لماذا يثق بعض الزعماء بالنساء أكثر من الرجال؟

أنا لا أعرف شيئا عن شخصية الرئيس السوري بشار الأسد، لأنني لم أقابله في حياتي ولم أعاشره حتى أقيم شخصيته، ولكنني قرأت الكثير من المقالات والكتابات التي تتحدث عن شخصيته.

معظم هذه المقالات والكتابات وصفته بأنه مغرور وعنيد ولا يقبل التنازل عن رأيه.

لو صدقت هذه الأوصاف فهي ليست مستغربة نظرا للخلفية التي أتى الرئيس السوري منها. هو ولد في بيت حافظ الأسد، ونحن نعرف كيف كان حافظ الأسد يحكم سورية. عائلة حافظ الأسد كانت تعتبر سورية مزرعة لها وكانت تعتبر نفسها فوق أي قانون أو مساءلة. من يولد وينشأ في هكذا عائلة لا يتوقع منه أن يكون متواضعا. هو على الأغلب سيكون مغرورا ويرى نفسه فوق الناس.

الرجل المصاب بقدر كبير من الغرور ينظر للرجال الآخرين نظرة دونية، وهو يتوجس منهم ويعتبرهم تهديدا له، خاصة إن كان هذا الرجل زعيما في مجتمعه. أنا تحدثت في مقال سابق عن الزعامة في مجتمعات القرود الكبيرة. الزعيم في مجتمع القرود الكبيرة يعتبر جميع الذكور الآخرين تهديدا له. لهذا السبب الذكر الأكبر في مجتمع الـ orangutan (الذي يسمى flanged male) يطرد جميع الذكور من القبيلة، ونفس الأمر ينطبق على مجتمع الغوريلات. زعيم مجتمع الغوريلات (الذي يسمى silverback) يطرد جميع الذكور من القبيلة ويستبقي حوله الإناث.

قبيلة الغوريلات تحوي في العادة ذكرا واحدا هو الذكر الأكبر (alpha male)، وحول هذا الذكر يوجد الكثير من الإناث. الذكر الأكبر يمكن أن يسمح لبعض الذكور بالتواجد حوله بصفة أتباع في حال اطمأن لنواياهم ضده.

مجتمع الشمبانزي هو أكثر تعقيدا. الذكر الأكبر في مجتمع الشمبانزي لا يطرد الذكور، ولكنه يعيش دائما هاجس السيطرة عليهم وإخضاعهم لسلطته. أهم مظهر يدل على أهمية الذكر في مجتمع الشمبانزي (سواء كان الذكر الأكبر أم غيره) هو مدى تأثيره على الإناث. كلما كانت أهمية الذكر أكبر كلما كانت سيطرته على الإناث أكبر. إناث الشمبانزي يحرصن على التقرب من الذكور الأرفع مكانة في المجتمع. كلما كان الذكر أكثر أهمية كلما ازداد تقرب الإناث منه. المقصود بالتقرب هو أساسا التقرب الجنسي. إناث الشمبانزي يتنافسن على إقامة العلاقات الجنسية مع الذكور الرفيعين، وفي مقابل ذلك يحصلن على مكاسب مادية (الطعام).

كنت أود أن أستكمل الحديث الذي بدأته عن تطور الإنسان (سأستكمله في المستقبل إن أتيح لي الوقت). هناك نقطة تجادل حولها باحثو الأنثروبولوجيا تتعلق بمدى قدم سكان أفريقيا الذين ينتمون للعرق الأسود (العرق الذي سماه Carleton S. Coon باسم Congoid). كثير من باحثي الأنثروبولوجيا (بمن فيهم Coon) اعتبروا العرق الأسود عرقا متأخرا. هم رأوا أن هذا العرق ظهر بعد ظهور العرق الأبيض وعرق الخويسان وغيرهما من الأعراق البشرية المعاصرة.

من الأمور اللافتة للنظر في العرق الأسود ظاهرة ثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism. الأفارقة السود يتميزون بقدر كبير من ثنائية الشكل الجنسية مقارنة مع الأعراق الأخرى. الرجال الذين ينتمون لهذا العرق يتميزون بأجسام ذات بنية ضخمة وبأعضاء جنسية ضخمة. مثل هذه المظاهر هي غير موجودة لدى ذكور الأعراق الأخرى، وهي غير موجودة في الجنس البشري بشكل عام. أنا ذكرت في مقالات سابقة أن ثنائية الشكل الجنسية هي ليست ميزة للجنس البشري ولكنها ميزة للقرود الكبيرة.

داروين وغيره من القدماء كانوا يظنون أن ثنائية الشكل الجنسية هي ميزة قديمة للبشر، وأن الأفارقة السود يعبرون عن الحالة البشرية الأصلية التي فقدت من الأعراق الأخرى. هذه النظرية فقدت شعبيتها لاحقا للأسباب التي ذكرتها في الأعلى: كثير من الباحثين صاروا يرون أن ثنائية الشكل الجنسية هي ليست ميزة أصلية للبشر، وكثير من الباحثين صاروا يرون أن العرق الأفريقي الأسود هو ليس عرقا قديما ولكنه في الحقيقة أحدث الأعراق البشرية.

بناء على ذلك ظهرت معضلة: من أين أتى العرق الأفريقي الأسود؟ ولماذا يتميز هذا العرق بثنائية الشكل الجنسية (التي هي ليست ظاهرة بشرية الأصل)؟

قديما كانت تطرح بعض التفسيرات الغريبة (من قبيل الزعم بأن الأفارقة السود هم نوع هجين يضم جينات غير بشرية)، ولكن في العقود الأخيرة طرحت تفسيرات تركز على ظاهرة الزواج المتعدد السائدة لدى الأفارقة السود. الطروحات الحديثة تربط ظهور العرق الأفريقي الأسود بهيمنة الزواج المتعدد لدى أسلاف هذا العرق. حسب الطروحات الحديثة فإن الأفارقة السود كانوا في الأصل يشبهون الأعراق البشرية الأخرى، ولكن ممارستهم للزواج المتعدد منذ زمن قديم جدا أدت إلى ظهور ثنائية الشكل الجنسية لديهم (في مقالات سابقة ذكرت أن ثتائية الشكل الجنسية هي مرتبطة بالزواج المتعدد وتنافس الذكور على الإناث).

السؤال المطروح بعد ذلك هو لماذا اهتم أجداد الأفارقة السود بالزواج المتعدد وتخلوا عن الزواج الأحادي المميز لبقية البشر؟ إجابة هذا السؤال سوف أتركها لمقالات مستقبلية (إن أحياني الله).

أنا كنت في البداية أتحدث عن العلاقة بين الذكر الأكبر (alpha male) وبين الإناث. الذكر الأكبر لا يثق بالذكور الآخرين ويفضل أن يحيط نفسه بالإناث. هذه غريزة بدائية نابعة من عالم الرئيسيات primates. الذكر الأكبر يعتبر الذكور الآخرين تهديدا لزعامته، ولهذا السبب هو يخشاهم ويسعى لطردهم، ولكنه لا يخشى الإناث لأنه لا ينظر لهن على أنهن تهديد لزعامته. هو يعتبر الإناث تابعات له وراغبات فيه. بما أنهن راغبات فيه ولا يسعين للحلول محله فهن إذن أهل للثقة. الذكر الأكبر يرتاح نفسيا لوجود الإناث حوله لأن وجودهن حوله هو إثبات لزعامته. أهم ما يثبت أهمية الذكر في مجتمعه هو تحلق الإناث حوله.

هذه الظواهر تظهر واضحة في عالم القرود الكبيرة، وهي موجودة أيضا في مجتمعات الأفارقة السود البدائية، وعلى ما أظن فإنها موجودة في جميع المجتمعات البشرية الأخرى ولكن بدرجات أقل. أنا لا أقصد أن أشبه الرئيس السوري بهذا النموذج البدائي للذكر الأكبر، ولكنني أقول أن الصفات التي ينسبها بعض الصحفيين له ذكرتني بهذا النموذج. هم يقولون أن الرئيس السوري هو شخص مغرور لا يثق بالرجال ويفضل الاعتماد على النساء. هذه بالمناسبة كانت صفات العقيد القذافي أيضا. القذافي كان واضحا جدا وهو صرح علنا بأنه لا يثق بالرجال ويفضل أن يحيط نفسه بالنساء.

أنا لا أدري ما هي صحة الأمور التي تنسب للرئيس السوري، لأنني لم أسكن في قصر الرئيس السوري حتى أعرف كيف يعيش ومن هم الأشخاص المحيطون به. أنا فقط أفسر ما ورد في المقالات.

طبعا ما ورد في هذا المقال يتناول بعض الأمور (السلبية) التي تنسب للرئيس السوري، ولكن هناك أيضا جوانب إيجابية في شخصيته لم أتطرق لها في هذا المقال (تطرقت لبعضها في مقالات سابقة).

Advertisements

3 thoughts on “لماذا يثق بعض الزعماء بالنساء أكثر من الرجال؟

  1. عبثا تحاول يا هاني ان تجعل لك شخصية مهمة وان تطرح نفسك كموضوعي يعي ما يقول. ولكن في كل مرة انت تضيف خاطرة تعزز اتهامط بانك طائفي وعنصري ومناطقي، اضافة الى تثبيت القناعة لدي با اتهمك بالعمالة لواحد او اكثر من اجهزة المخابرات التي تعمل على دفع الناس الى عدم اليقين، خدمة لمخططاتها التي اصبحت واضحة كالشمس. وهناك اكثر من دليل على عمالتك وعدم وطنيتك، وهي واردة في كتاباتك واللؤردود التي تتلقاها، وعد الى ارشيفط لترى. كف عن هذا، فسوريا ماضية الى النصر على الأرهاب والأرهابيين وممولوهم ومحرضوهم، امريكي و”اسرائيل” واذنابهم العرب. لقد فقأ عنك وعين كل مرتبط وعميل، السيد وزير الخارجية السورية وليد المعلم في خطابه في مؤتمر جنيف، واظهر حجم كيري والهزاز الأجرب وكل من لف لفهم. لقد استدار الزمان بالأتجاه الصحيح. عاشت سوريا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s