الفراغ (2)

mind eye self

الذات

إحدى القضايا التي تجادل حولها الفلاسفة هي قضية الذات self.

كل إنسان لديه إدراك لذاته أو شعور بذاته. هذا الإدراك أو الشعور بالذات يسمى “وعي الذات” self-consciousness or self-awareness.

“الإدراك” أو “الشعور” هو نوع من أنواع التفكير. “وعي الذات” هو في المحصلة فكرة موجودة في العقل.

الفيلسوف John Locke لاحظ أن وعي الذات هو موجود في عقل الإنسان بشكل دائم وثابت. هذا الطرح أثار اهتمام الفيلسوف David Hume الذي بحث فيه وتوصل إلى نتيجة صادمة (ذكرتها سابقا في هذا المقال).

David Hume كان فيلسوفا تجريبيا بامتياز، بمعنى أنه كان يعتقد أن جميع الأفكار بلا استثناء هي مشتقة من الأحاسيس، ولكنه ميز بين طبقتين من الأفكار: طبقة مشتقة من الأحاسيس بشكل مباشر سماها الانطباعات impressions، وطبقة أخرى مشتقة من الانطباعات سماها “الأفكار”ideas  (هذا التقسيم هو ربما نفس تقسيم Kant الذي ميز بين mundus sensibilis و mundus intelligibilis).

David Hume اعتبر أن “وعي الذات” هو من الطبقة الثانية ideas. هو تساءل عن الانطباع impression (أي المدرك الحسي) الذي يؤدي إلى توليد وعي الذات. لا يوجد في عقل الإنسان أي انطباع ثابت ومستمر طوال الوقت كما هو حال وعي الذات. بناء على ذلك توصل Hume إلى أن وعي الذات هو وهم وليس فكرة حقيقية.

المقصود بهذا الكلام هو ما يلي: كل فكرة في العقل تنبع من أحاسيس واصلة إلى العقل. فكرة “الذات” self هي فكرة ثابتة في العقل لا تزول ولا تتغير أبدا. ما هي الأحاسيس التي تؤدي إلى توليد هذه الفكرة الدائمة والثابتة؟ Hume قال أنه لا توجد أية أحاسيس تصل إلى العقل بشكل دائم وثابت كما هو حال وعي الذات، وبالتالي هذه الفكرة هي ليست نابعة من أية أحاسيس، وبالتالي هي ليست فكرة حقيقية.

Kant طرح مفهوما لوعي الذات يتوافق مع نظريته في الإدراك الحسي المسماة “المثالية العابرة” transcendental idealism. حسب Kant فإن وعي الذات هو ناتج من عملية تجميع المدركات الحسية المتجزئة:

[Das Selbstbewußtsein] geschieht also dadurch noch nicht, daß ich jede Vorstellung mit Bewußtsein begleite, sondern daß ich eine zu der anderen hinzusetze und mir der Synthesis derselben bewußt bin. Also nur dadurch, daß ich ein Mannigfaltiges gegebener Vorstellungen in einem Bewußtsein verbinden kann, ist es möglich, daß ich mir die Identität des Bewußtseins in diesen Vorstellungen selbst vorstelle […] Der Gedanke: diese in der Anschauung gegebenen Vorstellungen gehören mir insgesamt zu, heißt demnach soviel, als ich vereinige sie in einem Selbstbewußtsein, oder kann sie wenigstens darin vereinigen […] Nur dadurch, daß ich das Mannigfaltige derselben in einem Bewußtsein begreifen kann, nenne ich dieselben insgesamt meine Vorstellungen; denn sonst würde ich ein so vielfarbiges verschiedenes Selbst haben, als ich Vorstellungen habe, deren ich mir bewußt bin.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 133

===============================================================

[Self-consciousness] then does not exist because I accompany every representation with consciousness, but because I join one representation to another, and am conscious of the synthesis of them. Consequently, only because I can connect a variety of given representations in one consciousness, is it possible that I can represent to myself the identity of consciousness in these representations […] The thought, “These representations given in intuition belong all of them to me,” is accordingly just the same as, “I unite them in one self-consciousness, or can at least so unite them” […] For the reason alone that I can comprehend the variety of my representations in one consciousness, do I call them my representations, for otherwise I must have as many-coloured and various a self as are the representations of which I am conscious.

===============================================================

وعي الذات ليس موجودا لأنني أقرن كل تمثيل بالوعي، ولكن لأنني أضم تمثيلا إلى آخر وأنا واع لعملية تركيب هذه التمثيلات. أنا أستطيع أن أمثّل لنفسي التطابق بين الوعي المرافق لتمثيلات متعددة فقط لأنني أستطيع أن أربط بين هذه التمثيلات في وعي واحد… لهذا فإن الفكرة التي تقول “هذه التمثيلات التي في عقلي هي كلها لي” هي مماثلة للفكرة التي تقول “أنا أوحّدها في وعي ذات واحد، أو على الأقل أستطيع أن أوحّدها هكذا”… أنا أطلق على تمثيلاتي المتنوعة مسمى تمثيلاتي لسبب وحيد هو أنني أستطيع أن أجمعها، لأنني لولا ذلك كنت سأملك ذواتا متعددة ومتنوعة بقدر التمثيلات التي أعيها.

Kant كان ملما بفلسفة David Hume وهو كان على علم بالمشكلة التي طرحها Hume حول وعي الذات. الحل الذي أوجده Kant لهذه المشكلة هو التالي: وعي الذات هو ناتج من “الفهم” (أي أنه من الأفكار ideas حسب تنصيف Hume)، ولكن وعي الذات عند Kant هو ليس ناتجا من نشوء تمثيل أو إدراك حسي معين في العقل، ولكنه ناتج من عملية تجميع التمثيلات (التركيب synthesis) التي ينفذها الفهم.

التمثيلات أو المدركات الحسية هي متغيرة وليست ثابتة في العقل، ولكن المبادئ والقوانين التي يجمع الفهم على أساسها التمثيلات هي ثابتة ولا تتغير، لأن هذه المبادئ والقوانين حسب فلسفة Kant هي مفاهيم فطرية مزروعة في العقل.

ثبات قوانين تجميع التمثيلات يفسر ثبات وعي الإنسان بذاته.

لنفرض أنني ذهبت إلى حديقة ورأيت هناك زهرة نضرة، وبعد أشهر عدت مجددا إلى نفس الحديقة ووجدت أن الزهرة قد ذبلت. ما هو السبب الذي يجعل عقلي يعتقد بأن فيه ذاتا أو شخصا واحدا قد رأى نفس الزهرة في المرتين؟

عقلي، وتحديدا “الفهم”، يملك مجموعة من “القوانين الطبيعية” التي يقوم على أساسها بتركيب التمثيلات. “فهمي” هو الذي ركب في عقلي صورة الزهرة النضرة قبل أشهر، وهو نفسه الذي يركب في عقلي الآن صورة الزهرة الذابلة. فهمي اعتمد على مجموعة من القوانين والمفاهيم الثابتة لتركيب كل من الصورتين. هذه القوانين والمفاهيم الثابتة هي المرجعية الثابتة التي تربط بين أفكاري وتجاربي، وبالتالي هي شرط ضروري لوجود شعوري بذاتي الواحدة.

Kant يقول أنه لولا وجود القوانين والمفاهيم الفطرية الثابتة لنشأ في العقل عدد لا يحصى من الذوات، لأن كل فكرة تنشأ في العقل سوف تؤدي إلى نشوء ذات.

إذن وحدة القوانين والمفاهيم التي يعمل “الفهم” على أساسها هي شرط ضروري لوحدة الذات وثباتها.

مبدأ وعي الذات

أحد المبادئ الشهيرة التي أتى بها Kant هو “مبدأ وعي الذات” principle of apperception.

ما يلي هو نص المبدأ:

Das: Ich denke, muß alle meine Vorstellungen begleiten können; denn sonst würde etwas in mir vorgestellt werden, was garnicht gedacht werden könnte, welches ebensoviel heißt, als die Vorstellung würde entweder unmöglich, oder wenigstens für mich nichts sein.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 131

===============================================================

The “I think” must be able to accompany all my representations, for otherwise something would be represented in me which could not be thought; in other words, the representation would either be impossible, or at least be, in relation to me, nothing.

===============================================================

“أنا أفكر” يجب أن تملك القدرة على مرافقة كل تمثيلاتي، وإلا فإن شيئا سيتمثل فيني رغم أنه ليس فكرة. بعبارة أخرى، هكذا تمثيل سيكون إما مستحيلا أو –على الأقل بالنسبة لي- لا شيء.

أنا بصراحة لست واثقا من أنني أفهم ما يقصده Kant بهذا الكلام، ولست واثقا من أن جميع مفسري Kant يفهمون المقصود. أنا شعرت أن بعض المفسرين حملوا هذا الكلام أكثر مما يحتمل.

ما يبدو لي هو أن Kant يقصد ما يلي: كل شيء يدور في عقلي هو حتما فكرة تابعة لي، وإلا فإنني ما كنت وعيته من الأساس.

أنا لا أشعر أن هذا الكلام يحمل أية فكرة مهمة (على الأقل في نطاق فهمي له). هو يقول ببساطة أن ما يدور في عقلي هي أفكاري.

من الممكن أن Kant كتب هذا الكلام بسبب تأثره بمقولة Descartes “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. Descartes ربط بين وجود الذات وبين التفكير. هذا هو ربما المعنى الذي يقصده Kant أيضا. من الممكن أن Kant أراد أن يعطي تعريفا لوعي الذات: وعي الذات بالنسبة لـ Kant يعني أنني أستطيع أن أضع عبارة “أنا أفكر” أمام كل شيء يدور في عقلي. لا يمكنني أن أكون واعيا لذاتي وفي نفس الوقت لا أستطيع أن أضع عبارة “أنا أفكر” أمام شيء يدور في عقلي. هذا الأمر مستحيل.

نشوء الذات

حسب Kant فإن نشوء الشعور بالذات هو مرتبط بالقدرة على التمييز بين الأفكار الشيئية objective والأفكار الشخصية subjective.

Kant ضرب المثال التالي: لنفرض أنني وقفت أمام واجهة منزل، وبعد ذلك درت نحو الجدار الجانبي للمنزل، ثم درت نحو الجدار الخلفي للمنزل. عقلي سيجمع صورة الواجهة مع الجدارين الجانبي والخلفي وسيقوم بتركيب تصور فراغي للمنزل، بمعنى أن عقلي سيدرك أن واجهة المنزل وجدرانه هي أجزاء من شيء واحد.

عقلي سيفترض أيضا أن كل البشر يجب أن يتفقوا معي في أن واجهة المنزل وجدرانه هي أجزاء من شيء واحد. من يرفض هذا الأمر هو حتما مخطئ.

لنفرض الآن أن هذا المنزل هو المنزل الذي قضيت فيه طفولتي. عندما أرى المنزل فإن شعورا بالحنين سيتنشط في عقلي، وعقلي سيربط هذا الشعور مع صورة المنزل، ولكن عقلي يعلم أن هذا الربط هو خاص بي. مثلا لو جاء أشخاص آخرون ورأوا المنزل فعقلي يعلم أنهم لن يربطوا صورة المنزل بشعور الحنين.

عقلي يعلم أن ربط شعور الحنين مع صورة المنزل هو فكرة شخصية subjective وليس فكرة شيئية objective. الفكرة الشخصية هي صحيحة فقط بالنسبة لي، ولكنها ليست بالضرورة صحيحة بالنسبة لبقية البشر.

حسب Kant فإن قدرة العقل على الفصل بين الأفكار الشخصية والشيئية هي شرط لوجود الذات أو الأنا. هذه القدرة تنبع من قدرة “الفهم” على تركيب العالم الشيئي objective world بالاعتماد على “الحكم” judgment. “الحكم” يعني القدرة على تمييز “الوحدة الشيئية” objective unity وفصلها عن الأفكار الشخصية subjective. الحكم هو فرع من التركيب synthesis، أي أنه يعتمد على “القوانين الطبيعية” والفئات categories المزروعة فطريا في الفهم.

الفهم يقوم بتركيب العالم الشيئي ويصنف الأفكار إلى نوعين، أفكار تنتمي إلى العالم الشيئي (أفكار شيئية objective) وأفكار لا تنتمي إليه (أفكار شخصية subjective).

بما أن “القوانين الطبيعية” الموجودة في الفهم هي قوانين فطرية وليست مكتسبة بالتعلم فهذا يوصلنا إلى أن العالم الشيئي الذي يقوم العقل بتركيبه هو نابع من الفطرة وليس من التجربة.

Die Ordnung und Regelmäßigkeit also an den Erscheinungen, die wir Natur nennen, bringen wir selbst hinein, und würden sie auch nicht darin finden können, hätten wir sie nicht, oder die Natur unseres Gemüths ursprünglich hineingelegt. Denn diese Natureinheit soll eine nothwendige d. i. a priori gewisse Einheit der Verknüpfung der Erscheinungen seyn […] Es ist also der Verstand nicht blos ein Vermögen, durch Vergleichung der Erscheinungen sich Regeln zu machen: er ist selbst die Gesetzgebung vor die Natur, d. i. ohne Verstand würde es überall nicht Natur.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 1, Seiten 125-126

===============================================================

Hence the order and regularity in the appearances that we call nature are brought into them by ourselves; nor indeed could such order and regularity be found in appearances, had not we, or the nature of our mind, put them into appearances originally. For this unity of nature is to be a necessary, i.e. an a priori certain, unity of the connection of appearances […] Hence the understanding is thus not merely a faculty for making rules through the comparison of the appearances; it is itself the legislation for nature, i.e., without understanding there would not be any nature at all.

===============================================================

نحن مصدر النظام والثبات في الظواهر الذي نسميه “الطبيعة”. هكذا نظام وثبات ما كان ليوجد في الظواهر لولا أننا نحن، أو طبيعة عقلنا، وضعته في الظواهر من الأصل. لأن هذا الثبات في الطبيعة هو الثبات اللازم والفطري في تركيب الظواهر… وهكذا فإن الفهم هو ليس مجرد القدرة على صنع القواعد عبر مقارنة الظواهر، ولكنه هو ذاته قانون الطبيعة، بمعنى أنه دون الفهم ما كانت لتكون هناك طبيعة على الإطلاق.

Kant يقول أن عقلنا هو الذي يصنع قوانين الطبيعة بناء على الفئات categories الفطرية المخزنة فيه.

من الممكن وفق هذا الطرح أن نتخيل ما يلي: العالم الشيئي الحقيقي له قوانين مختلفة عن القوانين التي نعرفها.

Kant لا ينفي هذه الاحتمالية. Kant لا يعرف أي شيء عن العالم الحقيقي سوى شيء واحد وهو أنه يحوي أشياء حقيقية قائمة بذاتها ترسل الأحاسيس إلى عقلنا. هو لا يعرف أي شيء عن ماهية هذه الأشياء القائمة بذاتها، ولكنه يصر على وجودها لأن “وجود المظهر يستلزم وجود شيء يظهر”.

Kant يعلم أن هناك أشياء قائمة بذاتها ترسل الأحاسيس إلى عقلنا، ولكنه لا يعلم أي شيء عن ماهية العالم الذي توجد فيه هذه الأشياء، وهو حتى لا يعلم ما هي القوانين التي تحكم ذلك العالم. القوانين الطبيعية الموجودة في عقلنا هي ليست نابعة من ذلك العالم ولكنها نابعة من عقلنا.

وحدة الفراغ

ذكرنا في الأعلى أن العقل يقوم بتركيب عالم شيئي objective world ويقوم بإسناد المدركات الحسية إلى هذا العالم، وبناء على هذه العملية يتمكن العقل من التمييز بين الأفكار الشيئية والأفكار الشخصية. هذه العملية هي ضرورية لوجود الذات self.

لنفرض أنني أريد أن أتخيل شيئا object لم يسبق لي أن شاهدته أو أدركته من قبل في العالم الشيئي. سوف أطلق على هذا الشيء مسمى “الجسم A“. حسب فلسفة Kant فإنني لا أستطيع أن أتخيل الجسم A دون أن أسند له مكانا في العالم الشيئي، لأن مفهوم المكان أو الفراغ هو شرط للإدراك الحسي (الإدراك الحسي والتخيل هما عمليتان متشابهتان).

كيف يمكن لي أن أسند مكانا للجسم A في العالم الشيئي رغم أنني لم أشاهده من قبل في العالم الشيئي؟ كيف سأضعه في العالم الشيئي رغم أنه لا ينتمي لهذا العالم؟

هناك حلان لهذه المشكلة. الحل الأول هو أن أركب عالما شيئيا جديدا يختلف عن العالم الشيئي الذي أعرفه، وبعد ذلك يمكنني أن أسند مكانا للجسم A في هذا العالم الشيئي الجديد.

Kant يرفض هذا الحل، لأنه سيؤدي إلى انهيار الذات.

وجود الذات يقتضي الفصل بين نوعين من الأفكار: أفكار تنتمي إلى العالم الشيئي وأفكار لا تنتمي إلى العالم الشيئي. الذات هي الأفكار التي لا تنتمي إلى العالم الشيئي.

لو أنني قمت بتركيب عالم شيئي جديد فهذا يعني أن ذاتي ستصبح على علاقة مع عالمين شيئيين، بمعنى أنني سأشعر أنني أعيش في عالمين شيئيين في آن واحد. هذا الأمر هو غير ممكن لأنه يتنافى مع مبدأ “وحدة التركيب” الذي اعتبره Kant شرطا لوحدة الذات.

أنا أستطيع أن أتخيل وجود عالم شيئي آخر غير العالم الذي أعرفه، ولكن عقلي سوف يكون مدركا لأن هذا العالم هو عالم خيالي وليس حقيقيا. هناك فرق بين أن أتخيل وجود عالم شيئي وبين أن أقوم بتركيب عالم شيئي أعتقد أنه حقيقة. العالم الشيئي الخيالي هو ليس صالحا لإدراك الأشياء، وبالتالي هو لا يحل مشكلتي ولا يساعدني على تخيل الجسم A.

لهذا السبب أنا بحاجة لحل آخر حتى أتمكن من إدراك الجسم A. الحل حسب Kant هو أن العقل يعتقد بوجود فراغ غير محدود unbounded space.

نحن لا نعلم ما هي حدود العالم الشيئي الذي ندركه، ولا نعلم أصلا إن كانت له حدود أم لا، ولكن عقلنا رغم ذلك يقوم بتركيب فراغ أو فضاء غير محدود.

عندما أتخيل الجسم A فإن ما يقوم به عقلي هو أنه يضع الجسم A في مكان من الفراغ غير المحدود يقع خارج حدود العالم الشيئي المحسوس. أنا لا أعرف ما هو هذا المكان، ولكنني أعرف أنه ليس في العالم الشيئي المحسوس، لأن الجسم A هو مجرد جسم خيالي في رأسي.

العقل يقوم بتركيب فراغ أو فضاء غير محدود unbounded space. هذا الفضاء غير المحدود يحوي كل المدركات الحسية، أي أنه يحوي العالم الشيئي بكامله. بالإضافة إلى ذلك هذا الفضاء يحوي أيضا الأشياء الخيالية التي أقوم بتركيبها في رأسي دون أن أكون قد شاهدتها في العالم الشيئي. إذن هذا الفضاء غير المحدود يحوي كل الأشياء التي أعرفها سواء كانت نابعة من الإدراك الحسي أم من الخيال. النقطة المهمة التي ركز عليها Kant هي أن هذا الفضاء غير المحدود هو موحد unified، بمعنى أنه فضاء واحد وليس عدة فضاءات. لو كان هناك أكثر من فضاء فإن هذا سيؤدي لانهيار الذات، لأن الذات لا يمكنها أن تعيش في أكثر من فضاء (مثلما أنني لا يمكن أن أكون موجودا في أكثر من مكان في آن واحد).

على ما أظن فإن الفضاء غير المحدود الذي تحدث عنه Kant هو موجود في قشرة المخ الجدارية parietal cortex. لهذا السبب فإن إصابة هذه القشرة بالتلف تؤدي إلى فقدان الإدراك الحسي بشكل كامل، أو ما يسمى بالإهمال نصف الفراغي hemispatial neglect. الأشخاص المصابون بهذه الحالة يدركون وجود نصف الفراغ دون النصف الآخر، بمعنى أنهم لا يعون أن هناك فراغا أو عالما يقع على جهتهم اليسرى في حال كانت إصابتهم في القشرة الجدارية اليمنى (أو العكس).

مصادر

  • Stanford Encyclopedia of Philosophy
  • Wikipedia, the free encyclopedia
Advertisements

One thought on “الفراغ (2)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s