أصل الأتراك (9)

 

Yuezhi

في الكتابات الصينية التي تعود لأواخر الألفية الأخيرة قبل الميلاد ورد ذكر شعب كبير كان يعيش في منطقة حوض تاريم ويعمل في التجارة. اسم هذا الشعب في الكتابات الصينية هو 月氏 Yuezhi.

كلمة Yuezhi تلفظ هكذا في الصينية المعاصرة [y̯œtʂi]. اللفظ العربي التقريبي هو “يُـوْيْـتْـزِي”.

الكتابات الصينية فيها الكثير من المعلومات حول الشعوب التي كانت تسكن حول الصين، ولكن المؤسف هو أن طبيعة اللغة الصينية لا تسمح بتوضيح أسماء هذه الشعوب. أنا كتبت في السابق مقالا حول بنية الكلمات الصينية. في ذلك المقال بينت أن الكلمات الصينية يمكن أن تبدأ بعشرين حرفا مختلفا، ولكن القوافي المسموحة لا يتجاوز عددها 35، أي أن العدد الإجمالي للكلمات الممكنة في اللغة الصينية (بعيدا عن النغمات) لا يتجاوز 20 × 35 = 700 كلمة.

عمليا اللغة الصينية لا تسمح بكتابة (أو نطق) الأسماء الأجنبية إلا بشكل محدود جدا. لهذا السبب فإن الاعتماد على الكتابات الصينية لتحديد أسماء الشعوب أو لغاتها هو أمر صعب جدا وغير عملي.

شعب Yuezhi الذي ورد ذكره في الكتابات الصينية كان يعيش في حوض تاريم في أواخر الألفية الأخيرة قبل الميلاد. هذا الشعب كان يعمل في التجارة بين الصين وآسيا الوسطى.

حسب الكتابات الصينية فإن الـ Yuezhi تعرضوا لغزو من الـ Xiongnu قبيل عام 176 قبل الميلاد. الـ Xiongnu هي تسمية تطلقها الكتابات الصينية على القبائل الساكنة لمنغوليا آنذاك. كلمة Xiongnu تلفظ هكذا في الصينية المعاصرة [ɕi̯ʊŋnu]. اللفظ العربي التقريبي هو “شْيُونْغْنُو”.

بعد غزو الـ Xiongnu لحوض تاريم ارتحل غالبية الـ Yuezhi غربا واستقروا إلى الشمال من باختريا، ربما في منطقة نهر Ili الذي يصب في بحيرة بالقاش.

خريطة تبين نهر Ili وبحيرة بالقاش

حسب المؤرخين الصينيين فإن الـ Yuezhi هاجموا شعبا آخر اسمه Sai واحتلوا أراضيه، ولهذا اضطر الـ Sai للنزوح جنوبا.

الباحثون يعتقدون أن المقصود بالـ Sai هو قبائل الإسقوث الإيرانية. هذه الحادثة التي ذكرها المؤرخون الصينيون هي ربما الشرارة التي جعلت القبائل الإسقوثية تندفع جنوبا نحو أراضي مملكة باختريا اليونانية.

حسب المؤرخين الصينيين فإن الـ Xiongnu تابعوا الـ Yuezhi في موطنهم الجديد في آسيا الوسطى وطردوهم منه مجددا. هم فعلوا ذلك بالتحالف مع شعب اسمه Wusun. الـ Wusun هم جيران قدماء للـ Yuezhi ولكنهم كانوا على عداوة معهم.

بعد ذلك هاجر الـ Yuezhi جنوبا نحو باختريا.

هجرات الـ Yuezhi خلال القرن الثاني قبل الميلاد

قصة الـ Yuezhi تدل على أنهم إحدى القبائل التي اقتحمت مملكة باختريا اليونانية. كثير من الباحثين يرون أن الـ Yuezhi هم نفسهم الـ Tókharoi الذين ذكرهم الكتاب اليونانيون.

ولكن هناك خلافا حول لغة الـ Yuezhi/Tókharoi. البعض يرون أنها كانت لغة إيرانية، والبعض يرون أنها كانت اللغة المسماة بالتخارية.

الكاتب الصيني Zhang Qian زار أراضي مملكة باختريا بعد فترة قصيرة من غزو القبائل البدوية لها. حسب كلامه فإن سكانها آنذاك كانوا قبائل بدوية متشابهة في الثقافة، وهم كانوا يتحدثون لغات مختلفة ولكن شبيهة ببعضها.

أنا لا أعلم ما هي اللغة التي كان Yuezhi/Tókharoi يتحدثونها، ولكن لو فرضنا أنها كانت لغة إيرانية فهذا يعني ربما أن حوض تاريم كان يحوي غالبية من الإيرانيين وأقلية من متحدثي اللغة المسماة بالتخارية.

من الملفت أن ثقافة Andronovo المعبرة عن الإيرانيين البدائيين لم تصل أبدا إلى حوض تاريم.

في المقابل هناك أدلة على أن ثقافة Afanasievo امتدت جنوبا نحو غرب منغوليا ومن ثم إلى حوض تاريم.

لهذا السبب فإن الباحث المعروف J. P. Mallory يرى أن ثقافة Afanasievo هي التي أوصلت اللغة المسماة بالتخارية إلى حوض تاريم.

لو صح هذا التحليل فهو يعني أن وجود اللغة التخارية في حوض تاريم هو وجود قديم، وأما اللغة الإيرانية فهي تأخرت في الوصول إلى هناك.

ربما لهذا السبب ظلت اللغة التخارية موجودة في حوض تاريم ولم تنقرض من هناك إلا بعد وصول الأتراك الأويغور.

في المقابل اللغة التخارية انقرضت باكرا (على ما يبدو) من وسط آسيا وجنوب سيبيريا، لأن ثقافة Andronovo امتدت باكرا نحو تلك المناطق.

في حوض تاريم عثر على مومياءات أثرية لأشخاص ينتمون إلى العرق الأوروباني Europoid (القوقازاني Caucasoid). العمر القديم لهذه المومياءات (يصل إلى 1800 عام قبل الميلاد) يدعم الفكرة القائلة بأن الهندو-أوروبيين وصلوا إلى حوض تاريم في زمن باكر، وهؤلاء على الأغلب لم يأتوا عبر ثقافة Andronovo (الإيرانية) ولكن عبر ثقافة Afanasievo (التي هي ربما ثقافة اللغة المسماة بالتخارية)

لو قبلنا الربط بين ثقافة Afanasievo وبين اللغة التخارية فهذا يعني أن متحدثي اللغة التخارية الهندو-أوروبية سكنوا منطقة شمال جبال ألطاي ومنخفض Minusinsk منذ عصر النحاس (منذ ما قبل 3000 قبل الميلاد). كيف يمكن أن نوفق بين هذا وبين النظرية التي تقول أن اللغة التركية نشأت في هذه المناطق؟

ثقافة Afanasievo كانت متفوقة بوضوح على الثقافات السابقة لها في جنوب سيبيريا وآسيا الوسطى. أصحاب هذه الثقافة كانوا ينتجون غذائهم عبر تربية الماشية (بخلاف السكان المحليين الذين كانوا يعتمدون على الصيد والجمع hunting and gathering). أصحاب ثقافة Afanasievo كانوا يربون الخيول وكانوا يملكون مركبات لها عجلات، ناهيك عن امتلاكهم للأدوات المصنوعة من النحاس.

ليس من المعقول أن أصحاب ثقافة Afanasievo اكتسبوا اللغة المحلية التي كان يتحدثها السكان المحليون البدائيون. لا بد أن أصحاب ثقافة Afanasievo فرضوا لغتهم على السكان المحليين وليس العكس.

ثقافة Afanasievo امتدت على مسار جبال ألطاي جنوبا نحو حوض تاريم، وهي امتدت أيضا في شمال غرب منغوليا.

المعطيات السابقة تجعلني أشك في مصداقية الطرح الذي يقول بأن الأتراك البدائيين عاشوا في آسيا الوسطى أو في شمال جبال ألطاي ومنخفض Minusinsk.

ما يبدو هو أن الأتراك عاشوا إلى الشرق من هذه المناطق.

الجزء التالي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s