نشوء المذاهب الإسلامية (1)

موضوع المذاهب الإسلامية هو موضوع كبير. لكي أكتب مقالا علميا حول هذا الموضوع لا بد أن أرجع إلى الكثير من المصادر ولا بد أن أهدر ساعات طويلة من وقتي، وأنا بصراحة لا أستطيع أن أفعل ذلك في هذه الفترة.

هذا المقال هو ليس بحثا علميا حول المذاهب الإسلامية، ولكنه مجرد خواطر ومعلومات عامة. إذا أتيح لي الوقت في المستقبل فإنني سوف أرجع إلى مصادر وسوف أحاول أن أكتب مقالا علميا موثقا.

مصادر الدين

المذاهب الإسلامية الشهيرة تختلف فيما بينها حول قضية أساسية تسمى مصادر الدين أو مصادر التشريع.

المقصود بمصادر الدين هو المرجعية الدينية التي يرجع إليها الناس بهدف البت في المسائل الدينية.

معظم المسلمين يجمعون على أن القرآن هو المصدر الأساسي للدين، بمعنى أنه (نظريا) المرجعية الدينية الأولى التي يعودون إليها للبت في المسائل الدينية. ولكن المذاهب الإسلامية تختلف فيما بينها حول مصادر الدين الأخرى غير القرآن.

مصادر الدين في العصر الإسلامي الباكر

الحديث عن عصر الرسول من الناحية العلمية هو أمر شائك وصعب، لأن الكتابات التي تعود إلى عصر الرسول (باستثناء القرآن) هي شبه معدومة. كل الكتابات التي تتحدث عن عصر الرسول (ما عدا القرآن) تعود إلى العصر الأموي والعصر العباسي، أي أن هناك فجوة تاريخية تفصل ما بين عصر الرسول وما بين الكتابات المتعلقة بهذا العصر.

بالنسبة للقرآن فهناك جدل بين المستشرقين حول تاريخ كتابته. المستشرقون التقليديون يقبلون الرواية الإسلامية التي تقول أن القرآن كتب في عصر عثمان بن عفان، ولكن هناك مدرسة أخرى من المستشرقين ترى أن القرآن كتب في عصر متأخر (مثلا العصر العباسي). في هذا المقال سنتبع النظرة التقليدية التي تقول أن القرآن كتب في عصر عثمان بن عفان.

حسب الروايات الإسلامية فإن آيات القرآن دونت في عصر الرسول. الرسول كان لديه أشخاص مسؤولون عن تدوين آيات القرآن يسمون “كتّاب الوحي”. هؤلاء كانوا يدونون آيات القرآن أولا بأول ومن فم الرسول مباشرة. كتابات هؤلاء جمعت في عصر أبو بكر الصديق، وفي عصر عثمان بن عفان حُوّلت إلى كتاب أو “مصحف”.

بناء على هذا الكلام فإن القرآن دُوّن مباشرة من فم الرسول. لهذا السبب كثير من المستشرقين يعطون القرآن مصداقية عالية ويعتبرون أنه يعود بالفعل إلى عصر الرسول.

بالنسبة للكتابات الأخرى المتعلقة بعصر الرسول فهي كلها متأخرة. أقدم هذه الكتابات على ما أعتقد هي “سيرة رسول الله” التي كتبها ابن إسحق في العصر الأموي. النص الأصلي لهذه السيرة هو مفقود، ولكن هناك مصدرين متأخرين نقلا من النص الأصلي هما ابن هشام والطبري. الكلام الذي أورده ابن هشام والطبري نقلا عن ابن إسحق هو أقدم الكتابات المتعلقة بعصر الرسول (إذا ما استثنينا القرآن).

بالنسبة لـ”الأحاديث الشريفة” التي وردت في كتب أئمة السنة فهي كلها متأخرة جدا (أقدمها يعود إلى أواخر العصر الأموي)، ومن يدرس الظروف التي دونت فيها هذه الأحاديث سوف يلاحظ الكثير من الشوائب. المستشرقون بشكل عام لا يعترفون بمصداقية هذه الأحاديث، ولكن بعضهم ربما يستشهد بها أحيانا على سبيل الاستئناس.

مما سبق يتبين أن أقدم الكتابات المتعلقة بالرسول (ما عدا القرآن) تعود إلى العصر الأموي. الغريب هو أن العرب في العصر الأموي الباكر اهتموا بتدوين الأشعار والأخبار الجاهلية ولكنهم لم يهتموا بتدوين أي شيء يتعلق بالرسول. تدوين الأشعار والأخبار الجاهلية بدأ قبل تدوين سيرة وأخبار الرسول بزمن طويل. أيضا الكتب المتعلقة بالنحو العربي (أقدمها هو كتاب سيبويه) ألفت قبل زمن طويل من الكتب المتعلقة بسيرة الرسول وأخباره.

هذا أمر عجيب. نحن نعلم أن سيرة وأخبار الرسول هي أهم شيء لدى العرب حاليا، ولكن العرب في العصور الإسلامية الباكرة لم يكونوا يولون أهمية كبيرة لتدوين سيرة الرسول وأخباره. بالنسبة لهم تدوين الأشعار والأخبار الجاهلية كان أهم من تدوين سيرة الرسول وأخباره.

ما هو تفسير هذه الظاهرة العجيبة؟ بعض المستشرقين يرون أن شخصية الرسول هي شخصية خرافية اخترعها العرب في عصر متأخر، وهذا في رأيهم هو سبب غياب الكتابات الباكرة المتعلقة بالرسول.

هناك تفسير آخر أفضل من هذا التفسير: لو رجعنا إلى الكتابات الإسلامية فسنكتشف أمرا مهما وهو أن تدوين سيرة الرسول وأخباره كان محرما في العصور الإسلامية الباكرة.

ما يلي بعض الكتابات المتعلقة بهذه المسألة:

قال ابن سعد في الطبقات 5/140: عن عبد الله بن العلاء قال سألت القاسم يملي عليَّ أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها. انتهى.

روى في كنز العمال 10/291 عن ابن عبد البر في كتاب العلم: عن الزهري، عن عروة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك فأشاروا عليه أن يكتبها، فظل عمر يستخير الله فيها شهراً، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتاباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا. انتهى.

وروى عن ابن سعد في الطبقات، عن الزهري قال: أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السنن فاستخار الله شهراً، ثم أصبح وقد عُزم له فقال: ذكرت قوماً كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله. انتهى.

روى في كنز العمال 10/291 عن ابن عبد البر في العلم وأبي خثيمة: عن ابن وهب قال: سمعت مالكا يحدث أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب هذه الأحاديث أو كتبها ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله.

عن يحيى بن جعدة قال: أراد عمر أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: من كان عنده شئ من ذلك فليمحه. انتهى.

كلمة “السنة” أو “السنن” تطلق على الأخبار المتعلقة بالرسول. الكلام المنقول أعلاه يدل على أن الخلفاء الراشدين منعوا تدوين السنن وأحرقوا ما دوّن منها.

بعض الشيعة الإمامية يعتبرون أن إحراق السنة ومنع تدوينها هو من جرائم الصحابة، وأنه جزء من مؤامرة الصحابة على الرسول وآل بيته، ولكن هناك روايات تدل على أن الرسول نفسه منع تدوين السنة:

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: كنا قعودا نكتب ما نسمع من النبي – صلى الله عليه وسلم- فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون؟ فقلنا: ما نسمع منك، فقال: أكتاب مع كتاب الله؟ فقلنا: ما نسمع، فقال: اكتبوا كتاب الله، امحضوا كتاب الله، أكتاب غير كتاب الله، امحضوا كتاب الله أو خلصوه، قال: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد ثم أحرقناه بالنار.

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أيضا قال: بلغ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن ناسا قد كتبوا أحاديثه، فصعد المنبر، وقال: ما هذه الكتب التي بلغني أنكم قد كتبتم؟ إنما أنا بشر، فمن كان عنده شيء منها فليأت بها. يقول أبو هريرة: فجمعناها فأخرجت.

هذه الروايات تدل على أن الرسول هو أول من منع تدوين الأحاديث أو السنة. لو صدقنا هذه الروايات فهذا يفسر امتناع المسلمين الأوائل عن تدوين سنن الرسول وأخباره (طبعا الشيعة ربما ينكرون مصداقية هذه الروايات، ولكن هذا ليس موضوعي الآن).

حسب الروايات فإن السبب الذي جعل الرسول يمنع تدوين السنة هو خوفه من اختلاط كلامه بكلام الله (كلام الله هو القرآن). الرسول كان يصر على أنه مجرد كائن بشري يتلقى وحيا من الله (في القرآن ورد ما يلي “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ”)، لهذا السبب هو كان حريصا على التمييز بين كلامه البشري وبين الوحي الإلهي المتمثل بالقرآن.

طرح الشيعة قد يكون صحيحا. أنا بصراحة لا أعلم إن كان الرسول هو الذي منع تدوين السنة أم أن الصحابة هم الذين قرروا ذلك، ولكن بغض النظر عن هذه المسألة: النتيجة هي أن المسلمين الباكرين لم يكونوا يكتبون السنة (سواء كان ذلك بأمر من الرسول أم بأمر من الخلفاء الراشدين).

الخلاصة هي أن “السنة النبوية” لم تكن موجودة في العصر الإسلامي الباكر.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي مصادر الدين في العصر الإسلامي الباكر؟

مصادر الدين في عصر الرسول

القرآن كان يعتبر المصدر الأول للدين في عصر الرسول، كما تدل على ذلك نصوص القرآن نفسه، ولكن إلى جانب القرآن لا بد أن الرسول كان أيضا مصدرا للدين.

في القرآن ورد ما يلي “وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”. صياغة هذه الآية تدل على أن الرسول كان يملك سلطة دينية على المسلمين. هناك الكثير من النصوص والروايات التي تدل على أن الرسول كان يملك سلطة دينية وأنه كان يشرع الأحكام الدينية، أي أنه كان مصدرا للدين.

مصادر الدين في عصر الخلفاء الراشدين

ما هي مصادر الدين بعد وفاة الرسول؟

لا شك في أن القرآن كان (نظريا) المصدر الأول للدين في عصر الخلفاء الراشدين. معظم المذاهب الإسلامية (سواء الباكرة أم المتأخرة) تعتبر القرآن المصدر الأول للدين، رغم أنه في الممارسة العملية ليس المصدر الأول للدين في أي منها.

بعد وفاة الرسول نشأ لدى المسلمين نظام الخلافة. الخليفة هو شخص يرث سلطات الرسول. في الأعلى قلنا أن الرسول كان يملك سلطات دينية وليس مجرد سلطات سياسية. هل هذا يعني أن الخلفاء الراشدين كانوا يملكون سلطات دينية إلى جانب السلطات السياسية؟

الروايات تدل بشكل واضح على أن الخلفاء الراشدين كانوا يملكون سلطات دينية لا تقل عن سلطات الرسول، بدليل أن عمر بن الخطاب عدّل تشريعات دينية أقرها الرسول.

على سبيل المثال، في عصر الرسول كان المسلمون يصلون صلاة التراويح في بيوتهم، ولكن عمر بن الخطاب غير صفة هذه الصلاة وحولها إلى صلاة جماعة في المساجد.

الإمام مالك (من أئمة أهل السنة) ذكر في كتاب “الموطأ” أن عمر بن الخطاب أضاف عبارة “الصلاة خير من النوم” إلى أذان الفجر، ما يدل على أن هذه العبارة لم تكن معروفة في زمن الرسول.

أشهر التغييرات التي أدخلها عمر بن الخطاب على تشريعات الرسول هي تحريمه للمتعتين (متعة الحج ومتعة النساء). المقصود بمتعة الحج هو نوع من أنواع الحج إلى مكة، والمقصود بمتعة النساء هو زواج المتعة (الزواج المؤقت). هناك روايات متواترة تدل على أن عمر بن الخطاب هو الذي حرم هاتين المتعتين (في صحيح البخاري وردت الرواية التالية حول زواج المتعة “عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات، ثم قال رجل برأيه ما شاء”. الرجل المقصود هو عمر بن الخطاب كما ورد في كتاب فتح الباري. وفي صحيح مسلم ورد ما يلي “عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا نستمتع [بالنساء] بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر”. وفي مسند أحمد ورد ما يلي “عن جابر بن عبد الله قال: تمتعنا متعتين على عهد النبي ﷺ: الحج والنساء، فنهانا عمر عنهما فانتهينا”. وفي السنن الكبرى للبيهقي ورد ما يلي “عن جابر رضي الله عنه قال في حديث: تمتعنا مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر رضي الله عنه، فلما ولي عمر خطب الناس فقال: إن رسول الله ﷺ هذا الرسول، وإن هذا القرآن هذا القرآن، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، إحداهما متعة النساء […] والأخرى متعة الحج”).

عمر بن الخطاب (حسب علمي) هو أول من ميز بين المسلم العربي والمسلم الأعجمي في العطاء من بيت المال، بمعنى أنه كان يعطي المسلمين العرب أموالا أكثر من الأموال التي يعطيها للمسلمين غير العرب. عمر بن الخطاب كان بشكل عام متعصبا للعرب، وهو أصدر عددا من القرارات التي ميز فيها بين المسلمين العرب وغير العرب (من هذه القرارات مثلا القرار الذي يمنع غير العرب من الإقامة في المدينة المنورة حتى وإن أسلموا). هذا النهج العروبي المتعصب هو النهج الذي سارت عليه الدولة الإسلامية حتى انهيار الخلافة الأموية (ليس من المصادفة أن الشخص الذي قتل عمر بن الخطاب كان إيرانيا).

من يدرس سيرة الخلفاء الراشدين بشكل عام وسيرة عمر بن الخطاب بشكل خاص سوف يدرك بسهولة أن هؤلاء الخلفاء كانوا يتمتعون بسلطة تشريع ديني، أي أنهم كانوا من مصادر الدين، تماما كما كان الرسول أثناء حياته. هذا أمر منطقي لأن هؤلاء الأشخاص هم خلفاء الرسول، أي أنهم ورثته. هم كانوا يملكون نفس سلطاته.

لهذا السبب نجد في التراث الإسلامي عبارة “سنة الشيخين”. المقصود بالشيخين هما أبو بكر الصديق (الخليفة الأول) وعمر بن الخطاب (الخليفة الثاني). عبارة “سنة الشيخين” تشبه عبارة “سنة الرسول” وهي تدل على أن الخلفاء الراشدين كانوا من مصادر الدين.

رغم كون الخلفاء مصادر للدين إلا أن القرآن ظل في المرتبة الأولى كمصدر للدين، كما تدل على ذلك الرواية التالية مثلا:

ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها فلا عرفن ما زاد رجل في صداق إمرأة على أربعمائة درهم، قال: ثم نزل فإعترضته إمرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: وآتيتم إحداهن قنطاراً، الآية، قال: فقال: اللهم غفراً كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب.

هذه الرواية تتحدث عن أحد تشريعات عمر بن الخطاب. هو في البداية صعد على منبر الرسول وأطلق تشريعا جديدا لم يكن معروفا من قبل (يتعلق بمهر المرأة عند الزواج). عندما نزل من على المنبر جاءته امرأة وقالت له أن تشريعه الجديد هو مخالف لنص القرآن. عندما أدرك عمر أن كلام المرأة صحيح صعد على المنبر وألغى تشريعه.

هذه القصة تدل على أن القرآن كان المصدر الأول للدين في عصر الخلفاء الراشدين، كما كان في عصر الرسول. عمر بن الخطاب كان يستطيع أن يغير تشريعات الرسول، ولكنه لم يكن يستطيع أن يغير تشريعات القرآن. السبب هو أن تشريعات الرسول هي ذات مسحة بشرية، وأما تشريعات القرآن فهي إلهية صرفة.

بما أن تشريعات الرسول هي قابلة للتعديل على يد الخلفاء التالين له فهي إذن ليست بنفس أهمية القرآن ولا يجوز أن تدون في كتب على غرار القرآن. بناء على هذا المنطق كان المسلمون الأوائل يحرقون سنة الرسول ويمنعون تدوينها في كتب. بالنسبة لهم سنة الرسول كانت قابلة للأخذ والرد، بخلاف القرآن الذي هو تشريع ثابت لا يتغير.

خلاصة ما سبق هي أن مصادر الدين عند المسلمين الأوائل هي:

  1. القرآن
  2. الإمام (الرسول وخلفاؤه)

كلام الإمام (سواء كان الرسول أم خلفاءه) كان كلاما مقدسا ولكنه لم يكن في نفس منزلة القرآن، لأن كلام الإمام هو قابل للتعديل على يد الأئمة التالين له، بخلاف القرآن. لهذا السبب كان المسلمون يتجنبون تدوين كلام الأئمة (بما في ذلك كلام الرسول)، ولكنهم كانوا يحرصون على تدوين القرآن.

ما سبق هو تلخيص للمذهب الإسلامي الباكر الذي كان مطبقا في بداية الإسلام.

جذور المذهب الشيعي

المذهب الشيعي هو مذهب قديم تعود جذوره إلى عصر الخلفاء الراشدين، ولكن هذا المذهب لم يصل إلى السلطة إلا بعد انهيار الخلافة الأموية.

في العصر الأموي كان المذهب الشيعي يحظى بشعبية كبيرة في أوساط عامة المسلمين، ولكن الخلفاء الأمويين كانوا ضد هذا المذهب. المذهب الذي كان يتبعه الخلفاء الأمويون هو نفس المذهب الذي وصفناه في الأعلى والذي تعود جذوره إلى أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب.

كلمة “المذهب الشيعي” هي كلمة واسعة تضم العديد من المذاهب الفرعية. أكبر مذهب في عصرنا الحالي يوصف بأنه مذهب شيعي هو المذهب الجعفري أو الإمامي الاثنا عشري. المذهب السني (مذهب أهل السنة والجماعة) لا يوصف عادة بأنه مذهب شيعي، ولكنه في رأيي مذهب شيعي. إذا لم يكن شيعيا فهو على الأقل مذهب مشتق من المذهب الشيعي.

أنا أظن أن العلاقة بين المذهبين الجعفري والسني يمكن تمثيلها بالشكل التالي:

Evolution of Islam

هذا الشكل هو ليس ناتجا من دراسة علمية كاملة ولكنه مجرد تصور مبدئي، وهو طبعا لا يغطي كل المذاهب الإسلامية.

أنا أظن أن الإسلام انقسم في عصر الخلفاء الراشدين إلى مذهبين:

  • مذهب الشيخين
  • المذهب الشيعي

كلمة “الشيخين” تطلق في التراث الإسلامي على أبي بكر وعمر. ما أقصده بمذهب الشيخين هو المذهب الذي وصفته في الأعلى والذي كان مذهب الخلفاء حتى زوال الخلافة الأموية.

المذهب الشيعي تفرع في العصر العباسي إلى مذاهب عديدة. مذهب أهل السنة والجماعة هو أحد هذه المذاهب التي نتجت من تفرع المذهب الشيعي.

لحسن الحظ نحن نملك الكثير من الروايات التي توضح جذور المذهب الشيعي وكيفية نشوئه. المذهب الشيعي بدأ بالتكون بعيد وفاة الرسول بسبب النزاع على الخلافة.

بعد وفاة الرسول نشأ نزاع حول من يخلفه. في البداية كان هناك نزاع بين المهاجرين (من قبيلة قريش) والأنصار (من الأوس والخزرج). الأنصار كانوا يريدون أن يكون الخليفة منهم، ولكن المهاجرين أصروا على أن الخليفة يجب أن يكون من قبيلة قريش (قبيلة الرسول). في النهاية توصلوا إلى تسوية تنص على أن يكون الخليفة من قريش ولكن مقره يجب أن يكون في المدينة المنورة (موطن الأنصار).

هذه التسوية أوصلت أبا بكر الصديق إلى السلطة. هذا الأمر أزعج بني هاشم (عشيرة الرسول) لأنهم كانوا يريدون أن يكون الخليفة منهم.

النزاع على السلطة بين بني هاشم وبين بقية عشائر قريش هو أصل المذهب الشيعي. هذا النزاع كان واضحا في عصر الخلفاء الراشدين. من يقرأ الأحداث التي جرت في عصر الخلفاء الراشدين سوف يلاحظ أن بني هاشم (خاصة علي بن أبي طالب) كانوا كثيرا ما يعارضون قرارات وسياسات الخلفاء الراشدين.

مظاهر النزاع بين علي بن أبي طالب وبين الخلفاء الراشدين هي كثيرة. نذكر منها مثلا النزاع حول جمع القرآن. بعدما مات الرسول قرر المسلمون أن يجمعوا الكتابات القرآنية ويضعوها في مكان واحد. بعض الروايات تقول أن علي بن أبي طالب جمع القرآن ووضعه في بيت زوجته فاطمة (التي هي بنت الرسول)، ولكن أبا بكر وعمر رفضا الاعتراف بهذا القرآن وجمعا قرآنا آخر ووضعاه في بيت حفصة بنت عمر (التي هي إحدى زوجات الرسول، ولكنها ليست من عشيرته). أنا لا أدري ما هو مدى مصداقية هذه القصة، ولكنها ربما تدل على أن علي بن طالب اختلف مع أبي بكر وعمر حول المكان الذي يجب أن يوضع فيه القرآن. علي أراد أن يضع القرآن في بيت زوجته فاطمة، وعمر أن أراد أن يضعه في بيت ابنته حفصة. على ما يبدو فإن علي بن أبي طالب كان يعتقد أن زوجته فاطمة هي أولى بالقرآن لأنها بنت الرسول ولأنها تنتمي لعشيرة الرسول بني هاشم، وأما عمر بن الخطاب فهو لم يكن يرى ذلك وكان يرى أن ابنته حفصة تستحق أن يوضع عندها القرآن.

هذا النزاع في العمق يتعلق بالسياسة والحكم. بنو هاشم كانوا يعتقدون أنهم أولى بالقرآن من غيرهم بسبب قرابتهم من الرسول، وبالتالي هم أولى بالحكم من غيرهم.

ولكن هل هذا يعني أن بني هاشم كانوا لا يعترفون بشرعية خلافة أبي بكر وعمر كما يقول الشيعة الجعفريون؟ أنا لم أقرأ ما يقنعني بأن بني هاشم كانوا لا يعترفون بشرعية الخلفاء الراشدين. في الحقيقة نحن نملك أدلة واضحة على أن آل البيت (بمن فيهم علي بن أبي طالب) اعترفوا بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان. الشيعة الجعفريون يقولون أن ذلك الاعتراف لم يكن عن اقتناع. حتى لو افترضنا أنه لم يكن عن اقتناع فإن ذلك لا يغير في الأمر شيئا. المهم هو أنهم اعترفوا ولم يتراجعوا قط عن ذلك الاعتراف (ما علاقتنا بنواياهم وسرائرهم؟ ما يعنينا فقط هو أفعالهم وأقوالهم الظاهرة).

بعض المذاهب الشيعية (مثلا المذهب السني والزيدي) تعترف بشرعية الخلفاء الراشدين، وهناك مذاهب شيعية أخرى (مثلا المذهب الجعفري) لا تعترف بشرعية الخلفاء الراشدين. هذه القضية هي ليست المعيار الذي يميز الشيعة عن غير الشيعة. هناك شيعة يعترفون بالخلفاء الراشدين، وهناك شيعة آخرون لا يعترفون بالخلفاء الراشدين.

في رأيي أن تمييز الشيعة عن غير الشيعة يجب أن يكون على أساس الموقف من سنة الخلفاء، أي الموقف من حق الخلفاء في إصدار التشريعات الدينية. هذه القضية هي المعيار الحقيقي الذي يميز الشيعة عن غير الشيعة.

الشيعة بشكل عام يعتقدون أن التشريع الديني هو حق حصري للرسول (بعض الشيعة يعتقدون أن آل بيت الرسول يملكون أيضا هذا الحق). أتباع مذهب الشيخين (الذي هو مذهب مندثر حاليا) يعتقدون أن التشريع الديني هو حق عام لجميع الخلفاء (سواء كانوا من آل بيت الرسول أم من غيرهم).

هذه القضية هي جوهر الخلاف الذي كان قائما بين علي بن أبي طالب وبين الخلفاء الراشدين. علي بن أبي طالب كان يرفض الاعتراف بـ”سنة الشيخين”، بمعنى أنه كان يرفض الاعتراف بتشريعات أبي بكر وعمر. على الأقل هو كان يرفض وضع هذه التشريعات في نفس منزلة تشريعات الرسول.

هناك حادثة شهيرة حصلت في عصر عثمان بن عفان تتعلق بتحريم متعة الحج. ما يلي هو النص من صحيح البخاري:

عن مروان بن الحكم، قال شهدت عثمان وعليا ـ رضى الله عنهما ـ وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما‏.‏ فلما رأى علي، أهل بهما لبيك بعمرة وحجة قال “ما كنت لأدع سنة النبي لقول أحد”

عثمان بن عفان كان ملتزما بسنة عمر بن الخطاب، ولهذا السبب هو كان ينهى الناس عن متعة الحج التي حرّمها عمر، ولكن علي بن أبي طالب تجاهل هذا النهي وقال “ما كنت لأدع سنة النبي لقول أحد”.

عبارة “ما كنت لأدع سنة النبي لقول أحد” تلخص مذهب علي بن أبي طالب. علي بن أبي طالب كان يميز بين سنة النبي وبين سنة الشيخين، بمعنى أنه كان يرفض المساواة بين تشريعات النبي وتشريعات الخلفاء الراشدين. هذا الموقف هو مرتبط بالنزاع على السلطة. لو أزلنا الفرق بين النبي وبين الخلفاء الراشدين فهذا يعني أن آل بيت النبي هم ليسوا أفضل من بقية الناس، وبالتالي لا يوجد سبب يؤهلهم للخلافة أكثر من غيرهم. لهذا السبب كان علي بن أبي طالب يصر على إعطاء النبي منزلة أعلى من منزلة الخلفاء الراشدين.

هذا الموقف تحديدا هو جوهر المذهب الشيعي. أي مذهب يعتقد بأن تشريعات النبي لها منزلة خاصة هو مذهب شيعي، لأن هذا الاعتقاد يوصلنا بالضرورة إلى أن آل بيت النبي هم أفضل من غيرهم. أي مذهب يعتقد بأن آل بيت النبي هم أفضل من غيرهم هو بالتعريف مذهب شيعي (كلمة “شيعة” تعني المنحازين إلى آل بيت النبي).

عندما تولى علي بن أبي طالب الخلافة (بعد مقتل عثمان) أبطل تشريعات الخلفاء الراشدين الذين سبقوه وأعاد العمل بتشريعات الرسول. أنا أظن أن قراره هذا كان السبب الرئيسي الذي جعل قريش تثور عليه وتحاربه. قريش فهمت هذا القرار على أنه يعني تفضيل الرسول على بقية الخلفاء من حيث الأهلية للتشريع الديني، أي من حيث الأهلية للحكم. إذا قلنا أن الرسول هو مؤهل للحكم أكثر من غيره فهذا يعني أن عشيرة الرسول هي مؤهلة للحكم أكثر من غيرها. قبيلة قريش لم تكن تحتمل هذا المنطق، ولهذا السبب هي ثارت على علي بن أبي طالب وحاربته.

طبعا كثير من القراء المسلمين سوف يستغربون هذا الكلام، لأن جميع المسلمين الموجودين في زماننا هم شيعة وفق المعيار الذي ذكرته في الأعلى، وبالتالي هم سوف يستغربون القول بأن الرسول هو مساو للخلفاء. هذه الفكرة بالنسبة لهم هي نوع من الكفر الصريح أو الهرطقة الصريحة.

العرب الجاهليون كان لديهم مفهوم معين لكلمة “النبي” يختلف عن المفهوم الشيعي السائد لدى المسلمين حاليا. الرسول محمد هو ليس أول نبي ظهر لدى العرب. هناك أنبياء كثيرون ظهروا قبل النبي محمد (بعضهم ورد ذكره في كتب الأخبار). الأنبياء كانوا موجودين أيضا لدى بني إسرائيل وغيرهم من شعوب الشرق الأوسط القديمة. كلمة “نبي” هي كلمة سامية قديمة للغاية وردت في كتابات تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد. وجود الأنبياء في الشرق الأوسط هو شيء قديم للغاية.

مفهوم “النبي” لدى شعوب الشرق الأوسط القديمة يختلف عن المفهوم السائد لدى المسلمين حاليا. النبي لدى شعوب الشرق الأوسط القديمة كان شبيها بالشامان لدى القبائل التركية. هو كان مجرد رجل عادي، ولكنه كان يمتلك القدرة على التواصل مع العالم الروحي. هذا تحديدا هو معنى كلمة “الوحي” التي وردت في القرآن. النبي أو الشامان هو مجرد رجل عادي يتلقى الوحي من العالم الروحي. الناس كانوا ينظرون له على أنه رجل ذو قدرات فائقة، ولكنه في النهاية مجرد رجل وليس كائنا روحيا.

مفهوم النبي لديهم كان شبيها بمفهوم “الشيوخ” في زماننا. الشيخ يمكنه أن يعمل لك حجابا أو تعويذة، ولكنه في النهاية مجرد رجل عادي، حتى وإن كان يستطيع أن يصنع أشياء فيها قدرات روحية فوق طبيعية.

الصحابة كانوا يحترمون الرسول وكانوا يعتقدون أن لديه قدرات روحية فائقة، ولكنهم لم يكونوا يقدسونه بنفس الطريقة الموجودة في زماننا. من يقرأ في كتب السير سوف يجد أن الصحابة كانوا يعصون الرسول ويناقشونه ويردون عليه، خاصة فيما يتعلق بأمور الإدارة والحياة اليومية (لهذا السبب هناك آيات عديدة في القرآن تدعو المسلمين لإطاعة الرسول وعدم التمرد عليه). هذه الممارسات التي كان يقوم بها الصحابة مع الرسول هي ممارسات عادية وطبيعية، لأن مفهوم النبوة بالنسبة لهم يختلف عن المفهوم الموجود لدى المسلمين المعاصرين.

مفهوم النبوة لدى المسلمين المعاصرين فيه قدر كبير من الغلو، وهذا نابع من الخلفية الشيعية للمذاهب الإسلامية المعاصرة. الشيعة كانوا منذ البداية يميلون لتعظيم النبي والمبالغة في تقديسه. المبالغة في تعظيم النبي وتقديسه توصلنا بالضرورة إلى تفضيل آل بيته على غيرهم.

الهدف الأساسي للشيعة في العصر الإسلامي الباكر كان إبطال المساواة بين تشريعات الرسول وتشريعات الخلفاء الراشدين. أنا أظن أن قبيلة قريش لم تكن تمانع وصول علي بن أبي طالب إلى السلطة، ولكنهم كانوا يريدون منه أن يحترم سنة الخلفاء الراشدين. هناك روايات تقول أن قبيلة قريش عرضت على علي بن أبي طالب تولي الخلافة بعد وفاة عمر بن الخطاب، ولكنهم طلبوا منه أن يحترم سنة الشيخين. عندما رفض علي الاعتراف بسنة الشيخين قررت قريش تولية عثمان بن عفان (ينتمي لعشيرة بني أمية التي هي أهم عشائر قريش والمنافس الرئيسي لبني هاشم).

هل أقر علي بن أبي طالب بعض تشريعات الشيخين؟

هناك سؤال شائك يتعلق بالمذهب الشيعي الباكر: هل أقر علي بن أبي طالب عند توليه الحكم بعض التشريعات الدينية التي تعود للشيخين والتي تخالف تشريعات الرسول؟

تحريم زواج المتعة هو أحد الأحكام التي يحتمل أن علي بن أبي طالب ساير فيها عمر بن الخطاب، رغم أن هذا ليس أكيدا بالنسبة لي.

المشكلة هي أن أهل السنة يحرمون زواج المتعة، والشيعة الجعفريون يبيحونه، أي أن هناك تناقضا بين المذهبين. كلا هذين المذهبين هما في رأيي مشتقان من المذهب الشيعي الباكر، وبالتالي لا يمكن القول بأن موقف الجعفريين هو أكثر تعبيرا عن موقف علي بن أبي طالب. من المحتمل أن موقف أهل السنة هو موقف علي بن أبي طالب.

علي بن أبي طالب كان يعارض تحريم زواج المتعة (روي عن علي أنه قال: “لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي”). نفس الموقف نقل عن ابن عباس ابن عم الرسول (ورد في مصنف عبد الرزاق “عن عطاء قال: وسمعت ابن عباس يقول: يرحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رخصة من الله عز وجل، رحم بها أمة محمد ﷺ، فلولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي”). حسب فهمي للقضية فإن أهل السنة (أو بعضهم على الأقل) يقولون أن علي بن أبي طالب كان ضد تحريم متعة النساء، ولكنه لم يلغ هذا التحريم، أي أنه التزم بسنة عمر بن الخطاب في هذه المسألة (ورد في صحيح ابن حبان “عن ابن جريج قال: أخبرني مَن أصدِّق أن عليًّا قال بالكوفة: لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب لأمرتُ بالمتعة، ثم ما زنى إلا شقي”).

لو فرضنا أن هذا الكلام صحيح وأن علي بن أبي طالب أبقى على تحريم متعة النساء فالسبب يعود ربما إلى رغبته في تهدئة معارضيه وتجنب المزيد من استفزازهم. من الممكن أن علي بن أبي طالب أبقى على تشريعات أخرى من تشريعات الشيخين. هذا يوصلنا إلى أن علي لم يبطل جميع تشريعات الخلفاء السابقين له ولكنه أبطل بعضها فقط. هو لم يكن يريد أن يمعن في استفزاز معارضيه والثائرين ضده، ولهذا هو أبقى على بعض تشريعات الخلفاء السابقين له (وإن بصورة مؤقتة).

إن كانت هذه النظرية صحيحة فهذا يعني ربما أن تشريعات أهل السنة والجماعة هي التشريعات الشيعية الأصلية التي طبقها علي بن أبي طالب عند توليه الحكم. من الممكن أن التشريعات الجعفرية هي تشريعات شيعية متأخرة نشأت بسبب محاولة الشيعة المتأخرين تطهير الفقه الشيعي من سنة الشيخين.

الإمامة

قضية الإمامة تربط عادة بالمذهب الشيعي، ولكن هذا الربط في رأيي هو غير صحيح، لأن مذهب الشيخين كان يقول أيضا بالإمامة.

مصادر الدين في مذهب الشيخين (المعاد بناؤه) هي كما يلي:

  1. القرآن
  2. الإمام (الرسول وخلفاؤه من قريش)

مصادر الدين في المذهب الشيعي الجعفري هي كما يلي:

  1. القرآن
  2. الإمام (الرسول وخلفاؤه من آل البيت)

مصادر الدين في مذهب الشيعة الجعفريين هي نفس مصادر الدين في مذهب الشيخين، ولكن الفرق يتعلق بهوية الإمام. الشيعة الجعفريون يعتقدون أن الإمام يجب أن يكون من آل بيت الرسول حصرا. مذهب الشيخين يعتقد أن الإمام يجب أن يكون من قريش.

هناك حديث شهير يرويه الشيعة عن الرسول (سواء كانوا من الجعفريين أم من أهل السنة):

تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ما تمسكتم بهما، كتاب الله وعترتي أهل بيتي

هناك رواية أخرى لهذا الحديث هي كما يلي:

تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي

بعض الناس حاليا قد يظنون أن هاتين الروايتين هما متناقضتان أو مختلفتان، ولكن في الحقيقة لا يوجد فرق في المعنى بين هاتين الروايتين. كلتا هاتين الروايتين تعبران عن العقيدة الشيعية المناقضة لعقيدة الشيخين. في مذهب الشيخين لا يوجد شيء اسمه “التمسك بسنة الرسول”، ولا يوجد شيء اسمه “التمسك بآل بيت الرسول”. لو كان هناك في مذهب الشيخين شيء اسمه “التمسك بسنة الرسول” لما كان الشيخان غيّرا أحكام وتشريعات الرسول، ولو كان هناك في مذهب الشيخين شيء اسمه “التمسك بآل بيت الرسول” لما كان الشيخان اختلفا مع آل بيت الرسول ولما كانا عاملا آل بيت الرسول معاملة عادية كما يعاملان بقية المسلمين.

في المذهب الشيعي الباكر لم يكن هناك فرق يذكر بين التمسك بسنة الرسول والتمسك بآل بيت الرسول. هاتان المقولتان كانتا وجهين لعملة واحدة، وهما كانتا توصلان إلى نتيجة واحدة هي تفضيل تشريعات الرسول على تشريعات الخلفاء، وبالتالي تفضيل أقارب الرسول على أقارب الخلفاء. هذه المفاهيم هي أساس المذهب الشيعي.

أنا أريد من هذا الكلام أن أبين أصل مذهب أهل السنة والجماعة. ما يلي هي مصادر الدين عند أهل السنة والجماعة:

  1. القرآن
  2. سنة الرسول

أهل السنة والجماعة استبدلوا مفهوم الإمامة بمفهوم السنة النبوية. بعض الناس قد يظنون أن هذه بدعة جديدة لا أصل لها في الإسلام، ولكن هذا ليس صحيحا. مفهوم “السنة النبوية” هو مفهوم شيعي بامتياز، وهو في الأصل مجرد مرادف لمفهوم آل البيت، لأن تفضيل سنة الرسول يوصلنا بالضرورة إلى تفضيل آل البيت.

المذهب السني هو مجرد فرع من المذهب الشيعي، ولكن أهل السنة تخلوا عن مفهوم “الإمامة” واستبدلوه بمفهوم قريب منه عقائديا هو مفهوم “السنة النبوية”. سبب هذا الاستبدال يعود إلى الظروف التي نشأ فيها المذهب السني. المذهب السني نشأ خلال العصر العباسي على يد رجال دين إيرانيين. نشوء المذهب السني هو مرتبط ارتباطا وثيقا بصعود القومية الفارسية التي تسمى “الشعوبية”. أهم هدف للشعوبيين كان ضرب الخلافة العربية والتخلص منها. لهذا السبب هم همشوا مفهوم الإمامة (أي الخلافة) واستبدلوه بمفهوم السنة النبوية.

مذهب الشيخين كان يعطي امتيازات كبيرة للعرب على حساب غير العرب. المذهب الشيعي الباكر كان أميل إلى المساواة بين العرب وغير العرب. لهذا السبب غالبية الإيرانيين كانوا يعتنقون المذهب الشيعي الباكر. الإيرانيون هم الذين أسقطوا الخلافة الأموية وأتوا بالخلافة العباسية. هم كانوا يظنون أن الخلافة العباسية (الشيعية) سوف تحقق لهم المساواة مع العرب، ولكن الخلفاء العباسيين ظلوا يميزون بين العرب وغير العرب، كما أنهم كانوا يميلون إلى البذخ والفساد. لهذا السبب كثير من الإيرانيين فقدوا الثقة بالمذهب الشيعي (بشكله المعروف آنذاك) والتجؤوا إلى مذاهب وتيارات فكرية جديدة.

أحد المذاهب الجديدة التي أنشأها الإيرانيون هو مذهب أهل السنة والجماعة. هذا المذهب يقضي تماما على دور الخليفة في التشريع الديني. مؤسسو هذا المذهب بذلوا جهودا عظيمة في جمع السنة النبوية وتدوينها وتحقيقها. هم كانوا يريدون أن يعطوا المصداقية لمذهبهم. قبل ظهور هذا المذهب لم يكن هناك أحد يعتبر السنة النبوية بحد ذاتها مصدرا للدين، لأن السنة النبوية لم تكن أصلا مدونة (تدوينها كان محرما في مذهب الشيخين).

صحيح أن الشيعة الباكرين كانوا يرفعون شعار “السنة النبوية”، ولكن هذا الشعار كان مجرد شعار نظري. واقعيا لم يكن هناك شيء ملموس اسمه السنة النبوية. ما كان موجودا في الواقع هو القرآن والإمام. الشيعة الباكرون عندما كانوا يقولون “السنة النبوية” فإنهم في الحقيقة كانوا يقصدون “آل البيت”. هم كانوا يكنون عن آل البيت بالسنة النبوية. هم عندما كانوا يطالبون بتطبيق السنة النبوية فإنهم في الواقع كانوا يريدون إعطاء أهمية لعلماء آل البيت (بوصفهم من نسل الرسول).

علماء السنة أخذوا مقولة “السنة النبوية” (التي هي مجرد شعار شيعي نظري) وحولوها إلى شيء ملموس. هم قاموا بتدوين الكثير من الروايات المنسوبة للرسول وقاموا بتحقيقها وتمحيصها. هم بذلوا جهدا كبيرا لكي يثبتوا أن كتب السنة النبوية التي قاموا بجمعها هي ذات مصداقية (طبعا المستشرقون المعاصرون لا يعتقدون أن هذه الكتب هي بالفعل ذات مصداقية).

علماء السنة الباكرون لم يكونوا يعتمدون بشكل كامل على السنة النبوية. مثلا لو نظرنا إلى المذهب الحنفي (مذهب سني باكر) فسنجد أن مصادر الدين في هذا المذهب هي كما يلي:

  1. القرآن
  2. السنة النبوية
  3. الإجماع
  4. القياس
  5. الاستحسان
  6. الاستصحاب
  7. المصالح المرسلة
  8. العرف
  9. قول الصحابي
  10. شرع من قبلنا

لو نظرنا إلى المذهب الحنبلي (مذهب سني متأخر) فسنجد أن مصادر الدين قد تقلصت:

  1. القرآن
  2. السنة النبوية
  3. الإجماع
  4. فتوى الصحابي
  5. القياس

أهمية السنة النبوية ازدادت تدريجيا في المذهب السني. علماء السنة الباكرون كانوا يتعاملون مع السنة النبوية بشيء من الحذر وكانوا يستعينون بمصادر أخرى عديدة للدين. علماء السنة المتأخرون صاروا يثقون أكثر بالسنة النبوية.

علماء السنة المتأخرون جدا (مثل ابن تيمية) صاروا يعتمدون على السنة النبوية بشكل حصري. ابن تيمية كان يزعم أن القرآن والإجماع هي من مصادر الدين التي يعتمد عليها، ولكنه في الممارسة العملية كان يقدم السنة النبوية على القرآن والإجماع. السنة النبوية بالنسبة لابن تيمية هي الله ذاته. هو كان يثق فيها ثقة عمياء، إلى درجة أنه كان مستعدا لمخالفة جميع المسلمين بناء على حديث نبوي اكتشفه في أحد الكتب.

الاعتماد على الحديث النبوي يعطي أهمية كبيرة لعلماء الدين. في مذهب الشيخين وفي المذهب الشيعي الباكر كان الإمام أو الخليفة هو المرجع الديني الأبرز. من كان يريد أن يحصل على حكم ديني كان يذهب إلى الإمام لكي يحصل منه على الحكم. ظهور كتب السنة النبوية همش دور الإمام. الناس صاروا يطلبون الأحكام الدينية من كتب السنة بدلا من الإمام. علماء السنة صاروا هم المرجعية الدينية للناس، وأما الخليفة فصار بلا دور ديني مهم.

ما حصل في العصر العباسي هو أن علماء السنة (وجلهم من الإيرانيين) استولوا على صلاحية التشريع الديني التي كانت من حق الخليفة العربي. هذه كانت ضربة كبيرة لمكانة الخليفة. لهذا السبب الخلفاء العباسيون سعوا لقمع المذهب السني. علماء السنة بشكل عام تعرضوا للتنكيل من الخلفاء العباسيين. الخليفة المأمون استدعى علماء السنة وناقشهم في مسائل دينية نظرية مثل مسألة خلق القرآن. هذه المسائل الفلسفية لم تكن بحد ذاتها مهمة بالنسبة للخليفة، ولكن الخليفة كان يريد أن يثبت للناس أنه هو المرجعية الدينية وليس علماء السنة. هو أجبر علماء السنة على أن يتبنوا رأيه في مسألة خلق القرآن لأنه أراد أن يثبت أن الخليفة هو صاحب القول الفصل في المسائل الدينية.

انهيار الخلافة العباسية أدى بشكل تلقائي إلى اندثار مفهوم الإمامة. عندما زال الخلفاء العرب المتحدرون من آل بيت الرسول لم يعد هناك مرجع ديني للناس سوى علماء السنة. لهذا السبب صار المذهب السني هو مذهب غالبية المسلمين. المذهب السني هو مناسب للحكام غير العرب (كالأتراك الذين حكموا المسلمين بعد انهيار الخلافة العباسية)، لأن المذهب السني لا يركز على الخليفة ويعتبر أن الخلافة هي منصب سياسي بحت. طالما أن الخلافة هي منصب سياسي بحت فإذن ليست هناك مشكلة كبيرة إذا كان الخليفة غير عربي.

13 رأيا حول “نشوء المذاهب الإسلامية (1)

  1. تحياتي
    تقترح عليك العودة الى كتاب :التاريخ الاخر لسليمان بشير وهو فلسطيني ويتضمن رؤية جديدة للتدوينات التاريخية .يمكن الوصول اليه من google

  2. تحليلك لا بأس به من ناحية أن عامة العرب وقريشاً بعد وفاة الرسول لم تكن تؤمن حقيقة بنبوة النبي محمد ص بمفهوم القرآن الذي نجده اليوم، وهو يفسر كذلك سبب تشدد أئمة الشيعة ضد مصطلح النواصب (المعادين لأهل البيت) وتفريقهم عن عامة المسلمين من غير الشيعة. فقد جاءت الروايات الشيعية خصوصاً عن الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق ع بتكفير الناصبي المصرح بالعداء لأهل البيت قولاً واحداً، وذلك لأن مشكلة هذا الناصبي في أنه لا يمكن أن يكون مسلماً حيث أن عداءه لأهل البيت النبي يعني أنه لا يؤمن بنبوة محمد ص بالمفهوم القرآني.
    ولكن خلافي معك هو خلاف لفظي فالتشيع في العرف الحديث هو جعل علي والحسن وذرية الحسين عليهم السلام مرجعيات دينية وليس مجرد الاعتماد على المرويات عن النبي ص.

    • أهلا بك…

      أنا لم أتطرق في المقال لمفهوم النبوة في القرآن. أنت تقول أن مفهوم النبوة السائد اليوم هو المفهوم القرآني. أنا لست واثقا من صحة هذا الكلام. بعض صفات وأخبار النبي المذكورة في القرآن لا تتوافق مع المفهوم السائد اليوم للنبوة. هذا الموضوع هو موضوع شائك وهناك الكثير من النظريات المختلفة حوله. لا أحد من المستشرقين يعلم على وجه اليقين حقيقة الدين الإسلامي في زمن الرسول.

      بالنسبة لمصطلح “النواصب” فهذا المصطلح على ما أظن هو مصطلح سياسي أكثر من كونه دينيا. هل كان هناك في تاريخ الإسلام مذهب ينص على معاداة آل البيت؟ أنا أستبعد ذلك. هذا الكلام غير معقول. المذهب الذي يدعو لمعاداة آل البيت لا يمكن أن يكون مذهبا إسلاميا. مصطلح النواصب لا مكان له في مقالي لأن المقال يتحدث عن المذاهب وليس عن الأحزاب السياسية.

      بالنسبة لمصطلح التشيع فأنا أعلم أنه لا يطلق على أهل السنة، ولكنني أردت أن أقول أن مذهب أهل السنة هو في أصله مذهب شيعي.

      • الدين بما في ذلك الإسلام يعطي لنصوص الدين الأولى ولمؤسس الدين طابعاً مطلقاً لا يخطئ، لذا فمذهب الشيخين كما تفضلت بعرضه ليس إسلاماً أصلاً إلا بمعنى ضعيف جداً (very weak sense) بل هو حزب سياسي تدثر بدثار الإسلام لكي يحكم من خلال الهيكلية والدولة التي بناها محمد ص، لذا تجده حافظ على آليات الحكم ولكنه نزع المحتوى الكامل لمقام النبي الديني الذي طرحه القرآن، فعندما أقول النبوة بمفهوم القرآن فهذا يشمل (وما ينطق عن الهوى إن هوى إلا وحي يوحى) و(ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) و(إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) وهذا تلقائياً يعطي الحجية لفعل الرسول وقوله تقريره. لذا فالنصب هو فرع من مذهب الشيخين أي أنه مذهب سياسي تدثر بدثار الدين وعادى أهل البيت لأنهم كانوا يقولون بحجية قول النبي وفعله بما في ذلك تفضيل أهل بيته ووراثتهم لهم. ونعم كان هناك أناس يتدينون ببغض أهل البيت وعلي بن أبي طالب خصوصاً ومنهم رواة مشهورون يمكنك أن تبحث عن حريز بن عثمان مثلاً.

      • أنا أظن أنك تقيم مذهب الشيخين انطلاقا من خلفيتك الشيعية… مذهب الشيخين في رأيي هو دين عادي يشبه العديد من الأديان التي كانت موجودة قديما لدى العرب وغيرهم… التقديس الزائد للنبي لا يتوافق مع طبيعة المجتمع العربي الجاهلي وعاداته… ولا يتوافق مع مجتمعات الشرق الأوسط القديمة بشكل عام…

        الآيات التي تفضلت بذكرها لا تتعارض مع مذهب الشيخين… مذهب الشيخين لم يكن ينكر الوحي والقرآن، بل على العكس القرآن كان يعتبر مقدسا جدا في هذا المذهب (كما يظهر مثلا من اهتمام الخلفاء الراشدين بجمعه وتدوينه، وكما يظهر من قصة المرأة التي حاججت عمر بن الخطاب بآية من القرآن وأجبرته على التراجع عن أحد تشريعاته)… بالنسبة للآيات التي تدعو لطاعة الرسول وعدم إيذائه فهي أيضا لا تتعارض مع مذهب الشيخين… طاعة الرسول لا تعني بالضرورة أننا يجب أن نلتزم بجميع تشريعاته حتى قيام الساعة… المبدأ الذي يقول أن تشريعات الرسول هي ملزمة للمسلمين في كل زمان ومكان هو مبدأ شيعي يخالف مذهب الشيخين… ولكن هذا المبدأ ليس مذكورا في القرآن… على العكس من ذلك، هذا المبدأ يتناقض مع نصوص القرآن ومع روح الإسلام، لأنه في المحصلة يطمس الفرق بين القرآن وبين سنة الرسول… في المذاهب الشيعية لا يوجد هناك فرق عملي بين القرآن وبين سنة الرسول، وبالتالي سنة الرسول هي عمليا جزء من القرآن في هذه المذاهب، رغم أنها في الأصل ليست كذلك… ما فعله الشيعة هو أنهم وسعوا القرآن كثيرا وخلطوه بغيره… هذا الأمر هو مرفوض في مذهب الشيخين… في مذهب الشيخين القرآن له قداسة خاصة ولا يجوز خلطه بأي شيء غيره، حتى ولو كان سنة الرسول…

        أنت تقول أن هناك أناسا كانوا يتدينون ببغض آل البيت… هؤلاء لم يكونوا يبغضون آل البيت لكونهم آل البيت… هم كانوا يبغضون آل البيت لأسباب ومبررات أخرى… مثلا الخوارج كفروا علي بن أبي طالب… هم لم يكفروه لأنه ابن عم الرسول، ولكنهم كفروه لأنهم اعتقدوا أنه خالف القرآن… نفس الأمر ينطبق على مبغضي آل البيت من أتباع مذهب الشيخين… هم لم يكونوا يعادون آل البيت لكونهم آل البيت… ولكنهم كانوا يعادون آل البيت لأن آل البيت في نظرهم خالفوا القرآن وخرجوا على الخلفاء وسفكوا الدماء وأثاروا الفتنة بين المسلمين…

  3. أما التفريق الذي ذكرتَه في بداية المقال حول تأريخ كتابة القرآن فالنظرية الأخرى التي من أصاحبها باتريشا كرون ومايكل كون والتي لا تقبل الرواية الإسلامية قد تراجعت بشدة مؤخراً ولم تقبلها أوساط المستشرقين. وخصوصاً مؤخراً بعد اكتشاف مخطوطات صنعاء والأبحاث التي أجريت حولها والتي أكدت صحة الرواية الإسلامية حول جمع القرآن في عهد عثمان. والحق أن المنهج المعتمد على ما هو مكتوب فقط والرافض لما يروى شفاها بالأسانيد منهج معطوب فإن منهج العقلاء في كل حين هو الاعتماد على الأخبار الورادة عن مصادر متعددة ومتكاثرة، وإلغاء ذلك خطل. بل أن الاعتماد على المكتوب فقط يوقع كاتبه في أخطاء جسام للالتباس في غرض كاتبه كما وقع في ذلك المذكوران أعلاه، وإنك إن قرأت رواية 1984 لجورج أرويل علمتَ ما أعني.

    • أول من قال أن القرآن كتب في العصر العباسي من المستشرقين المعاصرين هو John Wansbrough في عام 1977، وبعده ظهرت كتابات مايكل كوك وباتريشيا كرون، وكما تفضلت فإن هذه النظرية هي ليست النظرية الغالبة حاليا. السبب ليس فقط مخطوطات صنعاء ولكن هناك أسبابا عديدة دعت المستشرقين لرفض هذا الطرح.

      بالنسبة للتناقل الشفهي فغالبية المستشرقين لا يرفضونه بالمطلق. أنا لم أقل في المقال أن التناقل الشفهي هو ساقط بالمطلق. أنا قلت فقط أن كتب الحديث الشريف تفتقد للمصداقية.

      المذهب الذي يرفض الروايات الشفهية بالمطلق هو مذهب قديم عفى عليه الزمن، وأنا في مقالات سابقة انتقدت هذا المذهب. الروايات الشفهية يمكن أن يؤخذ بها في بعض الأحيان. أنا لا أرفض الرواية الشفهية فقط لكونها رواية شفهية، ولكنني أقيم كل رواية شفهية على حدة. بعض الروايات الشفهية يمكن أن تكون قابلة للتصديق، ولكن الكثير من الروايات الشفهية المدونة في كتب الحديث الصحيح هي غير قابلة للتصديق.

      تحياتي لك وشكرا على التعليق…

  4. شكرا لك سيد مالك حرب…

    أريد أن أوضح شيئا يتعلق بمحتوى المقال… الخلفاء العباسيون كانوا من المذهب الشيعي (لأنهم كانوا يعتقدون بأفضلية الرسول وآل البيت)، ولكنهم كانوا يختلفون مع أهل السنة حول قضية الإمامة… الخلفاء العباسيون كانوا يعتقدون أن الإمام أو الخليفة هو مرجع ديني… علماء السنة كانوا يرفضون ذلك… موقف الجعفريين من هذه القضية هو نفس موقف الخلفاء العباسيين، ولكن الجعفريين يعتقدون أن الخلفاء العباسيين هم ليسوا خلفاء شرعيين لأنهم ليسوا من نسل علي بن أبي طالب (أي أن الخلاف بين الجعفريين والعباسيين يتعلق أساسا بهوية الإمام وليس بدوره)…

    بالنسبة للخلفاء الأمويين فهم كانوا على مذهب الشيخين ولم يكونوا شيعة (لأنهم لم يكونوا يعتقدون بأفضلية أهل البيت)…

    • هذا ليس هو ما قصدته… هناك أسباب موضوعية تجعلنا نرفض بعض الأحاديث… هذه الأسباب لا دخل لها بإيماننا الديني وقناعاتنا الشخصية…

      • لم يظهر لي زر (رد) في الأعلى لذا أكتب التعقيب هنا.
        *لا يوجد شخص يكتب من غير خلفية (أو ما يعرف بWeltanschauung)، فكل شخص له خلفيته ورؤيته وتصوراته التي كونّها سابقاً وهذا طبيعي، ولكن المشكلة تكون عندما يرث الشخص رؤيته وراثة ويتعصب لها دون تحقيق كافٍ.
        *لا أتفق مع ما طرحته بخصوص القرآن والنبوة ولكن التفصيل في هذا سيدخلنا في بحث مطول للآيات والأحاديث لا يساعدني الوقت عليه.
        * الناصبي حسب التعريف الشيعي هو من يبغض أصحاب الكساء الخمسة بالتحديد ومن ثم يلحق بهم باقي الأئمة. لذا الخوارج يعتبرون حسب الروايات الشيعية من النواصب. وإن كان المفهوم الأبرز للنصب هو النصب الأموي.
        * يبدو لي أن خلفيتك الروائية والتاريخية سنية محضة، لذا أقترح أن تقرأ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي حيث يورد روايات لا تجدها في كتب السنة، وكذلك كتب الشيعة ككتاب سليم بن قيس الهلالي وكتاب الملاحم والفتن في بحار الأنوار (وإن كان يلزمك الحذر لكيلا لا تفهم الأمور في غير سياقها)
        إلى اللقاء

  5. برافو هاني . اليوم انت بدأت بموضوع بشكل علمي ومحايد . اتمنى ان تستمر به وتبحث بشكل محايد لان في ذلك فائدة للكثيرين

  6. تحليل جيد شقيقي..
    لكن خذها نصيحة أخوية مني، اقرا اكثر كثيراً في هذا الموضوع، لان الموضوع شائك تاريخياً، وانا متشوق لأرى تحليلك بعد قرائتك لمصادر اكثر عددا وتنوعا
    احتراماتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s