العقل (2)

ما هو العقل؟


قبل أن نستمر في الحديث عن العقل يجب أولا أن نعطي فكرة عن المقصود به.

ما يلي تعريف العقل في ويكيبيديا:

A mind is the set of cognitive faculties that enables consciousness, perception, thinking, judgment, and memory.

حسب هذا التعريف فإن العقل هو “مجموعة من القدرات المعرفية” set of cognitive faculties . هذا التعريف يوحي بأن العقل هو مفهوم أضيق من مفهوم “القدرة المعرفية” cognition. ما يلي تعريف القدرة المعرفية في ويكيبيديا:

In science, cognition is a group of mental processes that includes attention, memory, producing and understanding language, learning, reasoning, problem solving, and decision making.

تعريف القدرة المعرفية هو “مجموعة من العمليات العقلية” group of mental processes.

إذن العقل هو “مجموعة من القدرات المعرفية” والقدرة المعرفية هي “مجموعة من العمليات العقلية”. ربما هناك أناس يفهمون المقصود ولكن بالنسبة لي أنا أشعر بأن هذا تعريف دائري circular. القدرات أو العمليات أو الوظائف التي وردت في مقال ويكيبيديا عن العقل هي نفس القدرات أو العمليات أو الوظائف التي وردت في مقال ويكيبيديا عن القدرة المعرفية، وبالتالي أنا لم أجد فرقا في ويكيبيديا بين مفهومي “العقل” mind و”القدرة المعرفية” cognition.

ما يلي تعريف آخر للقدرة المعرفية:

Cognition, act or process of knowing. Cognition includes attention, perception, memory, reasoning, judgment, imagining, thinking, and speech.

Microsoft Encarta 2009

وما يلي هو التعريف في قاموس Encarta:

1. ability to acquire knowledge: the mental faculty or process of acquiring knowledge by the use of reasoning, intuition, or perception

2. knowledge acquired: knowledge acquired through reasoning, intuition, or perception

[15th century. < Latin cognition- < cognoscere “get to know” < (g)noscere “know”]

ما يلي تعريف العقل في Encarta:

Mind, the mental activities and memory of a person. The mind includes both conscious thoughts and unconscious activity such as dreaming. The human identity can be viewed as being made of mind and body.

Microsoft Encarta 2009

وما يلي التعريف في قاموس Encarta:

1. seat of thought and memory: the center of consciousness that generates thoughts, feelings, ideas, and perceptions, and stores knowledge and memories

2. thinking capacity: the capacity to think, understand, and reason

تعاريف Encarta هي أفضل من تعاريف ويكيبيديا. حسب Encarta فإن العقل هو مفهوم عام يعني كل ما يدور في الرأس من تفكير وذاكرة وحتى التفكير غير الواعي unconscious، وأما القدرة المعرفية فهي مفهوم أضيق قليلا ينحصر في القدرة على اكتساب المعرفة (والمعرفة المكتسبة بواسطة هذه القدرة). القدرة المعرفية هي إذن جزء من العقل.

الذاكرة memory هي في المحصلة جزء من التفكير، بالتالي المقصود بالعقل هو باختصار التفكير thinking. التفكير يمكن أن يكون واعيا أو غير واع.

كلمة التفكير هي كلمة واسعة تشمل الكثير من الأمور، ولكن لغرض التبسيط يمكن أن نصنف الأفكار على النحو التالي:

  • المحسوسات المدركة perceptions
  • المعلومات المحفوظة في الذاكرة memory
  • المعالجة المنطقية reasoning
  • القرارات decisions
  • الخيال imagination
  • العواطف emotions

هذه الأمور تسمى عمليات عقلية mental processes أو وظائف عقلية mental functions. هناك في المصادر عدد كبير من العمليات العقلية الأخرى، ولكنني لم أذكرها في القائمة لأنني لم أقتنع بها وشعرت أنها مشتقة من العمليات الست الواردة في القائمة (سوف أذكر المزيد عن هذا الموضوع لاحقا).

الفلاسفة يستخدمون مصطلح “حدث عقلي” mental event للتعبير عن تجلٍ واحد instance لعملية أو وظيفة عقلية. مثلا عندما يرى الإنسان زهرة فهذا يعتبر حدثا عقليا لأنه تجل لعملية أو وظيفة الإدراك الحسي perception، وعندما يتذكر الإنسان كلمة فهذا يعتبر حدثا عقليا لأنه تجل لعملية أو وظيفة التذكر، وعندما يتخذ الإنسان قرارا فهذا حدث عقلي لأنه تجل لعملية أو وظيفة اتخاذ القرارات، وهكذا.

قائمة “الوظائف العقلية” التي ذكرتها في الأعلى خلت من أهم وظيفة على الإطلاق بالنسبة لكثير من الباحثين والفلاسفة ألا وهي وظيفة الوعي consciousness. أنا لم أضع هذه الوظيفة في القائمة لأنها في رأيي مفهوم غير واضح ومثير للجدل، ولكن هذا المفهوم هو أهم شيء في مفهوم “العقل” بالنسبة لكثير من الفلاسفة. مثلا ديكارت عندما كان يستخدم مصطلح العقل فهو كان يقصد أساسا الوعي، بدليل أنه كان يميز بين العقل (الذي هو الروح ومقره الغدة الصنوبرية) وبين الذكاء intelligence (الذي مقره في الدماغ المادي). ديكارت كان على ما يبدو يعتبر أن الذكاء هو شيء مادي، وأما العقل فهو شيء روحي غير مادي. هذه الفكرة هي تقريبا نفس الفكرة التي نشاهدها حاليا لدى David Chalmers الذي تحدث عن مفهومين:

  • مسألة الوعي السهلة easy problem of consciousness
  • مسألة الوعي الصعبة hard problem of consciousness

المقصود بـ”مسألة الوعي السهلة” هو القدرة المعرفية cognition، والمقصود بـ”مسألة الوعي الصعبة” هو العمليات العقلية “الظواهرية” phenomenal (أي العمليات المرتبطة بالوعي). David Chalmers يرى أن العلم الحديث يمكنه أن يحل “مسألة الوعي السهلة” بالتفسيرات الفيزيائية وأما “مسألة الوعي الصعبة” فهناك “فجوة معرفية” تمنع حلها بالتفسيرات الفيزيائية. هذا الكلام هو ثنائي بامتياز وهو لا يختلف من حيث الجوهر عن نظرية ديكارت وإن تم تلبيسها بلبوس جديد.

ما هو الوعي؟

مفهوم الوعي هو إذن محوري في أي حديث يتعلق بالعقل، ولكن ما هو الوعي؟

ما يلي من ويكيبيديا:

Consciousness is the quality or state of being aware of an external object or something within oneself. It has been defined as: sentience, awareness, subjectivity, the ability to experience or to feel, wakefulness, having a sense of selfhood, and the executive control system of the mind.

الجملة الأولى هي منقولة (بشكل غير حرفي) عن قاموس Merriam-Webster. ترجمة هذه الجملة هي كما يلي:

الوعي هو خاصية أو حالة أن تكون مدركا لشيء خارجي أو لشيء داخل نفسك.

ما يلي من Encarta:

No simple, agreed-upon definition of consciousness exists. Attempted definitions tend to be tautological (for example, consciousness defined as awareness) or merely descriptive (for example, consciousness described as sensations, thoughts, or feelings).

Microsoft Encarta 2009

لا يوجد تعريف متفق عليه للوعي. بعض التعريفات هي تفسير للماء بالماء (تفسيرات دائرية circular) وبعضها الآخر هو تعداد لبعض الوظائف المعرفية cognitive التي كثيرا ما تربط بالوعي. من يحاولون تعريف الوعي كثيرا ما يركزون على أنه مفهوم “فطري” أو “بديهي”، ولكن هذا الكلام لا يفيد في التعريف.

التعريف الوارد في ويكيبيديا يسلط الضوء على بعض العمليات المعرفية التي كثيرا ما تربط بالوعي. في رأيي أن أهم العمليات المعرفية التي كثيرا ما تربط بالوعي هي العمليات التالية:

  • القدرة على مطالعة ما في داخل الذات introspection
  • الشعور الشخصي subjectivity أو sentience
  • إدراك الذات self-awareness
  • إدراك الذوات الأخرى intentionality

بالنسبة لإدراك الذات self-awareness وتمييزها عن الذوات الأخرى فهذه خاصية مهمة من خصائص العقل البشري. المقصود بهذه الخاصية هو أن يدرك الإنسان وجوده كشيء مستقل عن الأشياء المحيطة به وعن الأشخاص الآخرين. هناك مفهوم شبيه هو “نظرية العقل” theory of mind. المقصود بهذا المفهوم هو أن يدرك الإنسان أن له عقلا وأن للآخرين عقولا مختلفة.

الأطفال المصابون بمرض التوحد autism (وبعض الأمراض الأخرى الشبيهة) قد يعانون من نقص في إدراك النفس وفي نظرية العقل، ولهذا السبب هم قد يؤذون أنفسهم.

الطفل الطبيعي يميل إلى تخريب وتدمير الأشياء المحيطة به (مثلا الألعاب). الطفل المصاب بالتوحد ربما لا يميز بين جسده وبين الأشياء المحيطة به، ولهذا السبب هو ربما يؤذي نفسه كما يؤذي الأشياء المحيطة به.

بعض الباحثين يقيسيون إدراك النفس لدى الحيوانات بواسطة اختبار يسمى اختبار المرآة mirror test. فعالية هذا الاختبار هي محل جدل، ولكن وفقا لنتائج هذا الاختبار فإن بعض الحيوانات لديها على ما يبدو إدراك للنفس (مثلا القرود الكبيرة والدلافين والفيلة).

كلب ينظر في مرآة

غالبية الأطفال البشريين لا يدركون أنفسهم في المرآة إلا بعد أن يبلغوا من العمر 18 شهرا (من ويكيبيديا):

From the age of 6 to 12 months, the child typically sees a “sociable playmate” in the mirror’s reflection. Self-admiring and embarrassment usually begin at 12 months, and at 14 to 20 months most children demonstrate avoidance behaviors. Finally, at 18 months half of children recognize the reflection in the mirror as their own and by 20 to 24 months self-recognition climbs to 65%.

على ما يبدو فإن خاصية إدراك النفس هي مرتبطة بالذكاء، بدليل أن الحيوانات المعروفة بالذكاء (مثلا القرود الكبيرة والدلافين والفيلة) نجحت في اجتياز اختبار المرآة، ولكن الحيوانات الأقل ذكاء (مثلا الكلاب والقطط) لم تنجح في اجتياز هذا الاختبار. أيضا من اللافت أن أطفال البشر لا ينجحون في تجاوز هذا الاختبار إلا في عمر متأخر نسبيا.

إذن خاصية إدراك الذات هي ميزة للعقول الذكية، وهي شرط أساسي لما يسمى بالوعي consciousness، ولكن السؤال هو هل هذه الخاصية هي عملية عقلية مستقلة عن العمليات العقلية الأساسية التي سبق أن عددتها في الأعلى؟

أنا لست في محل يؤهلني للإفتاء في هكذا موضوع، ولكن رأيي الشخصي هو أن خاصية إدراك الذات هي ليست عملية عقلية مستقلة. إدراك الذات هو ببساطة شكل من أشكال المعرفة knowledge التي يختزنها الإنسان في عقله. المقصود بالمعرفة هو المعلومات المخزنة في ذاكرة الإنسان الدائمة أو طويلة الأجل. إذن إدراك الذات هو جزء من وظيفة الذاكرة memory لدى الإنسان.

الإنسان يختزن في ذاكرته الكثير من المعلومات التي جمعها منذ طفولته. بعض هذه المعلومات هو من مصدر خارجي، وبعضها الآخر هو نتيجة للمعالجة المنطقية reasoning في العقل. إدراك الذات (والذوات الأخرى) هو من المعلومات المهمة التي يتوصل إليها الإنسان نتيجة للمعالجة المنطقية. الطفل الصغير لا يفهم (على ما يبدو) الفرق بين ذاته والذوات الأخرى، أو على الأقل هو لا يستطيع أن يميز جسمه الخارجي عن بقية الأشياء المحيطة به. مع مرور الزمن عقل الطفل الصغير يفهم تدريجيا أنه موجود داخل جسم (وهذا الجسم له رأس ويدان ورجلان إلخ). الطفل يصل إلى هذا الفهم بشكل كامل عندما يدرك الحدود الفاصلة بين جسمه وبين الأشياء الأخرى. عندما يفهم الطفل أين تنتهي حدود جسمه وأين تبدأ حدود العالم الخارجي فإنه يكون قد وصل بشكل كامل إلى مرحلة “إدراك الذات”.

بعد ذلك الطفل يبدأ في مراقبة الأشياء المحيطة به ويبدأ في رسم حدود لها كما فعل سابقا مع جسمه. عندما يتمكن الطفل من تقسيم العالم المحيط به إلى “أشياء” منفصلة عن بعضها فإنه يكون قد وصل إلى مرحلة إدراك الذوات الأخرى.

المرحلة التالية تحدث عندما يقول الطفل الصغير لنفسه ما يلي “طالما أنني أملك عقلا أو أفكارا فلا بد أن الأجسام الأخرى التي تشبهني في الشكل والسلوك لها أيضا عقل أو أفكار.” عندما يتوصل الطفل إلى هذا الاستنتاج فإنه يكون قد امتلك “نظرية العقل”. في هذه المرحلة الطفل يصبح قادرا على تصنيف الذوات المحيطة به إلى ذوات بشرية وذوات غير بشرية.

إذن خصائص “إدراك الذات” و”إدراك الذوات الأخرى” و”نظرية العقل” هي في رأيي ليست عمليات عقلية مستقلة ولكنها مجرد معلومات أو استنتاجات يتوصل إليها الطفل الصغير نتيجة التحليل المنطقي للمعلومات التي يحصل عليها عبر حواسه.

هل هناك عقل داخل العقل؟

أهم العمليات العقلية التي تربط بمفهوم الوعي هي العملية المسماة introspection. أنا أرى أن أدق تعريف لهذه العملية هو “إدراك العقل لما يدور في داخله”. هذا التعريف هو دقيق من حيث أنه يعبر عن المعنى المقصود بكلمة introspection، ولكنني لا أظن أن هذه الكلمة تعبر عن مفهوم منطقي أو واقعي. أنا أظن أن مفهوم introspection هو مجرد وهم وليس عملية عقلية حقيقية.

أصحاب الفكر الثنائي يعرفون كلمة introspection كما يلي “إدراك الوعي لما يدور داخل العقل” أو “إدراك العقل لما يدور داخل الدماغ”.

الفرق بين تعريفهم وتعريفي هو أنني أفترض وجود كيان واحد يدرك ما في داخل نفسه (إن كان لهذا الكلام معنى)، أما هم فيفترضون وجود كيانين يدرك أحدهما ما في داخل الآخر.

الثنائيون لا يقبلون أن الدماغ هو نفسه العقل. هم يفترضون دائما أن هناك شيئا آخر غير الدماغ “يشاهد” ما في داخل الدماغ. هذا الشيء هو “الوعي” consciousness أو “العقل” mind.

هذا الرسم يعبر عن عقيدة الثنائيين:

في هذا الرسم يظهر رجل وهو يشاهد بيضة مقلية، ويظهر أيضا رجل صغير (homunculus) يشاهد ما يدور داخل دماغ الرجل الكبير. الرجل الصغير يعبر عن “الوعي” أو “العقل” في مفهوم الثنائيين. الرجل الصغير هو الذي ينفذ العملية المسماة introspection.

فكرة الرجل الصغير أو العقل داخل العقل هي زبدة الفكر الثنائي. الثنائيون لا يملكون أي دليل عملي أو نظري على صحة هذه الفكرة. هم يستندون في الأساس على ما يسمونه “الفطرة” أو “البديهة”. في رأيهم أن وجود الرجل الصغير هو أمر يعرفه الناس بالفطرة.

فكرة الرجل الصغير أو العقل داخل العقل تعرضت لانتقادات لاذعة من فلاسفة وباحثين عديدين. الفيلسوف البريطاني Gilbert Ryle ألف في عام 1949 كتابا أسماه The Concept of Mind (مفهوم العقل). في هذا الكتاب هو سمى العقيدة الديكارتية بعقيدة “الشبح في الآلة” the dogma of the Ghost in the Machine. هو أيضا طرح سؤالا بديهيا: لو فرضنا أن هناك عقلا صغيرا داخل العقل الكبير فهذا يلزمنا بأن نقول بأن هناك عقلا أصغر داخل العقل الصغير، وهناك عقل أصغر داخل هذا العقل، وهكذا إلى ما لا نهاية infinite regress.

هذا الرسم يعبر عن المشكلة التي طرحها Ryle:

الثنائيون ردوا على هذه الحجة بطرح كلاسيكي معهود عنهم: هم قالوا أن العقل الصغير هو ليس فيزيائيا وبالتالي قوانين الفيزياء لا تسري عليه.

هذا الجدل ذكرني بأطروحة “السبب الأول” التي كان رجال الدين المسيحيون يروجونها في القرون الوسطى. أصل هذه الأطروحة يعود إلى الفيلسوف اليوناني الفاشل أرسطو. هذه الأطروحة تقول ما يلي: كل سبب له مسبب، وكل متحرك له محرك. لو كان هناك شيء متحرك فلا بد أن شيئا متحركا آخر قد قام بتحريكه، ولا بد أن شيئا متحركا ثالثا قد قام بتحريك الشيء الثاني، ولا بد أن شيئا متحركا رابعا قد قام بتحريك الشيء الثالث، وهكذا إلى ما لا نهاية. لكسر هذه السلسلة اللامتناهية لا بد من وجود محرك أول غير متحرك unmoved mover. هذا المحرك الأول لم يكن ماديا، ولهذا السبب القوانين المادية (قوانين السبب والمسبب) لا تسري عليه.

هذه النظرية تسمى نظرية “السبب الأول”. رجال الدين المسيحيون في القرون الوسطى كان يطرحون هذه النظرية كدليل عقلاني على وجود الله. هذه النظرية تعرضت لطعنة قاتلة في تجربة الزحلقة على الصابون التي أجراها غاليليو والتي أدت إلى اكتشاف مفهوم العطالة inertia. هذا المفهوم هو جوهر القانون الأول للميكانيك الذي صاغه نيوتن (والذي هو أول قانون في علم الفيزياء الحديث). هذا القانون ينص على أن الحركة والسكون هما حالتان أصليتان وليس هناك سبب للقول بأن السكون هو حالة سابقة للحركة أو العكس؛ بالتالي لا يوجد شيء اسمه “محرك أول” أو “محرك غير متحرك” كما زعم أرسطو.

كل النظريات التاريخية التي كانت ترتكز على فكرة “السبب الروحي” ثبت خطؤها، بدءا من نظرية “المحرك الأول” ووصولا إلى نظرية “القوة الحيوية” (وغيرهما الكثير). العلم الحديث قضى على معظم هذه النظريات الثنائية (التي تفترض وجود جوهر روحي يؤثر في المادة). النظرية الثنائية الوحيدة التي ما زالت صامدة حتى يومنا هذا هي نظرية العقل داخل العقل. لا يوجد سبب للافتراض بأن مصير هذه النظرية سيكون أفضل من سابقاتها.

ملاحظة للتوضيح: العلم الحديث نفى وجود علاقة سببية بين المادة وبين أي جوهر آخر غير مادي، ولكن العلم الحديث لم ينف (ولا يمكنه أن ينفي) وجود جوهر غير مادي لا يؤثر سببيا في المادة. طبعا نحن نقول هذا الكلام في إطار إحساسنا وإدراكنا، ولكننا لا ندري إن كانت هناك أمور أخرى تقع خارج نطاق إحساسنا وإدراكنا. أنا لست من الماديين الذين يجزمون بأن المادة هي كل شيء في الوجود. أنا أتحدث فقط عن الأمور التي أدركها. بالنسبة لي أنا لا أدرك شيئا غير مادي في هذا الكون، ولكنني في نفس الوقت لا أستطيع أن أجزم بعدم وجود أشياء غير مادية. الأشياء غير المادية (لو وجدت) لا تؤثر سببيا في المادة، على الأقل ليس في نطاق إدراكنا الأكيد.

هل هناك شيء يدرك ما في داخل العقل؟

العملية العقلية المسماة introspection تعني وجود شيء يدرك ما في داخل العقل (سواء كان هذا الشيء هو العقل نفسه كما في تعريفي أم “الوعي” كما في تعريف الثنائيين). هناك نظريات عديدة طرحت حول ماهية هذا الشيء الذي يدرك ما في داخل العقل، ولكنني أتساءل إن كان هذا الشيء موجودا بالفعل؟

الفيلسوف David Hume قال ما يلي في معرض رده على مقولة ديكارت “أنا أفكر إذن أنا موجود”:

“It must be some one impression, that gives rise to every real idea. But self or person is not any one impression, but that to which our several impressions and ideas are supposed to have a reference. If any impression gives rise to the idea of self, that impression must continue invariably the same, through the whole course of our lives; since self is supposed to exist after that manner. But there is no impression constant and invariable. Pain and pleasure, grief and joy, passions and sensations succeed each other, and never all exist at the same time. It cannot, therefore, be from any of these impressions, or from any other, that the idea of self is derived; and consequently there is no such idea.”

David Hume, A Treatise of Human Nature

هذا الكلام هو نفي لوجود الذات self، ولكنني عندما قرأته شعرت بأنه يصلح لنفي وجود “الوعي” بالمعنى الذي تدل عليه كلمة introspection.

David Hume يعتبر أن جميع أفكار الإنسان هي في المحصلة نابعة من الإدراك الحسي perception، ولكنه يميز بين نوعين من الأفكار: النوع الأول هو الانطباعات impressions، والمقصود بها هو المدركات الحسية والعواطف القوية والمباشرة (مثلا الرؤية والسمع والحب والكره إلخ). النوع الثاني هو الأفكار ideas النابعة من الانطباعات.

هذا التقسيم يعجبني لأنه يبدو واقعيا ويتناسب مع آلية عمل الدماغ البشري كما أفهمها. الدماغ البشري يستقبل بيانات حسية من خارج الجسم وداخله. هذه البيانات الحسية هي ما يقصده Hume بالانطباعات. الدماغ البشري ينتج أيضا الأفكار بشكل ذاتي بعد معالجة البيانات الحسية، وهذا هو ما يقصده Hume بالأفكار الناتجة من الانطباعات.

Hume يقول أن كل فكرة حقيقية هي نابعة من انطباع. مفهوم “النفس” self هو ليس انطباعا ولكنه فكرة دائمة يفترض أن جميع الانطباعات والأفكار في العقل البشري تعود إليها. فكرة النفس لا بد أن تكون نابعة من أحد الانطباعات، وهذا الانطباع لا بد أن يكون دائما وثابتا طوال فترة حياة الإنسان. المشكلة هي أنه لا يوجد أي انطباع يحقق هذا الشرط: الألم والمتعة، الحزن والفرح، العواطف والأحاسيس كلها تتبع بعضها ولا تكون في آن واحد. لهذا السبب فكرة النفس لا يمكن أن تكون مشتقة من أي من هذه الانطباعات أو غيرها، ولهذا السبب فكرة النفس هي غير موجودة. اهـ.

هذا الكلام لـ Hume لم يلق تأييدا من بقية الفلاسفة، ولكنني عندما قرأته شعرت بأنه يصلح لنفي وجود “الإنسان الصغير” داخل العقل. وجود الإنسان الصغير داخل العقل هو ليس من المدركات الحسية وليس من العواطف، إذن لا بد أنه فكرة نشأت في العقل. الأفكار تنشأ في العقل بسبب معالجة المدركات الحسية والعواطف، ولكن ما هي المدركات الحسية والعواطف التي أدت معالجتها إلى إنتاج فكرة الإنسان الصغير؟ لا يمكن ربط فكرة الإنسان الصغير بأي من المدركات الحسية أو العواطف، بالتالي هذه الفكرة لا وجود لها وهي مجرد وهم. الناس يتوهمون وجود الإنسان الصغير ولكن هذا الإنسان هو ليس عملية عقلية حقيقية.

هذا الكلام ربما لن يعجب كثيرا من الناس. أنا لا أجزم بأنه صحيح. في كل الأحوال أنا مقتنع بأن David Hume هو أحد أنبه الفلاسفة في التاريخ. طروحات هذا الرجل تبدو متوافقة مع المفاهيم التي نعرفها حاليا عن الدماغ، رغم أنه عاش في القرن 18.

David Hume بالمناسبة رفض فكرة “الجوهر” substance من أساسها واقترح بدلا من ذلك فكرة تسمى “نظرية الحزمة” bundle theory. هذه النظرية تقول أن كل الأشياء الموجودة في الكون هي عبارة عن “حزم” من الخصائص properties. لا يوجد في الكون جوهر بلا خصائص، وبالتالي افتراض وجود الجوهر هو مجرد فذلكة لا لزوم لها.

هل هناك شعور شخصي؟

فيما سبق تحدثت عن الخاصية المسماة introspection والتي هي إحدى أهم مرتكزات فكرة “الوعي” الذي يدرك ما في داخل عقل الإنسان. الآن سوف أتحدث عن خاصية “الشعور الشخصي” subjectivity، التي هي أيضا من المرتكزات الهامة لفكرة “الوعي”.

المقصود بالشعور الشخصي هو الأشياء التي تتولد في عقل الإنسان نتيجة لإدراك العقل للمدركات الحسية perceptions. وفق المنطق الثنائي تعريف الشعور الشخصي يجب أن يكون هكذا “هو الأشياء التي تتولد في الوعي نتيجة لإدراك الوعي للمدركات الحسية الموجودة في العقل” أو “هو الأشياء التي تتولد في العقل نتيجة لإدراك العقل للمدركات الحسية الموجودة في الدماغ”.

للتوضيح سوف نعود مجددا إلى صورة الإنسان الصغير:

الإنسان الصغير في الصورة يشاهد صورة البيضة المقلية على لوحة عرض سينمائي داخل الدماغ. الأشياء التي تظهر على لوحة العرض السينمائي هي “الشعور الشخصي”؛ هي تحديدا الكيفية التي يدرك بها الإنسان الصغير المدركات الحسية الموجودة في الدماغ.

مثلا لنأخذ صورة البيضة المقلية كمثال. الإنسان الكبير شاهد هذه الصورة بعينيه. الإشارات العصبية انتقلت من شبكية العينين عبر الأعصاب البصرية إلى قشرة المخ. الإشارات العصبية التي تولدت في قشرة المخ بسبب رؤية البيضة المقلية هي الإدراك perception الدماغي لصورة البيضة المقلية. الإنسان الصغير عندما يدرك الإشارات العصبية التي في قشرة المخ فإنه يدركها على هيئة صورة البيضة المقلية كما تظهر في “الوعي”. هذا الإدراك الحسي النهائي الذي يظهر في الوعي هو الشعور الشخصي subjective experience، وهو يختلف عن الإدراك الدماغي الفيزيائي. طبعا الشعور الشخصي لا يتعلق بحاسة الرؤية فقط ولكنه يتعلق بكل الحواس.

جميع المدركات الحسية التي يشاهدها الإنسان الصغير على لوحة العرض السينمائي تسمى “الشعور الشخصي”. المشهد الواحد على شاشة العرض يسمى qualia (مثلا لو شاهد شخص كرة حمراء وسمع زقزقة طائر فهذا سينتج في عقله اثنين من الـ qualia).

الثنائيون يعتبرون وجود الشعور الشخصي أو الـ qualia دليلا على صحة مذهبهم، ولكن المشكلة هي أنه لا يوجد دليل ملموس يثبت وجود “الشعور الشخصي”. الثنائيون يعتبرون أن وجود الشعور الشخصي هو أمر يعرفه الناس بالفطرة، ولكن هذا الكلام هو ليس دليلا. فطرة الناس كثيرا ما تكون خاطئة.

ما يلي مثال على الحجج العقلانية التي يطرحها الثنائيون لإثبات وجود الشعور الشخصي:

http://plato.stanford.edu/entries/dualism/#ArgForDua

The knowledge argument asks us to imagine a future scientist who has lacked a certain sensory modality from birth, but who has acquired a perfect scientific understanding of how this modality operates in others. This scientist—call him Harpo—may have been born stone deaf, but become the world’s greatest expert on the machinery of hearing: he knows everything that there is to know within the range of the physical and behavioural sciences about hearing. Suppose that Harpo, thanks to developments in neurosurgery, has an operation which finally enables him to hear. It is suggested that he will then learn something he did not know before, which can be expressed as what it is like to hear, or the qualitative or phenomenal nature of sound. These qualitative features of experience are generally referred to as qualia. If Harpo learns something new, he did not know everything before. He knew all the physical facts before. So what he learns on coming to hear—the facts about the nature of experience or the nature of qualia—are non-physical. This establishes at least a state or property dualism.

هذا الطرح يسمى “حجة المعرفة” knowledge argument وفكرته باختصار هي كما يلي:

  • لنتخيل أننا في المستقبل بعد تقدم العلم وتمكنه من كشف كل أسرار الدماغ والجهاز العصبي.
  • لنتخيل إنسانا مصابا بالصمم منذ ولادته.
  • هذا الإنسان درس العلوم العصبية وأصبح لديه فهم كامل لآلية السمع من الناحية الفيزيائية والسلوكية وهو يدرك تماما ما هي الآلية الفيزيائية التي يسمع من خلالها الإنسان الأصوات.
  • لاحقا أجريت عملية لهذا الشخص أعادت له سمعه المفقود منذ الولادة.
  • هذا الشخص سوف يفاجئ عندما يسمع الأصوات لأول مرة وسوف يشعر بأنه عرف شيئا جديدا لم يكن يعرفه من قبل (هو الشعور الشخصي بالأصوات)، رغم أنه يفهم بشكل كامل الآلية الفيزيائية التي تجعل الناس يسمعون الأصوات.
  • طالما أنه فوجئ وتعلم شيئا جديدا (رغم أنه يفهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل) فهذا يعني أن الشعور الشخصي بالأصوات هو ليس شيئا فيزيائيا، وإلا لما كان فوجئ به.

الرابط الذي في الأعلى فيه ردود فلسفية على هذه الأطروحة. رأيي الشخصي هو أن الرد على هذه الأطروحة ليس أمرا صعبا لأنها قائمة على منطق دائري circular reasoning، بمعنى أن افتراضاتها هي من الأساس افتراضات غير مثبتة وتنص على نفس الفكرة التي تهدف الأطروحة لإثباتها.

الأطروحة تفترض أن الشخص المصاب بالصمم لا يمكنه أبدا أن يدرك “الشعور الشخصي” بالأصوات حتى لو فهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل. لا أدري هو الشيء الذي يثبت ذلك؟ أنا أرى عكس ذلك تماما. لو أن هذا الشخص الأصم فهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل فهو ما كان ليفاجئ عندما يستعيد سمعه وما كان ليشعر بأي “شعور شخصي” لم يتوقعه سابقا.

أصحاب الأطروحة يعتقدون أن الوعي هو شيء غير فيزيائي، ولهذا السبب هم يفترضون أن الشخص الأصم لا يمكنه أبدا أن يفهم آلية تجلي الأصوات في الوعي حتى لو فهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل. هذا الطرح بحد ذاته يحتاج لإثبات، لأنه طرح نظري خيالي يذكرنا بنظرية القوة الحيوية ونحوها.

لو فرضنا أن الشخص الأصم فهم الآلية الفيزيائية التي تتجلى بها حاسة السمع في الوعي فهو كان سيتوقع أو سيتخيل “الشعور الشخصي بالسمع” حتى لو لم يمتلك حاسة السمع.

طبعا الأطروحة التي في الأعلى هي نظرية إلى حد كبير، لأننا ما زلنا بعيدين عن الفهم الكامل لآلية عمل الدماغ البشري. نحن نجهل آلية عمل الدماغ، وهذا الجهل هو في رأيي السبب الأساسي الذي يجعل الناس يطرحون مثل هذه الأطروحات.

يجب أن نتذكر أن الدماغ هو معقد للغاية ويضم عددا كبيرا من التشابكات العصبية المتغيرة والمتداخلة على نحو هائل. لو فرضنا أن شخصا أصما حاول أن يفهم الآلية الفيزيائية للسمع بشكل كامل (منذ لحظة سقوط الموجات الصوتية على طبلتي الأذنين وحتى تجلي الإشارات الصوتية في “الوعي”) فهو سيلاقي صعوبة بالغة لسببين، السبب الأول هو أن هذه الآلية معقدة للغاية، والسبب الثاني هو أن هذا الشخص الأصم ليست لديه خبرة في السمع ولا يعرف شعور السمع، بالتالي هو سيكون مضطرا لأن يعتمد بشكل كامل على الخيال حتى يتمكن من إدراك الشعور (المعقد) الذي يسميه الثنائيون بالشعور الشخصي بالأصوات. لو فرضنا أن هذا الشخص الأصم حقق المعجزة وتمكن من فهم آلية السمع بشكل كامل وتمكن من بناء تصور نظري للكيفية التي يتجلى بها شعور السمع في الوعي فهو لن يفاجئ (أو لن يفاجئ كثيرا) عندما يستعيد حاسة السمع.

الثنائيون المعاصرون طرحوا حججا أخرى لإثبات وجود الشعور الشخصي أو الـ qualia، وكل هذه الحجج هي ذات منطق دائري كالحجة التي رددنا عليها للتو. هناك مثلا الحجة المسماة zombie argument والتي تقوم على فرضية عجيبة غريبة لا يقبلها أي عقل لا يؤمن بالفكر الثنائي. أنا لن أتحدث عنها لأنها لا تضيف جديدا إلى موضوعنا.

أنا في الأعلى قلت أنني أشك في وجود عملية عقلية حقيقية تسمى introspection. بالتالي أنا أشك في وجود عملية عقلية حقيقية تسمى “الشعور الشخصي”. أنا لا أظن أن هناك شيئا يدرك ما في داخل العقل وبالتالي لا يوجد شيء يتم إدراكه خلال هذه العملية الوهمية.

ما هو الوعي؟

ما يلي هو خلاصة العرض السابق لخصائص الوعي:

  • القدرة على مطالعة ما في داخل الذات introspection
  • الشعور الشخصي subjectivity أو sentience
  • إدراك الذات self-awareness
  • إدراك الذوات الأخرى intentionality

في رأيي أن العمليتين المسماتين introspection و subjectivity قد تكونان مجرد وهم، وأما إدراك الذات وإدراك الذوات الأخرى فهو حقيقة، ولكنني لا أظن أن هذين المفهومين يعبران عن عمليات عقلية مستقلة ولكنهما مجرد شكل من أشكال المعرفة.

العمليتان المسماتان introspection و subjectivity هما أهم أركان مفهوم “الوعي” consciousness وفق الفهم التقليدي لهذا المفهوم، وهما أيضا أهم أركان مفهوم العقل mind لدى أصحاب الفكر الثنائي. نفي وجود هاتين العمليتين يعني أن مفاهيم الوعي والعقل كما يفهمها الثنائيون هي مجرد أوهام شبيهة بوهم القوة الحيوية ونحوه.

في رأيي (المتواضع) أن الشعور الذي يصفه الناس بالوعي يرتكز أساسا على ثلاث عمليات معرفية cognitive هي ما يلي:

  • إدراك الذات self-awareness
  • إدراك الذوات الأخرى intentionality
  • الإنتباه attention

هذه العمليات هي ليست عمليات مستقلة ولكنها متفرعة من عمليات أخرى. إدراك الذات والذوات الأخرى هو نابع من ثلاث عمليات معرفية أساسية هي الإدراك الحسي perception والمعالجة المنطقية reasoning والذاكرة memory. الإنتباه attention هو عملية معرفية متفرعة من عملية الإدراك الحسي perception. معنى الإنتباه هو أن يقوم العقل بتوجيه قسم من طاقته الإدراكية الحسية نحو شيء معين. مثلا الإنسان عندما يرى أمامه منظرا لافتا فإنه يقوم بتوجيه طاقته الإدراكية الحسية perceptive نحو هذا المنظر، وعندها نقول أن الإنسان هو منتبه لهذا المنظر. الإنسان يمكنه أن ينتبه لأكثر من شيء في آن واحد، وبالتالي الطاقة الإدراكية الحسية يمكن أن تتوزع على أكثر من شيء في آن واحد.

إدراك الإنسان لذاته وللذوات الأخرى هو شيء جوهري بالنسبة لحياته. لو أن الإنسان فقد هذا الإدراك (أو أن هذا الإدراك أصيب بالضعف أو التشوش) فهذا سيؤدي إلى كارثة كبيرة. لهذا السبب الإنسان هو دائما متيقظ vigil فيما يتعلق بإدراكه لذاته وللذوات الأخرى. معنى التيقظ vigilance هو ببساطة الإنتباه الدائم. الإنسان هو منتبه بشكل دائم لذاته وللذوات المحيطة به. هذه المسألة لا يمكن للإنسان أن يتهاون بها لأنها أهم شيء يتعلق بوجوده في هذا العالم المحسوس. لو فرضنا أن الإنسان “نسي” حدود جسمه وحدود الأجسام الأخرى فهذا يعني أنه سيضيع بشكل كامل ولن يفهم أي شيء مما يجري حوله.

إذن العقل البشري يوجه بشكل دائم قسما من طاقته الإدراكية الحسية نحو الذات ونحو الذوات المحيطة. في رأيي أن هذه العملية لها دور في خلق الشعور لدى الناس بوجود “عقل” أو “وعي” يقرأ ما يدور في أدمغتهم، ولكن هذا الشعور هو مجرد وهم. العقل (الذي هو نفسه الدماغ) لا يدرك ما يدور في داخله ولكنه يدرك أين تنتهي حدود الجسم الذي هو موجود فيه وأين تبدأ حدود العالم الخارجي. هذا الإدراك القائم بشكل مستمر (بسبب التيقظ) هو الذي يولد لدى الناس المشاعر التي توصف بعبارات من قبيل introspection و subjectivity و consciousness. هذه المشاعر هي حقيقية، ولكن فهمها وتعريفها على النحو الشائع بين الناس هو مجرد وهم.

والله أعلم.

الجزء التالي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s