تاريخ اللغات التركية (3)

الرَّأْرَأَةُ في اللغة التركية البدائية

ظاهرة الرَّأْرَأَة rhotacism هي ليست محصورة في اللغات التركية الغُرّية Oghur Turkic ولكنها موجودة أيضا في اللغات التركية العامة Common Turkic.

Talat Tekin لفت الانتباه إلى الكلمات التالية في اللغة التركية القديمة (نقلا عن András Róna-Tas):

sämri– “become fat” سُمنة sämiz “fat” دُهن
kökräk “chest” صدر köküz “chest” صدر
tirsgäk “elbow” مرفق tiz “knee” ركبة
ḳomursg̣a “ant” نملة ḳoŋuz “beetle, insect” خنفسة، حشرة

ما يلي أمثلة إضافية وردت في كتاب Marcel Erdal المسمى A Grammar of Old Turkic (2004):

sarïḡ̣ “yellow” أصفر sa̱z “pale” شاحب
yultrï– “gleam, glimmer” إشعاع yultuz “star” نجم
rö– “‘come into existence” وجود z “root, origin” جذر، أصل
yaḇrï– “be or become weak” ضعف yaḇïz “bad” سيء
äsirkä– “regret the loss” حزن على الخسارة äsiz “woe, alas” أسى
rt– “notch” ثلم z “notch” ثلم
ḳïrḳïn “maidservant” جارية ḳïz “girl” فتاة
r– “see” رؤية z “eye” عين
kösürkän “mole” خُلد közsüz “eyeless” أعور
borsmoḳ “badger” حيوان الغُرَيْر boz “grey” رمادي
ḳutur– “rave” هيجان، هذيان ḳutuz “raving dog etc.” كلب هائج
tägrä “surrounding” محيط tägzin– “revolve” دوران

كل زوج من الأزواج أعلاه له نفس الجذر، ولكن الجذر يظهر مرة مع الرَّأْرَأَة ومرة دونها. بعض الباحثين يعتقدون أن الرَّأْرَأَة في هذه الأزواج هي محكومة بقاعدة صوتية معينة. Talat Tekin رأى أن الرَّأْرَأَة تحدث عندما يأتي صوت الزين مباشرة قبل أو بعد صوت صحة آخر. ما يلي كتابة لهذه القاعدة:

zC > rC

Cz > Cr

الرمزC هو اختصار لـكلمة consonant (“صوت صحة”). الكتابة A > B تعني أن A أنتجت B، والكتابة A < B تعني العكس.

القاعدة المذكورة أعلاه لا تفسر الرَّأْرَأَة في الكلمات التالية: sarïḡ̣، törö–، kör–، ḳutur–.

Marcel Erdal اقترح قاعدة أخرى: في رأيه أن صوت الراء هو الأصل، وهذا الصوت تحول إلى زين عندما أتى في نهاية الكلمة دون أن يعقبه صوت آخر. ما يلي كتابة لهذه القاعدة:

r# > z#

الرمز # يعني نهاية (أو بداية) الكلمة.

Erdal نفسه لاحظ أن قاعدته لا تنطبق على الكلمات التالية: kör–, ḳutur–, tägzin–. هو حاول أن يفسر الاستثناء في كلمتي kör– و ḳutur– باللجوء إلى نظرية طرحها Lars Johanson (المفارقة هي أن Erdal هاجم هذه النظرية في كتابه واعتبرها بلا أساس، ولكنه رغم ذلك استخدمها لكي يدعم فكرته حول الرأرأة). حسب نظرية Johanson التي لجأ إليها Erdal فإن كلمتي kör– و ḳutur– ربما كانتا في الأصل تنتهيان بصوت علة. مثلا كلمة kör– ربما كانت في الأصل هكذا *körü–. الدليل على ذلك هو أن التصريف “غير المحدد” aorist لهذه الكلمة هو بهذا الشكل körür (سوف أتحدث لاحقا عن هذه الفكرة بتوضيح أكبر).

أنا نظرت في قاموس اللغات الألطائية لـ Sergei Starostin وتمكنت من إيجاد استثناءات أخرى للقاعدة التي ذكرها Erdal. على سبيل المثال، هناك كلمة yüzük (تعني “بِنْصِر” finger ring؛ قارن مع الكلمة الچُّوڤاشية šʸä̮rä̮ التي تحمل نفس المعنى، ومع الكلمة المَجَرية <gyűrű> ɟü̱rü̱ التي تعني “خاتم” ring)، و *ḳazḡ̣an– > ḳazan– (“كسب الرزق بالعمل” earn wages by labour؛ قارن مع الكلمة الچُّوڤاشية ḳ̄a̮rḡ̣a̮n التي تعني “مُكدِّس المال” скупец, скряга)، و ḳazï (“شحوم الجسم” inner fat؛ قارن مع الكلمة الچُّوڤاشية yur-var التي تعني “طعام دهني” скоромная пища، ومع الكلمة المنغولية ḳarbin التي تعني “شحوم الجسم” inner fat)، و *sazḡ̣an > sazan (“سمك الشَبُّوط” carp أو “أفعى” snake أو “تنين” dragon؛ قارن مع الكلمة المَجَرية <sárkány> sa̱rka̱ɲ التي تعني “تنين” dragon)، و ḳazḡ̣uḳ > ḳazïḳ (“خازوق” pole, pale؛ قارن مع الكلمة المَجَرية <karó> karo̱ التي تحمل نفس المعنى)، و käzik (“حمى” أو “مرض معدٍ” fever, contagious disease؛ قاموس Starostin ربط هذه الكلمة مع الجذع الطُّنْغوسي go̱ri– الذي يعني “سلخ الجلد” exuviate أو “طير فاقد لريشه” a bird that has lost feathers)، و säzik (“شعور” feeling؛ قاموس Starostin ربط هذه الكلمة مع الفعل المنغولي säri- الذي يعني “استيقاظ” أو “ملاحظة” wake; notice)، و käzik (“دور” أو “ترتيب” turn, order؛ قاموس Starostin ربط هذه الكلمة مع الفعل المنغولي gari– الذي يعني “خروج” go out والفعل الطُّنْغوسي gari– الذي يعني “مشي” walk)، و yazï (“مسطح” flat أو “سهل” steppe؛ قاموس Starostin ربط هذه الكلمة مع الفعل المنغولي daru– الذي يعني “كبس” press down)، و üzüm (“عنب” grape؛ قاموس Starostin ربط هذه الكلمة مع الكلمة المنغولية nüre التي تعني نوعا من التوت bilberry، والكلمة الطُّنْغوسية nure التي تعني “نبيذ” wine)، و täzäk (“روث” dung؛ قاموس Starostin ربط هذه الكلمة مع كلمة أَوَنْكِية Evenki هي tä̱rgä̱n التي تعني “بركة” أو “مستنقع” pool, swamp).

أنا أظن أن القواعد التي وضعها Tekin و Erdal لتفسير رأرأة الزين (أو تزيين الراء حسب زعم Erdal) هي قواعد اعتباطية وغير صحيحة. ما يبدو لي هو أن ظاهرة الرأرأة في اللغة التركية البدائية Proto-Turkic كانت ظاهرة مكتملة، بمعنى أن اللغة التركية البدائية (في رأيي) لم تكون تحوي صوت الزين *z على الإطلاق. أنا أظن أن رأرأة الزين حصلت في اللغة ما قبل التركية البدائية Pre-Proto-Turkic وأزالت هذا الصوت كليا من تلك اللغة *z > *r (هناك استثناء محتمل هو صوت الزين في بداية الكلمات *z–. من الممكن أن هذا الصوت ترأرأ في اللغة التركية البدائية Proto-Turkic).

لماذا إذن نرى صوت الزين z في بعض الكلمات التركية العامة؟ من المحتمل في رأيي أن هذا الصوت نشأ بشكل ثانوي secondary (غير أصلي) من جهر السين *s > z.

ما يلي منقول من كتاب Marcel Erdal:

Old Turkic had no limitation at all on phonemes which could appear at the end of syllables and words (as against Mandarin Chinese, e.g., which allows only vowels, n, r and ŋ). Nor is there any indication that consonants were devoiced in coda position, the only exception being -mAs, the Qarakhanid variant of -mAz. We also have yanmas yer ‘the place of no return’ in M III nr.16 v 3. -mAs may therefore have been a dialect variant of the negative aorist suffix.

Marcel Erdal (2004), “A Grammar of Old Turkic,” p.99

هو يقول أن اللغة القاراخانية Qara-Khanid (التي هي فرع من التركية القديمة Old Turkic) تحوي لاحقة بهذا الشكل –mᴀs بدلا من الشكل المعتاد –mᴀz. هو ينفي أن تكون –mᴀs مقلوبة من –mᴀz ولكنه يرى أنها تنتمي للهجة مختلفة. في رأيي أن –mᴀs هي الشكل الأقدم، و –mᴀz هي شكل أحدث نشأ من جهر الصوت الأخير –s > –z. لهذا السبب –mᴀs > –mᴀz لم تتحول في اللغة ما قبل التركية البدائية إلى **–mᴀr عبر الرأرأة.

András Róna-Tas (وغيره) يرى أن الصوت –z في الضمير biz (يعني “نحن” we) هو في الأصل لاحقة جمع، بدليل أنه غير موجود في الشكل المفرد *bi (يعني “أنا” I). هذا التحليل هو على ما أظن صحيح. لو نظرنا إلى اللغة المنغولية البدائية Proto-Mongolic فسنجد لاحقة جمع مطابقة تقريبا هي *–s. حسب Juha Janhunen (2003) فإن اللغة المنغولية البدائية كانت تحوي ثلاث لواحق لجمع الأسماء هي *–s و *–(u)d و *–n. اللاحقة *–s كانت تضاف إلى المقاطع المفتوحة (المنتهية بصوت علة). مثلا كلمة *ärä تعني “رجل” man، وجمعها هو *äräs. من الوارد في رأيي أن اللاحقة التركية –(ɪ)z كانت في الأصل غير مجهورة على غرار اللاحقة المنغولية، ولهذا السبب لم تتعرض للرأرأة.

أنا أظن أن كل أصوات الزين z في الكلمات التركية العامة هي ربما مقلوبة من أصوات سين *s. جهر السين في اللغات التركية العامة كان ظاهرة متأخرة نسبيا، وهذا ربما هو السبب الذي أعاق رأرأة السين المجهورة. بالنسبة لصوت الشين فهو لم يُجهر أبدا في معظم اللغات التركية العامة وما زال إلى الآن بشكله الأصلي غير المجهور š في كل المواضع. من المحتمل في رأيي أن لملمة الشين في اللغات الغُرّية سبقها جهر هذا الصوت *š > *ž > l.

صوت الشين في اللغات التركية والآلطائية هو ليس صوتا أصليا ولكنه ناتج من تغوير palatalization السين *–si > *–š. أيضا صوت الزين *z هو ليس صوتا آلطائيا أصليا: صوت الزين هو غير موجود في اللغة المنغولية البدائية Proto-Mongolic (حسب Juha Janhunen (2003)) وغير موجود في اللغة الطُّنْغوسية البدائية Proto-Tungusic (حسب Johannes Benzing (1955))، وغير موجود في اللغة الكورية البدائية Proto-Korean أو اليابانية البدائية Proto-Japonic (حسب Martine Robbeets (2008))، وغير موجود في اللغة الأورالية البدائية Proto-Uralic، وغير موجود في اللغة اليَنِسية البدائية Proto-Yeniseian، وغير موجود في اللغات السِّيبيرية القديمة Paleo-Siberian. حسب Baxter & Sagart (2014) فإنه لم يكن موجودا في اللغة الصينية القديمة Old Chinese. كل اللغات التي ذكرت تحوي فقط صوت السين *s.

أنا أظن أن صوت الزين *z في اللغة ما قبل التركية البدائية Pre-Proto-Turkic نشأ من جهر السين *s > *z في مواقع معينة، وبعد ذلك ترأرأ صوت الزين واختفى من تلك اللغة، ربما لأن الظروف التي أنتجته هي نفس الظروف التي رَأْرَأَتْهُ. من المحتمل أيضا أن الشين جهرت قبل لملمتها في تلك اللغة.

في اللغة التركية البدائية Proto-Turkic يبدو أن نفس الظاهرة تكررت مجددا. من الممكن أن انقساما لهجيا حصل في هذه اللغة بين الأتراك الغُرّيين والأتراك العامين: الأتراك الغُرّيون جهروا باكرا صوتي السين والشين في بعض المواقع، وهذا جعل صوتي السين والشين المجهورين عرضة للاستقراب approximantization الذي حصل في اللغة التركية البدائية وأتى على الأصوات السادّة المجهورة voiced obstruents.

الباحثون تقليديا يحصرون “التنفيس” في الأصوات الوقفية المجهورة *g, *d, *b، ولكن الظاهر هو أن التنفيس لم يقتصر فقط على هذه الأصوات. في رأيي أننا يجب أن نوسع تعريف ظاهرة التنفيس لكي تشمل أيضا الصوتين *s > *z و *š > *ž والصوت المستَحَكّ المجهور *ᵈz. التنفيس في اللغة التركية البدائية أصاب جميع الأصوات السادّة المجهورة voiced obstruents. الأصوات الصائتة sonorants تعرضت أيضا للتنفيس بشكل كامل في بداية الكلمات، ولكنها لم تتنفس في بواطن الكلمات وأواخرها (تنفيس الأصوات الصائتة في بواطن الكلمات وأواخرها حصل على نحو متفرق ومحدود وليس كظاهرة منتظمة).

Róna-Tas قال أن الأساس الذي أدى إلى انقسام اللغة التركية البدائية إلى فرعين غُرّي وعامي هو:

[…] in special phonetic environments, the oppositions r vs. z and l vs. š were neutralised and new sounds appeared. Later on, the change was generalised areally to the effect that certain words were pronounced with z and š in one area and with r and l in another area. e.g.*buzagu vs.*buragu ‘calf’,*tāš vs.*tāl ‘stone’. Following the split into different Turkic branches, one bunch of isoglosses was generalised in one branch and another bunch in the other.

András Róna-Tas in “The Turkic Languages” (1998), p. 69

حسب كلام Róna-Tas فإن سبب الانقسام الغُرّي-العامي هو زوال التمايز *r vs. *zو *l vs. *š في بيئات صوتية خاصة special phonetic enviroments، ومن ثم تعميم هذه الظاهرة وتثبيت نتائجها على نحو مختلف في كل من الفرعين. الباحثون حاولوا عبثا أن يحددوا ما هي “البيئات الصوتية الخاصة” التي يتحدث عنها Róna-Tas، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل. أنا أظن أن كل هذه النظرية من أساسها هي مغلوطة.

حسب Juha Janhunen فإن اللغة المنغولية البدائية Proto-Mongolic كانت تمنع الأصوات الوقفية القوية fortis stops (تعادل الأصوات غير المجهورة voiceless) من التواجد في نهاية المقاطع syllables. هذه القاعدة هي على الأغلب ليست قاعدة آلطائية قديمة ولكنها تطور ثانوي حصل بسبب تضعيف (جهر) الأصوات الوقفية القوية (غير المجهورة) في نهاية المقاطع. من الممكن أن تطورا مشابها حصل في اللغات التركية الغُرّية وأدى إلى جهر الأصوات الاحتكاكية (السين *s والشين ) في نهاية المقاطع، وهذا جعلها عرضة للرأرأة واللملمة عندما حان وقت تنفيس أو استقراب الأصوات السادّة المجهورة voiced obstruents.

المعلومات التي نعرفها عن لغة البُلْغار Bulḡ̣ar (أتراك غُرّيون سكنوا سهل البحر الأسود–قزوين Pontic-Caspian Steppe من القرن الميلادي الخامس إلى القرن الميلادي السابع، وبعد ذلك تفرقوا وانتشروا) هي شحيحة، ولكن رغم ذلك فإن بعض الكلمات التركية البلغارية التي نعرفها ربما تدعم النظرية التي أطرحها. في المخطوطة البلغارية الدانوبية Danubian Bulghar المسماة “مسميات خانات البلغار” Nominalia of the Bulgarian khans (مكتوبة باللغة “السلاڤۆنية الكنسية القديمة” Old Church Slavonic) وردت كلمة تركية بلغارية هيдохсъ doxs . كل المفسرين يظنون أن هذه الكلمة تعني “خنزير” pig, boar. الكلمة المناظرة في اللغة التركية القديمة هي toŋuz (“خنزير” pig، باللغة الأناضولية المعاصرة domuz). الكلمة التركية القديمة تنتهي باللاحقة –uz، وهذا يوحي بأن الصوت –s في نهاية الكلمة البلغارية ربما له نفس الأصل، ولكنه غير مجهور. هذا ربما يكون السبب الذي منع رأرأته. الرأرأة تظهر في نفس المخطوطة في كلمة шегоръ šegor التي يعتقد المفسرون أنها تعني “ثور” ox. اللاحقة –or في هذه الكلمة تناظر اللاحقة –üz التي تظهر في الكلمة التركية العامة höküz (“ثور” ox، باللغة الأناضولية المعاصرة öküz). الرأرأة تظهر أيضا في كلمة твиремь tvirem التي يعتقد مفسرون أنها تعني “التاسع” ninth. المقطع –ir– في هذه الكلمة هو ربما لاحقة *–iz مناظرة للاحقة –uz التي تظهر في الكلمة التركية القديمة toḳuz (تعني “تسعة” nine؛ باللغة الأناضولية المعاصرة doḳuz).

في نفس المخطوطة وردت كلمة дван(ш) dvan(š) التي يعتقد المفسرون أنها تعني “أرنب” rabbit. الكلمة المناظرة في اللغة التركية القديمة هي taḇïšḡ̣an (“أرنب” rabbit، باللغة الأناضولية المعاصرة taḇšan). الكلمة التركية القديمة تحوي اللاحقة –ïš، وهذا ربما يكون أصل الصوت –š في نهاية الكلمة البلغارية. عدم جهر هذا الصوت ربما يكون السبب الذي منع لملمته.

أنا لا أزعم أن الكلام المذكور أعلاه هو نظرية مثبتة، ولكنه مجرد فكرة مدعومة ببعض المؤشرات.

سقوط أصوات العلة من نهاية الكلمات

ما لفت نظر Marcel Erdal هو كثرة وجود الصوت *–z في نهاية الكلمات التركية العامة ولكن ليس في أواسطها.

من المحتمل أن السبب الأقدم الذي تسبب في جهر الصوتين *s و ومن ثم رأرأتِهما ولملمتِهما (في اللغة ما قبل التركية البدائية) هو وقوعهما بين أصوات علة أو ما يسمى بالموقع بين الڤۆكالي intervocalic position. الكلمات التركية العامة تنتهي في الغالب بأصوات صحيحة consonants وليس بأصوات عليلة vowels، على النقيض من الكلمات المنغولية والطُّنْغوسية المناظرة. غياب أصوات علة تالية للصوتين *s و في أواخر كلمات اللغة ما قبل التركية البدائية ربما يكون السبب الذي أعاق رأرأة ولملمة هذين الصوتين في تلك اللغة.

على سبيل المثال، الكلمة المنغولية ikirä تعني “توأم” twin. النظير التركي العام لهذه الكلمة هو ikiz. هذه الكلمة هي مشتقة من كلمة iki التي تعني “اثنان” two بإضافة اللاحقة Nicholas Poppe .*–s > –z ربط بين لاحقة الجمع المنغولية –s وبين اللاحقة الطُّنْغوسية –sa التي تفيد معنى اسم الجمع collective noun. من الممكن أن الشكل الأصلي لكلمة ikirä كان *ikisä، حيث *–sᴀ هي شكل قديم (أو شكل خاص؟) من لاحقة الجمع –s. وقوع السين في كلمة *ikisä بين صوتي علة ربما يكون أدى إلى جهرها *ikizä، وهذا ربما يكون سبب رأرأتها في اللغة المنغولية (نفس التفسير يصلح أيضا للكلمة اللاتينية *flōsēs > *flōzēs > flōrēs).

Nicholas Poppe و András Róna-Tas و Lars Johanson (وغيرهم) يرون أن سقوط أصوات العلة من نهاية الكلمات التركية كان ظاهرة منتظمة، ولكنهم يختلفون في شرح هذه الظاهرة. Róna-Tas يرى أن بعض أصوات العلة في نهاية الكلمات تعرضت للاختزال reduction، بمعنى أنها صارت تلفظ بصوت أقصر أو أضعف من صوتها الأصلي، ولاحقا هذه الأصوات سقطت من النطق. ما يلي كتابة لهذه القاعدة:

CV# > CV̌# > C#

الرمز يعني reduced vowel (“صوت علة مختزل”).

حسب كلام Róna-Tas فإن أصوات العلة التي تعرضت للاختزال والزوال من نهاية الكلمات هي تحديدا أصوات العلة العالية أو المغلقة /ᴜ/, /ɪ/ (ولكن أمثلته تدل على أن الصوت /ᴀ/ أيضا سقط من نهاية بعض الكلمات).

Johanson يذكر قاعدة مختلفة: هو يقول أن أصوات العلة القصيرة V# سقطت من نهاية الكلمات، وأصوات العلة الطويلة V̄# لم تسقط (كما في كلمة *täkä̱ > täkä التي تعني “عنزة” goat، وكلمة *ḳara̱ > ḳara التي تعني “أسود” black). حسب كلام Johanson فإن النصوص التركية القديمة تدل على أن أصوات العلة القصيرة سقطت أولا بعد الأصوات السائلة r, l وصوت النون اللِّثَوية n، ولاحقا سقطت بشكل كامل.

Marcel Erdal ينكر كل هذا الكلام ويقول أن نظرية سقوط أصوات العلة من نهاية الكلمات هي ليست مسنودة بأدلة كافية.

ما يلي بعض المقارنات التي تستخدم لإثبات نظرية سقوط أصوات العلة من نهاية الكلمات التركية:

Turkic Mongolic
är “man” رجل ärä “man” رجل
kök “blue, heaven” أزرق، سماء kökä “blue” أزرق
and “oath” عهد anda “sworn brother” أخ محلّف
saḡ̣– “milk” حَلْب saha– < *saḡ̣a– “milk” حَلْب
kärt– “notch” ثلم kärᵗši– < *kärti– “notch” ثلم

في النصوص التركية القديمة ورد اسم واحد بشكلين مختلفين هما köli و köl. حسب Johanson و Róna-Tas فإن الشكل köli هو الأقدم، والتباين في كتابة هذا الاسم هو دليل على سقوط صوت العلة من نهايته. Erdal لديه تفسير آخر: هو يقول أن صوت اللام l في اللغة التركية القديمة كان قادرا على “ابتلاع” أصوات العلة المجاورة له swallow up the vowels. هذه الظاهرة حسب Erdal لم تكن مقتصرة على أصوات العلة في نهاية الكلمات ولكنها حصلت مثلا في كلمة tälgäk التي كتبت أيضا بهذه الصورة tlgäk (هو يزعم أن صوت اللام في الكلمة الثانية كان مقطعيا syllabic، أي أن الكلمة كانت تلفظ هكذا tl̩gäk).

أحد أدلة Johanson على سقوط أصوات العلة من نهاية الكلمات التركية هو التباين في شكل اللاحقة التي تستخدم لتكوين التصريف الفعلي “غير المحدود” aorist.

التصريف الفعلي التركي الذي يسميه المستشرقون aorist هو في الحقيقة مجرد تصريف مضارع. في اللغة التركية الأناضولية المعاصرة هناك طريقتان لتكوين الفعل المضارع، الطريقة الأول هي بإضافة اللاحقة –ɪyor (مثلا الجذر al– يعني “الأخذ” take، وعند إضافة اللاحقة –ɪyor إليه يصبح فعلا مضارعا alïyor = “يأخذ” أو “تأخذ” takes/is taking)، والطريقة الثانية هي بإضافة اللاحقة –(ᴀ)r/–(ɪ)r (مثلا بإضافة هذه اللاحقة إلى الجذر al– تكون النتيجة alïr = “يأخذ” أو “تأخذ” takes/is taking). المستشرقون يسمون الطريقة الأولى “التصريف الحالي” present، ويسمون الطريقة الثانية “التصريف غير المحدود” aorist، ولكن في الحقيقة هذان التصريفان كلاهما يحملان نفس المعنى الذي هو معنى المضارعة. الفرق بينهما يتعلق فقط بمجالات الاستخدام (ما يسمى بالمزاج النحوي grammatical mood).

تكوين الفعل المضارع بإضافة اللاحقة –ɪyor هو بدعة حديثة ظهرت في اللغات التركية الغُزّية Oḡ̣uz Turkic. الباحثون يرون أن هذه اللاحقة هي مشتقة من الفعل yorï– الذي يعني “الذهاب، المشي” go, walk. في اللغة التركية القديمة (التي يعتقد أنها مصدر اللغات الغُزّية) كانت هناك طريقة واحدة لتكوين الفعل المضارع هي بإضافة اللاحقة –yᴜr (والتي هي حسب Johanson ذات أصل مختلف عن اللاحقة الغزية –ɪyor). اللاحقة التركية القديمة –yᴜr كانت تظهر بشكلها الكامل فقط عند إضافتها إلى الجذوع المنتهية بأصوات علة. مثلا الجذع ba̱šla– يعني “قيادة” lead، وعند إضافة اللاحقة –yᴜr إليه يصبح ba̱šlayur = “يقود” أو “تقود” leads/is leading. لاحقا اللاحقة –yᴜr صارت تختزل إلى –r عند إضافتها إلى هذا الجذع ba̱šlayur > bašlar. في الجذوع غير المنتهية بأصوات علة اللاحقة –yᴜr كانت منذ البداية تظهر بشكل مختزل –ᴀr أو –ᴜr أو –ɪr.

Johanson (وغيره) يعتقد أن اللاحقة –yᴜr هي أصل لاحقة التصريف “غير المحدود” aorist في اللغة الأناضولية المعاصرة.

في اللغة الأناضولية المعاصرة لاحقة التصريف غير المحدود تأخذ ثلاثة أشكال مختلفة:

۞ الشكل –r يضاف إلى الجذوع المنتهية بأصوات علة (مثلا anla– → anlar “يفهم/تفهم”، و koru– → korur “يحمي/تحمي”)

۞ الشكل –ᴀr يضاف إلى غالبية الجذوع وحيدة المقطع (الجذوع التي تحوي الجذر مجردا) التي لا تنتهي بأصوات علة (مثلا at– → atar “يرمي/ترمي”، و säv– → sävär “يحب/تحب”)

۞ الشكل –ɪr يضاف إلى بعض الجذوع وحيدة المقطع (مثلا al– → alïr “يأخذ/تأخذ”، و öl– → ölür “يموت/تموت”) وإلى كل الجذوع متعددة المقاطع (الجذوع التي تحوي لواحق مضافة إلى الجذر) التي لا تنتهي بأصوات علة (مثلا däḡiš– → däḡišir “يتغير/تتغير”، و konuš– → konušur “يتحدث/تتحدث”).

Johanson يعتقد أن جميع أشكال لاحقة التصريف غير المحدود هي مشتقة من الشكل –yᴜr الذي ورد في النصوص التركية القديمة (هذا الاعتقاد هو مرفوض من Erdal). بالنسبة لـ Johanson فإن أخذ بعض الأفعال للاحقة التي من الشكل –ᴀr يدل على أن هذه الأفعال كانت في الأصل تنتهي بصوت العلة –ᴀ. مثلا الفعل at– كان في الأصل *ata–، بدليل أن تصريفه غير المحدود هو atar. هو يرى أن الشكل atar نشأ كما يلي *atáyur > atar (أظن أنه يقصد بالعلامة ◌́ موقع نبرة الصوت stress). نفس الأمر ينطبق على الأفعال التي ينتهي تصريفها غير المحدود بـ –ɪr؛ هو يرى أن هذه الأفعال كانت في الأصل تنتهي بـ –ɪ. مثلا الفعل al– كان في الأصل *alï–، وتصريفه غير المحدود نشأ كما يلي *alḯyur > alïr. سبب بقاء اللاحقة –yᴜr في الفعل ba̱šlayur وأمثاله من الأفعال التركية القديمة المنتهية بصوت علة هو أن هذه الأفعال كانت في الأصل تنتهي بصوت علة طويل، مثلا ba̱šla̱yur > bašla̱r > bašlar.

لو فرضنا أن كثيرا من الكلمات التركية التي من الشكل C₁VC₂ كانت في السابق تنتهي بأصوات علة فهذا يوصلنا إلى أن معظم الكلمات التركية كانت في السابق من الشكل C₁V₁C₂V₂. هذا الكلام هو ما يقوله Róna-Tas:

The basic [word] types [in Proto-Turkic] should have been CVCV̌ and CVCV. The reduced -V̌ disappeared.

András Róna-Tas in “The Turkic Languages” (1998), p. 72

ولكن هل هذا الكلام يعني أن الجذور التركية كانت في الأصل من الشكل C₁V₁C₂V₂؟ البعض يقولون ذلك. على سبيل المثال، Sergei Starostin كتب ما يلي قبل وفاته في عام 2005:

The most common root structure in Altaic languages is *CVCV, occasionally with a medial consonant cluster – *CVCCV. The final vowel, however, is very unstable: best preserved in TM [=”Tungus-Manchu”] languages (although also not always easily reconstructable because of morphological processes), it is frequently dropped in Korean, Mongolian and Turkic (in the latter family in fact – in the majority of cases). Japanese usually preserves the final vowel, although its quality is normally lost (shifted to the previous syllable or fused with the quality of vowels in suffixed syllables).

Sergei Starostin et al., “An Etymological Dictionary of the Altaic Languages” (2003), p.22

Sergei Starostin كان يعتقد بوجود أصل مشترك للغات الآلطائية، وكان يسعى لإعادة بناء هذا الأصل المشترك. هو كان معروفا بتأييده للعائلات اللغوية الضخمة التي تسمى macrofamilies (من قبيل العائلة اللغوية الضخمة المسماة Dené–Caucasian). هو كان يحاول أن يثبت وجود علاقات جينية بين العديد من اللغات المتباعدة باتباعه لأسلوب يسمى “المقارنة اللغوية بعيدة المدى” long-range comparison. هذا الأسلوب في المقارنة اللغوية يختلف كثيرا عن الأسلوب المقارِن التقليدي الذي يتبعه غالبية الباحثين اللغويين. ما يسمى بالمقارنة بعيدة المدى والعائلات اللغوية الضخمة هي طروحات تفتقر إلى الطابع العلمي الجدي. هي طروحات مبنية بشكل كبير على الخيالات والافتراضات غير المسنودة بأدلة مقنعة. في بعض الأحيان هي تبدو وكأنها مجرد شعوذات.

Starostin يقول أن الجذور الآلطائية كانت في الغالب من الشكل C₁V₁C₂V₂، وأحيانا من الشكل C₁V₁C₂C₃V₂. صوت العلة الأخير فقد من كل اللغات الآلطائية ما عدا اليابانية، ولكن بقاياه ما تزال موجودة في اللغات الآلطائية الأخرى، وخاصة في الطُّنْغوسية.

أنا أظن أن هناك مؤشرات كافية للظن بأن الكلمات التركية كانت في زمن قديم تنتهي بأصوات علة. الآثار التي خلفتها أصوات العلة قبل سقوطها ما تزال بادية في الكلمات التركية.

سقوط أصوات العلة من أواخر الكلمات التركية ربما يفسر التباين في الرأرأة واللملمة بين اللغة ما قبل التركية البدائية من جهة وبين بقية اللغات الآلطائية من جهة ثانية.

أصوات العلة في نهاية الكلمات الغُرّية

الكلمات الچُّوڤاشية تنتهي في كثير من الأحيان بأصوات علة غير موجودة في نظائرها التركية العامة. ما يلي أمثلة:

meaning Chuvash Old Turkic
one واحد pä̮rä < *pirä bir
lake بحيرة
külä̮ kö̱l
arrow سهم uḳ̄a̮ oḳ
straw قش uta̮ ot
dog كلب yïta̮ ït

حسب Lars Johanson فإن غالبية الباحثين يرون أن أصوات العلة في نهاية الكلمات الغُرّية هي ثانوية، بمعنى أنها ليست موروثة من اللغة التركية البدائية.

من الممكن في رأيي أن ميل الأتراك الغُرّيين لإضافة لواحق إلى الكلمات كان من الأسباب التي أدت إلى رأرأة ولململة الصوتين *s و في أواخر الكلمات الغُرّية.

مثلا لو نظرنا إلى الكلمة الچُّوڤاشية *pelik > pilä̮k (تعني “خمسة” five) فسنجد أنها تحوي لاحقة تبدأ بصوت علة هي *–ik. هذه اللاحقة هي ليست موجودة في الشكل التركي العام beš. من الممكن أن وجود اللاحقة في الكلمة الغُرّية تسبب في جهر الصوت الأخير من الجذر ومن ثم لملمته (لأنه صار واقعا بين صوتي علة أو في “موقع بين ڤۆكالي” *–VšV– > –VlV–).

Johanson ذكر أن صوت الكاف *–k تنفس واختفى من المقاطع الثانية لكلمات چُوڤاشية. هو قارن بين الكلمة الچُّوڤاشية inä (“بقرة” cow) وبين نظيرتها الياقوتية ïnaḳ̄. هناك العديد من الأمثلة على هذه الظاهرة التي يتحدث عنها Johanson. مثلا الكلمة الأناضولية المعاصرة ayaḳ (“قدم” foot) تقابلها في لغة الچُّوڤاش كلمة ura، وكلمة burᵗšaḳ (“بَقْلة” bean, pea) تقابلها كلمة pa̮ršʸa، وكلمة göbäk (“سُرّة” navel) تقابلها كلمة *kö̱bä > ka̮vaba، وكلمة budaḳ (“غصن” branch) تقابلها كلمة pa̮da (“مسمار” nail)، وكلمة kaḇaḳ (“قَرْع” squash) تقابلها كلمة ḳ̄a̮ḇa.

ولكن في المقابل هناك العديد من الكلمات الچُّوڤاشية التي ظل فيها صوت الكاف موجودا في المقطع الثاني. ما يلي أمثلة:

meaning Chuvash Old Turkic
bran ḳ̄ïḇa̮ḳ̄ ḳaḇïḳ
eyelash ḳ̄a̮rba̮ḳ̄ kirpik
order šʸïrla̮ḳ̄ yarlïḡ̣
near šʸïva̮ḳ̄ yaḡ̣uḳ
mud, clay pïlᵈža̮ḳ balᵗšïḳ
ᵗša̮ba̮ḳ “lash” ᵗšïbïḳ “branch”
curtain > door alg̣a, ala̮ḳ äšik/äšük
wild animal kaya̮ḳ käyik
side, upper rib aya̮ḳ äyägü
trumpet pa̮ra̮ḳ̄ burḡ̣u
flower šʸäšʸkä ᵗšäᵗšäk
šʸurḳ̄aḳ̄ “film, membrane” yarḡ̣aḳ “skin” (Turkmen)
ä̮räk̄ ” ‘soul; expedience” ïrḳ ” prediction, luck”
level ground, plain ula̮ḳ̄ alaŋ
young of a wild animal, puppy anᵈza̮ḳ änük
moon uya̮ḳ̄ ay

لماذا سقط صوت الكاف *–k من المقاطع الثانية لبعض الكلمات الچُّوڤاشية دون غيرها؟ هل المسألة هي عشوائية؟

من الممكن أنها عشوائية، ولكن من الممكن أيضا أن هناك سببا ما.

الفكرة التي تخطر لي هي أن صوت الكاف في نهاية بعض الكلمات الغُرّية تعرض للجهر voicing بسبب كونه متبوعا بصوت علة *–VkV– > –VgV–. جهر الكاف أدى لتنفيسها باكرا في اللغة التركية البدائية، وهذا سرع زوالها.

في المخطوطة البلغارية الدانوبية Danubian Bulghar المسماة “مسميات خانات البلغار” Nominalia of the Bulgarian khans وردت كلمة تركية بلغارية هيтох tox . المفسرون يرون أن هذه الكلمة تعني “دجاجة” hen وأنها تقابل الكلمة التركية القديمة taḳïḡ̣u (باللغة الأناضولية المعاصرة tavuḳ). ما يلفت النظر في الكلمة البلغارية هو أنها تفتقد للمقطع الثاني الظاهر في الكلمة التركية القديمة –ïḡ̣u. من الممكن أن هذا المقطع سقط من الكلمة البلغارية لأنه كان يحوي الصوت المجهور المُنَفَّس *–ḡ̣–.

وجود الصوت المجهور المُنَفَّس –ḡ̣– في الكلمة التركية القديمة taḳïḡ̣u هو ظاهرة ثانوية وليست أصلية، بدليل أن هذه الكلمة وردت في كتابات “تركية وسطى” Middle Turkic بشكل آخر هو taḡ̣uḳ (هذا الشكل ورد في قاموس Starostin، الذي نقله بدوره عن هذا المصدر). الشكل taḡ̣uḳ هو مصدر الكلمة الأناضولية المعاصرة tavuḳ (هذه الكلمة تلفظ في الواقع هكذا taβ̞uk، أي تقريبا tawuk، وليس tavuk كما توحي الكتابة). الصوت القاسي –ḳ الموجود في كلمة taḡ̣uḳ/tavuḳ لم ينشأ بشكل ثانوي من الصوت المُنَفَّس، هذا الصوت هو على الأغلب الصوت الأصلي الموروث من اللغة التركية البدائية. الجهر والتنفيس هو تطور ثانوي حصل في بعض اللغات التركية. سبب الجهر والتنفيس هو في رأيي واضح من النظر إلى كلمة *taḳïḳu > taḳïḡ̣u. السبب هو وجود صوت علة تال للكاف.

اللواحق التي من الشكل *–VkV هي على ما أظن نادرة في اللغات التركية العامة. هذا النوع من اللواحق هو ربما أشيع في اللغات المنغولية.

Mongolic Old Turkic
baḳahu < *baḳaḡ̣u < *baḳaḳu “crop, craw, goiter, throat” boḳaḳ “crop, craw”
saḳahu < *saḳaḡ̣u < *saḳaḳu ”farcy, glanders, diphtheria, craw illness” saḳaḳ “place between the neck and the chin, gills, beard”
bilahu < *bilaḡ̣u “carp, a kind of salmon” balïḳ “fish”
ᵗšilahu < *ᵗšilaḡ̣u “stone” taš “stone”
bilᵗšahu < *bilᵗšaḡ̣u “wound” baš “wound”
nilahu < *nilaḡ̣u “raw” yaš < *ni̯aš “fresh, raw”

مصدر هذه الكلمات هو قاموس اللغات الألطائية لـ Sergei Starostin. أنا لم أجر بحثا شاملا حول هذه الكلمات، ولكن النظر في قاموس Starostin يوحي بأن الكلمات التركية العامة التي من قبيل taḳïḡ̣u هي نادرة، ومن المحتمل أنها مستعارة loanwords.

الكلمة المنغولية ḳumaki (“تراب” أو “رمل” earth; sand grains) هي في رأي البعض تركية الأصل، لأن اللغات المنغولية تحوي كلمة أخرى بنفس المعنى هي äläsün. وجود كلمتين بنفس المعنى هو دليل على أن إحداهما هي مستعارة. الكلمة المنغولية تشبه الكلمة التركية العامة ḳum (“رمل” sand)، ولكنها تشبه أكثر الكلمة المَجَرية <homok> (“رمل” sand). المَجَر حاليا يسكنون في أوروبا الشرقية، ولكنهم قبل أن يصلوا إلى هناك كانوا في سهل البحر الأسود–قزوين Pontic-Caspian Steppe وكانوا على علاقة وثيقة مع الأتراك الغُرّيين. لهذا السبب الباحثون يرون أن الكلمات ذات المظهر الآلطائي في اللغة المَجَرية (الهُنْغارية Hungarian) هي مستعارة من اللغات التركية الغُرّية.

النظير الچُّوڤاشي للكلمة المذكورة أعلاه هو *ḳum > ḳ̄a̮m. هذا الشكل يختلف عن الشكل المَجَري ويشبه الشكل التركي العام. ماذا لو أن الشكل الچُّوڤاشي كان في الماضي يشبه الشكل المَجَري ولكن مقطعه الثاني سقط بالتنفيس؟ لو صح هذا فهو ربما يعني أن الشكل الغُرّي الأصلي كان شبيها بالشكل المنغولي*ḳumaki > *ḳumaḡ̣i > *ḳum .

الكلمة المنغولية *biraḡ̣u > birahu (“عِجل” calf) تشبه الكلمة التركية العامة buzaḡ̣u (“عِجل” calf)، ولكن وجود الرأرأة في الكلمة المنغولية يجعلها أشبه بالكلمة المَجَرية <borjú> boryu̱ (“عِجل” calf). الكلمة المَجَرية تنتهي بصوت علة طويل –u̱ نتج ربما من تنفيس وتبخير الكاف المجهورة *–aḡ̣u > –u̱. المقطع الثاني من الشكل الچُّوڤاشي *pura > pa̮ru تعرض أيضا للتنفيس والتبخير. الملفت هنا هو أن الكلمة التركية العامة تحوي لاحقة –aḡ̣u على غرار الشكلين المنغولي والغُرّي. هل هذه الكلمة هي كلمة أصيلة في اللغات التركية العامة أم أنها مستعارة؟ الكلمات التي تعني “دجاج” و “عجل” هي من صنف الكلمات التي تسمى “كلمات ثقافية” culture words. هذا النوع من الكلمات هو قابل بسهولة للاستعارة أو الانتشار الثقافي.

لو افترضنا أن كلمة buzaḡ̣u هي مستعارة فيجب أن نفترض أنها استعيرت في زمن باكر سبق الرأرأة في اللغات الغُرّية (ومن الممكن أيضا أن الأتراك العامين الباكرين عدلوا الكلمة بما يتناسب مع لهجتهم).

بعض الباحثين يرون أن الكلمة المنغولية ikirä (“توأم” twin) هي تركية الأصل، لأن جذر الكلمة *eki هو جذر تركي يعني “اثنان” two. بما أن الكلمة المنغولية تبدي الرأرأة فهذا في رأي البعض دليل على أنها مستعارة من لغة تركية غُرّية، خاصة وأن هناك كلمة مَجَرية شبيهة هي <iker> (“توأم” twin).

أنا لدي شك في صحة هذا الكلام. الرأرأة هي موجودة في اللغات المنغولية وليست خاصة باللغات الغُرّية. من المحتمل أن المنغوليين استعاروا كلمة ikirä من اللغة ما قبل التركية البدائية Pre-Proto-Turkic بهذا الشكل *ikisä وأنهم رأرؤها لاحقا بأنفسهم. أنا لا أظن أن كل الكلمات التي تبدي الرأرأة في اللغات المنغولية هي بالضرورة مستعارة من اللغات الغُرّية.

الحديث عن استعارة الكلمات بشكل عام هو حديث ينطوي على تخرص. من الصعب في رأيي إثبات حصول الاستعارة، وحتى لو فرضنا حصولها فليس من السهل تحديد زمانها واتجاهها.

خلاصة ما سبق هي أن جهر وتنفيس الصوتين *–s و *–š في أواخر الكلمات الغُرّية ربما كان جزءا من ظاهرة أعم شملت أصواتا أخرى، من قبيل صوت الكاف *–k. أنا لا أعلم ما هو سبب هذه الظاهرة. Juha Janhunen ذكر أن مقاطع الكلمات في اللغة المنغولية البدائية Proto-Mongolic كانت تنتهي دائما بأصوات ضعيفة lenis (تعادل الأصوات المجهورة voiced في اللغات التركية). هل هناك علاقة بين هذه الظاهرة وبين ظاهرة جهر أواخر الكلمات الغُرّية؟ من المحتمل أيضا أن الكلمات الغُرّية أو بعضها كانت تنتهي بأصوات علة على غرار الكلمات المنغولية، وهذا ربما يكون ساهم في جهر وتنفيس أواخرها.

خلاصة

التنفيس spirantization هو ظاهرة كانت موجودة في اللغة التركية البدائية Proto-Turkic بلهجتيها الغُرّية والعامة دون فرق. الفرق بين هاتين اللهجتين لم يكن يتعلق بشروط التنفيس (ومتفرعاته من الرأرأة واللملمة). شروط التنفيس كانت واحدة في اللهجتين، وهي كما ذكرتها سابقا: تنفيس الأصوات السادة المجهورة voiced obstruents في كل مكان، وتنفيس الأصوات الصائتة sonorants في بداية الكلمات. الفرق بين اللهجتين الغُرّية والعامة كان يتعلق بالجهر voicing. الأتراك الغُرّيون كانوا يميلون لجهر الأصوات غير المجهورة أكثر من الأتراك العامين، وهذا أدى لزيادة منسوب التنفيس في لهجتهم، لأن الأصوات المجهورة كانت في اللغة التركية البدائية مستهدفة بالتنفيس.

العلاقة المناطقية بين اللغات الغُرّية واللغات المنغولية والطُّنْغوسية

التشابهات اللغوية بين اللغات الغُرّية من جهة واللغات المنغولية والطُّنْغوسية من جهة ثانية ربما تكون بسبب وجود علاقة مناطقية areal قديمة بين هذه اللغات.

الأتراك الغُرّيون كانوا في القرن الميلادي الخامس موجودين في سهل البحر الأسود–قزوين Pontic-Caspian Steppe، ولكنهم قبل أن يصلوا إلى هناك كانوا على الأغلب يسكنون سهل القَزَق. Peter B. Golden يرى أنهم انتشروا في سهل القزق بعد رحيل الـ Huns من سهل القزق في منتصف القرن الميلادي الرابع. قبل ذلك هم كانوا يسكنون ربما في منطقة نهر إيرتِش Irtysh التي تقع على الحافة الشمالية الشرقية لسهل القزق. Peter Golden (وآخرون) يرى أن الغُرّ وصلوا إلى منطقة نهر إيرتِش عبر القسم الشمالي لجبال آلطاي قادمين من شمال غرب منغوليا الجغرافية. هم بدؤوا بمغادرة موطنهم الأصلي الواقع جنوب بحيرة بيكال في القرن الأخير قبل ميلاد المسيح.

إذن الأتراك الغُرّيون كانوا قبل ميلاد المسيح يسكنون القسم الشمالي من منغوليا (الذي يسمى “منغوليا الخارجية” Outer Mongolia). هم كانوا جزءا من الشعب الذي سماه المؤرخون الصينيون الباكرون باسم 丁零 Dīng-ling (هذا الشعب كان يتحدث ربما اللغة التركية البدائية Proto-Turkic، وأما أصحاب ثقافة Slab Grave الأركيولوجية فيمكننا أن نقول أنهم كانوا يتحدثون مرحلة من مراحل اللغة ما قبل التركية البدائية Pre-Proto-Turkic). من المحتمل أن الأتراك الغُرّيين كانوا يمثلون القسم الجنوبي من الـ Dīng-ling الأقرب إلى السهل المنغولي-المَنْجُوري. هم كانوا على تماس مع أسلاف المنغوليين، وهذا يدعونا للتفكير في وجود علاقة مناطقية بينهم وبين أسلاف المنغوليين. عندما ارتحلوا باتجاه الغرب حل محلهم الأتراك العامون قادمين من جهة بحيرة بيكال في الشمال. بما أن هجرة الأتراك الغُرّيين نحو الغرب كانت في حدود ميلاد المسيح فهذا يعني ربما أن الزمن الصحيح للغة التركية البدائية Proto-Turkic يجب أن يكون في 1 ميلادي، وليس في 500 ميلادي كما افترض András Róna-Tas.

الأتراك العامون الذين هاجروا جنوبا وسكنوا منغوليا الشمالية بعد رحيل الغُرّيين كانوا في القرن الميلادي الثامن يتحدثون اللغة المسماة بالتركية الأورخونية Orkhon Turkic أو التركية القديمة بالمعنى الضيق Old Turkic proper. حسب Lars Johanson فإن اللغة الأورخونية تفرعت لاحقا وأنتجت لغات الغز Oḡ̣uz والقارلوق Ḳarluḳ والقِپْچاق Ḳïpᵗšaḳ. الأتراك العامون الذين ظلوا إلى الشمال من منغوليا الخارجية حول بحيرة بيكال هم مصدر اللغات التي تسمى بالتركية السِّيبيرية Siberian Turkic. اللغة الأورخونية ولغات الأتراك السِّيبيريين في القرن الميلادي الثامن كانت مجرد لهجات مختلفة من نفس اللغة، التي هي اللغة التركية القديمة Old Turkic.

الجزء التالي

مصادر

  1. The Turkic Languages (1998), edited by Lars Johanson, Éva Csató
  2. The Mongolic languages (2003), edited by Juha Janhunen
  3. Marcel Erdal (2004), A Grammar of Old Turkic
  4. S. A. Starostin, A. V. Dybo, O. A. Mudrak (2003), An Etymological Dictionary of Altaic Languages
  5. Nicholas Poppe (1965), Introduction to Altaic Linguistics
  6. Peter B. Golden (1992), An Introduction to the History of the Turkic Peoples
  7. The Cambridge history of early Inner Asia (1990)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s