الدماغ البشري (5)

في المقال الأخير بينا دور المنطقة التي تسمى “المركز القلبي الوعائي” cardiovascular center أو “المركز التحريكي الوعائي” vasomotor center في الحفاظ على ضغط الدم، ولكن في الحقيقة هذه المنطقة تؤدي وظائف أخرى لا علاقة لها بالحفاظ على ضغط الدم.

هذه المنطقة تتأثر بالإشارات الواردة من المستقبلات الكيماوية chemoreceptors إلى النواة المفردة وتقوم بزيادة أو تخفيض ضغط الدم بناء على هذه الإشارات.

المعنى هو أن هذه المنطقة ترفع ضغط الدم في حال انخفض الأكسجين في الدم، وتخفض ضغط الدم مجددا في حال ازداد الأكسجين في الدم.

ما هي العلاقة بين الأكسجين وضغط الدم؟

وصول الأكسجين إلى الأنسجة الخلوية يعتمد على عاملين:

  • كمية الأكسجين المحمولة في الدم
  • سرعة جريان الدم

لو فرضنا أن الدم فيه كمية كبيرة من الأكسجين ولكن جريانه بطيء فهذا سيسبب مشكلة للأنسجة الخلوية، لأن بطء وصول الأكسجين إلى الأنسجة لا يختلف عن وصول كمية قليلة.

هذه المشكلة تشبه المشكلة التي كان قدري جميل (أحد أعضاء الحكومة السورية السابقين) يتحدث عنها فيما يخص المحروقات. هو كان يزعم أن الحكومة السورية تملك كمية كبيرة من المحروقات في المخازن، ولكن الحكومة هي عاجزة عن إيصال المحروقات إلى الناس بسبب صعوبة النقل على الطرق.

ما هي فائدة المحروقات المخزنة في المستودعات؟ لا توجد لها أية فائدة. كلام قدري جميل ليست له أية فائدة بالنسبة للمواطنين السوريين لأن المواطن يريد أن تصل المحروقات إليه. هو لا يتأثر بكمية المحروقات المخزنة في مستودعات الحكومة.

نفس الأمر ينطبق على الأنسجة الخلوية. الأنسجة الخلوية لا تستفيد كما يجب من الأكسجين المحمول في الدم إذا كانت سرعة وصوله إلى الأنسجة بطيئة. إذا كان الدم غنيا بالأكسجين ولكن جريانه متوقف فهذا الأمر سيؤدي إلى اختناق الأنسجة ووفاتها (كما مات المواطنون السوريون من البرد بسبب عدم وصول المحروقات).

“المركز القلبي الوعائي” يعمد إلى زيادة ضغط الدم عند انخفاض الأكسجين المحمول في الدم لأن زيادة ضغط الدم تزيد جريان الدم وبالتالي تزيد سرعة وصول الأكسجين إلى الخلايا.

هذا المنعكس هو مفيد لحفظ حياة الإنسان، ولكننا لا نستطيع أن نصفه بأنه منعكس خاص بتنظيم عمل الجهاز القلبي الوعائي، وهو أيضا ليس منعكسا خاصا بتنظيم التنفس. هذا المنعكس يحافظ على وصول الأكسجين إلى الخلايا. هذه المسألة هي ليست خاصة بالجهاز القلبي الوعائي ولا بالجهاز التنفسي ولكنها ضرورية لسلامة الجسم بشكل عام.

المحافظة على وصول الأكسجين والغذاء إلى الخلايا ونقل الفضلات منها هي وظائف أساسية ضرورية لاستمرار حياة الحيوان والإنسان وسلامة جميع أعضائه وأجهزته. هذه الوظائف لا تنظم عمل عضو معين أو جهاز معين ولكنها تحافظ على السلامة العامة للجسم. بدون هذه الوظائف فإن الجسم ما كان ليوجد أصلا.

المنعكسات التي تهدف للحفاظ على وجود الكائن الحي واستمرار عمل أعضائه بشكل سليم والتي لها طابع كيميائي أو فيزيائي داخل الجسم (تتعلق بتراكيز المواد ودرجة الحرارة والضغط) يطلق عليها مسمى homeostasis. هذه الكلمة هي مشتقة من اليونانية (hómoios) ὅμοιος التي تعني “شبيه” أو “مماثل”، و (stásis) στάσις التي تعني “وقوف” أو “توقف”. ترجمة كلمة homeostasis هي ربما “البقاء على نفس الحال”. المقصود بذلك هو الحفاظ على حالة التوازن equilibrium الكيمائي والفيزيائي في الجسم.

المنعكسات التي تحافظ على الـ homeostasis هي أبسط وظائف الجسم الحيواني والبشري وأكثرها بدائية. الجهاز العصبي المركزي يشرف على عدد كبير من هذه المنعكسات.

“المركز القلبي الوعائي” في النخاع المستطيل هو من المراكز العصبية المسؤولة عن الـ homeostasis. صحيح أن هذا المركز يحافظ على ضغط الدم، ولكنه ينظم منعكسات أخرى لا علاقة لها بتوازن الجهاز القلبي الوعائي بحد ذاته.

المنعكسات التي ينظمها “المركز القلبي الوعائي” تدخل تحت مسمى “استجابة الكرب الحاد” acute stress reaction. الكرب stress يمكن أن يكون حادا acute (أي حديث العهد) أو مزمنا chronic (مستمرا منذ وقت طويل). الكرب الحاد يحدث مثلا بسبب إصابة trauma قوية، سواء كانت هذه الإصابة جسمية أم نفسية.

إذا أدت الإصابة إلى انخفاض كبير في ضغط الدم (وهو ما يحدث عادة في الإصابات الجسمية القوية) فإن الأطباء يسمون الحالة “صدمة” shock، ويسمون استجابة الجسم لها “تعويضا” compensation. أنا لا أظن أن هناك فرقا بين استجابة الجسم للكرب الحاد (التي تسمى acute stress reaction) وبين استجابة الجسم للصدمة (التي تسمى compensation). هذه المصطلحات لها نفس المعنى.

هناك مصطلح ثالث له نفس المعنى هو “استجابة القتال أو الهرب” fight-or-flight response. هذا المصطلح يستخدم لوصف حالة الجسم عند الشعور بالخوف أو الغضب. “استجابة القتال أو الهرب” لا تختلف عن “استجابة الكرب الحاد” acute stress reaction.

كل الاستجابات سالفة الذكر لها نفس الوصف وهو كما يلي:

  • زيادة سرعة التنفس
  • زيادة سرعة نبض القلب
  • توسع القصبات التنفسية
  • تضيق الأوعية الدموية المغذية للجهاز الهضمي
  • توسع الأوعية الدموية المغذية للعضلات الهيكلية
  • تضيق الأوعية الدموية المغذية للجلد، وهذا يؤدي لبرودة الجلد وشحوب لونه (ولكن في بعض الأحيان يمكن أن يحدث العكس، أي أن تتوسع الأوعية الدموية الجلدية، وهذا يؤدي لدفء الجلد واكتسابه اللون الوردي)
  • تثبيط تقلصات المعدة والأمعاء، وبالتالي بطء مرور الغذاء في القناة الهضمية
  • ارتخاء المثانة
  • تقبض المصرّات العضلية sphincters (العضلات الحلقية التي تغلق مدخل الإحليل البولي والمستقيم)
  • تثبيط الانتصاب والاستثارة الجنسية
  • توسع حدقتي العينين
  • زيادة إفراز العرق من الغدد العرقية
  • نقص إفراز الدمع من الغدد الدمعية (وهذا يؤدي لجفاف العينين) ونقص إفراز الغدد الهضمية (وهذا يؤدي مثلا لجفاف الفم بسبب قلة إفراز اللعاب من الغدد اللعابية)
  • الارتجاف
  • زيادة التأهب الحسي vigilance/alertness
  • تنشيط عاطفة القلق أو الخوف أو الغضب (حسب الوضع)
  • إطلاق الطاقة المخزنة على شكل سكريات ودهون إلى الدم

هذه أهم عناصر الاستجابة التي تسمى “استجابة الكرب الحاد” أو “تعويض الصدمة” أو “استجابة القتال أو الهرب”.

الهدف من هذه الاستجابة هو الحفاظ على التوازن الأساسي للجسم homeostasis عند التعرض لإصابة حادة. عمليا هذا الكلام يعني المحافظة على وصول الأكسجين والغذاء إلى خلايا الجسم وتخليصها من الفضلات بالحد الأدنى المطلوب.

بعض أعضاء الجسم تستهلك في الأحوال الطبيعية كمية من الطاقة تفوق حاجتها الأساسية. هذا ينطبق مثلا على الجهاز الهضمي الذي يستهلك الطاقة لهضم الغذاء المأكول وامتصاصه وتخزينه ونحو ذلك. أيضا الجهاز التناسلي يستهلك الطاقة بهدف التناسل. هذه الوظائف هي ليست أساسية أو مصيرية بالنسبة لحياة الإنسان. لو توقف الجهاز الهضمي عن العمل فإن الإنسان لن يموت فورا ولكنه سيعيش ربما لأيام قبل أن يموت. لو توقف الجهاز التناسلي عن العمل فإن حياة الإنسان ربما لن تتأثر.

لهذا السبب فإن تثبيط عمل الجهازين الهضمي والتناسلي لبعض الوقت هو ليس مشكلة خطيرة.

عند إصابة الإنسان بالكرب الحاد (مثلا بسبب النزف أو بسبب الالتهاب العام في الجسم sepsis) يعمد الجسم إلى تثبيط عمل الجهازين الهضمي والتناسلي (عبر تقليل التروية الدموية الواردة إليهما وتثبيط حركاتهما وإفرازاتهما). الهدف من ذلك هو توفير ضغط الدم (وبالتالي توفير الأكسجين والطاقة والقدرة على التخلص من الفضلات) ومنع استنزافه في نشاطات غير ضرورية للحياة خلال فترة الكرب الحاد.

في المقابل يعمد الجسم إلى زيادة التروية الدموية للعضلات الهيكلية (المسؤولة عن تحريك الجسم)، لأن هذه العضلات ضرورية للهرب أو القتال.

الجسم يعمد أيضا إلى تنشيط الجهاز العصبي المركزي (وهو ما يؤدي لزيادة اليقظة arousal وخاصة التأهب الحسي vigilance/alertness وتنشيط بعض الحالات العاطفية القوية كالقلق أو الخوف أو الغضب)، لأن الجهاز العصبي المركزي هو ضروري للهرب أو القتال.

الجسم بشكل عام يقلل التروية الدموية الواردة إلى الأعضاء غير الأساسية (الجهاز الهضمي، الجهاز التناسلي، الجلد) لكي يحافظ على ضغط الدم الوارد إلى الأعضاء الأساسية كالدماغ والكليتين. انخفاض ضغط الدم الوارد إلى الدماغ أو الكليتين هو أمر خطير من شأنه إيذاء هذه الأعضاء وإيذاء الجسم عموما.

الجهاز العصبي المتعاطف والجهاز العصبي جانب المتعاطف

في الأعلى وصفنا “استجابة الكرب الحاد” التي تتنشط عند تعرض الإنسان لإصابة جسمية أو نفسية (أو عند شعور الإنسان بأنه على وشك التعرض لهكذا إصابة).

تنشيط استجابة الكرب الحاد يتم عبر ما يسمى بـ “المركز القلبي الوعائي” في النخاع المستطيل.

هذا المركز يستقبل إشارات واردة من مناطق عليا وسفلى في الجهاز العصبي المركزي.

في كثير من الأحيان تنشيط استجابة الكرب الحاد يحدث بسبب إشارات واردة من مناطق دماغية عليا (من الدماغ الأوسط (midbrain) mesencephalon أو من ما تحت الثلم hypothalamus). مثلا إذا فكر الإنسان بشيء مخيف جدا فهذا سيؤدي إلى تنشيط استجابة الكرب الحاد في جسمه. في مثل هذه الحالة تنشيط الاستجابة بدأ من المخ.

تنشيط استجابة الكرب الحاد يمكن أن يحدث أيضا بسبب إشارات واردة من مستقبلات الضغط أو المستقبلات الكيماوية المتصلة مع نواة الطريق المفرد nucleus of the solitary tract.

وصول الإشارات الإثارية excitatory إلى المنطقة المنقارية rostral من “المركز القلبي الوعائي” (المنطقة الضاغطة pressor area) يؤدي إلى تنشيط استجابة الكرب الحاد.

ما يحدث هو أن المنطقة المنقارية من “المركز القلبي الوعائي” ترسل إشارات إثارية عبر الطريق الشبكي الشوكي reticulospinal tract إلى خلايا القرنين الجانبيين من الحبل الشوكي (مصدر الأعصاب ذاتية الحكم nerves autonomic). إثارة هذه الخلايا تؤدي إلى إفراز الـ norepinephrine من نهايات الأعصاب ذاتية الحكم (الـ norepinephrine يسمى عادة noradrenaline خارج الولايات المتحدة).

الـ norepinephrine المفرز من نهايات الأعصاب ذاتية الحكم هو مسؤول عن الكثير من الأمور التي تحصل خلال استجابة الكرب الحاد. هذا الناقل يفرز في جدران الأعضاء الحشوية (الأعضاء الهضمية، الأوعية الدموية، الغدد، إلخ) ويتسبب إما بتقليص الخلايا العضلية الملساء (كما يحدث في جدران الأوعية الدموية المغذية للقناة الهضمية) أو يإرخائها (كما يحدث في جدران الأوعية الدموية المغذية للعضلات الهيكلية وفي جدران المعدة والأمعاء والمثانة). الـ norepinephrine يتسبب أيضا في تثبيط إفراز العديد من الغدد.

الأعصاب ذاتية الحكم الواصلة إلى الغدد العَرَقية لا تفرز norepinephrine ولكنها تفرز acetylcholine. هذا الناقل يحفز إفراز العرق.

الأعصاب ذاتية الحكم الواصلة إلى الغدتين الكظريتين (الغدتان المجاورتان للكليتين adrenal glands) تفرز أيضا acetylcholine، ولكن الـ acetylcholine هنا يحفز إفراز هرمون epinephrine (هو نفسه الأدرينالين adrenaline) من خلايا توجد في نخاع الغدتين الكظريتين تسمى chromaffin cells. الـ epinephrine له تقريبا نفس تأثيرات الـ norepinephrine، ولكن خلاياchromaffin  تطرحه في الدم بشكل مباشر على شكل هرمون، وهذا يترك تأثيرات واسعة في الجسم (تشبه عموما تأثيرات norepinephrine الموضعية).

حسب هذه الدراسة فإن إفراز الـ epinephrine في الدم من خلاياchromaffin  هو أسلوب بدائي مقارنة مع الإفراز الموضعي للـ norepinephrine في جدران الأعضاء الحشوية والغدد. طرح الـ epinephrine في الدم هو بمثابة إرسال رسالة عشوائية ستصيب كل أعضاء الجسم دون تمييز، أما إفراز الـ norepinephrine من نهايات الأعصاب فهو أسلوب أدق لأنه يوصل الرسالة إلى العضو المعني دون غيره. الأسلوب الأول هو المهيمن لدى الفقاريات البدائية (الأسماك والبرمائيات)، أما الأسلوب الثاني فهو مهم لدى الفقاريات الأكثر تطورا (الزواحف والطيور والثدييات).

خلاصة ما سبق هي أن استجابة الكرب الحاد تحدث بسبب:

  • إفراز norepinephrine في جدران الأعضاء الحشوية وفي الغدد
  • إفراز acetylcholine في الغدد العرقية
  • إفراز epinephrine في الدم

الأعصاب التي تفرز هذه المواد هي الأعصاب ذاتية الحكم autonomic التي تخرج من القرنين الجانبيين للحبل الشوكي الممتدين بين القطعة الصدرية الأولى من قطع الحبل الشوكي (رمزها T1) والقطعة القطنية الثانية (رمزها L2).

بعض الأعصاب ذاتية الحكم لا تشارك في استجابة الكرب الحاد ولكنها على العكس من ذلك تسعى لمعاكسة هذه الاستجابة. هذه الأعصاب تخرج من القطع العجزية رقم 2 و 3 و 4 (رموزها S2, S3, S4) ومن بعض أنوية الأعصاب القحفية في جذع الدماغ (تغذي الأعصاب القحفية رقم 3 و 7 و 9 و 10). نهايات هذه الأعصاب تفرز الـ acetylcholine.

الأعصاب ذاتية الحكم التي تنفذ استجابة الكرب الحاد تسمى “الجهاز العصبي المتعاطف” sympathetic nervous system، والأعصاب ذاتية الحكم التي تعاكس هذه الاستجابة تسمى “الجهاز العصبي جانب المتعاطف” parasympathetic nervous system.

أعصاب الجهاز المتعاطف sympathetic على اليسار، وأعصاب الجهاز جانب المتعاطف parasympathetic على اليمين

تسمية الجهاز “المتعاطف” sympathetic نبعت من كونه الجهاز الذي يتنشط في حالة الكرب stress أو الصدمة shock أو القتال أو الهرب fight-or-flight. الجهاز “جانب المتعاطف” parasympathetic هو الجهاز الذي يتنشط في حالة الراحة وعند هضم الطعام وعند إخراج الفضلات من الجسم وعند الإثارة الجنسية؛ لهذا السبب البعض يسمون وظائف الجهاز جانب المتعاطف “الراحة والهضم” rest-and-digest.

في الحقيقة هذه التسميات هي تبسيطية وليست صحيحة. الجهاز “المتعاطف” هو ليس خاصا بحالة الكرب أو الصدمة. هذا الجهاز هو متنشط دائما بهدف منع انخفاض ضغط الدم. ضغط الدم يمكن أن ينخفض بسهولة لأي سبب عارض (مثلا بسبب نقص شرب الماء، أو بسبب تناول مادة غذائية تسبب توسع الأوعية الدموية، إلخ). الجهاز المتعاطف هو مجرد جزء من منعكس تنظيم ضغط الدم الذي تحدثت عنه في البداية. لو فرضنا أن هناك شخصا مرتاحا في بيته لم يشرب الماء طوال اليوم فهذا سيؤدي لتنشيط الجهاز المتعاطف لديه بهدف منع انخفاض ضغط دمه. هل يمكننا أن نصف نشاط الجهاز المتعاطف في هذه الحالة بأنه استجابة للكرب الحاد؟ أو تعويض للصدمة؟ أو استجابة القتال أو الهرب؟

الجهاز المتعاطف هو مجرد جزء من منعكس كبير هدفه الأصلي هو المحافظة على التوازن الكيميائي والفيزيائي في الجسم homeostasis. الجهاز المتعاطف هو متنشط دائما لتصحيح الانحرافات الطفيفة في الـ homeostasis التي تحدث بشكل عارض أثناء الحياة اليومية. عندما يحدث اختلال كبير في الـ homeostasis بسبب الكرب الحاد أو الصدمة يزداد نشاط الجهاز المتعاطف إلى حد كبير وتصبح آثاره واضحة وطاغية.

الجهاز “جانب المتعاطف” parasympathetic هو الذراع الأخرى لمنعكس تنظيم الـ homeostasis. الوظيفة الأصلية لهذا الجهاز هي معاكسة آثار الجهاز المتعاطف. دور هذا الجهاز يشبه دور المنطقة السفلى (المنطقة المهبِّطة depressor area) فيما يسمى “المركز القلبي الوعائي”. وظيفة هذه المنطقة هي تثبيط المنطقة العليا (المنطقة الضاغطة pressor area)، وهي تقوم أيضا بتحفيز الجهاز جانب المتعاطف عن طريق النواة المبهمة nucleus ambiguous التي ترسل إلى القلب (عبر العصب المبهم vagus nerve) إشارات مثبطة تؤدي إلى إبطاء الإيقاع القلبي.

الجهازان المتعاطف وجانب المتعاطف هما ذراعان لمنعكس مركب وظيفته الأصلية هي الحفاظ على الـ homeostasis. عندما يتنشط الجهاز المتعاطف فإن ذلك يكون على حساب الجهاز جانب المتعاطف، والعكس صحيح.

“المركز القلبي الوعائي” ينظم عمل الجهازين المتعاطف وجانب المتعاطف (أي أنه ينظم عمل الجهاز العصبي ذاتي الحكم autonomic nervous system)، إذن هذا المركز هو في الحقيقة ليس مجرد مركز “قلبي وعائي” أو “تحريكي وعائي” ولكن دوره أكبر من ذلك. أنا لا أدري بالضبط ما هي حدود “المركز القلبي الوعائي” الذي يرد ذكره في بعض الدراسات والكتب، ولكنني أظن أن هذه التسمية هي غير مناسبة.

بعض الدراسات على ما يبدو تستخدم مسمى “النخاع البطني الوحشي” ventrolateral medulla كبديل لمسمى “المركز القلبي الوعائي”.

أصل الجهاز العصبي المتعاطف

حسب هذه الدراسة (وغيرها) فإن الجهاز العصبي المتعاطف sympathetic بشكله المألوف لدى الثدييات هو اختراع حديث نسبيا.

الجهاز العصبي المتعاطف كما قلنا في الأعلى يصدر من القرنين الجانبيين للحبل الشوكي الممتدين بين القطعة الصدرية الأولى من قطع الحبل الشوكي (رمزها T1) والقطعة القطنية الثانية (رمزها L2).

اللون الأحمر يعبر عن الجهاز العصبي المتعاطف sympathetic واللون الازرق يعبر عن الجهاز العصبي جانب المتعاطف parasympathetic

القطع الرقبية في الحبل الشوكي لا علاقة لها بالجهاز العصبي ذاتي الحكم (سواء المتعاطف أم جانب المتعاطف). خلايا القرنين الجانبيين في القطع الرقبية الممتدة بين القطعة الأولى C1 والقطعة الخامسة C5 هي مصدر ما يسمى بالعصب القحفي الحادي عشر (“العصب الملحق” accessory nerve)، الذي هو عصب تحريكي واع مسؤول عن إدارة الرأس ورفع الكتفين.

محاور خلايا القرنين الجانبيين الممتدة بين T1 و L2 (التي تسمى “الخلايا قبل العقدية” preganglionic neurons) تخرج عبر الجذور الأمامية للأعصاب الشوكية وترتبط مع خلايا رتبة ثانية second-order neurons (تسمى “خلايا بعد عقدية” postganglionic neurons) موجودة في عقد ganglia تقع على جانبي العمود الفقري تسمى “العقد جانب الفقارية” paravertebral ganglia.

العقد جانب الفقارية تتصل مع بعضها بألياف عصبية صاعدة ونازلة. مجموع العقد مع الألياف يسمى “السلسلة المتعاطفة” sympathetic chain.

بعض محاور الخلايا المتعاطفة في القرنين الجانبيين تتشابك مع خلايا رتبة ثانية موجودة في عقد تقع أمام العمود الفقري تسمى “العقد أمام الفقارية” prevertebral ganglia.

بالنسبة للجهاز العصبي جانب المتعاطف parasympathetic فهو يصدر من مكانين:

  • قطع الحبل الشوكي العجزية رقم 2 و 3 و 4 (رموزها S2, S3, S4) تصدر أعصابا جانب متعاطفة تسمى الأعصاب المعوية الحوضية pelvic splanchnic nerves. هذه الأعصاب تغطي الجهازين البولي والتناسلي بالإضافة إلى المستقيم والثلث الأخير من الأمعاء الغليظة.
  • بقية أحشاء الجسم تحصل على التعصيب جانب المتعاطف من أعصاب قحفية صادرة من جذع الدماغ. النواة المسماة Edinger-Westphal nucleus (في الدماغ الأوسط) توفر التعصيب جانب المتعاطف لقزحية العين iris عبر العصب القحفي الثالث (نشاط هذه النواة يؤدي إلى تضيق حدقة العين pupil). النواتان المسماتان “النواة اللعابية العلوية” superior salivatory nucleus و”النواة اللعابية السفلية” inferior salivatory nucleus توفران التعصيب جانب المتعاطف للغدد الدمعية واللعابية عبر العصبين القحفيين السابع والتاسع (نشاطهما يؤدي إلى إفراز الدمع واللعاب). النواة المسماة “النواة الظهرية للعصب المبهم” dorsal nucleus of vagus nerve توفر التعصيب جانب المتعاطف عبر العصب القحفي العاشر (المبهم vagus) للجهاز التنفسي (نشاطها يؤدي إلى تضيق القصبات التنفسية) وللجهاز الهضمي (نشاطها يؤدي إلى تحريك المعدة والأمعاء وزيادة مفرزاتهما) ما عدا الثلث الأخير من الأمعاء الغليظة الذي تعصبه الأعصاب المعوية الحوضية pelvic splanchnic nerves الصادرة من الحبل الشوكي العجزي. النواة المسماة “النواة المبهمة” nucleus ambiguus توفر التعصيب جانب المتعاطف للقلب عبر العصب القحفي العاشر (نشاطها يؤدي إلى إبطاء إيقاع القلب). هذه النواة تتحكم أيضا بعضلات الحنجرة والبلعوم، ولكن بما أن الإنسان يستطيع أن يتحكم إراديا بعضلات حنجرته وبلعومه فإن الأعصاب الذاهبة إلى هذه العضلات لا تصنف ضمن الجهاز العصبي ذاتي الحكم autonomic ولكنها تصنف أحيانا تحت مسمى الأعصاب “الجسمانية الحشوية” somatovisceral.

ما سبق هو وصف مختصر للجهاز العصبي ذاتي الحكم لدى الإنسان.

حسب الدراسة التي أشرنا إليها في الأعلى فإن الأسماك بلا فكين jawless fish (التي هي أكثر أنواع الفقاريات بدائية) لا تملك عقدا متعاطفة sympathetic ganglia أو سلاسل متعاطفة sympathetic chains.

الأسماك الأكثر تطورا والبرمائيات تملك سلاسل متعاطفة، ولكن خلايا هذه السلاسل تفرز الـ acetylcholine بدلا من الـ norepinephrine.

عند الثدييات خلايا القرنين الأماميين (المحركة الجسمانية somatic motor) تفرز الـ acetylcholine (اختصاره ACh)، وهذا الناقل هو الذي يؤثر في العضلات الهيكلية ويؤدي لتحريكها، ولكن خلايا العقد المتعاطفة تفرز الـ norepinephrine (اختصاره NE).

إفراز الـ acetylcholine من العقد المتعاطفة لدى الأسماك والبرمائيات يعني أن هذه العقد هي ليست متعاطفة بالفعل ولكنها جانب متعاطفة parasympathetic. تنشيط هذه العقد يعطي نفس نتيجة تنشيط الجهاز جانب المتعاطف لدى الثدييات (تنشيط الجهاز الهضمي والتناسلي والإخراجي وتنشيط إفراز الغدد إلخ).

في المقابل العصب المبهم vagus nerve لدى الأسماك والبرمائيات يفرز كلا من الـ norepinephrine والـ acetylcholine. ألياف العصب المبهم التي تذهب إلى الجهازين الهضمي والتنفسي تفرز الـ norepinephrine، أي أن مفعولها متعاطف sympathetic، على النقيض من الحال لدى الفقاريات الأكثر تطورا. ألياف العصب المبهم التي تذهب إلى القلب كانت في الأساس تفرز الـ acetylcholine (كما هو الحال لدى الثدييات)، ولكن في زمن لاحق صارت هناك أيضا ألياف مفرزة للـ norepinephrine ضمن العصب المبهم.

خلاصة كل ما سبق هي أن الخلايا العصبية المتعاطفة sympathetic لم تكن في الأصل موجودة في الحبل الشوكي وعقده. كل الخلايا التأثيرية في الحبل الشوكي وعقده (سواء كانت جسمانية somatic أم حشوية visceral) كانت تفرز الـ acetylcholine. الخلايا العصبية المفرزة للـ norepinephrine كانت في الأصل موجودة في النخاع المستطيل. النخاع المستطيل كان يحوي خلايا مفرزة للـ acetylcholine خاصة بالقلب، وهذه الخلايا هي أقدم من الخلايا المفرزة للـ norepinephrine.

ما سبق يشير إلى أن “الجهاز العصبي المتعاطف” هو بدعة متأخرة عن “الجهاز العصبي جانب المتعاطف”. ما يسمى بـ
“التعصيب جانب المتعاطف” parasympathetic innervation هو التعصيب الأصلي الخاص بالأحشاء. هذا التعصيب كان لا يختلف من حيث طبيعته عن التعصيب الجسماني (كلاهما إثاري excitatory ويعتمد على الـ acetylcholine). ظهور التعصيب المتعاطف sympathetic innervation ترافق مع “الرأسنة” cephalization، أي ظهور الدماغ. التعصيب المتعاطف كان في الأصل مجرد منعكس موجود في النخاع المستطيل. وظيفة هذا المنعكس كانت تثبيط بعض الوظائف الجسمانية غير الأساسية (الهضم، التكاثر، إلخ) لمصلحة وظائف أخرى أساسية (الجهاز العصبي المركزي، الكليتان، العضلة القلبية). الهدف من هذه العملية هو المحافظة على التوازن الداخلي الأساسي للجسم homeostasis (أي إنقاذ الحياة وتفادي الموت السريع). في زمن لاحق تطورت فكرة المنعكس “المتعاطف” إلى المفهوم الذي يسمى “استجابة القتال أو الهرب” fight-or-flight response. المنعكس المتعاطف لم يعد خاصا بالتوازن الداخلي للجسم homeostasis ولكنه صار مسؤولا أيضا عن توفير مستلزمات القتال أو الهرب. لهذا السبب هذا الجهاز صار يقوم بتوجيه الدم نحو العضلات الهيكلية، وأيضا نشأ ترابط بين عواطف الخطر (الخوف والغضب) وبين تنشيط هذا الجهاز. من الناحية الفيزيولوجية هذا الجهاز امتد نحو الحبل الشوكي. السبب ربما هو إعطاؤه قدرة أكبر على التحكم بالجسم بشكل دقيق.

إذا كانت “استجابة القتال أو الهرب” اختراعا حديثا نسبيا فهل هناك آلية دفاعية أقدم كانت الحيوانات تستخدمها عند الشعور بالخطر؟

الجواب هو نعم. هناك آلية (أو ربما آليات) دفاعية تعتمد على “التعصيب جانب المتعاطف”. هناك آلية معروفة تسمى “الجمود التقلصي” tonic immobility. هذه الآلية هي شائعة جدا في عالم الحيوان. هذه الآلية هي عبارة عن منعكس يقوم بتقليص وتثبيت عضلات الجسم على نحو يجعل الحيوان يبدو وكأنه ميت. لهذا السبب هذه الاستجابة تسمى بأسماء من قبيل “الموت الظاهري” apparent death أو “تمثيل الموت” playing dead ونحو ذلك.

سمكة قرش في حالة جمود تقلصي tonic immobility
أرنب في حالة جمود تقلصي

هذه الآلية ما زالت موجودة لدى البشر، ولكنها لا تتنشط إلا في حالات الرعب الشديد. عندما يخاف الإنسان فإن ما يتنشط لديه في البداية هو الجهاز العصبي المتعاطف (استجابة القتال أو الهرب). التعصيب المتعاطف يؤدي إلى تثبيط المعدة والأمعاء وإلى تقليص المصرّات العضلية التي تغلق الإحليل البولي والمستقيم. إذا ازداد رعب الإنسان إلى درجة كبيرة فإن التعصيب المتعاطف يتثبط ويتنشط بدلا منه التعصيب جانب المتعاطف، وهو ما يؤدي إلى تنشيط حركة الأمعاء وارتخاء المصرات العضلية (لهذا السبب الإنسان يبول ويتبرز على نفسه كما يقال في اللغة المحكية). إذا ازداد رعب الإنسان أكثر فإنه ربما يموت بسبب فرط تنشيط العصب المبهم vagus nerve الذي يثبط إيقاع القلب. هذا النوع من الموت يسمى “موت المبهم” vagal death أو “الموت نفسي المنشأ” psychogenic death أو “موت الفودو” Voodoo death (لأنه يكثر لدى القبائل البدائية التي تعتقد بقدرة السحر على قتل الإنسان).

هناك ظاهرة معروفة في فيزيولوجيا الجسم البشري وهي أن تثبيط المنعكسات والآليات الأكثر تطورا (الأحدث) يؤدي إلى نشاط المنعكسات والآليات الأقل تطورا (الأقدم). عندما يفشل “الجهاز المتعاطف” في تخفيف رعب الإنسان فإن هذا يفسح المجال أمام تنشيط “الجهاز جانب المتعاطف”. تنشيط الجهاز جانب المتعاطف يؤدي إلى تثبيط القلب عبر العصب المبهم (وبالتالي تثبيط الدورة الدموية، وهو ما يؤدي إلى برودة الجلد وربما زرقته). الهدف الأصلي من هذه العملية هو “تمثيل الموت” playing dead (كما يحدث لدى الحيوانات)، ولكن هذه العملية يمكن أن تقتل الإنسان. في اللغة المحكية يقال أن فلان “مات من الرعبة”.

في المقالين الأخيرين تحدثت عن بعض المنعكسات المركبة الموجودة في النخاع المستطيل. في المقال القادم سأكمل الحديث في نفس الموضوع.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s