عن خرافة “العلوية السياسية”

أنا بينت في الماضي أن ما يسمى بالعلوية السياسية هو مجرد خرافة، ولكنني سأعيد مجددا تبيان هذه المسألة.

عندما أقول “الدمشقية السياسية” فأنا أقصد تيارا وفكرا سياسيا وليس مجرد شخص. الدمشقية السياسية لا تنحصر في شخص شكري القوتلي. كثيرون كانوا يؤيدون نهج شكري القوتلي دون أن يكونوا مضطرين لذلك.

على سبيل المثال، شكري القوتلي لم يجبر مؤيديه على التمديد له في منصبه. هم بأنفسهم قرروا أن يخرقوا الدستور وأن يبقوا القوتلي في منصبه بعد انتهاء ولايته في عام 1948. هم لم يكونوا مضطرين لهذا الإجراء. كان بإمكانهم أن يطبقوا الدستور لو أرادوا ذلك.

محاربة الوحدة العربية لم تكن نهجا شخصيا لشكري القوتلي. أنا بينت في السابق أصول هذا النهج. النزعة الانفصالية في مدينة دمشق هي شيء قديم وسابق لشكري القوتلي. مدينة دمشق ثارت ضد العثمانيين وانفصلت بإرادتها عن السلطنة العثمانية.

ما ينطبق على الدمشقية السياسية ينطبق أيضا على “المارونية السياسية”. التيار المسمى بالمارونية السياسية لم يكن محصورا بشخص معين. هذا تيار قديم تعود جذوره إلى القرن 19.

في فلسطين هناك حكم استبدادي يهودي. هذا الحكم هو يهودي لأن كل اليهود هناك هم مشاركون فيه. لا يوجد شخص معين يجبر اليهود على هذا النهج.

في تركيا هناك استبداد تركي ضد الأكراد. هذا الاستبداد هو تركي لأن كل الأتراك هم مشاركون فيه. لا يوجد شخص معين يجبر الأتراك على هذا النهج.

بعد هذه الأمثلة نأتي إلى الخرافة الشعبية السورية التي تسمى بـ “العلوية السياسية”. ما هي العلوية السياسية؟ ما هي أفكارها وتوجهاتها؟ من هم رموزها؟ ما هو تاريخها؟ هل يستطيع أحد أن يجيب عن هذه الأسئلة؟

لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة، لأن “العلوية السياسية” ليس لها وجود. هذه مجرد خرافة شعبية تستخدم في التحريض ضد عائلة الأسد.

لو نظرنا إلى الأدبيات السياسية لعائلة الأسد ولشعارات هذه العائلة ونهجها المعلن فلن نجد أي شيء له علاقة بالعلويين. كل أدبيات وشعارات عائلة الأسد هي مأخوذة من الدمشقية السياسية. لا يوجد أي شيء نابع من العلويين أو تاريخهم أو تراثهم.

عندما كانت هناك حياة سياسية لدى العلويين (في زمن الانتداب الفرنسي) كانوا منقسمين إلى تيارين، تيار يتوجس من المسلمين السنة ويفضل أن يحتفط العلويون باستقلالهم، وتيار آخر يظهر التأييد للوحدة السورية والعربية. بعد الانتداب الفرنسي تعرض العلويون للقمع والتهميش من الدمشقية السياسية (الدمشقية السياسية كانت ترميهم بالكفر والعمالة لفرنسا وغير ذلك من التهم). في هذه الفترة كان هم العلويين هو وقف التمييز العنصري ضدهم وإنهاء الطائفية وتحقيق العلمانية. بما أنهم كانوا فقراء فكثير منهم اعتنقوا الفكر اليساري. هم انضموا بكثرة إلى الأحزاب العلمانية اليسارية (ومنها حزب البعث).

هذا هو تاريخ العلويين في سورية قبل عائلة الأسد. أنا لا أدري أين هو مكان “العلوية السياسية” في هذا التاريخ، ولا أدري أصلا ما هي شعارات ومبادئ العلوية السياسية حتى أحدد مكانها في التاريخ. لا يوجد في تاريخ العلويين تيار يدعو إلى الاستعباد والقتل والإبادة الجماعية والتهجير والتعذيب والسرقة والفساد والإفساد. كل هذه الأمور ظهرت فجأة عندما تولت عائلة الأسد السلطة. هذه الأمور هي ليست نابعة من تيار فكري أو سياسي موجود في تاريخ العلويين. هذه الأمور أصلا هي ليست تيارا سياسيا أو فكريا. عائلة الأسد تنكر كل هذه الأمور ولا تعترف بها. الأدبيات الرسمية لعائلة الأسد هي نفس أدبيات الدمشقية السياسية.

العلويون في سورية هم مجرد عبيد لدى عائلة الأسد. لا يوجد في مجتمع العلويين تيارات سياسية أو فكرية. الكل هم مجبرون على الدوران في فلك الأسد. من يظهر المعارضة للأسد يتم نبذه من مجتمع العلويين (يتهم بالخيانة والعمالة للإسلاميين والإرهابيين، ويفصل من وظيفته، ويتعرض لحملات تشهير وقدح وذم، وتعتقله مخابرات الأسد وتعذبه وتحبسه).

حكم عائلة الأسد لا يمنح العلويين أية حقوق أو مميزات قانونية (المميزات التي تمنحها عائلة الأسد للعلويين هي: الواسطات والمحسوبيات، وتمكينهم من الفساد والسرقة، وتوريطهم في الإجرام والتعذيب والتهجير والقتل والإبادة الجماعية، وتحميلهم مسؤولية ضياع الجولان). لا شيء من “مزايا” العلويين (إن صحت تسميتها بالمزايا) هو قانوني. هم أصلا لا يعترفون بأي شيء من هذه المزايا وينكرونها بالمجمل.

دولة عائلة الأسد هي دولة دمشقية تتمحور بالمطلق حول مدينة دمشق ومصالحها. العلويون في هذه الدولة هم مجرد طفيليات يعتاشون من حقوق غيرهم. هم لا يملكون أية مزايا شرعية. كل مزاياهم هي عبارة عن جرائم حتى في منظور عائلة الأسد نفسها.

إذا قيمنا العلويين وفق مبادئ عائلة الأسد فسيظهر لنا أنهم مجرمون، لأن عائلة الأسد لا تقر بأي شيء من المزايا الممنوحة لهم وتعتبرها إجراما.

ما هي هذه “العلوية السياسية” التي لا تمنح العلويين أية مزايا باستثناء توريطهم في أنواع شتى من الجرائم؟ هل هذا التيار (إن صحت تسميته بالتيار) يستحق أن يسمى بالعلوية السياسية؟ هذه التسمية هي مضللة جدا لأنها توحي للسامع بأن التيار المقصود يشبه المارونية السياسية أو الدمشقية السياسية، في حين أن وجه الشبه هو معدوم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s