السوريون يجب أن يهتموا بتنمية حس الجماعة قبل اهتمامهم بالديمقراطية

أنا لا أعمم على كل السوريين وإنما أتحدث فقط عن ظواهر شائعة في مجتمع الكيان السوري.

تحت حكم عائلة الأسد لم يكن هناك نمو اقتصادي يذكر، وكان هناك تزايد كبير في عدد السكان. إذن كان هناك فقر متنام.

إلى جانب الفقر المتنامي كان هناك تدمير منهجي لمؤسسات الدولة والمجتمع.

المجتمع والدولة هي أشياء تتكون من عدد كبير من الناس. لكي يعيش هؤلاء الناس مع بعضهم لا بد أن تكون هناك مؤسسات تنظم حياتهم. عائلة الأسد أفسدت هذه المؤسسات وأذهبت ثقة الناس بها.

إذا كان الناس لا يؤمنون بالمؤسسات التي تنظم المجتمع والدولة فهذا يعني أنهم لا يؤمنون بالمجتمع والدولة.

في سورية (للأسف) لا يوجد إيمان كبير بمفهوم المجتمع ومفهوم الدولة. عندما تتعامل مع السوري النمطي فإنك تشعر أن كلمات “المجتمع” و”الدولة” هي موجودة على لسانه فقط ولكنها ليست موجودة في ضميره. إذا حاولت أن تشركه في عمل جماعي فستلاحظ أنه لا يأخذ العمل الجماعي على محمل الجد. هو يقيم كل شيء من منطلق مصلحته الشخصية ولا يعير بالا للمصلحة الجماعية. هو يعتبر أن شركاءه في العمل الجماعي هم منافسون له وتهديد له. هو يتوجس منهم ويسعى دائما لكشف حيلهم ومؤامراتهم (هو يفترض دائما أنهم يكيدون له ويسعون للنيل منه). هو يحاول أن يكيد لهم ويتآمر عليهم لظنه أنه بذلك يكون أذكى منهم ويتمكن من النيل منهم قبل أن ينالوا منه.

باختصار، هي عقلية قبلية بدائية تعود إلى عصر ما قبل الدولة. هذا للأسف هو حال كثير من السوريين. عندما تتعامل معهم تحس أنك تتعامل مع رجل كهف أو مع بدوي لم يعش في حياته ضمن مجتمع. هم عاشوا ضمن مجتمع، ولكن هذا المجتمع كان مفككا جدا. مؤسساته كانت معطوبة وغير فعالة. كل شخص في هذا المجتمع كان في الحقيقة يعيش بمفرده. لم يكن هناك أي تعاون أو تشارك حقيقي بين أفراد المجتمع.

هذا الكلام لا علاقة له بقضية الانقسام الطائفي والإثني. ما أتحدث عنه هنا هو موجود ضمن الطائفة الواحدة. إذا أدخلنا الانقسامات الطائفية والإثنية في الصورة فإنها تصبح أبشع.

بعض الناس سيردون على هذا الكلام وسيشيرون إلى قضية الترابط الأسري والعشائري ونحو ذلك. هذه الروابط التي يشيرون إليها بفخر هي ليست شيئا يدعو للفخر. هذه روابط بدائية تعود إلى عصر ما قبل الدولة. الترابط الذي أقصده في هذا المقال هو ليس الترابط المبني على صلة القرابة (صلة الرحم). ما أقصده هو الترابط الموجود في المجتمعات المتحضرة. الناس في المجتمعات المتحضرة يرتبطون ببعضهم بغض النظر عن صلة الرحم. ما يربطهم هو مجرد كونهم يعيشون في مجتمع واحد (قبل أي شيء آخر).

من المهم للسوريين أن يهتموا بترويج ثقافة التشارك والثقة والعمل الجماعي. يجب أن نتعلم كيف نقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد. هذا التفكير هو أساس الحضارة. لا يمكن للحضارة أن تقوم إذا كان كل شخص منا يتوجس من الآخرين ويعتبرهم تهديدا له.

إذا لاحظنا فردا يعمل بأنانية ولا يثق بالآخرين ولا يحترم المصلحة الجماعية فيجب علينا أن نقصي هذا الفرد عن مواقع المسؤولية، لأن هكذا نوعية من الناس هي ليست مؤهلة للعيش في مجتمع ناهيك عن أن تديره.

من يجب أن يتولوا القيادة والمسؤولية هم أشخاص متواضعون، يثقون بالناس ويحترمونهم، ويسعون لتحقيق مصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد.

الاهتمام بتنمية الحس الجماعي هو أهم من الاهتمام بنشر الديمقراطية، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تنشأ في مجتمع مفكك لا يثق أفراده ببعضهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s