عن الفرق بين سياسيي حلب ودمشق

هناك فرق ثقافي بين الحلبيين والدمشقيين يتعلق بأسلوب التعامل مع الناس.

الحلبي (كما البدوي والتركي والروسي والصيني إلخ) يميل إلى الصراحة والصدق في تعامله مع الآخرين. هو لا يحب النفاق والخداع. الدمشقي يميل إلى النفاق والمجاملة. هو يظهر للناس مودة زائدة لا تعبر بالضرورة عن شعوره الحقيقي.

في مذكرات أحمد نهاد السياف هناك إشارة إلى هذا الفرق. هذا الرجل يروي في مذكراته قصة الزعيم العلوي سلمان المرشد وكيف خدعته الحكومة الدمشقية وتخلصت منه بعدما لفقت له بعض التهم. أحمد السياف كان ممتعضا جدا من دناءة الحكومة الدمشقية في تعاملها مع المرشد. هو عبر عن امتعاضه لسعد الله الجابري رئيس الحكومة الدمشقية، فكان رد الجابري عليه كما يلي (في الصفحة 171):

وما إن دخلت عليه [أي على الجابري] حتى افتر ثغره عن ابتسامة عريضة ماكرة قائلا «حلبي ولك حلبي مانك شامي. لقد سايرنا سلمان حتى تمكنا منه، فسايرنا أنت وسبه معنا مثل ما عم نسبه. لكنك بتبقى حلبي. رحت بدك تدافع عن الأخلاق والشرف بشكل أحرجت فيه موقفنا».

الجابري والسياف كلاهما ينتميان للخط السياسي الموالي لدمشق في مدينة حلب، ولكن الجابري هو أقدم سنا من السياف. الجابري هو في الحقيقة مؤسس خط الدمشقية السياسية في مدينة حلب، وذلك في عام 1922 عندما أسس «جمعية الكف الأحمر» التي هي أول تنظيم تبنى القومية الدمشقية في حلب. الجابري كان نظريا من أتباع هنانو، ولكن هنانو هو ليس من مدينة حلب ذاتها وإنما من الريف الغربي لحلب (من شمال محافظة إدلب حاليا). الجابري كان كثيرا ما يتمرد على هنانو وينتهج سياسات خاصة به (عندما كانت تنشأ خلافات بين هنانو وبين الدمشقيين فإن الجابري كان ينحاز إلى الدمشقيين ضد هنانو ومناصريه الحلبيين). بعد موت هنانو صار الجابري رمز الدمشقية السياسية في مدينة حلب.

في أربعينات القرن العشرين نشأ نزاع بين حلب ودمشق حول قضيتين هما الوحدة العربية والديمقراطية. الحلبيون أصروا على تحقيق الوحدة العربية وعلى إبقاء النظام الديمقراطي في سورية، في حين أن الدمشقيين سعوا للتهرب من الوحدة العربية وتثبيت التقسيمات الاستعمارية، وعملوا على تقويض الديمقراطية واستبدالها بنظام ديكتاتوري (هم رفضوا إخراج القوتلي من السلطة بعدما انتهت ولايته الدستورية وأصروا على إبقاءه في منصبه رغما عن أنف الدستور). سعد الله الجابري كان من الحلبيين القلائل الذين أيدوا الموقف الدمشقي من قضية الوحدة العربية (ولكنه لم يؤيد التمديد للقوتلي، ربما لأنه أراد أن يظهر للحلبيين أنه ليس تابعا بالمطلق للدمشقيين). الدمشقيون احتفوا بسعد الله الجابري وجعلوا منه رئيسا للحكومة. هم أوكلوا إليه مهمات «شريفة» من قبيل إقناع اللبنانيين المسلمين بالكف عن المطالبة بالوحدة العربية. هو ذهب إلى مدينة طرابلس في لبنان ووقف في صحن الجامع المنصوري وخطب مطالبا الطرابلسيين بالكف عن المطالبة بالوحدة العربية. هو قال للطرابلسيين «أنتم لن تزيدوا سوريا عروبة، فكونوا رسلا للعروبة في لبنان». معنى هذه الجملة (حسب فهمي لها) هو أن سوريا تحوي الكثير من العروبيين ولا ينقصها المزيد منهم. ليس من الغريب أن الطرابلسيين استهجنوا كلامه هذا. لو كنت مكانهم لكنت قذفته بالأحذية إلى خارج الجامع، ولكن الطرابلسيين لم يفعلوا هذا لأن الجابري ذهب إليهم بوصفه رئيس الوزراء السوري.

مهمة قتل سلمان المرشد هي مهمة «شريفة» أخرى أوكلت للجابري. الاقتباس المنقول في الأعلى يوضح موقف الجابري من هذه القضية. هو كان يعتبر الغدر والخيانة شطارة تميز الدمشقيين، في حين أن الأخلاق والشرف هي نقيصة في الحلبيين.

هذا الرجل كان يعي أنه عديم أخلاق، ولكنه كان يرى في ذلك شطارة يفتقدها قومه الحلبيون.

الشطارة التي يتحدث عنها الجابري هي السبب الذي أدى إلى انتصار القومية الدمشقية في سورية. هناك أمر مهم يجب أن يكون معلوما: أفكار الدمشقية السياسية لم تكن مقبولة لدى أي شعب في سورية. حتى الشعب الدمشقي لم يكن يقبل هذه الأفكار. ولكن الدمشقية السياسية كانت منذ بدايتها إلى نهايتها تتبع الخداع المنهجي للناس. الشعب الدمشقي لم يكن يفهم بالفعل ما هي الدمشقية السياسية. عامة الناس في دمشق كانوا يصدقون أن زعماءهم يريدون الوحدة العربية ويريدون تحرير فلسطين.

لا أعرف في التاريخ خطا سياسيا اعتمد على الكذب والخداع والنفاق بقدر الدمشقية السياسية. أصحاب هذا الخط كانوا في أربعينات وخمسينات القرن العشرين يظهرون التأييد للوحدة العربية، ولكنهم في الواقع عملوا كل شيء ممكن لقتل الوحدة العربية. هم أيضا كانوا يظهرون معاداة إسرائيل، ولكنهم في الواقع كانوا سبب وجود إسرائيل.

هذا هو أساس نظام عائلة الأسد. بعض السوريين المعاصرين ينتقدون نظام عائلة الأسد ليلا ونهارا، ولكن هل عائلة الأسد هي من أسس هذا النظام؟ عائلة الأسد لم تؤسس دولة جديدة في سورية. مؤسسات دولة عائلة الأسد كانت موجودة قبل العائلة. هذه العائلة استولت على المؤسسات ولكنها لم تصنعها.

من الانتقادات التي توجه لعائلة الأسد أنها تتبع النفاق المنهجي. مثلا بشار الأسد أباد الشعب السوري وهو يزعم أنه يحارب إسرائيل والإرهابيين. هذا الأسلوب في النفاق والدجل هو ليس من اختراع عائلة الأسد. العائلة ورثت هذا الأسلوب ممن سبقوها في السلطة.

الحكومات الدمشقية تمكنت من خداع الشعب السوري طوال 70 عاما، في حين أن سياسيي مدينة حلب كانوا في كثير من الأحيان يفشلون في قيادة شعبهم. عندما نقرأ التاريخ الحديث لمدينة حلب فإننا نجد ظاهرة غريبة: الشعب الحلبي في بعض المراحل كان ينحاز إلى زعماء دمشق ضد مصالح حلب وسورية. أحد أسباب هذه الظاهرة (على ما أظن) هو أن السياسيين في حلب لم يكونوا يعرفون كيف يخاطبون الناس. شكري القوتلي كان قادرا على إقناع الشعب الدمشقي بقصص غريبة تشبه الأفلام الهندية (على سبيل المثال، هو أقنع الشعب الدمشقي بأن الوحدة السورية-العراقية والوحدة السورية-الأردنية هي مؤامرات بريطانية). السياسيون الحلبيون لم يكونوا يملكون نفس قدرة الإقناع والدعاية التي يملكها القوتلي وأمثاله. هذا هو ما قصده الجابري عندما تحدث عن الفرق بين الحلبيين والدمشقيين.

ليس مطلوبا من السياسيين الحلبيين (أو غير الحلبيين) أن يمارسوا الخداع والكذب، ولكنهم يجب أن يحسنوا التواصل مع شعبهم. لا بد من توعية الشعب وإفهامه بمصالحه وبالمصالح السورية. هذا واجب الطبقة السياسية. الاستسلام للغوغاء والقبول بما يريدونه هو ليس نهجا صحيحا. السياسيون الحلبيون تاريخيا كانوا يميلون إلى مسايرة الغوغاء بدلا من توعيتهم.

مشكلة الغوغاء في حلب كانت دائما مشكلة كبيرة. هذه المشكلة ستظهر مجددا في المستقبل القريب. قبل اندلاع الثورة السورية كانت نسبة الأمية في حلب 50% حسب الأرقام الرسمية. خلال سنوات الثورة حصل انهيار عام في كل شيء في حلب، بالتالي المتوقع هو أن نسبة الأمية ازدادت. أظن أن الشعب الحلبي حاليا هو بنفس الحال التي كان عليها في زمن الدولة العثمانية. نسبة الأمية هي عالية جدا وتمثل ربما غالبية السكان. الشعب بشكل عام يفتقر للوعي السياسي. المواطن الحلبي في الغالب لا يقيم الأمور على أساس عقلاني وإنما على أساس العواطف. هذه مشكلة وخيمة. إذا كان الشخص الذي أمامك يستخدم عواطفه بدلا من عقله فكيف لك أن تتواصل معه وتوعيه؟ النقاش معه لن يكون مجديا وسيؤدي فقط إلى الشجار.

لا بد من تطوير ثقافة الشعب. المواطن يجب أن يتعلم أن يستخدم عقله بدلا من عواطفه. السلوك العاطفي هو سلوك الحيوانات وليس البشر. أهم فرق بين الإنسان والحيوان هو العقل. إذا ترك الإنسان عقله وانقاد وراء عواطفه فهذا يعني أنه يترك الشيء الذي يميزه عن الحيوانات.

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s