أصل الأتراك (16)

أصل التنين الصيني يعود إلى ألطائيي منشوريا؟

ذكرنا سابقا أن الزراعة في حوض النهر الأصفر كانت في الأصل تعتمد على الدُّخْن millet. في البداية كانت هناك عدة ثقافات محلية صغيرة (Dadiwan, Peilingang, Cishan, Houli) وفي حدود 5000 قبل الميلاد قامت ثقافة كبيرة على امتداد النهر الأصفر تسمى Yangshao. حسب بعض الباحثين فإن كل هذه الثقافات الباكرة التي كانت تزرع الدخن في حوض النهر الأصفر لم تكن ناطقة بالصينية.

بالنسبة لمنشوريا فأول ثقافة زراعية فيها هي ثقافة Xinglongwa (5500-6200 قبل الميلاد). بعد ذلك ظهرت ثقافة Xinle (4800-5500 قبل الميلاد)، ثم ظهرت ثقافة Hongshan (2900-4700 قبل الميلاد)، ثم ظهرت الثقافة المسماة Lower Xiajiadian culture (1800-2200 قبل الميلاد). كل هذه الثقافات كانت تعتمد على زراعة الدخن، والباحثون لا يظنون أنها كانت ناطقة بالصينية.

الملفت في ثقافة Hongshan هو أنها شهدت الظهور الأول لبعض الخصائص المهمة التي ميزت الحضارة الصينية اللاحقة. من هذه الخصائص مثلا الأدوات المصنوعة من اليَشْم jade، والمجسمات التي تحمل شكل تنين dragon.

تنين مصنوع من اليشم عثر عليه في ثقافة Hongshan في جنوب منشوريا
 

الباحثون عثروا في إحدى مستوطنات ثقافة Hongshan على معبد يحوي تماثيل كبيرة تجسد امرأة. لو فرضنا أن هذه الثقافة ألطائية فإن هذه المرأة ربما تكون مكافئة للإلهة التركية Umāy (تسمى أيضا /edʒe/ Eǰe).

Niuheliang goddess
رأس إلهة عثر عليه في “معبد الإلهة goddess temple” في Niuheliang (مستوطنة تابعة لثقافة Hongshan)
 

الإلهة Umāy عند الأتراك هي زوجة الإله /Teŋri/ Tengri. الإله Tengri هو السماء، والإلهة Umāy هي الأرض. الإلهة Umāy هي إلهة الخصوبة والتكاثر والأمومة والأطفال.

هذه الثيمات أو الأفكار هي مألوفة في الثقافات الزراعية. المزارعون الأوائل كانوا مبهورين بقدرة الأرض على إنبات الزرع. لهذا السبب هم كثيرا ما كانوا يقدسون الأرض ويعتبرونها إلهة للحياة والخصوبة والتكاثر ونحو ذلك. هم أيضا كانوا يقدسون السماء لأن السماء تنزل المطر الذي ينبت الزرع. هم كانوا يعتبرون ذلك رحمة من السماء ونحو ذلك. هم كانوا يعتبرون هذه العملية تزاوجا بين الأرض والسماء. لهذا السبب هم كانوا يعتبرون أن السماء هي رجل والأرض هي أنثى.

الملفت هو أن الإلهة التركية Umāy هي على ما يبدو إلهة للشمس أيضا، بدليل أنها صورت على هيئة امرأة لها ضفائر شعر ذهبية تشبه أشعة الشمس. هي لقبت Sarığ Kız (“البنت الصفراء”)، واللون الأصفر اعتبر رمزا لها. كل هذا يدل على علاقتها بالشمس. البعض يرون أن Umāy هي في الأصل نفس الإلهة المسماة Ōt Iyesi (“روح النار”) أو Ōt Ana (“الأم النار”). هذه الإلهة هي موجودة لدى المنغوليين أيضا ومن الممكن أنها في الأصل النظير المنغولي للإلهة التركية Umāy.

لفتني أن الإلهة الأهم لدى اليابانيين هي أيضا إلهة الشمس. اسم إلهة الشمس لدى اليابانيين هو Amaterasu. العائلة الإمبراطورية في اليابان تعتبر من نسل هذه الإلهة. هذا التفكير يذكرني بتفكير الأتراك القدماء الذين كانوا يعتقدون أن الخاقان هو تجسيد لإله السماء Tengri. (أنا بصراحة ليست لدي خلفية حول أصل الديانة اليابانية ولكنني فقط أسجل ملاحظات سطحية).

رسم للإلهة اليابانية Amaterasu تظهر فيه أشعة الشمس منطلقة من رأسها
 

كلمة Umāy تعني أصلا “الرحم”، وكلمة Eǰe تعني “الأم”. بالنسبة لكلمة /Teŋri/ Tengri فهي تشبه على نحو غريب كلمة DIĜIR/DINGIR السومرية التي تعني “إله” (وخاصة إله السماء An). لفظ الكلمة السومرية كان تقريبا هكذا /Tiŋir/، أي أنه كان شبيها بلفظ الكلمة التركية. بناء على هذا التشابه بعض الأتراك زعموا أن السومريين القدماء كانوا أتراكا أو ألطائيين. بعضهم حتى حاولوا أن يثبتوا وجود علاقة جينية بين اللغة السومرية واللغات التركية. ولكن هذه الطروحات هي غير مقبولة من الباحثين الجديين.

الأتراك في بداية القرن العشرين لم يربطوا فقط بين اللغة السومرية واللغات التركية، ولكنهم ربطوا أيضا بين اللغة الحتية واللغات التركية. هم زعموا أن كل أو معظم الشعوب التي أسست حضارات الشرق الأوسط القديمة كانت شعوبا ألطائية طورانية. كمال أتاتورك استند على مثل هذه الخزعبلات في مطالبته بلواء إسكندرون. هو زعم أن الأتراك موجودون في لواء إسكندرون منذ آلاف السنين، والدليل هو الكتابات الحتية القديمة التي عثر عليها في لواء إسكندرون. كمال أتاتورك كان يعتبر الكتابات الحتية القديمة من بقايا الأتراك. هو كان جادا جدا في هذا التفكير إلى درجة أنه غير تسمية لواء إسكندرون إلى تسمية جديدة هي Hatay. هذه التسمية ليس لها أساس في التاريخ ولكن كمال أتاتورك اشتقها من اسم الحتيين القدماء، الذين هم حسب كمال أتاتورك شعب تركي! كمال أتاتورك قال للعلويين العرب في لواء إسكندرون أنهم ليسوا عربا ولكنهم متحدرون من الحتيين القدماء، وبالتالي هم أتراك! كثير منهم قبلوا هذه النظرية وصاروا بالفعل ينفون عن أنفسهم العروبة ويعتبرون أنفسهم أتراكا. الفرنسيون حاولوا أن يروجوا نفس الفكرة في محافظة اللاذقية. هم قالوا أن العلويين هم متحدرون من الحتيين وبالتالي هم ليسوا عربا، مثلما أن الموارنة هم متحدرون من الفينيقيين وبالتالي هم ليسوا عربا!

كل هذه الطروحات ليس لها علاقة بالعلم. هي مجرد خرافات سياسية استعمارية كان يتم ترويجها بهدف تقويض الفكر الوطني لدى العرب. الباحثون الجديون لا يقبلون أي شيء من هذه الخزعبلات. السومريون والحتيون القدماء لا علاقة لهم بالأتراك. العلويون والموارنة هم شعوب عربية لا علاقة لها بالشعوب التي كانت تسكن في الساحل السوري قبل آلاف السنين.

الجزء التالي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s