هل تكون قضية النفايات سببا لانهيار النظام اللبناني؟

النظام اللبناني هو نظام فاشل لا ينجز شيئا. هذا النظام اعتاد منذ تأسيسه على الرعاية الخارجية. لولا أن دول العالم ترعى هذا النظام وتديره لكان انهار منذ خمسينات القرن العشرين.

في خمسينات القرن العشرين تدخل جمال عبد الناصر ومنع انهيار النظام اللبناني.

بعد اندلاع الحرب في عام 1975 انهار النظام اللبناني سريعا وأوشك على لفظ أنفاسه. آنذاك سيطرت ما تسمى بالحركة الوطنية اللبنانية على 80% من مساحة لبنان (هي استفادت من دعم منظمة التحرير الفلسطينية). الأميركان والإسرائيليون باتوا في مأزق. هم لم يكونوا يريدون أن تنشأ بجوار إسرائيل دولة يسارية-قومية يحظى فيها الفلسطينيون بنفوذ كبير.

من أنقذ الأميركان والإسرائيليين من المأزق هو حافظ الأسد. هو عرض على الأميركان والإسرائيليين أن يرسل الجيش السوري إلى لبنان بهدف محاربة الوطنيين والفلسطينيين. هذا العرض أذهل الأميركان والإسرائيليين: الجيش السوري العقائدي سوف يذهب إلى لبنان لكي يحارب الوطنيين والفلسطينيين!

العرض كان مغريا إلى درجة أن الأميركان سمحوا لحافظ الأسد باستباحة لبنان واحتلاله. لو أن حافظ الأسد أحسن إدارة تدخله في لبنان فهو كان سيتمكن من ضم لبنان إلى سورية. الأميركان كانوا طبعا يدركون ذلك، ولكن خطورة الموقف وإغراء العرض الذي قدمه حافظ الأسد جعلت الأميركان يضحون بالكيان اللبناني (هم قالوا لأنفسهم: انضمام لبنان إلى دولة يحكمها العميل حافظ الأسد هو خير من تحوله إلى دولة مناوئة لإسرائيل).

موافقة الأميركان والإسرائيليين على تدخل حافظ الأسد في لبنان هي دليل آخر على أن اتفاقية فصل القوات لعام 1974 كانت في الحقيقة معاهدة سلام بين حافظ الأسد وإسرائيل. لو كان الأميركان والإسرائيليون ينظرون إلى حافظ الأسد على أنه في حالة حرب مع إسرائيل لما كانوا سمحوا له بغزو لبنان.

التدخل السوري في لبنان أحيا النظام اللبناني من الموت. اتفاقية الطائف التي أنهت الحرب تنسب لآل سعود، ولكن فكرة هذه الاتفاقية هي من عند حافظ الأسد، وتطبيق هذه الاتفاقية في الواقع كان مستحيلا لولا جيش حافظ الأسد. اللبنانيون (خاصة مناصرو الحريري) يتناسون أن الجيش السوري هو الذي فرض اتفاقية الطائف بالقوة. لولا أن جيش حافظ الأسد حارب اللبنانيين وفرض عليهم اتفاقية الطائف بالقوة لما كانت الحريرية السياسية تأسست. العهد الحريري تأسس بفضل الدبابات والمدافع والطائرات السورية.

حال مناصري الحريري هو كحال مناصري القوتلي في أربعينات القرن العشرين. مناصرو القوتلي كانوا آنذاك يهاجمون بريطانيا ويتهمون معارضيهم بالعمالة لبريطانيا، ولكن الحقيقة هي أن نظام القوتلي تأسس بفضل الغزو البريطاني لسورية في عام 1941. لولا ذلك الغزو لما كانت الدمشقية السياسية سيطرت على سورية. بريطانيا ظنت أن الدمشقية السياسية تعبر عن القومية العربية، وبما أن سياسة بريطانيا آنذاك كانت دعم القومية العربية فإن بريطانيا سمحت لشكري القوتلي بالسيطرة على سورية وإلغاء التقسيمات الفدرالية التي كانت قائمة في زمن الانتداب. بريطانيا ظلت ترعى وتحمي نظام القوتلي إلى ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. بريطانيا هي التي أنهت الانتداب الفرنسي على سورية وأجبرت الفرنسيين على سحب قواتهم من سورية، وهي التي سمحت للقوتلي بالسيطرة على الجيش السوري التابع للانتداب الفرنسي (شكري القوتلي تجنب استخدام هذا الجيش لتحرير فلسطين وفضل بدلا من ذلك استخدامه لقمع الشعب السوري. لاحقا هذا الجيش خلع القوتلي بعد الثورة الشعبية التي اندلعت ضد القوتلي في عام 1948).

بعد خروج الجيش السوري من لبنان في عام 2005 بدأ النظام اللبناني بالتداعي مجددا وعلى نحو سريع. لهذا السبب ذهب ملك آل سعود إلى بشار الأسد في عام 2008 وطلب منه معاودة وصايته على لبنان. وصاية بشار الأسد المستجدة لم تعجب آل سعود وتركيا والأميركان لأن هؤلاء رأوا أن بشار الأسد يعزز نفوذ إيران في لبنان (هم انزعجوا لأن بشار الأسد لم يعارض مسعى حزب الله لإخراج سعد الحريري من رئاسة الحكومة). بعد ذلك سريعا بدأت الثورة السورية، وهذه الثورة كشفت حقيقة المشروع الإيراني في سورية: إيران لم تحاول أن تنقذ سورية من الثورة ولكنها استغلت الثورة لتفتيت سورية وتأسيس مستعمرة فيها على نموذج حزب الله في لبنان.

نتيجة الثورة السورية كانت أن الكيان السوري انتهى عمليا وقامت على أنقاضه مستعمرة إيرانية متمركزة في دمشق. بالتالي المجتمع الدولي لم يعد يستطيع أن يراهن على وصاية سورية في لبنان.

إيران حاليا هي الجهة الوحيدة المؤهلة لإدارة لبنان. الأميركان ربما لا يمانعون وصاية إيران على لبنان، ولكن آل سعود مثلا لا يرضون بذلك. لهذا السبب لبنان هو معلق ومشلول. النظام اللبناني لا يمكنه أن يعمل إلا في ظل وصاية دولية، واللبنانيون أنفسهم لا ينكرون ذلك. من يتابع إعلامهم يعلم أنهم يربطون كل شيء يجري في بلادهم بإرادة القوى الدولية.

أزمة النفايات هي فريدة من نوعها. هذه الأزمة لا يمكن معالجتها حتى في ظل وصاية دولية. كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يعالج هذه الأزمة؟

المجتمع الدولي عالج الكثير من الأمور في لبنان، ولكن هل من المعقول أن يصل الأمر إلى مرحلة تتطلب تدخل المجتمع الدولي لإدارة أزمة النفايات في لبنان؟

لبنان يحاول بالفعل أن يصدر أزمة النفايات إلى المجتمع الدولي. الحكومة اللبنانية تسعى لتصدير نفاياتها إلى الخارج، ولكن هذه المساعي تبوء بالفشل.

كل فكرة تصدير النفايات من لبنان هي فكرة خرقاء. هذه الفكرة لا تناسب وضع لبنان (لبنان لا يمكن إمكانات تقنية أو مالية تسمح له بتطبيق هذه الفكرة).

بعض الناس قد يستخفون بأزمة النفايات، ولكن هذه الأزمة تبدو لي من أخطر الأزمات التي واجهها لبنان في تاريخه. هذه الأزمة هي من الأزمات النادرة في تاريخ لبنان التي أدت إلى ثورة شعبية غير طائفية ضد النظام. النظام نجا من الثورة، ولكن الأزمة ما زالت قائمة دون حل، ولا يبدو أن النظام اللبناني يملك إمكانية لحلها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s