الفراغ (1)

three dimensions space Euclidean

هذا الموضوع هو فلسفي-فيزيائي ولكنه رغم ذلك ليس بعيدا جدا عن موضوع الدماغ البشري.

تعريف الفراغ أو الفضاء space هو أمر صعب لأن هناك جدلا فلسفيا حول هذا المفهوم.

بعض الفلاسفة يرون أن الفراغ هو شيء object أو كيان entity له وجود حقيقي real، وبعضهم يرون أن الفراغ هو ليس شيئا حقيقيا ولكنه مجرد فكرة في العقل idea.

الفلاسفة الذين يعتقدون بأن الفراغ هو شيء حقيقي يعرفونه عادة بأنه امتداد extension.

حسب فهمي لكلمة “الامتداد” extension في الفلسفة فإن هذه الكلمة لها نفس معنى “المسافة” أو “البعد” dimension.

الفراغ عند Descartes

René Descartes

René Descartes عرّف الفراغ بأنه امتداد.

بالنسبة لـ Descartes فإن الامتداد هو خاصية property مميزة للمادة، وهو في الحقيقة أهم خصائص المادة. لهذا السبب Descartes أطلق على المادة مسمى “الجوهر الممتد” (extended substance) substance étendue.

بما أن الامتداد هو خاصية مادية، وبما أن الفراغ هو امتداد، فإن النتيجة التي توصل إليها Descartes هي أن الفراغ هو في الحقيقة مكون من المادة.

الفراغ عند Descartes لا يعني الخلاء vacuum، ولكنه شيء مادي.

الكون الفيزيائي في مفهوم Descartes هو مكون بالكامل من المادة. عندما يتحرك جسم مادي في الفراغ فإنه في الحقيقة يسبح في “المادة الفراغية” (هذا المصطلح هو من عندي).

لتوضيح الفكرة سأضرب مثالا. لنفرض أن هناك حوضا مملوءا بالماء، وفي داخل الماء توجد أجسام مادية سابحة. الماء الذي في الحوض يعادل الفراغ في كون Descartes، والأجسام السابحة في الماء تعادل الأجسام المادية الموجودة في الكون.

الكون في مفهوم Descartes لا يحوي مناطق “خالية” ولكنه مكون بالكامل من المادة، بالإضافة طبعا إلى الأشياء الروحية التي كان Descartes يعتقد بوجودها.

الفراغ عند Newton

Isaac Newton

Isaac Newton كان يعتقد بوجود “فراغ مطلق” absolute space و”زمن مطلق” absolute time.

مفهوم “الفراغ المطلق” عند Newton هو على ما أظن شبيه بمفهوم الفراغ عند Descartes، ولكن Newton في كتاباته رفض اعتبار الفراغ المطلق جوهرا substance لأنه يفتقد للقدرة السببية causal power ولأنه لا يملك وجودا مستقلا. هو وصف الفراغ المطلق بـ”الجوهر الزائف” pseudo-substance.

مفهوم الفراغ المطلق عند Newton هو على ما أظن شبيه بمفهوم “الأثير” aether الذي كان الفيزيائيون يعتقدون بوجوده حتى بداية القرن العشرين.

الأثير هو فكرة يونانية الأصل. اليونانيون القدماء كانوا يعتقدون بأن الكون هو مؤلف من أربعة عناصر أساسية هي النار والهواء والماء والتراب. الفيلسوف المشعوذ أرسطو أضاف عنصرا خامسا هو “الأثير” αἰθήρ. هذا العنصر المزعوم يفتقد لمعظم الخصائص المادية ووظيفته الأساسية هي حمل النجوم والأجرام السماوية.

Ptolemy universe

الأوروبيون في القرون الوسطى أطلقوا على الأثير مسمى quintessence (“العنصر الخامس”). الفيزيائيون الأوروبيون في القرن 19 كانوا يعتقدون أن الأثير هو الوسط الذي ينتقل عبره الضوء والموجات الكهرومغناطيسية بشكل عام. بعضهم ربما كان يعتقد حتى أن الأثير هو الوسط الذي تنتقل عبره قوة الجذب الكتلي gravitation.

الأثير باختصار كان عبارة عن مادة خفية تملئ الفضاء وتسبح فيها الكواكب وتنتقل عبرها الموجات الكهرومغناطيسية. فكرة الأثير كانت أشبه بحل سحري يستخدمه الفيزيائيون لتفسير الأمور التي يعجزون عن إدراكها، ولكن لا أحد استطاع أن يثبت وجود الأثير بالدليل الملموس. الاعتقاد بوجود الأثير اختفى في القرن العشرين، والفضل الأساسي في ذلك يعود لألبرت أينشتاين.

الفراغ عند Leibniz

Gottfried Leibniz

الفيلسوف الألماني Gottfried Leibniz (نهاية القرن 17) رفض مفهوم الفراغ الذي طرحه كل من Descartes و Newton.

حسب Leibniz فإن الفراغ هو ليس شيئا أو كيانا حقيقيا ولكنه مجرد فكرة في عقول البشر.

مفهوم الفراغ هو نابع من إدراكنا للأشياء. لو لم تكن هناك أشياء لما كان هناك وجود لمفهوم الفراغ.

Leibniz اعتبر أن مفهوم الفراغ هو تعميم أو توسيع لمفهوم المكان place.

“المكان” هو ليس شيئا حقيقيا ولكنه مجرد علاقة relation بين شيئين.

لكي نحدد “مكان” شيء ما نحن نحتاج لشيء آخر. مثلا لو كان هناك كوكبان في السماء فنحن نستطيع أن نحدد مكان الكوكب الأول بقياس بعده عن الكوكب الثاني، ولكن لو كان هناك كوكب واحد فقط في السماء فنحن لن نستطيع أن نحدد مكانه. مفهوم المكان في هذه الحالة لن يكون له معنى.

الفراغ space هو مجموع الأمكنة places التي يمكن أن تتواجد فيها الأشياء. بما أن المكان هو ليس شيئا ولكنه مجرد فكرة (مجرد علاقة relation) فهذا يوصلنا إلى أن الفراغ هو أيضا ليس شيئا ولكنه مجرد فكرة.

فلسفة Kant

Immanuel Kant (القرن 18) درس بشكل معمق طروحات الفلاسفة الذين سبقوه وخرج بأفكار جديدة أحدثت ثورة في عالم الفلسفة.

Kant اتفق مع Leibniz في أن الفراغ هو فكرة وليس شيئا حقيقيا، ولكن Kant رأى أن فكرة الفراغ هي ليست نابعة من إدراكنا للأشياء المحسوسة.

قبل Kant كان الاتجاه العام السائد في الفلسفة الغربية هو نحو التجريبيةempiricism  والشك skepticism. الفكر التجريبي يرى أن كل الأفكار والمفاهيم التي في عقل الإنسان هي مشتقة من إدراكه الحسي، والفكر الشكي يرى أن الإدراك الحسي هو غير موثوق.

John Locke كان من الشكاكين، ولكنه لم ينف الوجود الحقيقي لأشياء مادية ترسل الأحاسيس نحو العقل البشري. الأسقف George Berkeley كان أيضا من الشكاكين، ولكنه كان مثاليا idealist ونفى وجود أشياء مادية ترسل الأحاسيس نحو العقل البشري. هو زعم أن مصدر الأحاسيس التي تصل إلى العقل البشري هو الله.

David Hume

أكبر الشكاكين على ما أظن هو David Hume. حسب هذا الفيلسوف فإن العقل لا يمكنه أن يتأكد من الوجود الحقيقي للمادة أو الروح، ولا يمكنه حتى أن يتأكد من صحة القوانين الفيزيائية، لأن هذه القوانين لا تستند على أسس منطقية ولكنها مستقاة من الإدراك الحسي.

Immanuel Kant كان ملما بأفكار الفلاسفة الشكاكين، وهو طور هذه الأفكار عبر التمييز بين مفهومين:

  • المفهوم الأول أطلق عليه مسمى phenomenon. المقصود بهذه الكلمة هو الإدراك الحسي perception الذي ينشأ في العقل بسبب وصول الأحاسيس (يسمى أيضا التمثيل representation أو المظهر appearance).
  • المفهوم الثاني أطلق عليه مسمى noumenon. المقصود بهذه الكلمة هو إدراك وجود شيء يرسل الأحاسيس نحو العقل (وبالتالي يتسبب في ظهور الـ phenomenon في العقل).

الـ phenomenon هو مجرد فكرة في العقل وليس شيئا قائما بذاته (بالألمانية: Ding an sich).

الشيء القائم بذاته Ding an sich حسب مصطلحات Kant هو الشيء الحقيقي الموجود خارج العقل والذي يرسل الأحاسيس التي تؤدي لتوليد الـ phenomenon في العقل. هل الشيء القائم بذاته هو نفسه الـ noumenon؟ كثير من مفسري Kant يقولون ذلك، ولكن بعض المفسرين يرون أن هناك فرقا في المعنى بين المصطلحين.

ما يبدو لي هو أن Kant يميز بين الشيء القائم بذاته وبين الـ noumenon. على ما يبدو فإن كلمة noumenon عند Kant تشير إلى فكرة موجودة في العقل، وأما الـ Ding an sich فهو شيء حقيقي وليس فكرة.

ما يلي كلام لـ Kant حول الـ noumenon. أسفل النص الألماني هناك ترجمة إلى اللغة الإنكليزية، وفي أسفل الترجمة الإنكليزية هناك تفسير باللغة العربية. لو أنني ترجمت النص حرفيا إلى اللغة العربية فالنتيجة ستكون كلاما صعب الفهم. لهذا السبب قررت أن أفسر النص بدلا من أن أترجمه.

Der Begriff eines Noümenon, d. i. eines Dinges, welches gar nicht als Gegenstand der Sinne, sondern als ein Ding an sich selbst (lediglich durch einen reinen Verstand) gedacht werden soll, ist gar nicht widersprechend; denn man kan von der Sinnlichkeit doch nicht behaupten, daß sie die einzige mögliche Art der Anschauung sey. Ferner ist dieser Begriff nothwendig, um die sinnliche Anschauung nicht bis über die Dinge an sich selbst auszudehnen, und also um die obiective Gültigkeit der sinnlichen Erkentniß einzuschränken (denn das übrige, worauf iene nicht reicht, heissen eben darum Noümena, damit man dadurch anzeige, iene Erkentnisse können ihr Gebiet nicht über alles, was der Verstand denkt, erstrecken). Am Ende aber ist doch die Möglichkeit solcher Noümenorum gar nicht einzusehen, und der Umfang ausser der Sphäre der Erscheinungen ist (für uns) leer, d. i. wir haben einen Verstand, der sich problematisch weiter erstreckt als iene, aber keine Anschauung, ia auch nicht einmal den Begriff von einer möglichen Anschauung, wodurch uns ausser dem Felde der Sinnlichkeit Gegenstände gegeben und der Verstand über dieselbe hinaus assertorisch gebraucht werden könne. Der Begriff eines Noümenon ist also blos ein Gränzbegriff, um die Anmaßung der Sinnlichkeit einzuschränken, und also nur von negativem Gebrauche.

[…]

Unser Verstand bekomt nun auf diese Weise eine negative Erweiterung; d. i. er wird nicht durch die Sinnlichkeit eingeschränkt, sondern schränkt vielmehr dieselbe ein, dadurch daß er Dinge an sich selbst (nicht als Erscheinungen betrachtet) Noümena nent. Aber er sezt sich auch sofort selbst Gränzen, sie durch keine Kategorien zu erkennen, mithin sie nur unter dem Namen eines unbekanten Etwas zu denken.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 1, Seiten 254-256

===============================================================

The conception of a noumenon, that is, of a thing which must be cogitated not as an object of sense, but as a thing in itself (solely through the pure understanding), is not self-contradictory, for we are not entitled to maintain that sensibility is the only possible mode of intuition. Nay, further, this conception is necessary to restrain sensuous intuition within the bounds of phenomena, and thus to limit the objective validity of sensuous cognition; for things in themselves, which lie beyond its province, are called noumena for the very purpose of indicating that this cognition does not extend its application to all that the understanding thinks. But, after all, the possibility of such noumena is quite incomprehensible, and beyond the sphere of phenomena, all is for us a mere void; that is to say, we possess an understanding whose province does problematically extend beyond this sphere, but we do not possess an intuition, indeed, not even the conception of a possible intuition, by means of which objects beyond the region of sensibility could be given us, and in reference to which the understanding might be employed assertorically. The conception of a noumenon is therefore merely a limitative conception and therefore only of negative use.

[…]

Our understanding attains in this way a sort of negative extension. That is to say, it is not limited by, but rather limits, sensibility, by giving the name of noumena to things, not considered as phenomena, but as things in themselves. But it at the same time prescribes limits to itself, for it confesses itself unable to cognize these by means of the categories, and hence is compelled to cogitate them merely as an unknown something.

===============================================================

مفهوم الـ noumenon، أي الشيء الذي يجب التفكير فيه ليس بوصفه مدركا حسيا ولكن بوصفه شيئا قائما بذاته (عبر العقل المجرد حصرا) هو ليس متناقضا، لأنه لا يحق لنا أن نقول أن الإحساس هو الطريقة الوحيدة للمعرفة. هذا المفهوم هو أيضا ضروري لحصر المعرفة الحسية ضمن حدود الظواهر phenomena، وبالتالي وضع حد للمصداقية الشيئية (objective validity) obiective Gültigkeit للمعرفة الحسية، لأن الأشياء القائمة بذاتها التي تقع خارج نطاق المعرفة الحسية ما سميت noumena إلا لإظهار أن المعرفة الحسية لا تشمل كل ما يدور في العقل من أفكار. ولكن رغم ذلك فإن إمكانية هذه الـ noumena هي غير قابلة للتصور، وكل شيء خارج نطاق الظواهر phenomena هو بالنسبة لنا خواء، بمعنى أننا نملك عقلا يمتد نطاقه على نحو إشكالي إلى خارج حيز الظواهر، ولكننا لا نملك معرفة، ولا حتى تصورا لمعرفة، يمكن عبرها أن نصل إلى الأشياء التي تقع خارج نطاق الإحساس ويمكن أن نبني على أساسها أفكارا موثوقة. لهذا السبب فإن مفهوم الـ noumenon هو مجرد مفهوم للحصر وليس له سوى استخدام سلبي.

[…]

عقلنا يكتسب بهذه الطريقة نوعا من الامتداد السلبي، بمعنى أنه ليس محصورا بالإدراك الحسي ولكنه يحصر الإدراك الحسي عبر إعطاء تسمية noumena للأشياء التي لا تعتبر ظواهر phenomena ولكن أشياء قائمة بذاتها. ولكنه في نفس الوقت يضع حدودا لنفسه، لأنه يعترف بأنه غير قادر على معرفة هذه الأشياء عبر الفئات categories، وبالتالي هو مضطر لأن يفكر فيها على أنها أشياء مجهولة.

هذا النص (وغيره) يدل على أن الـ noumenon هو فكرة موجودة في العقل، ولكن هذه الفكرة ليست مشتقة من الحواس.

Kant يتحدث دائما عن نوعين من الأفكار، نوع مشتق بشكل مباشر من الحواس ونوع آخر غير مشتق بشكل مباشر من الحواس. هو يطلق على الأفكار المشتقة بشكل مباشر من الحواس مسمى “العالم الحسي” mundus sensibilis، ويطلق على الأفكار غير المشتقة بشكل مباشر من الحواس مسمى “العالم الفهمي” mundus intelligibilis. ما يبدو لي هو أن Kant يستخدم كلمة “الفهم” (understanding) Verstand كتسمية للتفكير الذي لا يعتمد بشكل مباشر على الحواس، وأما التفكير الذي يعتمد بشكل مباشر على الحواس فهو يسميه “الفطرة الحسية” (sensuous intuition) sinnliche Anschauung أو “المعرفة الحسية” (sensuous cognition) sinnliche Erkenntnis.

الـ noumenon هو فكرة نابعة من “الفهم” Verstand، أي أنه فكرة غير نابعة بشكل مباشر من الحواس. المقصود بالـ noumenon هو اعتقاد الإنسان بوجود شيء قائم بذاته Ding an sich يرسل الأحاسيس إلى عقله.

Kant يقول أن الـ noumenon هو مجرد مفهوم للحصر (limitative concept) Grenzbegriff، بمعنى أن الهدف منه هو وضع حد واقعي لمعرفة الإنسان النابعة من الإحساس.

ما يقصده Kant هو ما يلي: لو أن الإنسان لم يعتقد بالـ noumenon فهو لن يدرك وجود فرق بين الـ phenomenon (الفكرة الموجودة في العقل) وبين الشيء القائم بذاته Ding an sich (الشيء الحقيقي الموجود خارج العقل). الاعتقاد بالـ noumenon هو ضروري لكي يفهم الإنسان أن الـ phenomenon هو مجرد فكرة موجودة في عقله وليست أكثر من ذلك.

طبعا ليس كل الناس يفهمون الفرق بين الـ noumenon والـ phenomenon، ولكنني أظن أن Kant يتحدث في هذه المسألة عن زملائه الفلاسفة وليس عن عامة الناس. أصلا كتابه المسمى Critique of Pure Reason هو موجه حصرا للفلاسفة ولا أظن أن هناك أحدا قرأ هذا الكتاب عند نشره سوى الفلاسفة.

Kant وصف الـ noumenon بأنه شيء غير معروفunbekannt  وغير قابل للتصور gar nicht einzusehen وإشكالي problematisch وخواء leer. مثل هذه الألفاظ تكررت كثيرا في حديثه عن الـ noumenon، ولكنه رغم ذلك أصر على أن الـ noumenon هو فكرة ضرورية بسبب دورها في حصر المعرفة الحسية ومنع اكتسابها الطابع الشيئي objective (كما ذكرنا في الأعلى).

كيف نوفق بين كون الـ noumenon غير قابل للتصور وإشكالي إلخ وبين كونه فكرة ضرورية؟

ما يلي جواب Kant:

Gleichwohl wird, welches wohl gemerkt werden muß, doch dabei immer vorbehalten, daß wir eben dieselben Gegenstände auch als Dinge an sich selbst, wenn gleich nicht erkennen, dochwenigstens müssen denken können.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 25

===============================================================

At the same time, it must be carefully borne in mind that while we surrender the power of cognizing, we still reserve the power of thinking objects as things in themselves.

Kant يميز هنا بين “التعرف” (cognizing) erkennen وبين “التفكير” (thinking) denken. ما يلي شرحه للفرق:

In order to cognize an object, I must be able to prove its possibility, either from its reality as attested by experience, or a priori, by means of reason. But I can think what I please, provided only I do not contradict myself; that is, provided my conception is a possible thought, though I may be unable to answer for the existence of a corresponding object in the sum of possibilities. But something more is required before I can attribute to such a conception objective validity, that is real possibility—the other possibility being merely logical. We are not, however, confined to theoretical sources of cognition for the means of satisfying this additional requirement, but may derive them from practical sources.

أنا لا أدعي أنني أعرف تماما ما الذي يقصده، ولكنني أظن أنه يريد أن يقول ما يلي: الـ noumenon هو فكرة غير واقعية وغير قابلة للتصور لأننا لا نملك أي دليل حسي أو عقلي على إمكانيته، ولكنه رغم ذلك ليس فكرة مستحيلة.

سأضرب مثالا للتوضيح. لو جاء شخص وأخبرني أنه يعتقد بوجود كائنات “غير مادية” تعيش في العالم من حولنا فإنني سأستهجن كلامه وسأعتبره كلاما غير قابل للتصور، ولكنني رغم ذلك لن أعتبره كلاما مستحيلا.

أنا لا أستطيع أن أتصور وجود كائنات غير مادية، لأنني لم أتعامل سابقا مع شيء غير مادي حتى أستطيع أن أتخيل شيئا كهذا، ولكنني رغم ذلك لا أستطيع أن أقول أن وجود كائنات غير مادية هو أمر مستحيل، لأنه ليس أمرا مستحيلا من الناحية المنطقية. أنا فقط أعجز عن استيعابه أو تصوره. عجزي عن استيعابه أو تصوره لا يعني أنه مستحيل.

هذا على ما أظن هو ما يريد Kant أن يقوله. هو يقول أن الـ noumenon هو مفهوم غير قابل للتصور، ولكنه رغم ذلك مفهوم ضروري ويجب أن نؤمن به.

لماذا يجب أن نؤمن بهذا المفهوم؟ ما يلي هو جواب Kant:

Denn sonst würde der ungereimte Satz daraus folgen, daß Erscheinung ohne etwas wäre, was da erscheint.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 26

===============================================================

For, otherwise, we should require to affirm the existence of an appearance, without something that appears—which would be absurd.

===============================================================

لأننا لو لم نعتقد بوجود الأشياء القائمة بذاتها فهذا سيلزمنا بأن نعتقد بوجود مظهر دون شيء يظهر، وهو قول بلا معنى.

Kant هو مقتنع تماما بوجود “الشيء القائم بذاته” Ding an sich، وهو رفض أطروحة الأسقف George Berkeley الذي اعتبر أن المدركات الحسية (الظواهر phenomena) هي ليست نابعة من أشياء مادية. Kant يقول أن وجود المظهر (appearance) Erscheinung يتطلب وجود شيء يظهر (something that appears) etwas was erscheint. بالنسبة له هذه حتمية منطقية.

خلاصة ما سبق هي أننا يجب أن نميز بين ثلاثة مفاهيم:

  • الشيء القائم بذاته Ding an sich هو الشيء الحقيقي الذي يرسل الأحاسيس نحو العقل. وجود هذا الشيء هو بالنسبة لـ Kant ضرورة منطقية.
  • المظهر phenomenon هو المتجلي الحسي الذي يظهر في العقل بسبب وصول الأحاسيس من الشيء القائم بذاته.
  • الـ noumenon هو إدراك العقل لوجود الشيء القائم بذاته.

المثالية العابرة

أهم طرح أتى به Kant هو زعمه بأن الإدراك الحسي (تكوين الظواهر phenomena في العقل) يتطلب الاستعانة بمفاهيم فكرية تجريدية غير مستقاة من العالم المحسوس ولكنها مزروعة في “الفهم” Verstand على نحو فطري أو غريزي. Kant أطلق على هذا الطرح مسمى “المثالية العابرة” transcendental idealism.

حسب أطروحة المثالية العابرة فإن تكوين الظواهر phenomena في العقل يتطلب الاستعانة بالمفاهيم الفطرية التالية:

  • Quantity (Unity, Plurality, Totality)
  • Quality (Reality, Negation, Limitation)
  • Relation (Inherence and Subsistence (substance and accident), Causality and Dependence (cause and effect), Community (reciprocity))
  • Modality (Possibility, Existence, Necessity)

===============================================================

  • الكمية (الوحدة، التعدد، الكلية)
  • النوعية (الواقعية، النفي، الحدود)
  • العلاقة (الجوهر والخصائص، السبب والمسبب، التبادلية)
  • الجهة (الإمكانية، الوجود، الضرورة)

هذه المفاهيم التجريدية الفطرية تسمى “الفئات” categories.

حسب Kant فإن معرفة العقل بالفئات هي ليست مستقاة من الإدراك الحسي ولكنها معرفة فطرية سابقة للإدراك الحسي a priori.

الفراغ في فلسفة Kant

Kant كان مطلعا على كتابات Gottfried Leibniz. مفهوم الفراغ عند Kant هو نفس مفهوم الفراغ عند Leibniz، بمعنى أن Kant كان ينظر للفراغ على أنه مجرد علاقة relation بين الأشياء، أي أن الفراغ هو مجرد فكرة أو مفهوم موجود في العقل وليس كيانا واقعيا.

الطرح الغريب الذي أتى به Kant وتميز به عن كل سابقيه هو قوله بأن مفهوم الفراغ ليس مشتقا من إدراكنا للمحسوسات، ولكنه في أصله مفهوم فطري مزروع في “الفهم”. الفراغ هو مفهوم علاقي أو نسبي relational، وKant يعتبر أن المفاهيم العلاقية relational هي “فئة” category في “الفهم”.

حسب Kant فإن وجود مفهوم الفراغ في “الفهم” هو شرط ضروري لكي يتمكن العقل من إدراك المحسوسات أو تكوين الظواهر phenomena. لولا وجود مفهوم الفراغ في “الفهم” فإن العقل ما كان ليستطيع أن يدرك المحسوسات.

ما يلي كلام لـ Kant حول الفراغ (مع ترجمة إلى الإنكليزية وتفسير بالعربية):

1) der Raum ist kein empirischer Begriff, der von äusseren Erfahrungen abgezogen worden. Denn damit gewisse Empfindungen auf etwas ausser mich bezogen werden, (d. i. auf etwas in einem andern Orte des Raumes, als darinnen ich mich befinde,) imgleichen damit ich sie als ausser einander, mithin nicht blos verschieden, sondern als in verschiedenen Orten vorstellen könne, dazu muß die Vorstellung des Raumes schon zum Grunde liegen. Demnach kan die Vorstellung des Raumes nicht aus den Verhältnissen der äussern Erscheinung durch Erfahrung erborgt seyn, sondern diese äussere Erfahrung ist selbst nur durch gedachte Vorstellung allererst möglich.

2) Der Raum ist eine nothwendige Vorstellung, a priori, die allen äusseren Anschauungen zum Grunde liegt. Man kan sich niemals eine Vorstellung davon machen, daß kein Raum sey, ob man sich gleich ganz wohl denken kan, daß keine Gegenstände darin angetroffen werden. Er wird also als die Bedingung der Möglichkeit der Erscheinungen, und nicht als eine von ihnen abhängende Bestimmung angesehen, und ist eine Vorstellung a priori, die nothwendiger Weise äusseren Erscheinungen zum Grunde liegt.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 1, Seite 23

===============================================================

1. Space is not a conception which has been derived from outward experiences. For, in order that certain sensations may relate to something without me (that is, to something which occupies a different part of space from that in which I am); in like manner, in order that I may represent them not merely as without, of, and near to each other, but also in separate places, the representation of space must already exist as a foundation. Consequently, the representation of space cannot be borrowed from the relations of external phenomena through experience; but, on the contrary, this external experience is itself only possible through the said antecedent representation.

2. Space then is a necessary representation a priori, which serves for the foundation of all external intuitions. We never can imagine or make a representation to ourselves of the non-existence of space, though we may easily enough think that no objects are found in it. It must, therefore, be considered as the condition of the possibility of phenomena, and by no means as a determination dependent on them, and is a representation a priori, which necessarily supplies the basis for external phenomena.

===============================================================

1) الفراغ ليس مفهوما مشتقا من الإحساس الخارجي. لأنني لكي أنشئ علاقة بين أحاسيس معينة وبين شيء يقع خارجي (أي شيء يقع في جزء من الفراغ يختلف عن الجزء الذي أقع فيه)، وأيضا لكي أمثّل هذه الأحاسيس على أنها تقع في أماكن مختلفة وليست فقط مختلفة عن بعضها، لا بد لمفهوم الفراغ أن يكون موجودا في أساس إدراكي لهذه الأحاسيس. بالتالي مفهوم الفراغ لا يمكن أن يكون مستعارا من الإحساس بالعلاقات بين الظواهر الخارجية relations of external phenomena، ولكن على النقيض: الإحساس الخارجي هو نفسه غير ممكن إلا من خلال هذا المفهوم.

2) الفراغ هو مفهوم مسبق ضروري وهو يمثل الأساس لكل المدركات الحسية. لا يمكننا أبدا أن نتخيل أو نتصور عدم وجود الفراغ، رغم أننا نستطيع أن نتصور عدم وجود أشياء objects فيه. لهذا السبب لا بد من اعتباره شرطا لإمكانية الظواهر phenomena، وليس بأي حال من الأحوال نتيجة معتمدة عليها، وهو مفهوم مسبق a priori، ما يعني بالضرورة أنه يمثل أساس الظواهر الخارجية external phenomena.

تركيب الأحاسيس

من المفاهيم المهمة التي وردت في فلسفة Kant مفهوم “تركيب المدركات الحسية المتجزئة” Verbindung (conjunctio) eines Mannigfaltigen.

المدرك الحسي هو مكون من عناصر عديدة (مثلا الصورة التي يراها الإنسان عبر عينيه هي مكونة من العديد من الأشكال والألوان إلخ). Kant يقول أن العقل يستقبل عناصر المدرك الحسي على نحو متفرق وليس على نحو مجمع. تجميع العناصر يتم في العقل، وتحديدا في “الفهم”.

حسب Kant فإن هذا الطرح هو ضروري لتفسير معرفتنا بقوانين الطبيعة. لو كان عقلنا يستقبل المدركات الحسية مجمعة فإنه ما كان ليملك معرفة بالقوانين التي تحكم الطبيعة. بما أن “الفهم” يعي مبادئ وقوانين تحكم الطبيعة فهذا يستلزم أنه يقوم بنفسه بتطبيق هذه المبادئ والقوانين على العناصر الحسية المتفرقة التي تصل إليه.

ما يلي كلام لـ Kant:

Allein die Verbindung (conjunctio) eines Mannigfaltigen überhaupt, kann niemals durch Sinne in uns kommen, und kann also auch nicht in der reinen Form der sinnlichen Anschauung zugleich mit enthalten sein; denn sie ist ein Aktus der Spontaneität der Vorstellungskraft, und, da man diese, zum Unterschiede von der Sinnlichkeit, Verstand nennen muß, so ist alle Verbindung, wir mögen uns ihrer bewußt werden oder nicht, es mag eine Verbindung des Mannigfaltigen der Anschauung, oder mancherlei Begriffe, und an der ersteren der sinnlichen, oder nicht sinnlichen Anschauung sein, eine Verstandeshandlung, die wir mit der allgemeinen Benennung Synthesis belegen würden, um dadurch zugleich bemerklich zu machen, daß wir uns nichts, als im Objekt verbunden, vorstellen können, ohne es vorher selbst verbunden zu haben.

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft, Auflage 2, Seite 130

===============================================================

But the conjunction (conjunctio) of a manifold in intuition never can be given us by the senses; it cannot therefore be contained in the pure form of sensuous intuition, for it is a spontaneous act of the faculty of representation. And as we must, to distinguish it from sensibility, entitle this faculty understanding; so all conjunction whether conscious or unconscious, be it of the manifold in intuition, sensuous or non-sensuous, or of several conceptions—is an act of the understanding. To this act we shall give the general appellation of synthesis, thereby to indicate, at the same time, that we cannot represent anything as conjoined in the object without having previously conjoined it ourselves.

===============================================================

ولكن تجميع المدرك الحسي المتجزئ في العقل لا يمكن أبدا أن يعطى لنا عبر الحواس، ولهذا السبب فإنه لا يمكن أن يكون موجودا في الشكل النقي من العقل الحسي، لأن هذا العقل هو عمل عفوي لقدرة العقل التمثيلية [مدونة هاني: كلمة “التمثيل” representation هي مرادف للإدراك الحسي perception]. لهذا يجب علينا أن نميز قدرة العقل التجميعية عن قدرة العقل الحسية عبر إطلاق مسمى الفهم على القدرة الأولى، بحيث أن كل التجميع هو من عمل الفهم، سواء كان واعيا أم غير واع، وسواء كان متعلقا بالمدركات المتجزئة الحسية أم غير الحسية، أو متعلقا بعدة مفاهيم. سوف نطلق على هذا العمل مسمى “التركيب” synthesis، بحيث نوضح في نفس الوقت أننا لا نستطيع أن نمثل أي شيء مجمعا دون أن نكون قد جمعناه بأنفسنا.

أطروحة “التركيب” synthesis التي تحدث عنها Kant تتوافق مع طريقة عمل الدماغ البشري التي نعرفها حاليا. مثلا لو أخذنا حس البصر كمثال فسنجد أن الدماغ لا يستقبل الصور الساقطة على العينين على نحو مجمع.

شبكية العين تحوي عددا كبيرا من الخلايا العصبية التي تسمى “الخلايا العقدية الشبكية” retinal ganglion cells. كل واحدة من هذه الخلايا تستقبل إشارات عصبية قادمة من مستقبلات ضوئية تغطي جزءا صغيرا من مجال الرؤية، بمعنى أن كل واحدة منها ترى جزءا صغيرا من الصورة الإجمالية التي تراها العين.

اللافت هو أن هذه الخلايا تؤدي وظائف متنوعة: بعضها ينقل إشارات عصبية إلى خلايا دماغية مسؤولة عن إدراك اللون أو الشكل الهندسي، وبعضها الآخر ينقل إشارات عصبية إلى خلايا دماغية مسؤولة عن إدراك اتجاه الحركة.

هذا يدل على أن شبكية العين لا تستقبل الصورة على نحو مجمع ولكنها تستقبل عناصر متجزئة شبيهة بالـ Mannigfaltig (المدرك الحسي المتجزئ) الذي تحدث عنه Kant.

التجميع النهائي للـ Mannigfaltig لا يتم إلا في مناطق دماغية عالية جدا. بعض الباحثين يزعمون أن هذا التجميع لا يتم في الدماغ الفيزيائي ولكنه يتم في “عقل غير فيزيائي”.

تجميع الـ Mannigfaltig يتطلب مشاركة مناطق عديدة من القشرة المخية. مثلا القشرة الجدارية parietal cortex تلعب دورا في تجميع الـ Mannigfaltig، ونحن نعلم أن هذه القشرة هي مسؤولة عن الحس الفراغي spatial sense. هذا يذكرنا بكلام Kant عندما قال أن تجميع الـ Mannigfaltig هو غير ممكن دون الاستعانة بمفهوم الفراغ الموجود في “الفهم”.

القشرة الجدارية في النصف الأيمن من المخ هي مسؤولة عن الحس الفراغي على الجهة اليسرى من الجسم (والعكس صحيح). لو أصيبت القشرة الجدارية اليمنى بالتلف (مثلا بسبب جلطة دموية) فإن الإنسان سيصبح عاجزا عن إدراك أي شيء يقع على جهته اليسرى. هذه الحالة المرضية تسمى “الإهمال نصف الفراغي” hemispatial neglect. المصابون بهذه الحالة لا يشعرون بالأشياء التي تقع على الجهة المقابلة لجهة الإصابة في المخ. مثلا عند الأكل هم ربما يأكلون الطعام الموجود في النصف الأيمن من الطبق ويتركون الطعام الموجود في النصف الأيسر، لأنهم لا يعون أن هناك طعاما وطبقا على الجهة اليسرى. هم حتى لا يعون أنهم يملكون ذراعا يسرى ورجلا يسرى. بالنسبة لهم النصف الأيسر من العالم هو غير موجود.

حالة “الإهمال نصف الفراغي” تتوافق مع طروحات Kant. هو قال أن مفهوم الفراغ هو شرط مسبق للإدراك الحسي، ودون مفهوم الفراغ فإن العقل لا يستطيع أن يدرك الأشياء. لهذا السبب فإن القشرة الجدارية (المسؤولة عن مفهوم الفراغ) هي ضرورية للإدراك الحسي.

القشرة أمام الجبهية prefrontal cortex تساهم أيضا في الإدراك الحسي. هذه القشرة هي مسؤولة عن المعالجة المنطقية، أي أنها مسؤولة عن العديد من “قوانين الطبيعة” التي تحدث عنها Kant وقال أنها ضرورية لتجميع الـ Mannigfaltig.

مصادر

  • Stanford Encyclopedia of Philosophy
  • Wikipedia, the free encyclopedia
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s