيهة التي ترعى الإرهاب وترفع علم الدمشقية السياسية. الحلبيون بطبيعة الحال لن يؤيدوا هذه المعارضة.

الشعب الحلبي الحقيقي لا يريد أن يحارب العلويين أو الأكراد أو غيرهم. الشعب الحلبي يمقت الطائفية ويريد أن يعيش بسلام. فكرة “الجهاد ضد النصيرية” هي فكرة منفرة للكثير من الحلبيين.

أنا أظن أن الحلبيين الآن يعيشون حالة يأس وضياع. هم يمقتون ذيل الكلب ولكنهم يمقتون المعارضة أيضا.

إذا أجريت انتخابات في حلب وبدأت هناك حياة سياسية فسوف تظهر توجهات الحلبيين الحقيقية. أنا أخشى آنذاك من بروز نزعات انعزالية. هذه النزعات هي متوقعة بعد ما قام به ذيل الكلب ووالده، ولكن ما يجب على الحلبيين أن يعلموه هو أن التوجهات الانعزالية تتناقض تماما مع التاريخ الحلبي، ناهيك عن أن هذه النزعات تدمر أوضاع حلب فوق ما هي مدمرة أصلا.

الحلبيون تاريخيا لم يكونوا ضد الدمشقية السياسية لكونها دمشقية. هم كانوا ضدها لكونها انعزالية. مشكلة الحلبيين لم تكن مع الدمشقيين وإنما مع الفكر الانعزالي، لأن الفكر الانعزالي يدمر سورية بشكل عام وحلب بشكل خاص.

ما ينطبق على الحلبيين ينبطق أيضا على العلويين والدروز. إذا أجريت انتخابات لدى العلويين والدروز فمن المتوقع أن تظهر تيارات سياسية تدعو للانعزال والتقوقع. هكذا توجهات تدمر مصالح العلويين والدروز (سواء من الناحية الاقتصادية أم حتى من ناحية الأمن. ما يحقق الأمن هو ليس الانعزال وإنما الانفتاح على الآخرين والتعاون معهم).

العلويون تاريخيا لم يكونوا يملكون توجهات انعزالية قوية. كثير من العلويين كانوا منخرطين في حزب البعث وغيره من الأحزاب الوحدوية واليسارية. ما كان يهم العلويين تاريخيا هو المساواة والعلمانية. فكرة الانفصال والانعزال لم تكن تيارا مهما لدى العلويين.

بالنسبة لمدينة دمشق فأنا أظن أن الجمهور الدمشقي يحمل في الأصل نفس فطرة السوريين والعرب، ولكن وجود العاصمة والسلطة في مدينة دمشق أدى إلى بروز نزعة انفصالية حقيقية في مدينة دمشق. إنكار هذه النزعة لا يفيد، وتبريرها لا يفيد. المطلوب من الناس الواعين في دمشق مكافحة هذا الفكر المتخلف الجاهل.

دمشق هي ليست إمبراطورية وليست دولة كبرى. هي مجرد مدينة صغيرة تعيسة. الكيان السوري هو كيان فقير وضعيف وتعيس. سورية كانت تستمد ثروتها تاريخيا من التجارة. التجارة هي غير ممكنة في ظل الحدود والقيود. حدود سايكس-بيكو قتلت التجارة في حلب ودمشق. الدمشقيون عوضوا خسائرهم بسرقة حلب وغيرها من المناطق السورية، وهم اعتبروا هذا حلا دائما. هذا لا يمكن أن يكون حلا دائما لأن الآخرين في سورية لن يقبلوا به. هذه هي النقطة التي عجز قادة دمشق عن فهمها. أنتم لا تملكون مصادر للثروة سوى سرقة غيركم من السوريين، وهذا لا يصلح.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s