عندما يحاضر الطاغية حول “الاستفراد”

حكومة “كردستان العراق” أخذت موقفا عجيبا من القضية الكردية في سورية. هذه الحكومة رفضت أن تعترف بالإدارة الذاتية التي أقيمت في المناطق الكردية السورية.

هل تصدقون ذلك؟ الناس كانوا يتصورون أن أكراد العراق سيكونون أول المرحبين بالإدارة الذاتية للأكراد في سورية، ولكن المفاجأة (الصاعقة) هي أن إقليم كردستان العراق رفض رسميا الاعتراف بهذه الإدارة الذاتية واعتبرها “خطوة فردية”. هذه الكلمة هي نفس الكلمة التي قالها روبرت فورد ورددها وراءه أعداء الشعب الكردي في سورية وخارجها.

لا يوجد شك في أن موقف حكومة كردستان العراق يأتي في السياق الأميركي والتركي. نحن كنا نعلم سلفا أن حكومة كردستان العراق ما هي إلا دمية في يد الأميركان والأتراك، ولكننا كنا نتوقع من هذه الحكومة حدا أدنى من الحياء.

حكومة كردستان العراق تعمل وفق مبدأ “اللهم نفسي”. من الواضح أن ما يحكم هذه الحكومة هو الفكر الانعزالي الضيق جدا، والذي لا يتعدى ربما حدود العشيرة الحاكمة أو العائلة الحاكمة في الإقليم.

حكومة الإقليم بررت موقفها باستفراد حزب الاتحاد الديمقراطي PYD بالسلطة في الإقليم السوري، وكأن الإقليم العراقي هو جنة التنوع والتعدد.

المقال التالي هو رد جيد على ترهات حكومة البارزاني. قبل أن يعظ البارزاني الأكراد السوريين حول الاستفراد بالسلطة الأحرى به أن يبدأ بوعظ نفسه.

شيكة ولاتي.نت – زيور العمر

لم يكن غريباً إعلان مسؤول العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كردستان العراق، فلاح مصطفى، و كذلك تأكيد رئيس الحكومة، نيجيرفان بارزاني، في إسطنبول، عدم التعامل مع كانتونات غربي كردستان، بل و رفضها، فذلك كان متوقعاً، لأن تشكيل « كانتونات » و إعلان « إدارات ذاتية ديمقراطية » في المناطق الكردية الثلاث، من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي ( ب ي د )، جاء خارج سياق التفاهمات التي تم التوصل اليها في لقاءات هولير، التي نصت على توحيد الموقف السياسي الكردي، و تشكيل لجان مشتركة، و السعي المشترك لايجاد مخارج و حلول للمسائل العالقة بين المجلسين.

أما الغريب في موقف الإقليم، أو رئاسته، التابعة فعلياً، للحزب الديمقراطي الكردستاني، فهو الذرائع و المبررات التي ساقها في رفضها لخطوة الاتحاد الديمقراطي ( ب ي د )، عندما اعتبرها خطوة من طرف واحد. و هي نفس الاتهامات، أو التحفظات، التي ساقها رئاسة الاقليم ضد ( ب ي د ) بخصوص قواته العسكرية، و مؤسساته الأمنية، و إدارته للمعبر الحدودي في سيمالكا في أوقات سابقة.

إشكالية الحالة السياسية الكردية عموماً، و في كردستان العراق بشكل خاص، تكمن في أن قواها السياسية تجيز لنفسها شئ، و ترفض نفس الشئ للأخرين. فالحزب الديمقراطي الكردستاني، مثلاً، يرفض هيمنة طرف كردي لوحده – المقصود منه حزب الاتحاد الديمقراطي ( ب ي د ) – على غربي كردستان، من خلال مؤسساته الحزبية ، العسكرية و الأمنية و الإقتصادية، و إدارة المعابر الحدودية، و إستثمار مواردها، و يطالب بمناصفة الاحزاب الكردية الاخرى معه في إدارة هذه المؤسسات، و ينسى في الوقت نفسه، أنه خاض حروباً و مواجهات دامية مع خصمه حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في صراع على بسط النفوذ، أدت في أسوأ مراحله، الى الاستعانة بالدول الغاصبة لكردستان، لترجيح كفة أحدهما على الاخر، كما حدث في عام 1996، عندما ناشد الرئيس مسعود بارزاني، الرئيس العراقي السابق صدام حسين، لمساعدته على إخراج قوات الاتحاد الوطني الكردستاني، المدعوم، وقتئذ، من الحرس الثوري الإيراني، من العاصمة هولير.

و لا ننسى، أن جزءاً من ذلك الصراع الدامي، كان سببه إستفراد الحزب الديمقراطي الكردستاني بمعبر إبراهيم الخليل، الذي كان يدر على منطقة بهدينان و ادارة الديمقراطي فيها، ملايين الدولارات، من حركة التجارة و التهريب البينية، مع تركيا، و كان ذلك في عقد التسعينات.

أما منذ أن تم توقيع إتفاقية « الشراكة الإستراتيجية» بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان، و رغم إعلان الاقليم الفيدرالي في كردستان، حسب الدستور الاتحادي في العراق، و تشكيل برلمان و حكومة و مؤسسات جهوية في الاقليم، إلا أن الاوضاع لم تتحسن في الاقليم، من جهة تشكيل مؤسسات وطنية، بل بالعكس من ذلك، بقي الحزب الديمقراطي متمسكاً بقوته العسكرية، و مؤسسته الامنية، الخاصة به، و كذلك الامر بالنسبة للاتحاد الوطني الكردستاني، و بقي المكتبان السياسيان للحزبين، القوتين الفعليتين في الإقليم. و لعل من المفيد، تذكير من إتهم رئيس الحزب الاتحاد الديمقراطي ( ب ي د )، أنه غادر غربي كردستان ، عبر خط تل كوجر- بغداد – أوروبا، أن الاخير غادر الى أوروبا، بعد منع دخوله الى اراضي اقليم كردستان، من مطار السليمانية، و ليس من مطار بغداد، و بمساعدة أجهزة الامن في منطقة صوران، التابعة لسلطة الاتحاد الوطني الكردستاني، الامر الذي يؤكد أن الاجهزة الامنية في الاقليم ما تزال منفصلة فعلياً، رغم تبعيتها شكلياً لوزارة الداخلية في الاقليم.

الواقع الذي يرفضه الحزب الديمقراطي الكردستاني في غربي كردستان، هو عينه في إقليم كردستان العراق، و لولا توازن القوى بين القوتين في الاقليم في مرحلة سابقة، لكان حزب الرئيس مسعود بارزاني، اليوم، يهيمن و يسيطر على جميع مفاصل الحياة السياسية و العسكرية و الامنية و الاقتصادية في الاقليم، و لكان هامش الممارسة السياسية و الحراك الاجتماعي و الحريات العامة، أضيق مما هو عليه اليوم، و كل ذلك بسبب هيمنة سلطة المؤسسات الحزبية، و ليست الوطنية، على شؤون المواطنين.

لذلك كان من الاولى على رئاسة الاقليم و حكومته، أن تمارس نفوذها، من أجل تنفيذ بنود تفاهمات « هولير 1 » و « هولير 2 »، و تطلب من كافة الاحزاب الكردية السورية الدائرة في فلك سياساتها، أن تشارك، بجدية، في مناقشة المبادرات المطروحة، و العمل على تجسيدها عملياً، و أن تساهم في إنجاح محاولات الكرد لادارة انفسهم في غربي كردستان، عبر صيغة يتم التوافق حولها بالتشاور، و ليس رفضها، و غلق الابواب في وجهها.

و اذا كنا ننتقد موقف الاقليم من تجربة غربي كردستاني، فإن ذلك لا يعني، بأي حال من الاحوال، الدفاع عن استفراد حزب الاتحاد الديمقراطي، و سعيه لفرض مظلته الفكرية و الايديولوجية على شعب غربي كردستان، و قد عبرنا سابقاً، مراراً و تكراراً، عن ضرورة توفير أجواء طبيعية في الساحة السياسية الكردية في غربي كردستان، و اتاحة الفرصة أمام كافة القوى السياسية للمشاركة في رسم سياسة عامة للمنطقة، تنسجم مع تطلعات و مصالح كافة مكوناته و شرائحه.

كل ما نطالب به، في هذه المرحلة، هو الابتعاد عن سياسة الكيل بمكيالين، و خاصة من القوى الكردستانية، و ترك شعب غربي كردستان يختار مصيره بنفسه، إدراكاً منا، أن القوى الكردستانية منخرطة، أيضاً، في محاور و تكتلات إقليمية، تدفعها الى اتخاذ مواقف و توجهات، قد لا تنسجم مع مصلحة الشعب الكردي.

فالكل يدرك حجم الضغوط التي تمارسها تركيا على رئاسة الاقليم، و تأثير المصالح الاقتصادية مع أنقرة على الموقف السياسي لرئاسة الإقليم من الازمة السورية بصفة عامة، و القضية الكردية في سوريا بشكل خاص. و اذا كان موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني، تحكمه العلاقة مع أنقرة، فإن الموقف المؤيد للادارات الكردية و مجمل سياسات حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، من قبل الاتحاد الوطني الكردستاني و حركة كوران، مرده، أيضاً، حسن العلاقات بين الحركتين و إيران.

من هنا، فإن الموقف الذي أعلن عنه المسؤولون في حكومة الاقليم من الاوضاع في غربي كردستان و المشاريع السياسية التي تنفذ فيها، لن تساهم في إضعاف موقف ال ( ب ي د )، و لا موقعه في الشارع الكردي، و إنما العكس صحيح. فإن من شأن هذه المواقف، أن تدفع المزيد من الشرائح الاجتماعية الكردية للإرتماء في حضنه، خاصة و أن سياسة الشحن القومي التي لا تتوقف من قبل ( ب ي د )، أثبتت نجاحها و نجاعتها الى الان. و هو الموقف الذي يذكرنا بالموقف الذي إتخذته المعارضة السورية من ( ب ي د )، عندما تعاملت بليونة و تفهم مع الجماعات الاسلامية المسلحة كالنصرة و غيرها، و اقفلت ابوابها في وجه أي حوار مجدي و مثمر مع ( ب ي د ) ، فكانت النتيجة، أن الشارع الكردي إعتبر موقف المعارضة ليس موجهاً ل ( ب ي د )، و إنما للشعب الكردي في سوريا و مطالبه العادلة و المحقة.

 

One thought on “عندما يحاضر الطاغية حول “الاستفراد”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s