حل القضية الفلسطينية هو ليس في فلسطين وإنما في أميركا

حل القضية الفلسطينية هو ممكن بطريقتين لا ثالث لهما:

1. زيادة الضغط على إسرائيل وتهديد وجودها إلى حد يجبر الأميركان على إعادة النظر في موقفهم منها.

2 . إقناع الأميركيين بتغيير موقفهم من إسرائيل.

الخيار الأول كان ممكنا في الماضي:

لو تحقق مشروع الوحدة العربية الذي كان مطروحا في أربعينات القرن العشرين لما كانت إسرائيل وجدت من الأساس. آنذاك كان المجتمع الدولي سيضطر مرغما لإيجاد حل للقضية الفلسطينية، لأن دولة إسرائيل ما كانت لتعيش دون موافقة العرب. السبب الذي سمح بقيام إسرائيل هو أن الدمشقية السياسية أجهضت الوحدة العربية وحافظت على كيانات سايكس-بيكو (المفارقة هي أن البريطانيين الذين رسموا حدود سايكس-بيكو تراجعوا عنها في أربعينات القرن العشرين ودعموا الوحدة العربية، ولكن الدمشقية السياسية رفضت الوحدة العربية واعتبرتها مؤامرة بين بريطانيا وحلب والعراق تستهدف المكانة العظيمة لمدينة دمشق).

حتى بعد قيام إسرائيل كان من الممكن الضغط عليها إلى درجة تجبر المجتمع الدولي على إيجاد حل للقضية الفلسطينية. هذا كان يمكن أن يحدث لو تحققت الوحدة العربية، وخاصة الوحدة السورية-العراقية.

في السنوات العشر الماضية برزت قضية الملف النووي الإيراني. هذه القضية ولدت ضغطا غير مسبوق على إسرائيل. المفارقة هي أن العرب لم يستفيدوا من الضغط الإيراني على إسرائيل لكي ينتزعوا تنازلات من أميركا في القضية الفلسطينية. على العكس من ذلك، العرب تحالفوا مع إسرائيل ضد إيران. طبعا الضحية الكبرى لهذا النهج كانت القضية الفلسطينية، وهذا هو ما نراه الآن. القضية الفلسطينية هي الآن في أتعس حالاتها منذ بداية هذه القضية.

في الوقت الحالي لم يعد من المجدي التفكير في الضغط على إسرائيل. هذه مجرد فكرة فانتازية أو خيالية. حسن نصر الله وإيران هم الآن غارقون في حرب مع الشعب السوري. هذه الحرب ستشغلهم لزمن طويل عن استهداف إسرائيل أو التفكير باستهدافها، وأنا لا أظن أنهم سيفكرون في استهداف إسرائيل بعد أن يخرجوا من هذه الحرب.

العرب لم يكونوا يوما جادين في “تحرير فلسطين”. طبعا عندما نتحدث عن العرب فيجب أن نميز بين الدول العربية القريبة من فلسطين والدول العربية البعيدة. تحرير فلسطين هو بالأساس وظيفة الدول القريبة من فلسطين، وخاصة الدول المسماة “دول الطوق”. دول الطوق كانت دائما تنظر إلى الدول العربية المجاورة لها كتهديد أكبر من إسرائيل. مثلا الكيان السوري كان طوال تاريخه يعتبر العراق عدوا أخطر من إسرائيل. الكيان السوري كان دائما على عداء مع العراق، حتى عندما كان حزب البعث يحكم كلا البلدين (في أربعينات القرن العشرين كان الكيان السوري يصور العراق على أنه دمية في يد بريطانيا وأنه يتآمر ضد سورية لمصلحة إسرائيل، ولكن الحقيقة كانت عكس ذلك. في خمسينات القرن العشرين سياسة العداء للعراق تصاعدت بحجة دخول العراق في حلف بغداد. الوحدة السورية-المصرية في عام 1958 لم تحصل بسبب قناعة النظام السوري بها. الدمشقية السياسية اضطرت مرغمة للقبول بهذه الوحدة بوصفها أهون الشرين، لأن البديل هو الوحدة مع العراق. الوحدة مع العراق لا يمكن الخروج منها، وأما الوحدة مع مصر فيمكن الخروج منها، وهذا هو ما حصل في عام 1961. قصة الوحدة مع مصر كانت في مجملها مجرد ألعوبة سياسية أرادت الدمشقية السياسية من خلالها أن تدمر مشروع الوحدة العربية. هي لا تختلف في جوهرها عن مشروع “جامعة الدول العربية” في عام 1944. هذه كلها كانت مجرد ألاعيب للتهرب من الوحدة العربية).

دولة “الأردن” كانت دائما تنظر إلى الكيان السوري كتهديد أخطر إسرائيل. أظن أن بداية هذه النظرة العدائية كانت بعد سقوط أديب الشيشكلي في عام 1954. سقوط أديب الشيشكلي أدى إلى نشوء الوحدة السورية-المصرية في عام 1958. النظام الأردني (كالدمشقية السياسية) يعتبر الوحدة العربية تهديدا ومؤامرة. لهذا السبب هو اعتبر الوحدة السورية-المصرية تهديدا له. في عام 1958 أتت إلى الأردن قوات بريطانية وأميركية لحمايته من خطر الوحدة العربية. عداوة الأردن للكيان السوري ازدادت بعد أحداث العام 1970. في ذلك العام حاول حكام الكيان السوري البعثيون أن يغزوا الأردن عسكريا بحجة دعم منظمة التحرير الفلسطينية ضد ملك الأردن. بعدما دخلت القوات السورية إلى الأردن تدخل سلاح الجو الإسرائيلي وقصفها في شمال الأردن. بعد هذه الحادثة أصدر وزير الدفاع حافظ الأسد أمرا بالانسحاب الكيفي من الأردن. زملاء حافظ الأسد في السلطة اتهموه بالخيانة لأنه انسحب من الأردن. هم رأوا أنه لم يكن جادا في تنفيذ قرار غزو الأردن (مثلما أنه لم يكن جادا في الدفاع عن الجولان في عام 1967). حزب البعث السوري عقد مؤتمرا في عام 1970 وعزل حافظ الأسد عن وزارة الدفاع بسبب خياناته المتكررة، فكان رد حافظ الأسد هو تنفيذ انقلاب عسكري وتنصيب نفسه ديكتاتورا.

حادثة الانسحاب من الأردن في عام 1970 تشبه حادثة الانسحاب من الجولان في عام 1967. في كلتا الحالتين حافظ الأسد هو الذي أصدر أمر الانسحاب، وفي كلتا الحالتين لم يحدث قتال جدي وإنما مجرد مسرحية. في كلتا الحالتين كان هناك سخط كبير على حافظ الأسد في حزب البعث. الأميركان والإسرائيليون كانوا يرصدون هذه الخلافات بين حافظ الأسد وبين خصومه البعثيين. هم طبعا أعجبوا بحافظ الأسد وعدم حماسته للحروب مع إسرائيل. هذا هو أساس السمعة التي نالها حافظ الأسد في أميركا وإسرائيل بوصفه رجلا عقلانيا.

خلاصة كل ما سبق هي أن فكرة الضغط على إسرائيل لإجبار أميركا على التنازل هي فكرة عبثية ولا أفق منظور لها. الفلسطينيون الآن لم يعودوا يملكون خيارا سوى محاولة إقناع أميركا بتغيير سياستها اتجاههم. الفلسطينيون يجب أن يحاولوا أن يستثيروا عاطفة الشعب الأميركي. هم عمليا لم يعودوا يملكون شيئا يراهنون عليه سوى رأفة ورحمة الشعب الأميركي.

المشكلة هي أن الفلسطينيين لا يستطيعون أن يتحدثوا بشكل مباشر إلى الشعب الأميركي. المفترض بالدول العربية الثرية أن تقوم هي بمحادثة الشعب الأميركي عبر تمويل إعلانات وبرامج دعائية في أميركا. الهدف من هذه الأمور لا يجب أن يكون التحريض ضد الإسرائيليين وإنما محاولة استثارة تعاطف الشعب الأميركي مع الفلسطينيين. يجب أن يقتنع الشعب الأميركي بأن سياسة أميركا تجاه القضية الفلسطينية هي سياسة غير أخلاقية. أميركا تشل مجلس الأمن وتمنعه من اتخاذ أي إجراء للضغط على إسرائيل، وهذا يجعل حل القضية الفلسطينية مستحيلا. سياسة أميركا تجاه القضية الفلسطينية هي نفس سياسة روسيا تجاه بشار الأسد. أميركا تعرقل حل القضية الفلسطينية مثلما أن روسيا تعرقل حل القضية السورية. المبادرات التي تطرحها أميركا لحل القضية الفلسطينية هي مثل المبادرات التي تطرحها روسيا لحل القضية السورية. هي ليست مبادرات جدية وإنما مجرد كلام فارغ.

إذا أراد الفلسطينيون كسب تعاطف الأميركيين معهم فهم يجب أن يقلعوا عن العنف. العنف لا يجعل أحدا يتعاطف معك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s