الخلط بين الشعب الدمشقي والشعب السوري

مقال للكاتب عبد الرحمن الراشد عن السوريين.

المقال إيجابي بحق السوريين ويمتدحهم، ولكن من الناحية العلمية هذا المقال هو ليس جيدا. هو يذكرني بكتابات بعض الباحثين الغربيين قبل اندلاع الثورة.

من يريد أن يتحدث عن السوريين يجب أن يميز بين الشعب الدمشقي والشعب السوري. هناك فروقات جمة بين هذين الشعبين.

أنا عشت في سورية لحوالي 10 سنوات وتجولت فيها، وقرأت الكثير عنها وعن تاريخها. من خلال هذه الخبرة تبين لي بوضوح أن الشعب الدمشقي لا يكاد يمثل الشعب السوري في شيء.

الشعب الدمشقي هم سكنة دمشق. هؤلاء ليسوا بالضرورة من أصل دمشقي (كثير منهم هم مهاجرون من مناطق أخرى في سورية). هؤلاء يعيشون في مستوى اقتصادي وثقافي يختلف عن مستوى الشعب الحلبي على سبيل المثال.

الكاتب يتحدث في المقال عن الثقافة. هذه الثقافة التي أعجبته هي ميزة حصرية للشعب الدمشقي وهي غير موجودة في أي مكان آخر من سورية. خلال السنوات التي أمضيتها في حلب لفت نظري مدى الانحطاط والقحط الثقافي في هذه المدينة. عمليا لم تكن توجد حياة ثقافية في حلب (خلال سنوات الثورة لاحظت أن بعض الشباب الحلبيين يحاولون أن يقوموا بأعمال فنية ونحو ذلك. هذه أمور جديدة بدأت بعد الثورة، وهي طبعا ذات حجم محدود جدا لأنها ما تزال في البدايات. بشار الأسد عاجلها بالبراميل المفخخة ولم يسمح لها بأن تصل إلى أي مكان).

باستثناء حجم سكانها الكبير، لم تكن توجد في مدينة حلب قبل الثورة أية خاصية تدل على أنها مدينة حقيقية. هي في الحقيقة كانت مجرد قرية ضخمة. هي كانت أكبر قرية في العالم.

حسب أرقام مكتب الإحصاء التابع لبشار الأسد فإن نسبة الأمية في محافظة حلب قبل الثورة كانت بحدود 50%، في حين أن دمشق وريفها كانت خالية من الأمية. أنا لمست هذا الفرق على أرض الواقع. عندما جئت إلى حلب لأول مرة لم أكن أتصور أن نسبة الأميين هي عالية إلى هذا الحد، ولكنني أدركت أن الأمية هي منتشرة على نحو مهول.

حتى المتعلمون (مع احترامي لهم) هي ليسوا جميعا متعلمين. كثير ممن يوصفون بالمتعملين في حلب هم في الحقيقة أنصاف أو أرباع متعلمين. هم بالكاد يفكون الخط ويجيدون القراءة.

من الأمور التي أثارت جنوني أن حلب بأكملها لم تكن تحوي أية مكتبات حقيقية أو متاجر لبيع الكتب. من يريد أن يحصل على الكتب في حلب كان يذهب إلى دكاكين صغيرة ويتفق مع أصحاب هذه الدكاكين على أن يستوردوا له الكتب من دمشق أو بيروت. الكتب الوحيدة التي كانت متوفرة في دكاكين الكتب هي كتب المقررات الجامعية وكتب الأذكار الدينية والأدعية وتفسير الأحلام.

أمر آخر لفت نظري هو كثرة الأوبئة وتفشيها (سواء الأوبئة الجلدية مثل الليشمانيا، أو الالتهابات الفيروسية مثل التهاب الكبد، أو حتى الإيدز). أنا أظن أن المستوى الصحي في محافظة حلب كان يشبه المستوى الصحي في الدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى.

كل هذا الكلام هو عن حلب المدينة. لو تحدثنا عن الريف فالكارثة هي أعظم.

ريف حلب بشكل عام كان يعيش في فقر وتخلف مدقع، ولكنني لاحظت أن الأكراد بشكل خاص يعيشون ظروفا مأساويا. سبب ذلك ليس مجرد كونهم أكرادا، ولكن السبب هو موقعهم الجغرافي المتطرف. هم يعيشون في أقصى الأماكن عن دمشق، وهذه كارثة في الكيان السوري.

في الكيان السوري كلما ابتعدت عن دمشق كلما ازداد الفقر والجهل والأمراض. إذا وصلت إلى الحدود مع تركيا (حيث يقطن الأكراد) فستشعر أنك وصلت إلى مجاهل أفريقيا.

قسم عظيم من المهاجرين السوريين في لبنان الذين كانوا يعملون في الوظائف المنحطة (زبالين ومساحي أحذية ونحو ذلك) كانوا من الأكراد ومن سكان الريف الشرقي لحلب.

عندما نتابع أخبار المهاجرين السوريين فإننا نلاحظ أن معظم قصص النجاحات هي لمهاجرين من مدينة دمشق. هذه طبعا ليست مصادفة. المستوى الاقتصادي والثقافي للشعب الدمشقي يفوق مستوى الشعب السوري. لهذا السبب أفراد الشعب الدمشقي ينجحون أكثر عندما يهاجرون إلى الخارج.

المشكلة التي كانت قائمة في الكيان السوري هي نفس المشكلة التي تسمى تقليديا بالاستعمار. مدينة دمشق كانت تستعمر سورية. هذه المدينة كانت تأخذ النفط والقمح والماء من الريف الشرقي لحلب ومن الرقة والحسكة، وفي نفس الوقت كان سكان هذه المناطق يأتون إلى دمشق لكي يمسحوا أحذية الدمشقيين. دمشق كانت تجبي الأموال والضرائب من الحلبيين لكي يعيش الحلبيون بعد ذلك في الجهل والأوبئة والفقر.

لماذا كان السوريون يقبلون بذلك؟ القمع الأمني هو أحد الأسباب ولكنه ليس السبب الوحيد. في رأيي أن السبب الأهم هو الجهل. من المعروف أن حركات التحرر الوطني لا تنشأ في الأوساط الجاهلة. من يثورون على الاستعمار هم في الغالب المتعلمون الواعون. كثير من الناس في محافظة حلب لم يكونوا يملكون من العلم والوعي ما يسمح لهم بفهم سوء واقعهم والاستغلال الذي يتعرضون له.

التردي الثقافي هو أيضا سبب مهم جدا، لأن الثقافة هي مرتبطة بالأخلاق. عندما ترتقي ثقافة المجتمع فإن الأخلاق العامة ترتقي أيضا. إذا كان المجتمع يعيش في مستوى ثقافي منحط فإن أخلاق المجتمع ستكون أيضا منحطة. هذه المشكلة هي ملموسة جدا في المجتمع الحلبي. هناك في حلب طبقة محدودة من الأثرياء، وكثير من هؤلاء كانت لهم صلات ومصالح مع حكومة دمشق (هذا شيء طبيعي لأن دمشق كانت تمسك بكل مفاصل الاقتصاد والمال). هؤلاء لم يكونوا يهتمون سوى بأنفسهم وكانوا يعيشون في عزلة كاملة عن مجتمعهم. عندما اندلعت الثورة رأينا كثيرا من هؤلاء يطالبون بقتل الثوار وإبادتهم وإحراق قراهم ومناطقهم. بشار الأسد استفاد من هؤلاء لتغطية عملية الإبادة التي قام بها في حلب وريفها.

العصبية الطائفية والأفكار الوهابية هي سبب آخر عقد المشكلة. كثير من الحلبيين المعارضين للنظام اتجهوا نحو الأفكار الطائفية والوهابية. هم لم ينظروا للقضية على أنها استغلال وتسلط من الحكومة، ولكنهم نظروا إليها على أنها استغلال وتسلط من العلويين. في رأيهم أن سبب مآسيهم هو العلويين. هذه المشكلة هي في الحقيقة فرع من مشكلة الجهل. العصبيات الطائفية تنشأ في الأوساط الجاهلة وقليلة الوعي. بما أن الجهل كان متفشيا في حلب فليس غريبا أن كثيرا من المعارضين اتجهوا نحو كراهية العلويين.

المفارقة الغريبة (والمحزنة) هي أن كراهيتهم للعلويين تدفعهم في اتجاه مناقض تماما لمصلحتهم. عندما يسمعون شخصا ينتقد الدمشقية السياسية فإنهم يكرهون كلامه لأنهم يعتقدون أنه يسعى لتفريق طائفة السنة. هم يعتقدون أنهم في خندق واحد مع دمشق ضد العلويين، ومن ينتقد الدمشقية السياسية هو في نظرهم يضعف المعسكر السني لمصلحة العلويين.

هم غارقون تماما في هذه المعركة الدونكيشوتية ضد العلويين، وهذا يفاقم مأساتهم وخسائرهم.

العلويون في سورية هم ليسوا سوى أداة في يد الدمشقية السياسية. بشار الأسد لا يحكم باسم العلويين ولا يعبر عن مصالح العلويين. هو فقط يستخدم العلويين للدفاع عن الدمشقية السياسية التي يتزعمها.

في سورية معظم الموارد الاقتصادية وغير الاقتصادية كانت تصب في مصلحة مدينة دمشق. ميزة العلويين هي حصولهم على رواتب من الحكومة، ولكن ما هي قيمة هذه الرواتب؟ هل الرواتب الحكومية كانت شيئا عظيما؟

بالنسبة لمن لا يملك شيئا ويعمل في تمسيح الأحذية فإن رواتب العلويين هي ميزة عظيمة، ولكن بالنسبة للدمشقي فإن رواتب العلويين لا تساوي شيئا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s