الأميركان أرادوا وضع سورية تحت الوصاية الإيرانية كما وضعوا لبنان في الماضي تحت الوصاية السورية؟

في عام 1966 حصل في سورية انقلاب عسكري أوصل إلى السلطة “اليسار البعثي”.

حزب البعث حكم سورية منذ عام 1963، ولكن البعثيين كانوا منقسمين بين جناح “يميني” وجناح آخر “يساري”.

الجناح اليميني كان يضم أبناء المدن، في حين أن الجناح اليساري كان يضم أبناء الريف (في الثقافة الشعبية يقال أن الجناح اليميني كان يعبر عن “أهل السنة” والجناح اليساري يعبر عن “الأقليات”، ولكن هذا الوصف ليس صحيحا من الناحية العلمية).

الجناح اليساري كان يملك الغلبة في الجيش. لهذا السبب تمكن هذا الجناح من إقصاء الجناح اليميني (الجناح اليميني كان يضم مؤسسي حزب البعث وكبار مفكريه. بعض هؤلاء انتقلوا لاحقا إلى العراق).

الجناح اليساري كان مجموعة من الريفيين البسطاء الذين يفتقرون للوعي السياسي والمعرفة بكيفية إدارة الدول والمجتمعات. لهذا السبب هم أغرقوا سورية في فوضى شاملة. في السياسة الخارجية هم قاموا بالتصعيد ضد إسرائيل، فعاقبتهم أميركا بأن أوعزت لإسرائيل بالتدخل العسكري في سورية واحتلال الجولان. في عام 1970 هم حاولوا أيضا أن يتدخلوا في أحداث الأردن، وهذه القضية كانت السبب وراء انقلاب حافظ الأسد.

حافظ الأسد كان ينتمي إلى الجناح اليساري، ولكنه كان أكثر “عقلانية” من غيره. هذا الوصف لا يعني أن حافظ الأسد كان حكيما أو عبقريا. كل ما في الأمر هو أنه كان أقل جنونا من صلاح جديد ونور الدين الأتاسي. لهذا السبب الأميركان والإسرائيليون أعجبوا به ودعموه. عقلانية حافظ الأسد وصلت إلى ذروتها في عام 1974 عندما عقد مع أميركا اتفاقية فصل القوات في الجولان. هذه الاتفاقية نصت على انسحاب إسرائيل من مدينة القنيطرة في مقابل إقفال جبهة الجولان بشكل نهائي وعدم فتحها مجددا. عائلة الأسد ما زالت ملتزمة بهذه الاتفاقية حتى يومنا هذا، ما يدل على أنها لم تكن مجرد اتفاقية هدنة ولكنها في الواقع كانت معاهدة سلام استراتيجية بين أميركا وإسرائيل من جهة وعائلة الأسد من جهة ثانية. خلاصة المعاهدة هي أن حافظ الأسد أقفل جبهة الجولان بشكل نهائي ورضي بالاحتلال الإسرائيلي للجولان.

بعد توقيعه لهذه المعاهدة صار الأميركان والإسرائيليون معجبين جدا بحافظ الأسد. لهذا السبب لم يكن غريبا أنهم منحوه الضوء الأخضر للتدخل في لبنان في عام 1976. هو تدخل في لبنان بهدف كسر شوكة منظمة التحرير الفلسطينية وهزيمتها. هو تمكن من تحجيم منظمة التحرير الفلسطينية ولكنه لم يقض عليها بشكل نهائي. لهذا السبب إسرائيل اضطرت للتدخل بنفسها في عام 1982 لكي تكمل المهمة.

نحن الآن نعيش في ظروف مشابهة لتلك الظروف. خلال السنوات القليلة الماضية عقدت عائلة الأسد وإيران صفقات سخية مع إسرائيل. هم جردوا الكيان السوري من كل الأسلحة التي تهدد إسرائيل، ودمروا الجيش السوري السابق وحولوه إلى ميليشيات هدفها قتل الشعب السوري. إيران أقفلت ملفها النووي وأنهت التهديد النووي لإسرائيل. حزب الله وإيران غيروا خطابهم المعادي لإسرائيل وتبنوا خطابا جديدا يستهدف الشعب السوري في المقام الأول.

لا شك أن كل هذه التطورات ستثير إعجاب الأميركان والإسرائيليين. لهذا السبب ليس من الغريب أن أميركا تطرح صفقات سياسية ستؤدي في المحصلة لوضع سورية تحت الوصاية الإيرانية.

أميركا قبلت بوضع لبنان تحت وصاية حافظ الأسد بسبب عقلانيته مع إسرائيل. طالما أن إيران تثبت الآن عقلانيتها مع إسرائيل فليس من الغريب أن تقبل أميركا بوضع سورية تحت وصاية إيران.

خلال الفترة الأخيرة كانت إيران تسعى للسيطرة على شمال سورية وتصفية الفصائل المتمردة المدعومة من تركيا. أميركا بدت وكأنها موافقة على ذلك. هي في الحقيقة كانت تسعى لمنح الغطاء السياسي للاحتلال الإيراني عبر الحديث عن تشكيل حلف ضد الإرهاب يضم إيران وروسيا إلى جانب أميركا وحلفائها.

التصعيد التركي الأخير يهدف لإفشال هذا التوافق الأميركي-الإيراني-الروسي.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s