رحيل الأسد ليس مصلحة للأميركان

لو كان الأمر بيدي لكنت أطحت بالأسد من منصبه لكي أكسر القاعدة التي تقول أن من يتعاون مع أميركا وإسرائيل يبقى في السلطة رغما عن إرادة شعبه.

في بداية الأزمة أنا كنت أؤيد بقاء الأسد في منصبه لأن الأميركان والإسرائيليين كانوا آنذاك يريدون معاقبته على مواقفه من إسرائيل.

الأسد قبل الثورة كان يدعم حزب الله، وكان يقود برنامجا للتسلح في سورية بهدف مواجهة إسرائيل.

لهذا السبب قرر الأميركان الإطاحة به حتى يجعلوا منه عبرة لكل من يفكر في محاربة إسرائيل.

في ذلك الوقت كان بقاء الأسد ضروريا لكسر القاعدة التي أراد الأميركان فرضها على المنطقة (من يفكر في محاربة إسرائيل يجب أن يرحل عن السلطة).

ولكن في الأشهر الأخيرة حصلت تغيرات جوهرية. الأسد عدل نهجه وسياسته. هو صار يطرح نفسه كحليف للإسرائيليين والأميركان ضد خطر الإرهاب، وهو قدم بوادر حسن نية للإسرائيليين والأميركان أهمها موافقته على تسليم السلاح الكيماوي السوري إلى سفن أميركية لتدميره على متنها.

الآن صارت هناك مصلحة واضحة للأميركان في إبقاء الأسد في منصبه. هم يريدون أن يجعلوا منه نموذجا. هم يريدون أن يقولوا للناس أن الأسد سيظل في منصبه لأنه تعاون معنا وتخلص من سلاحه الذي يهدد إسرائيل.

هذا نفس ما فعله الأميركان سابقا مع القذافي. هم أبقوه في منصبه ومنحوه مكافآت لأنه سلمهم سلاحه الكيماوي وأوقف دعمه للجماعات المناهضة لإسرائيل.

أنا أود أن يرحل الأسد عن السلطة الآن لكي تنكسر القاعدة الأميركية التي تقول أن التعاون مع إسرائيل “يجبّ ما قبله”. الأميركان يريدون أن يقولوا أن من يتعاون مع إسرائيل سوف يبقى في منصبه ولو رغما عن إرادة شعبه. هم يحاولون منذ عقود أن يفرضوا هذه القاعدة على العرب، وهم يستخدمون القضية السورية الآن لتأكيدها مجددا.

للأسف أنا أستبعد أن يطيح الأميركان بالأسد بعد ما قدمه لهم في الصفقة الكيماوية (وغيرها من الأمور السرية التي لا نعلمها). الكلام الأميركي عن ضرورة تنحي الأسد هو في رأيي مجرد طريقة للضغط على إيران لكي تتنازل في موضوع حزب الله.

بقاء الأسد في منصبه صار يصب في مصلحة أميركا وإسرائيل. المشكلة الحقيقية لدى الأميركان والإسرائيليين حاليا هي مشكلة حزب الله. هم يستخدمون الموضوع السوري للضغط على إيران لكي تتنازل في موضوع حزب الله.

الأميركان يريدون تجريد حزب الله من سلاحه الذي يطال إسرائيل، وبعد ذلك هم لن يمانعوا لو ظل الحزب جزءا من الحياة السياسية في لبنان.

الأميركان والإسرائيليون سيكونون ممتنين للأسد وحزب الله في حال قرر هؤلاء نسيان إسرائيل والتفرغ لمحاربة الإرهاب. هذه هي الصفقة التي يطرحها الأسد على الأميركان. هو يقول لهم أنني نسيت إسرائيل تماما ومن الآن فصاعدا لن يكون لي هم سوى محاربة الإرهاب الذي يهدد إسرائيل وليس فقط سورية.

أنا لا أصدق أن الإرهاب الوهابي يهدد إسرائيل بالفعل، ولكن هناك مخاوف لدى الأميركان والإسرائيليين بأن هذا الإرهاب سوف يؤثر في النهاية على إسرائيل.

لهذا السبب الأميركان والإسرائيليون كانوا سعيدين جدا عندما سمعوا خطابات حسن نصر الله حول مكافحة الإرهاب. هم يريدون أن ينسى حزب الله إسرائيل وأن يتفرغ لمحاربة الإرهاب.

ولكنهم يريدون ضمانة للمستقبل. من الممكن أن يعود حزب الله في المستقبل لتهديد إسرائيل. لا بد من أن يقدم حزب الله ضمانة تثبت أنه لن يعود في المستقبل لتهديد إسرائيل.

الضمانة التي يطلبها الأميركان والإسرائيليون هي تسليم حزب الله لسلاحه الاستراتيجي الذي يهدد إسرائيل. هم يريدون من حزب الله أن يوقع اتفاقية على شاكلة الاتفاقية الكيماوية التي وقعها الأسد.

لو سار حزب الله في الطريق الذي سار فيه الأسد فإن الأميركان سيتحالفون مع حزب الله والأسد ضد خطر الإرهاب.

هذه هي الصفقة التي كان الأسد موعودا بها. شبيحة الأسد وكتابه الصحفيون أهلكونا بالمقالات التي تتحدث عن الحلف المنتظر بين المحور الإيراني والمحور الأميركي ضد الإرهاب.

الأسد كان يعتقد أن مؤتمر جنيف 2 سيؤدي لنسج تحالف بينه وبين الأميركان ضد الإرهاب. ضمانة هذا التحالف هي الصفقة الكيماوية التي سلم بموجبها سلاحه للأميركان.

الأمور لم تسر على النحو الذي بشرنا به إعلام الأسد، ليس لأن الأميركان غضبوا من الأسد، ولكن لأنهم غضبوا من حزب الله اللبناني. هم كانوا ينتظرون من حزب الله اللبناني أن يحذو حذو الأسد ويسلم سلاحه، ولكن الحزب لم يسلم سلاحه حتى الآن، وهذا هو ما أدى لتعثر صفقة جنيف 2 التي عقدها الأسد مع الإسرائيليين بوساطة الروس والأميركان.

الأميركان يضغطون على إيران بكل قوتهم لكي يجبروها على نزع سلاح حزب الله، وليس لكي يجبروها على التخلي عن الأسد. هم يخيرون إيران بين التخلي عن الأسد وبين التخلي عن سلاح حزب الله. لو كانت إيران تسعى وراء مصالحها الجيوسياسية فهي يجب أن تتخلى عن سلاح حزب الله، لأن التخلي عن هذا السلاح لا يعني زوال الهيمنة الإيرانية في لبنان، بل على العكس الأميركان مستعدون لشرعنة هيمنة حزب الله لو أنه تخلى عن سلاحه الذي يهدد إسرائيل.

إذن الأميركان يعرضون على إيران الخيارات التالية:

  • أن تخسر بشار الأسد، وهذا يعني خسارتها لنفوذها في سورية ولبنان، ولاحقا العراق، أي أنها ستخسر كل شيء في المنطقة
  • أن تخسر سلاح حزب الله الذي يطال إسرائيل، وفي مقابل ذلك الأميركان سوف يكونون مستعدين لشرعنة المحور الإيراني الذي يمتد من أفغانستان إلى بيروت

طبعا مصلحة الإيرانيين هي الخيار الثاني، ولكن على ما يبدو فإن الإيرانيين لا يثقون بالنوايا الأميركية ويشعرون أن أميركا ربما تحاول أن تخدعهم.

لا أدري ما هي حسابات الإيرانيين بالضبط، ولكن الصفقة التي يعرضها الأميركان عليهم هي نفس الصفقة التي لطالما أشرت إليها منذ بدأت التحليل.

الأميركان يقولون للإيرانيين خذوا المنطقة واتركوا إسرائيل.

ضمانة الصفقة هي نزع السلاح من سورية ولبنان. نصف هذه الضمانة قد تم تنفيذه بالفعل بعد نزع السلاح من سورية، وبقي النصف الآخر المتمثل بنزع سلاح حزب الله.

لو تمت تسوية قضية حزب الله فسيوافق الأميركان على الاعتراف ببشار الأسد مجددا، ولكنهم سيطلبون منه إشراك الجربا في الحكومة السورية. هم سيطلبون من إيران تكرار النموذجين العراقي واللبناني في سورية. في العراق هناك حكومة وحدة وطنية يشارك فيها الشيعة والسنة، ونفس الأمر موجود في لبنان. الأميركان سيطلبون تشكيل حكومة مماثلة في سورية.

طبعا هذه الحكومة لن تكون مستقرة على الأغلب. سورية فقدت استقرارها وهذا الاستقرار لن يعود إليها مجددا ولو بعد عشرات السنين. الأميركان والإسرائيليون لن يكونوا حزينين من بقاء سورية في وضع معدوم الاستقرار.

الهدف النهائي العميق للأميركان والإسرائيليين هو تطبيق سيناريو التقسيم الطائفي للمنطقة، ونحن بتنا قريبين من تحقيق هذا الهدف. لو وافقت إيران على الصفقة التي يعرضها الأميركان فإن النتيجة ستكون تقسيم سورية والعراق بعد فترة ليست بالطويلة.

هل من الممكن للمعارضة السورية أن تشارك في حكومة واحدة مع بشار الأسد؟ هذا طرح غير منطقي. هذا الطرح هو وصفة لتقسيم سورية.

الأسد ليس مؤهلا للمشاركة في حكومة ديمقراطية. هذا الشخص هو ديكتاتور أمضى 13 سنة في الحكم الديكتاتوري، وهو ابن ديكتاتور حكم سورية لمدة 30 سنة. هل هكذا شخص يمكنه أن يقود حكومة ديمقراطية ائتلافية؟

حكومة بشار الأسد الائتلافية ستكون شبيهة بحكومة نوري المالكي في العراق. هي لن تكون مستقرة على الإطلاق.

للأسف الأميركان يتلاعبون بالمنطقة كما يشاؤون، ولا توجد قوة قادرة علي إيقافهم، ولا توجد أصلا وسيلة لإيقافهم. هم يملكون أداة تدميرية فائقة القوة اسمها آل سعود. هم استخدموا هذه الأداة لتدمير الدول العربية، وبمجرد أن ينتهي دور الأداة سوف يتخلصون منها أيضا.

مستقبل العرب هو مستقبل مظلم، ولا يوجد مهرب من هذا المستقبل المظلم.

حتى تركيا هي في وضع لا تحسد عليه. السبب هو أردوغان “الإسلامي” الأحمق الذي نصبه الأميركان حاكما على تركيا بهدف تدميرها.

أردوغان وضع تركيا على خط سيوصلها إلى الخراب، ونحن بتنا نرى بوادر هذا الخراب.

حكم أردوغان أدى إلى تصعيد النزاعات الطائفية داخل المجتمع التركي، وهذا أمر بديهي. عندما تأتي بشخص يحمل عقلية الإخوان المسلمين وتنصبه حاكما على أي بلد فإن النتيجة الحتمية ستكون تمزيق مجتمع هذا البلد. هذا ما رأيناه في مصر أيضا، وهو ما رأيناه سابقا في الدولة العثمانية وأدى إلى انهيارها وتقسيمها.

“الإسلاميون” و”آل سعود” هم وباء هذه المنطقة الذي يقودها إلى التقسيم وفق سيناريو برنارد لويس. تحقيق هذا السيناريو بات قريبا.

لا أدري بصراحة ما يجب على عقلاء العرب أن يفعلوه. لا يوجد حل سوى أن نتقبل المأساة وأن نسعى للتكيف معها. يجب فقط أن نوضح للناس أسباب المأساة وما الذي أوصل إليها.

أهم أسباب مأساة العرب المعاصرة هي ما يلي:

  • السياسة الأميركية الاستعمارية
  • آل سعود
  • فكر الإسلاميين الطائفي وفشل الحكومات العربية في التصدي لهذا الفكر
  • الفكر المركزي والاشتراكي الذي دمر اقتصادات ومجتمعات بعض الدول العربية (خاصة سورية)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s