عن المدونة

ما سأقوله الآن ليس تباهيا أو غرورا، ولكن يمكنكم أن تعتبروه نوعا من الترويج الإعلاني، رغم أن مدونتي هي ليست ذات هدف تجاري.

المقال التالي نشر اليوم في جريدة الأخبار اللبنانية. لاحظوا أن محتوى المقال ولغته ومصطلحاته تتوافق مع نظرتي للوضع في جنوب سورية التي كنت قد عبرت عنها قبل زمن طويل في هذه المدونة.

«جيش لحد» في القنيطرة

بعد فشل خطّة إسقاط دمشق، تسعى إسرائيل إلى إقامة «جدار طيب» في الجنوب السوري، يحمي عبره مسلحو المعارضة السورية الكيان من الجبهة السورية. تتقاطع المعطيات الأمنية والسياسية مع معطيات الميدان

فراس الشوفي

من يتخيّل، في جنوب سوريا، سعد حدّاد جديداً، قائد ما سميّ «جيش لبنان الحر» العميل لإسرائيل في جنوب لبنان؟ أو أنطوان لحد جديداً، الضابط الذي انشقّ عن الجيش اللبناني في نهاية السبعينيات، وورث حداد، ثم تحوّل جيشه إلى «جيش لبنان الجنوبي»؟ إسرائيل تتخيّل.

لم يكن خبر هبوط طائرة أميركية محمّلة بالسلاح والعتاد في مطار المفرق الأردني، قبل ثلاثة أسابيع، سوى إعلان عن خطّة أميركية ــــ إسرائيلية جديدة / قديمة، تتزامن مع المعطيات المؤكّدة لدى الأجهزة الأمنية السورية والمقاومة عن نقل غرفة العمليات الغربية من الحدود السورية ـــ التركية، إلى مدينة الرمثا الأردنية. وفي وقت تؤكّد فيه مصادر أمنية معنيّة لـ «الأخبار» أن إسرائيل «بدأت سعياً جدياً لإنشاء ما يسمى الجدار الطيب في منطقة الجنوب السوري، على غرار جدار العملاء الذي بنته في جنوب لبنان، بهدف حماية حدودها الشمالية»، يزداد التقاطع الميداني بين مسلحي المعارضة السورية والمصالح الإسرائيلية المباشرة في محافظة القنيطرة تحديداً.
وتشير المعلومات أيضاً، إلى أن فشل عمليّة حصار دمشق، وسقوط مناطق الريف تباعاً في يد الجيش السوري ومقاتلي حزب الله وحصول المصالحات أخيراً، وتعزيز جبهة السويداء والمناطق الشمالية والوسطى في محافظة درعا وتحقيق تقدم ميداني مهم للجيش في منطقة جبل الشيخ، أحبط خطّة إسقاط دمشق نهائياً، فبدأ العمل على إقامة «الجدار الطيب»، لاستغلال الفرصة وإبعاد وحدات الجيش السوري المدرّعة ومنع وصول مقاتلي المقاومة إلى الجنوب السوري، وبالتالي منع ربط الجبهتين السورية واللبنانية في أي حرب مقبلة تفكّر إسرائيل في شنها على لبنان أو على الجنوب السوري. وتقول مصادر كنسية في بيروت لـ «الأخبار»، نقلاً عن مصادر كنسية أميركية، إن «إسرائيل تنوي بالفعل إقامة الجدار، وهي أقنعت الأميركيين بجدواه، وحثّتهم على تقديم السلاح والعتاد والتدريب لمقاتلين سيخضعون مستقبلاً لإدارتها في الجنوب السوري، بالتعاون مع الأردن».
لم تعد المسألة «عطف» إسرائيل على أكثر من 700 من مسلّحي المعارضة السورية (اعترفت بهم تقارير صحافية إسرائيلية)، ومعالجتهم في مشفى مدينة صفد المحتلة ومستوطنة نهاريا، ومشفى «بوريا» قرب بحيرة طبريا، بعد إصابتهم في معارك مع الجيش السوري. ويتحدّث شهود عيان وناشطون من أبناء الجولان السوري المحتل، عن استقبال الاحتلال جرحى المسلحين في المشفى الميداني، داخل الموقع الإسرائيلي الذي يتوسط قريتي عين قنيا ومسعدة في أراضي الجولان المحتل، قبل نقلهم إلى مستشفيات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. بعض هؤلاء ليس «معتدلاً» أبداً، بل ينتمي إلى «جبهة النصرة» وكتائب في «الجبهة الإسلامية».
المسألة أبعد من «العمل الإنساني». بل باتت سياسة إسرائيلية تتبناها دوائر القرار العليا. وبدا ذلك جلياً من خلال زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وأركان جيشه.
يُضاف إلى ما تقدم أن معطيات الميدان في الجنوب السوري، من القنيطرة إلى درعا فالسويداء، تؤكّد أن «التسخين في الجبهة الجنوبية» الذي أفصح عنه السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد، قد بدأ بالفعل.

الميدان

وتشير مصادر عسكرية ميدانية على جبهات درعا والسويداء إلى أن «الاشتباكات الأخيرة كشفت وجود مدافع هاون أميركية الصنع وراجمات صواريخ جديدة بحوزة المسلحين»، بالإضافة إلى «تطوّر في شبكة اتصالاتهم». وتقول مصادر أمنية متابعة للوضع الميداني في الأراضي السورية القريبة من مطار المفرق الأردني، إن «أهالي القرى المواجهة للمطار يلاحظون منذ أسابيع حركة نقل كثيفة لشاحنات وسيارات رباعية الدفع مدججة بالمقاتلين، تعبر من معبرين، أحدهما من داخل محافظة درعا، والآخر التفافي على محافظة السويداء عبر منطقة الأصفر في البادية» من دون أن تحدد الوجهة. إلّا أن هذه المعطيات، تزداد وضوحاً، مع المعلومات الآتية من ميدان محافظة القنيطرة، وتحديداً في القطاعين الجنوبي والأوسط، حيث شنت المجموعات المسلحة التابعة لـ «جبهة النصرة» و«ألوية أبابيل حوران» و«ألوية اليرموك» و«ألوية الفرقان» هجوماً انطلاقاً من ريف درعا الغربي، بدأ صباح 29 كانون الثاني الماضي على قرى السويسة وكردنة وعين العبد وعين قريخة والدواية الكبرى والدواية الصغرى (ارتكب المسلحون مجزرة مروّعة بعائلة المحامي عدنان عوض في قرية الدواية الصغرى شرقي سد الهجّة، فقتلوه و 8 أفراد من عائلته، ونهبوا مواشيهم وأحرقوا بيوتهم. كما قتلوا حارس مركز الموارد المائية في شبكة ري كردنة)، وأنشأ المسلحون في القرى التي احتلوها «محكمة شرعية» خلال أيام، قاضيها تونسي الجنسية. وبالتزامن مع دخول المسلحين من جاسم ونوى، غرب درعا، باتجاه جنوبي القنيطرة، تحرّك المسلحون في بلدتي البريقة وبير عجم المتاخمتين للأراضي المحتلة أيضاً.
يبقى الأخطر من احتلال القرى، على ما تؤكّده المصادر المعنية في القنيطرة، قيام المسلحين بتخريب المنشآت المائية في محافظة القنيطرة، وتدمير مفرغات السدود (7 سدود في القنيطرة)، وفتحها باتجاه نهر اليرموك الذي ينبع من منطقة المزيريب شمالي محافظة درعا، فتصل إلى المضخّات الأردنية، التي تضخّ المياه باتجاه بحيرة طبريا، بموجب اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل. والجدير بالذكر أن بحيرة طبريا تؤمن ثلث كمية المياه المطلوبة في الكيان الغاصب، وإسرائيل تواجه مشكلة مائية كبرى، وخصوصاً هذا العام، مع تراجع منسوب المياه في البحيرة نتيجة انخفاض معدّلات المطر الحالية والثلوج على جبل الشيخ.
وتشير مصادر أمنية أخرى، إضافة إلى معطيات من داخل الجولان السوري المحتل، إلى أن «الجيش الإسرائيلي يعمد إلى نقل المسلحين داخل الأراضي المحتلة من منطقة جبل الشيخ إلى قرى القنيطرة وبالعكس، لحمايتهم من ضربات الجيش السوري وكمائن قوات الدفاع الوطني واللجان الشعبية المنتشرة في حقول ووديان القرى، مستغلاً وجود جيوب لهم في بعض القرى المتاخمة للأراضي المحتلة في الجولان». وتقول المصادر إن «جيش الاحتلال عمد إلى حفر خنادق ونصب أسلاك شائكة لمنع مقاتلي اللجان الشعبية من التقدم في اتجاه ممرات المسلحين، كما يقوم أحياناً بقصف مواقع للجيش السوري ونقاط تجمع للجان الشعبية حين تشتدّ حدّة المعارك ويبدأ المسلحون بالتقهقر».
وعلى وقع المدافع والاشتباكات العنيفة، تمكّن الجيش السوري بالتعاون مع بعض الفعاليات ولجنة المصالحات الشعبية في سوريا من إقناع أكثر من 150 مسلحاً في قرى جباتا الخشب وخان أرنبة وطرنجة من تسليم أنفسهم للجيش في الأسابيع الماضية. على أن المصالحات تبقى جزئية ولا تذكر في هذه القرى، إذ تقول المصادر الأمنية، إن «المسلحين الأجانب وعدداً من المسلحين ممن دخل بلاد العدو ويتواصل مع القوات الإسرائيلية على نحو مستمر، يعرقلون التسويات، ويتمسكون بالمناطق التي يسيطرون عليها ويحاولون توسيعها».
وتقول مصادر أمنية متابعة للوضع في الجبهة الجنوبية إن «الأجهزة الأمنية السورية والمقاومة بالتعاون مع متطوعين من أبناء المنطقة، تحقّق ضربات أمنية عالية الدقة في صفوف المسلحين، وتواجه الأجهزة الأمنية الغربية والاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بهدف منع هذه الأجهزة من تحقيق أي حزام أمني في الجنوب السوري، يحمي حدود إسرائيل الشمالية».

الحكومة اللبنانية

 

المقال التالي نشر في جريدة الجمهورية اللبنانية. لاحظوا التشابه بين مضمونه وبين ما كتبته قبل أيام عن الحكومة اللبنانية الجديدة:

«الحزب» كان سخيّاً وهم صدّقوا الفوز

طوني عيسى

منذ الساعات الأولى، بدأ يظهر أن حكومة “المصلحة الوطنية” هي فعلاً مصلحة لفريق “8 آذار”، وأنّ من دوافع “حزب الله” الأساسية للتخلّي عن “حكومته” الميقاتية، والمجيء بالحكومة السلاميّة، تشغيلها في مجال “ضرب الإرهاب”.

ولذلك، كان “الحزب” سخيّاً مع خصومه، ولا سيما تيار “المستقبل” إلى درجة سمحت للبعض منهم بأن يصدِّق نفسه بأنه حقَّق انتصاراً سياسياً على “الحزب”… وأنه “سيرغمه”، أو هو متفائل بإقناعه بالعودة من سوريا.

والإتصالات “السوريالية” التي جرت بين الـ”14 آذاريين” في الحكومة و”الحزب” كانت فعلاً مفاجئة، بل صادمة، أكثر من مفاجأة قبول الحريري بدخول الحكومة وقبول “حزب الله” بتقديم التنازلات في الحقائب. ومن خلال هذه الاتصالات ظهر أن “الحزب” مستعجل للمعركة ضد الإرهاب الذي خرج عن السيطرة، فيما خصومه الذين يرغبون أيضاً بالتصدي للإرهاب يستعجلون مطالبته بالعودة من سوريا كسبيل إلى ذلك.

هذا المسار من التفاوض سينتهي بالفشل، فـ”الحزب” لن ينسحب من سوريا ما دام الرئيس بشّار الأسد يحتاج إليه. لكن فريق “14 آذار”، و”المستقبل” تحديداً، سيضطر إلى مواجهة الإستحقاق، أي أن يأخذ على عاتقه التصدّي للإرهاب السنّي التكفيري، من خلال اثنين من “صقوره” في وزارتي الداخلية والعدل، وهما نهاد المشنوق واللواء أشرف ريفي، المعروفان بميولهما الإعتراضية أو المتمايزة داخل الفريق. وهذا ما سينقل الصراع من كونه سنّياً – شيعياً إلى كونه سنّياً – سنّياً، ولو من خلال المؤسسات الرسمية، وتحديداً بين “سنّة الإعتدال” و”سنّة التطرُّف”.

سيكون ذلك، إلى حدٍّ ما، إستعادة لبنانية للتجربة العراقية خلال الاحتلال الأميركي. فهناك، تمّت الاستعانة بـ”الصحَوات” من أبناء العشائر السنيّة لمواجهة “القاعدة”. وسيكون لهذا الأمر مردود على الواقع السنّي في لبنان، ولا سيما في المناطق المفتوحة الجبهات والحسّاسة، والتي يمتلك فيها بعض أركان الحكومة أرصدة مهمة، وكلمتهم مسموعة، كطرابلس والبقاع وصيدا.

في اليوم الأول بعد تأليف الحكومة، تمّ كشف سيارة مفخخة جديدة في الهرمل. وفي اليوم التالي، تعرّضت مناطق هرملية لقصف بصواريخ “الغراد”، قال “حزب الله” إنها للمرة الأولى تطلق من أمكنة معروفة في جرود عرسال. وأمس، تمّ استهداف الضاحية بالإنتحاريين مجدداً.

وكانت لافتةً إشادة وزير الصناعة حسين الحاج حسن بـ”الأجهزة الأمنية” لا الجيش اللبناني وحده، ودعوتها إلى المزيد من التصدي. فيما وزير الداخلية كان يتفقّد المكان برفقة الحاج وفيق صفا.

لذلك، سيكون الإرهاب جوهر البيان الوزاري، وليس انسحاب “حزب الله” من سوريا ولا الحياد ولا السلاح. وهذا ما يعبِّر في وضوح عن بوصلة الحكومة. فـ”الحزب” أعطى في الحصص ليأخذ في المهمات. وقد جاء سريعاً استحقاق القطاف، ولا وقت لديه ليضيّعه.

الكثير من التحليلات والتوقعات التي وردت في مدونتي ثبت لاحقا أنها صحيحة. طبعا أنا لا أدعي أنني توقعت كل شيء بشكل صحيح، ولكن لا يمكن لأحد أن ينكر أن نظرتي العامة للأمور كانت صحيحة، وأن العديد من الأمور التي توقعتها حصلت بالفعل.

من الأمور التي قلتها قبل وقت طويل أن جوهر الخلاف بين أميركا وإيران هو ليس البرنامج النووي الإيراني ولكنه قضية فلسطين (وبالتالي قضية سورية ولبنان). خلال الأشهر الماضية نحن رأينا كيف أن قضية البرنامج النووي الإيراني ذابت وتلاشت على نحو فاجأ الكثيرين، ولكن قضية فلسطين (وتفرعاتها السورية واللبنانية) ما زالت حتى الآن سببا للنزاع بين أميركا وإيران، ما يدل على أن قضية البرنامج النووي الإيراني لم تكن أبدا جوهر الخلاف بين أميركا وإيران.

أنا ركزت أيضا على موضوع الأسلحة الكيماوية والصواريخ واعتبرت أن هاتين القضيتين هما أكثر ما يهم أميركا في سورية ولبنان. الصفقة الكيماوية التي عقدت بين أميركا والنظام السوري أثبتت صحة كلامي، لأن السياسة الأميركية تجاه سورية ولبنان تغيرت بشكل ملحوظ بعد الصفقة الكيماوية. أميركا قدمت الكثير من التنازلات في سورية ولبنان مقابل الصفقة الكيماوية، ما يدل على أهمية هذا الموضوع بالنسبة للأميركان. طبعا النزاع بين أميركا وإيران لم ينتهي بعد لأن سورية ولبنان ما زالتا تحويان صواريخ موجهة نحو إسرائيل. أكثر ما يهم الأميركان الآن هو صواريخ حزب الله اللبناني الموجهة نحو إسرائيل.

ما يلي مقال لـ “فيصل القاسم” نشر في صحيفة الشرق القطرية قبل بضعة أسابيع. هو يقول في المقال أن الكثير من مؤيدي النظام السوري يقتبسون من مدونتي. كلامه كان صحيحا إلى ما قبل أشهر، ولكن مؤيدي النظام السوري توقفوا حاليا عن الاقتباس من مدونتي (لأسباب ذكرها بشكل صريح السفير السوري في الأردن). هم ما زالوا يقرؤون المدونة ولكنهم لم يعودوا ينقلون منها.

د.فيصل القاسم- الشرق القطرية
سنتفق جدلاً مع القائلين إن هناك “مؤامرة كونية” على سوريا لتدميرها، وتشريد شعبها، وإضعاف جيشها وتفكيكه، وتجريدها من سلاحها التقليدي والاستراتيجي. وسنتفق أيضاً أن المؤامرة نالت من سوريا فعلاً، حيث تمت تسوية العديد من المدن والقرى السورية بالأرض على الطريقة الروسية في الشيشان.
ويروي سكان الريف في محافظة إدلب وحدها فقط أن عدد القرى المدمرة هناك يزيد على ألف قرية، بحيث بدأ الناس يمرون بجانب تلك القرى ويتساءلون: “ماذا كان اسم تلك القرية؟”.
ولا داعي للحديث عن ريف دمشق وحلب ومحافظة حمص بأكملها التي تشكل مساحتها فقط ثلث مساحة سوريا، ناهيك عن تدمير دير الزور والرقة وريف حماة ودرعا. وحدث ولا حرج عن مئات الألوف من القتلى، ناهيك عن مئات الألوف من المعتقلين والمفقودين.
أما عدد النازحين واللاجئين فقد زاد عن نصف سكان سوريا. والجيش السوري لم يكن له ليستعين بالميليشيات العراقية واللبنانية والإيرانية والباكستانية والأفغانية واليمنية والروسية والكورية لو كان مازال قادراً على القتال. زد على ذلك أن سوريا تجردت من سلاحها الكيماوي الاستراتيجي لتصبح بلا أنياب. وهناك حديث عن تجريدها من الصواريخ والسلاح البيولوجي.
وبالإضافة إلى ذلك أصبح النسيج الوطني السوري، والجغرافية السورية ذاتها مهددة بالتفكك، إذا لم تكن قد تفككت. وحدث ولا حرج عن الاقتصاد السوري الذي يحتاج لعشرات السنين كي يعود إلى ما كان عليه عام 2010.
ماذا يريد حلفاء النظام السوري كروسيا وإيران أكثر من هذه الكوارث الإنسانية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية؟ لماذا تركوا سوريا تصل إلى هذه المرحلة من الدمار والخراب والانهيار إذا كانتا فعلاً حليفتين للنظام في سورية؟ لنتفق مع النظام أن هناك قوى كثيرة عربية وإقليمية ودولية تريد الإجهاز عليه وعلى سوريا، فأين كان حلفاؤه من كل هذه المؤامرات؟
فإذا كانت سوريا مهمة جداً لروسيا وإيران، فلماذا سمحتا بتدميرها وإنهاك جيشها وتجريدها من أسلحتها الإستراتيجية وإضعاف قوتها العسكرية؟ لو اتفقنا جدلاً أن “الإرهابيين” والمتآمرين هم من دمروا سوريا، فلماذا سمحت حليفتا النظام روسيا وإيران بنجاح مخطط التدمير؟ هل كانت روسيا وإيران لتسمحا بتدمير سوريا لو لم تكن لديهما مصلحة في ذلك؟
إذا كنت تحب شخصاً لابد أن تغار على مصالحه وتحميها، فهل فعلت إيران وروسيا ذلك في سوريا التي تدعيان الغيرة عليها؟ من يحب شخصاً لا يسمح بقتله أو على الأقل بإضعافه وتقطيع أوصاله وإنهاكه، لكن روسيا وإيران سمحتا بتخريب سوريا.
أتباع النظام في سوريا يتهمون كل من انتقد النظام مجرد انتقاد بأنه مشارك في تدمير سوريا. لكن لماذا لا يوجهون الاتهام أيضاً لحلفاء النظام الكبار؟ لماذا لا يسألون موسكو وطهران لماذا لم تحبطا مشروع تخريب سوريا إذا كانتا تريدان مصلحتها ومصلحة النظام فعلاً؟ أليس الروس والإيرانيون أكبر المستفيدين من دمار سوريا؟ لقد أثبتت الأيام أنهم كأعداء سوريا، كانوا يتاجرون بها بصفاقة. ولعل ما كتبه أحد الكتاب الذي يقتبس أقواله دائماً مؤيدو النظام في “مدونة هاني” أكبر إدانة لروسيا وإيران اللتين استخدمتا المحنة السورية لأغراض خاصة جداً.
يقول هاني: “الصفقة الكيماوية الخاصة بسوريا هي مجرد جزء من التفاهم الشامل الأمريكي- الإيراني (هي كانت بداية هذا التفاهم). أنا توقعت مسبقا أن إيران في النهاية ستتنازل، وستقبل بتقديم ضمانات لإسرائيل في مقابل التوصل إلى تسوية مع الأمريكان، وهذا هو ما حصل بالفعل. الصفقة الكيماوية الخاصة بسورية كانت الضمانة التي قدمتها إيران لإسرائيل.
سوريا لم تكن طرفاً في الصفقة الكيماوية أبداً. هذه الصفقة هي ظاهرياً صفقة أمريكية-روسية، ولكنها في العمق صفقة إيرانية-إسرائيلية. والروس والأمريكان هم ليسوا أكثر من وسطاء فيما يتعلق بهذه الصفقة تحديداً. وقد طلبت أمريكا من إيران قبل أي شيء آخر نزع السلاح الكيماوي السوري. وهي لم تقبل أن تتفاهم مع إيران قبل نزع الكيماوي. والسبب هو أن أمريكا أرادت تقديم ضمانات وتطمينات إستراتيجية لإسرائيل، لأن الأمريكان يعتقدون أن التفاهم مع إيران غير ممكن دون تقديم ضمانات إستراتيجية لإسرائيل، ولهذا السبب هم أصروا على تدمير سورية ونزع كل أسلحتها قبل الشروع في التفاهم مع الإيرانيين. وإيران وافقت.
باختصار، فإن الصفقة الكيماوية السورية هي ربح استراتيجي صاف لإسرائيل. أما الصفقة النووية الإيرانية فهي الثمن الذي قبضته إيران في مقابل تسهيل الصفقة الكيماوية السورية. لا يوجد تشابه بين “الصفقتين”. الصفقة الكيماوية هي تنازل من سوريا للغرب لحساب إيران، والصفقة الثانية هي تنازل من الغرب لإيران. ما حصل هو أن الغرب خفف حربه على إيران في مقابل الضمانات التي قدمتها إيران ـ بالوساطة الأمريكو ـ روسية على حساب سورية لإسرائيل”. باختصار، لقد اتفقت إيران مع أمريكا على تدمير سوريا، وتجريدها من سلاحها الكيماوي، وإنهاك جيشها كضمان لأمن إسرائيل مقابل الاتفاق مع الغرب على النووي وإعادة تأهيل إيران دولياً واقتصادياً.
الكلام أعلاه ليس صادراً عن المعارضة السورية كي نشكك في مصداقيته، أو نقول إنه مغرض، بل صادر عن مدونة معروفة بأنها مؤيدة، أو متعاطفة مع النظام السوري. ولذلك فهي تفضح إيران وروسيا اللتين تتشدقان بالدفاع عن سورية. ويذهب أحد المدافعين عن النظام السوري إلى القول بحسرة إن “أول شعار طرحه الرئيس الإيراني الجديد روحاني بعد وصوله إلى السلطة كان شعار: “إيران أولاً”. وقد طبقه بحذافيره على حساب سوريا”.
لقد استغلت إيران وروسيا المحنة السورية أسوأ استغلال على الطريقة الماكيافيلية الحقيرة مثل أعداء سوريا وأكثر، خاصة أن الطريق كان سالكاً أمام الإيرانيين والروس أكثر من أعداء سوريا بفضل ارتباطهم بالنظام. باختصار، فإن “المتآمرين” على سوريا ليسوا فقط خصوم النظام، بل أقرب حلفائه المزعومين الذين استغلوا الأزمة السورية لعقد الصفقات وتمرير الاتفاقات وإعادة رسم المنطقة على أشلاء ودماء السوريين ووحدة وطنهم. والأيام ستكشف مدى خطورة اتفاق “كيري-لافروف” حول سوريا الذي يشبهه البعض باتفاقية “سايكس-بيكو” سيئة الصيت، إن لم يكن أخطر.
أخيراً علينا الاعتراف بعد كل ما حصل في سوريا أن الرابحين الوحيدين من مأساتها هم إسرائيل وأمريكا وروسيا وإيران. أما السوريون نظاماً وشعباً ومعارضة فهم أكبر الخاسرين.
إذا كان حلفاء النظام الذين صدعوا رؤوسنا بالتعاطف والتضامن معه، قد سمحوا بكل هذا الدمار، وتاجروا بسوريا على عينك يا تاجر، فكيف نلوم أعداء سورية والمتآمرين عليها؟ لك الله يا سوريا! لقد كنت فريسة تناهشها الحلفاء والأعداء على حد سواء.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s