تطور الإنسان (5)

هذا المقال هو خارج السياق الذي كنت فيه ولكنه متعلق بموضوع تطور الإنسان.

الرئيسيات

الإنسان ينتمي لرتبة الرئيسيات Primates التي تنتمي لطائفة الثدييات Mammalia.

المقصود بالرئيسيات هو باختصار القرود. الرئيسيات هي في الأصل ثدييات تعيش على الأشجار arboreal، وكل خصائصها هي مناسبة للعيش في بيئة الأشجار.

ما يلي بعض الجوانب الأساسية التي تتميز فيها الرئيسيات عن بقية الثدييات:

●مجال كبير لحركة المفاصل

الرئيسيات تتميز بمجال كبير لتحريك مفاصلها إلى درجة أن مفاصلها تبدو وكأنها “مخلوعة” مقارنة بمفاصل الثدييات الأخرى. هذه الميزة تسهل على الرئيسيات التنقل بين غصون الأشجار عبر أرجحة الأذرع brachiation. أيضا هذه الميزة تمنح الرئيسيات القدرة على الإمساك prehensility (بأصابع اليدين أو أصابع الرجلين أو حتى الذيل)، وهذا أمر مهم للتعلق بأغصان الأشجار. حاليا الإنسان ما زال يمتلك مرونة عالية في تحريك مفاصله. الإنسان استفاد من المرونة العالية في مفاصل اليدين والأصابع لتطوير صناعة الأدوات، ولكن بالنسبة للمرونة الزائدة في مفاصل الكتفين والحوض فهي أصبحت عمليا بلا فائدة كبيرة لدى الإنسان (إلا لدى لاعبي الجمباز). هذه المرونة الزائدة في الكتفين والحوض هي بقايا vestigial من الزمن القديم الذي كان فيه أسلاف البشر يتأرجحون على الأشجار.

●الأصابع

الأصابع هي ميزة للرئيسيات. الأصابع هي طويلة وذات مجال حركة واسع، والإبهام بالذات له مجال حركة واسع جدا حيث يمكن تحريكه بحيث يصبح في مقابل الأصابع الأخرى، ما يساعد على الإمساك بالأشياء. الأصابع لا تحوي مخالب ولكنها تحوي أظافر، وتحت كل ظفر هناك رأس إصبع طري يحوي مستقبلات حسية. هذا التكوين لليد والأصابع يساعد على الإمساك بالأشياء بكفاءة.

●الرؤية المجسمة

الرئيسيات لا تملك حاسة شم قوية ولكنها تملك القدرة على الرؤية المجسمة أو ثلاثية الأبعاد stereoscopic، لأن العينين تنظران في اتجاه واحد نحو الأمام وليس نحو الجانبين كما هو الحال لدى الكثير من الثدييات الأخرى. الرؤية المجسمة هي أمر مفيد في بيئة الأشجار لأن القرد عندما يقفز من غصن إلى غصن يهمه أن يقدر البعد بشكل صحيح لكي لا يسقط على الأرض. أيضا عيون الرئيسيات تملك قدرة عالية على التمييز بين الألوان.

●كبر حجم الدماغ

الاعتماد الكبير على حاسة الرؤية أدى لتكبير حجم الدماغ لدى الرئيسيات مقارنة ببقية الثدييات، لأن معالجة البيانات البصرية تحتاج للكثير من الخلايا العصبية في قشرة المخ. قشرة المخ لدى الرئيسيات هي كبيرة للغاية وتشكل القسم الأكبر من الدماغ، وأما الأجزاء المتعلقة بالشم والتذوق والسمع فهي صغيرة نسبيا.

هذه هي الميزات الأساسية للرئيسيات. بالنسبة للزمن الذي ظهرت فيه الرئيسيات الأولى فهو تقريبا قبل 65 مليون عام (ويقال أيضا قبل 85 مليون عام بناء على الدراسات الجينية). ظروف ظهور الرئيسيات الأولى هي ليست معروفة جيدا بسبب قلة المستحاثات. الرئيسيات الأولى ظهرت في بيئة الأشجار والغابات، وهذه البيئة لا تحفظ المستحاثات بشكل جيد.

تصنيف الرئيسيات

تصنيف الرئيسيات حاليا فيه بعض التعقيد بسبب التغيرات التي طرأت بعد ظهور الدراسات الجينية. الشكل التالي يقدم تصنيفا مبسطا للرئيسيات. التواريخ المذكورة تعبر عن الزمن الذي ظهر فيه كل فرع. هذه التواريخ ليست دقيقة على الإطلاق والهدف منها هو إعطاء تصور تقريبي.

primate tree

الانقسام الأول في الشجرة هو بين prosimians وsimians. كلمة simian هي مشتقة من اللاتينية simia التي تعني “قرد”. كلمة simians تعني حرفيا “القرديات”، وكلمة prosimians تعني “ما قبل القرديات”. المقصود بـ prosimians هو مجموعة من الرئيسيات البدائية الأقل تطورا من simians. كلمة anthropoids تعني “شبيهات الإنسان” وهي مرادف لـ simians.

من الفروق الهامة بين prosimians و simians ما يلي:

  • شكل الوجه
وجه الـ lemur الذي هو نوع من الـ prosimians

الـ prosimians تملك فما وأنفا بارزين نحو الأمام على شكل “بوز”، وعلى هذا البوز توجد “شوارب”، أي أن شكل وجه هذه الكائنات يشبه وجوه القوارض، أما الـ simians فوجوهها تميل للتسطح.

  • موعد الاستيقاظ

الـ prosimians تستيقظ في الليل وتنام في النهار، أما المجموعة الثانية فنظامها معاكس.

الانقسام الثاني المهم في شجرة الرئيسيات هو بين apes و monkeys. في الأصل هاتان الكلمتان كلتاهما تعنيان “قرد”، ولكن في البيولوجيا هناك تمييز بينهما. أهم فرق بين apes و monkeys هو أن كائنات المجموعة الأولى لا تمتلك ذيلا، أما كائنات المجموعة الثانية فتمتلك ذيلا (وهذا الذيل يتميز بالمرونة العالية ويمكن استخدامه للتعلق على أغصان الشجر). من الفروق الأخرى أن الـ apes عموما تتميز بأن ذراعيها أطول من رجليها. أيضا الـ apes هي أكبر حجما، وأكبر دماغا، وأكثر ذكاء، وأطول عمرا من الـ monkeys.

الـ apes تسمى أيضا hominoids. هذه التسمية مشتقة من كلمة homō اللاتينية بإضافة اللاحقة oid–، أي أن المعنى اللغوي لهذه الكلمة هو مطابق لمعنى كلمة anthropoids (شبيهات الإنسان).

الـ monkeys تقسم إلى صنفين:

  • قرود العالم الجديد New World monkeys (تعيش في أميركا الوسطى والجنوبية)
  • قرود العالم القديم Old World monkeys (تعيش في أفريقيا وآسيا)

أهم فرق بين هذين الصنفين يتعلق بشكل الأنف. المجموعة الأولى تملك أنوفا عريضة ذات مناخير جانبية، ولهذا تسمى “عريضات الأنف” platyrrhines، والمجموعة الثانية تملك أنوفا ضيقة ذات مناخير متجهة نحو الأسفل، ولهذا تسمى “سفليات الأنف” catarrhines. المجموعة الثاني هي الأقرب للـ apes.

الانقسام التالي هو بين “القرود الكبيرة” great apes و”القرود الصغرى” lesser apes. القرود الصغرى تسمى gibbons أو hylobates. هذه القرود تعيش في جنوب شرق آسيا. ميزتها الأهم هي أنها أصغر حجما من القرود الكبيرة. هذه الكائنات تتميز بأنها تمشي في الغالب على رجلين وترفع ذراعيها للتوازن، أي أنها bipedal كالإنسان. هذه الكائنات تشبه الإنسان أيضا في أنها تميل للزواج الأحادي monogamy (زوجة واحدة لكل ذكر)، ولهذا السبب هي تبدي قدرا ضئيلا من ثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism.

gibbon

الـ gibbons هي ماهرة جدا في التنقل عبر الأغصان brachiation.

من الأمور الغريبة التي أظهرتها الدراسات الجزيئية والجينية أن صلة القربى بين الإنسان والقرود الكبيرة هي أوثق من صلة القربى بين gibbons والقرود الكبيرة.

الرسم التالي يعبر عن التصنيف القديم للـ apes:

هذا التصنيف كان سائدا حتى ستينات القرن العشرين. وفق هذا التصنيف فإن الإنسان يمثل فرعا مستقلا في عائلة الـ apes اسمه بالإنكليزية hominids. بقية الـ apes كانت تصنف تحت عنوان pongids. هذا يعني أن كل الـ apes ما عدا الإنسان تتحدر من أصل مشترك.

ولكن حاليا كل هذا المفهوم سقط من التداول. حاليا كلمة pongids لم تعد تستخدم كتصنيف تفرعي cladistic (بمعنى أنها لم تعد تشير إلى مجموعة تتحدر من أصل مشترك حصري)، وكلمة hominids صارت تضم القرود الكبيرة إلى جانب الإنسان. الدراسات الجزيئية والجينية بينت وجود أصل مشترك للقرود الكبيرة والإنسان كان يعيش قبل حوالي 15 مليون عام (هذا الرقم تقريبي كغيره من الأرقام). الـ gibbons هي ليست متحدرة من هذا الأصل المشترك ولكنها متحدرة من أصل مشترك آخر أقدم.

الأكثر غرابة هو أن صلة القربى بين الإنسان والشمبانزي تفوق صلة القربى بين الغوريلا والشمبانزي. دراسات الـ DNA التي أجريت في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين بينت أن القرود الكبيرة المسماة orangutans (باللاتينية Pongo) تمايزت عن القرود الكبيرة وأصبحت كائنات مستقلة قبل تمايز الغوريلات والشمبانزي والإنسان. لاحقا تمايزت الغوريلات عن الأصل المشترك الذي أنتج كلا من الشمبانزي والإنسان، وبعد ذلك تمايز الشمبانزي عن السلالة التي أنتجت الإنسان.

المحصلة هي أن صلة القرابة بين الشمبانزي والإنسان تفوق صلة القرابة بين الشمبانزي والغوريلا. هذه النتيجة الغريبة والمفاجئة دفعت البعض للمطالبة بتصنيف الشمبانزي ضمن جنس الإنسان Homo.

باحثو الجينات يقولون أن نسبة التشابه بين جينوم الإنسان وجينوم الشمبانزي تبلغ 98% (بعضهم أنزلوا هذه النسبة إلى 94-96%). بغض النظر عن نسبة التشابه، المهم هو أن التشابه بين جينوم الإنسان وجينوم الشمبانزي يفوق التشابه بين جينوم الشمبانزي وجينوم الغوريلا.

باحثو الجينات يقولون أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش قبل 4-6 ملايين عام. هذا الزمن هو قليل نسبيا، وأنا بصراحة لا أثق بالأرقام التي يعلن عنها باحثو الجينات. هناك دراسات أخرى قالت أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش قبل 13 مليون عام.

Sahelanthropus tchadensis

هناك مستحاثات تعود للفترة التي يقال أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش فيها. هناك مثلا المستحاثة المسماة “إنسان الساحل التشادي” Sahelanthropus tchadensis التي يعود عمرها لـ 7 ملايين عام. المفترض حسب كلام باحثي الجينات هو أن هذا الكائن كان يعيش في نفس زمن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان (أو قبله)، ومن الممكن أن هذا الكائن هو نفسه الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان، ولكن المشكلة هي أن تفسير هذه المستحاثة وتصنيفها هو أمر متعذر وربما مستحيل. هناك الكثير من الآراء المتضاربة حول هذه المستحاثة. هناك حتى من اقترحوا أن هذه المستحاثة تعبر عن غوريلا بدائية proto-gorilla. بصراحة كل الاحتمالات واردة. هذا الكائن ربما كان بالفعل غوريلا بدائية، ومن الممكن أيضا أنه من سلالة الشمبانزي والإنسان قبل تمايز هذين الكائنين، ومن الممكن أنه من سلالة الشمبانزي أو من سلالة الإنسان بعد تمايز هذين الكائنين، ومن الممكن أنه ينتمي لسلالة قردية أخرى منقرضة أو غير منقرضة. أنا لا أثق كثيرا بآراء الباحثين في مثل هذه المواضيع الغامضة.

Ardipithecus ramidus

هناك عدد من المستحاثات القردية المماثلة التي يصعب تصنيفها. هناك مثلا المستحاثة المسماة “القرد الأرضي” Ardipithecus ramidus، وهناك المستحاثة المسماة Orrorin tugenensis. هذه المستحاثات تعود للفترة السابقة لمستحاثات القرود الجنوبية وهي تبدي خصائص شبيهة بالقرود الجنوبية والإنسان (مثلا المشي على رجلين، وغياب الأنياب الكبيرة لدى الذكور). وجود الصفات “الإنسانية” في هذه المستحاثات الباكرة هو أمر مربك لباحثي الجينات، لأنه يدل على أن الصفات الإنسانية كانت موجودة في نفس الفترة التي يقولون أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش فيها. هذا يوصلنا إلى احتمالين: إما أن هذه المستحاثات تعبر عن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان، وهذا يعني أن الأصل المشترك كان ذا طابع إنساني، وأما الصفات “الغوريلانية” الموجودة لدى الشمبانزي (المشي على أربع والأنياب الذكورية الكبيرة) فهي ظهرت لاحقا، أو أن هذه المستحاثات تنتمي للسلالة الإنسانية بعد تمايزها عن سلالة الشمبانزي. الاحتمال الثاني هو الأكثر منطقية، وبالتالي لا بد أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش في زمن سابق للزمن الذي يزعم باحثو الجينات أنه كان يعيش فيه.

القرود الكبيرة

القرود الكبيرة great apes هي إذن أقرب الكائنات للبشر. كما قلنا في الأعلى فإن الـ apes كانت تسمى سابقا pongids، وأما كلمة hominids فكان يقصد بها الإنسان والكائنات التي تنتمي لسلالة الإنسان بعد افتراقه عن بقية القرود الكبيرة (مثلا القرود الجنوبية). حاليا كلمة hominids صارت تشمل القرود الكبيرة إلى جانب الإنسان، ولكن بعض الباحثين ما زالوا حتى الآن يستخدمون كلمة hominid بالمعنى القديم الذي ينحصر في الإنسان دون القرود الكبيرة. لهذا السبب يجب التعامل بحذر مع كلمة hominid لأن المقصود بها في كثير من الأحيان هو الإنسان دون القرود الكبيرة. نفس الأمر ينطبق على كلمتي hominines و hominins. غالبية الباحثين حالين يستخدمون كلمة hominin في الإشارة إلى الإنسان وسلالته حصرا، ولكن في الشجرة التي أوردتها في الأعلى هذه الكلمة تشمل أيضا الشمبانزي. السبب هو أن الشجرة التي أوردتها تعكس تصورا حديثا.

الميزات الأهم التي تميز القرود الكبيرة عن بقية الرئيسيات هي أولا حجمها الكبير، وثانيا كثرة نزولها عن الأشجار ومكوثها على الأرض، وثالثا ذكاؤها الكبير نسبيا (هي الأذكى في عالم الحيوان).

القرود الكبيرة تصنع الأدوات، وتمارس الصيد وجمع الثمار، وهي تعيش حياة اجتماعية شبيهة بالحياة الاجتماعية لدى البشر.

باحثة تحمل bonobo

أكبر القرود الكبيرة حجما هي الغوريلا، وأصغرها حجما هو نوع من الشمبانزي يسمى bonobo (يسمى أيضا “الشمبانزي القزم” pygmy chimpanzee). الـ orangutan هو أكثر من يعيش على الأشجار من بين القرود الكبيرة، والغوريلا هي أكثر من يعيش على الأرض (ولكنها تصعد أيضا إلى الأشجار). جميع القرود الكبيرة تمشي على أربع quadrupedal عندما تكون على الأرض. الـ orangutan يفتح كفيه الأماميين ويمشي عليهما عندما يكون على الأرض، وأما الغوريلا والشمبانزي فهما يضمان قبضتيهما الأماميتين ويمشيان عليهما (هذا يسمى knuckle-walking).

knuckle-walking

عمر القرود الكبيرة هو تقريبا نفس عمر الإنسان (50-60 عاما). فترة الحمل لدى إناث القرود الكبيرة هي نفس فترة الحمل لدى الإنسان (7-9 أشهر). الحمل عادة هو أحادي والتوائم نادرة. الطفل عندما يولد يكون في حال شديدة من العجز ومعتمدا على والدته بشكل كامل. نمو أطفال القرود الكبيرة هو بطيء مقارنا ببقية الحيوانات. لهذا السبب الطفل يظل ملازما لوالدته لسنوات عديدة. الطفل يمضي 4-5 سنوات مع والدته يتعلم خلالها كيفية الحصول على الغذاء بنفسه، وخلال هذه السنوات هو لا يتحرك بنفسه ولكن أمه هي التي تنقله من مكان إلى آخر. عندما يصبح الطفل قادرا على المشي والحصول على الغذاء بنفسه فإنه لا يفارق والدته بل يظل معها إلى أن يبلغ عمره 10-15 عاما. خلال هذه السنوات هو يتعلم المهارات الاجتماعية وكيفية الحياة في مجتمع القرود.

شمبانزي مع والدته

مجتمعات القرود الكبيرة تقوم على تعدد الزوجات polygamy وعلى النظام الأبوي patriarchy والطبقية. هناك في العادة ذكر واحد ينصب نفسه زعيما على القبيلة أو المجتمع، وهذا الذكر يتحكم بالذكور الآخرين وقد يقوم حتى باحتكار إناث القبيلة لنفسه. الذكور عموما يهيمنون على الإناث. هذا النظام الاجتماعي هو سبب ثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism المشاهدة لدى القرود الكبيرة. أشكال ذكور القرود الكبيرة تختلف كثيرا عن أشكال الإناث. الذكر يكون أكبر حجما من الأنثى، ووزنه قد يصل إلى ضعف وزنها. الذكر له أنياب كبيرة تمنحه شكلا مخيفا، وهو يصدر أصواتا مخيفة ويتصرف بطريقة مخيفة.

orangutan

الـ orangutan هو قرد كبير يعيش في أرخبيل المالاي (في ماليزيا وإندونيسيا). كلمة orangutan هي مأخوذة من اللغات المحلية في ماليزيا وإندونيسيا. أصلها هو orang hutan ومعناها هو “إنسان الغابة”.

الـ orangutan يمضي معظم وقته على الشجر ولا ينزل كثيرا إلى الأرض. لونه هو بني-أحمر. الذكور لهم شوارب، وهناك لحى لدى كل من الذكور والإناث.

الذكر الأكبر (الزعيم) في مجتمع الـ orangutan يسمى “الذكر المطوّق” flanged male، والسبب هو خدوده الضخمة التي تبدو وكأنها طوق يحيط بوجهه. هذه الخدود الضخمة لا تنمو سوى لدى الذكر الأكبر حصرا.

الذكر المطوق لا يسمح بإقامة أحد في منطقته سوى النساء والأطفال. الأطفال الذكور يرحلون عن المنطقة بعد بلوغهم سن الرشد. الذكر المطوق يطلق باستمرار صيحات مميزة تسمى “الصيحات الطويلة” long calls. هذه الصيحات تؤثر على ما يبدو في الأطفال الذكور وتمنع نمو خدودهم. هذه الصيحات تؤثر أيضا في الإناث أثناء فترة النزو أو الشبق estrus (فترة الرغبة الجنسية). الأنثى التي تقيم في أرض الذكر المطوق تتأثر بصيحاته الطويلة عندما تكون في فترة الرغبة الجنسية وتذهب إليه للتزاوج.

إذن الذكر المطوق يمضي وقته في الجلوس وإطلاق الصيحات الطويلة. هذه الصيحات تخيف الذكور وتحضر إليه الإناث الراغبات بالتزاوج. الأنثى بعد التزاوج تحمل وتلد طفلا. هي تربي الطفل بنفسها لسنوات عديدة. الذكر المطوق لا يقدم أي مساعدة لها أو لغيرها من الإناث المقيمات في أرضه. الطفل يتربى على الصيحات الطويلة للذكر المطوق التي تمنع نمو خدوده، وبعد أن يبلغ سن الرشد يرحل عن والدته وعن المنطقة. بعض الإناث البالغات أيضا يرحلن عن المنطقة.

الذكور الراحلون عن أمهاتهم يشكلون جماعات متنقلة. كل جماعة لها زعيم. إذا صادفوا أنثى في فترة الرغبة الجنسية فإنهم يغتصبونها. إذا صادفوا ذكرا مطوقا فزعيمهم يهجم عليه ويحاول أن يطرده من منطقته. لو نجح في ذلك فإنه يصير ذكرا مطوقا مكانه.

الغوريلا

الغوريلات تعيش في أفريقيا. قبيلة الغوريلات تسمى troop. كل قبيلة لها زعيم. الزعيم يسمى silverback لأنه يحمل على ظهره شريطا من الشعر الفضي.

الزعيم في الغالب يطرد جميع الذكور من القبيلة ويستبقي فقط الإناث وأطفالهن، ولكنه أحيانا يسمح للذكور بالبقاء بشرط أن يكونوا تحت إمرته. الزعيم يكون في الغالب محاطا بالإناث اللواتي يتوددن إليه. إذا مات الزعيم فالقبيلة تنتهي والإناث يتشردن. إذا استولى ذكر على أنثى مشردة (إما بسبب موت زعيم قبيلتها أو بسبب هجرتها من القبيلة) فإنه في الغالب يقتل طفلها، لأن الطفل ليس من صلبه (هذا التفسير هو من عند الباحثين).

الإناث في مجتمع الغوريلات هن معتمدات جدا على الذكور، لأن الذكور يوفرون الحماية من الوحوش ومن الذكور الغرباء الذين يقتلون الأطفال. لهذا السبب إناث الغوريلات يتوددن كثيرا إلى الذكور وأحيانا يتقاتلن فيما بينهن على التواصل الجنسي مع ذكر معين. طبعا الذكور أيضا يتقاتلون فيما بينهم على الإناث.

الشمبانزي


الشمبانزي يعيش في أفريقيا. هناك نوعان من الشمبانزي، نوع جسيم robust يسمى الشمبانزي الشائع common chimpanzee، ونوع آخر رشيق gracile يسمى bonobo.

التعداد الكلي لمجتمع الشمبانزي قد يصل إلى 150 فردا، ولكن أفراد المجتمع يتوزعون في مجموعات صغيرة تقوم بمهام محددة (مثلا جمع الثمار أو الصيد إلخ).

مجتمع الشمبانزي هو هرمي. هناك زعيم أكبر (يسمى alpha male)، وتحت هذا الزعيم هناك زعماء أصغر، وتحت هؤلاء الزعماء هناك زعماء أصغر منهم، وهكذا. الهرمية موجودة أيضا لدى الإناث، ولكن إناث المجتمع عموما هن خاضعات للذكور.

ذكور الشمبانزي لا يرحلون عن مجتمعهم، ولكن الإناث هن اللواتي يرحلن ويهاجرن إلى مجتمعات أخرى. هذا يعود ربما إلى أن ذكور الشمبانزي يحتاجون للتعاون فيما بينهم ولذلك هم لا يطردون بعضهم.

مجتمع الشمبانزي هو الأكثر تعقيدا بين مجتمعات القرود. الزعيم الأكبر لا يفرض نفسه بالقوة فقط وإنما بالسياسة أيضا. الزعيم يحاول أن يكسب أفراد المجتمع إلى صفه ويقنعهم بزعامته، ولكن في بعض الأحيان هناك ذكور يتآمرون عليه ويحاولون تدبير انقلاب ضده. لهذا السبب فإن الزعيم غالبا ما يتصرف بعدوانية ويحاول أن يخيف الذكور الآخرين حتى لا يفكروا بالتآمر عليه. هو أيضا يقوم بنفش شعره لكي يجعل شكله مخيفا. عندما يذهب الزعيم في مهمة خارج القبيلة ويعود بعد ذلك إلى القبيلة فإنه يتصرف بعدوانية بالغة. الباحثون يرون أن الزعيم يخشى أن تكون هناك مؤامرة قد دبرت أثناء غيابه ولذلك هو يتصرف بعدوانية في الفترة التالية لعودته.

أكثر ما يهم الإناث هو الحصول على الطعام. الإناث يتقربن من الذكور الرفيعين وذوي المناصب من أجل الحصول على الطعام، وهن يمارسن العملية الجنسية مع الذكور من أجل هذا الهدف. هناك إناث معينات ذوات نفوذ وسيطرة يحصلن على طعام وامتيازات أكثر من سائر الإناث.

هذه الأجواء والتعقيدات تخلق الكثير من المشاكل والنزاعات والمؤامرات في مجتمع الشمبانزي.

إناث الشمبانزي يمارسن العملية الجنسية طوال العام (بغض النظر عن وجود الرغبة الجنسية من عدمها). ممارسة الإناث للعملية الجنسية تزداد عند وصول كمية كبيرة من الطعام إلى القبيلة. الإناث يتهافتن لممارسة العملية الجنسية مع الذكور الرفيعين وأصحاب السيطرة. الذكر الرفيع يمكنه أن يمنع الذكور الأدنى منه من ممارسة الجنس.

ذكور الشمبانزي لا يرحبون بالأطفال الغرباء، وفي حال أتتهم أنثى مهاجرة مع طفلها فإنهم يقتلون طفلها.

كل هذه التصرفات تدل على أن مجتمع الشمبانزي هو مجتمع أبوي للغاية.

أفراد مجتمع الشمبانزي يتواصلون مع بعضهم بشكل مكثف. هم يستخدمون لغة الإشارة والتعبيرات ويستخدمون أيضا الأصوات. الباحثون ميزوا عددا من الأصوات التي يستخدمها الشمبانزي للتواصل فيما بينهم. من هذه الأصوات مثلا صوت يسمى “pant‑hoot”. هذا الصوت يدل على الرضى بسبب الطعام أو الجنس أو بسبب تواصل اجتماعي. هناك صوت آخر يسمى “pant‑grunt”. هذا الصوت يدل على الخضوع والطاعة وهو يصدر عن الشمبانزي عندما يخاطب فردا يفوقه مكانة. عندما يمر زعيم القبيلة بالقرب من مجموعة من الذكور فإنهم يصدرون هذا الصوت احتراما له. هناك أيضا أصوات أخرى تستخدم في النداء والتحذير وأثناء الصيد إلخ.

طبعا من المعروف أن الشمبانزي قادر على الكلام مع البشر. الباحثون علموا عددا من قرود الشمبانزي لغة الإشارة وتمكنوا من الحديث مع هذه القرود. للمزيد من المعلومات يمكن مراجعة هذا المقال من ويكيبيديا.

قرود الشمبانزي يمكنها أن تتعلم لغة البشر ويمكنها أن ترد على الأسئلة التي توجه إليها، ولكن الشيء الذي تعجز عنه هذه القرود هو طرح الأسئلة من تلقاء نفسها. أنا لطالما كنت أعتقد أن طرح الأسئلة هو أساس التفكير البشري. طرح الأسئلة هو الشيء الحقيقي الذي يميز الإنسان عن سائر الحيوانات (بما في ذلك الشمبانزي). لو كان الشمبانزي قادرا على طرح الأسئلة لكان له عقل مماثل لعقل البشر.

الدراسات والتجارب بينت أن الشمبانزي هو قريب جدا من البشر. الشمبانزي هو متأخر عن البشر بخطوة واحدة وهي عدم قدرته على طرح الأسئلة. لهذا السبب أنا لا أستغرب ما يقال عن التشابه الجيني بين الشمبانزي والإنسان. الشمبانزي هو بالفعل شبيه بالإنسان من نواح عديدة.

حاليا الناس يتربون منذ الصغر على أن الشمبانزي والقرود الكبيرة عموما هي قرود، أي أنها حيوانات وليست بشرا. البشر المعاصرون لديهم تعصب كبير لإنسانيتهم وهم لا يقبلون أي تشبيه لهم بالحيوانات. لهذا السبب كثير من الناس لا يقبلون النظر إلى الشمبانزي على أنه قريب من الإنسان. بعض الكتاب والباحثين انتقدوا هذه النظرة المتعصبة وأطلقوا عليها مسمى speciesism. هذه الكلمة هي مصوغة من كلمة species (نوع) على نمط كلمتي racism وsexism. المقصود بمصطلح speciesism هو التعصب العنصري الإنساني ضد الحيوانات. من يستخدمون هذا المصطلح يعتقدون أن بعض البشر يبالغون في التمييز بين البشر والحيوانات.

هناك مجموعة من الناس تطالب بمد حقوق الإنسان لكي تشمل القرود الكبيرة. هذا الرابط هو موقعهم. هم يطالبون بإصدار إعلان من الأمم المتحدة يمنع قتل القرود الكبيرة أو تعذيبها أو حجز حريتها.

التمييز الشديد بين البشر والقرود الكبيرة هو شيء حديث لم يكن موجودا في الماضي. كلمة orangutan هي في الأصل orang hutan. كلمة orang في لغة المالاي تعني “شخص” أو “إنسان”. سكان أرخبيل المالاي كانوا يعتقدون في السابق أن هذه القرود تستطيع الكلام ولكنها لا تتكلم لكي لا يجبرها الناس على العمل. هم أيضا كانوا يعتقدون أن هذه القرود قادرة على التزاوج مع البشر.

كلمة gorilla هي يونانية الأصل Γόριλλαι Gόrillai. هذه الكلمة وردت لدى الكتاب اليونانيين كاسم لشعب من البشر في غرب أفريقيا. الكتاب اليونانيون نقلوا قصة ملاح قرطاجي اسمه Hanno أبحر من قرطاج نحو غرب أفريقيا في القرن الخامس قبل الميلاد. في نهاية رحلته هو وصف شعبا من البشر أطلق عليه مسمى Gόrillai. ما يلي هو النص المتعلق بلقاء Hanno مع الـ Gόrillai:

في الخليج الداخلي كانت هناك جزيرة شبيهة بالتي وصفت سابقا، وفي داخلها بحيرة على نحو مماثل وجزيرة أخرى يسكنها شعب فظ. الإناث كن أكثر بكثير جدا من الذكور، وكانت لهن جلود ثخينة. مترجمونا أسموهم Gόrillai. لقد تبعنا بعض الذكور ولكننا لم نتمكن من أخذ أي منهم. جميعهم هربوا إلى قمة الجروف العالية، التي صعدوا إليها بسهولة وضربونا بالحجارة. لقد أخذنا ثلاثا من الإناث، ولكنهن قاومن بعنف بالغ وعضضن ومزقن الممسكين بهن إلى درجة أننا اضطررنا لقتلهن وسلخنا جلودهن وحملناها إلى قرطاج، لأن مؤونتنا نفدت ولم نعد نستطيع المضي أبعد.

هذا الكلام دار في مكان ما على الساحل الغربي لإفريقيا في القرن الخامس قبل الميلاد. عندما اكتشف الغربيون الغوريلات في غرب أفريقيا في عام 1847 أطلقوا عليها مسمى gorillas بسبب هذه القصة.

على ما يبدو فإن الملاح Hanno ظن أن الغوريلات هي شعب من البشر.

هذا يذكرني أيضا بالقصص التي رواها الكتاب المسلمون عن “النسناس”. الرحالة المسلمون قديما كانوا يرون القرود الكبيرة في بعض الجزر الإندونيسية وفي أفريقيا وكانوا يظنون أنها شعوب من البشر، أو أنها مزيج من البشر والجن، ونحو ذلك. لهذا السبب هناك بلبلة في الكتابات الإسلامية حول موضوع النسناس.

الخلاصة هي أن البشر قديما كانوا في بعض الأحيان يظنون أن القرود الكبيرة هي شعوب من البشر.

الجزء التالي

مصادر

Advertisements

7 thoughts on “تطور الإنسان (5)

  1. ال سعود اكتشفوا بعد عقود كثيرة ان هناك ازدواجية في المعايير لمجلس الامن بسبب ايران وسورية فإين كانو عند الفيتو الاميركي على اسرائيل ؟

  2. وحدة فدرالية بين سورية والعراق لمواجهة الغزوة الوهابية للهلال الخصيب
    خليل خوري

    لم يعد خافيا على احد ان ما تتعرض له كل من سورية مند اكثر من ثلاثين شهرا ، والعراق منذ اكثر من ستة اشهر من اعمال ارهابية ، وما اسفرت عنه من مقتل عشرات الالوف من المدنيين والعسكريين ، ومن تدمير مرافق اقتصادية وعسكرية لو استمرت دون وضع حد لها سوف تعيد البلدين الى العصور البدائية ، عدا عن تهجير مئات الالوف من مواطني البلدين اما الى دول الجوار ، او الى مناطق امنة لا تشهد ولو مؤقتا اية عمليات عسكرية او تتعرض لهجمات من جانب الارهابيين ، لم يعد خافيا حتى على البسطاء والسذج والبلهاء ان ما يتعرض له هذان القطران العربيان : هو غزو وهابي تشارك فيه اكثر التنظيمات ارهابا وتكفيرا للمخلوقات البشرية ووحشية ، كتنظيم القاعدة بفروعها العلنية والسرية المعروفة باسم جبهة النصرة ، ودولة العراق والشام الاسلامية ، والجماعات السلفية الجهادية، والتنظيم الدولي لجماعة الاخوان المسلمين المعروفف بمناهضته سرا وعلنا لكافة الانظمة العربية القائمة في المنطقة، باستثناء حكام مشيختي قطر والسعودية انظمة ، والذي يعتبرها انظمة طاغوتية كافرة ينبغي الاطاحة بها ، تمهيدا لااقامة دولة الخلافة الاسلامية ، كما انه غزو لا يمكن ان يستمر ويتعاظم على النحو والزخم الذي يشهده هذان البلدان، بدون ان يتلقى دعما بالمال والسلاح من جانب اكثر الانظمة العربية عداء ومناهضة للحداثة والمدنية والحضارة ولحقوق الانسان ، واكثر تمسكا بمنظومة القيم الرعوية التكفيرية الظلامية ، كالنظامين السعودي والقطري : لهذا فان كافة الاجراءات التي تتخذها سلطات البلدين ، كالتنديد بالعمليات الارهابية التي ترتكبها الجماعات الارهابية المسلحة ، وتسليط الاضواء على بشاعتها ، وعلى المجرمين المتورطين في عمليات القتل والذبح عبر وسائل الاعلام المختلفة ، او باجراء مقابلات مع ممثلى وسائل الاعلام العربية والاجنبية كالتي دأب الرئيس السوري بشار الاسد على القيام بها على الاقل مرة في الاسبوع ، كي يذكّر الراي العام السوري والدولي بان سورية تتعرض الى غزو خارجي مدعوم من جانب الامبريالية والصهيونية والسعودية وقطر، الى اخر المعزوفة ملقيا باللوم كعادة الزعماء العرب على هذه الجهات محملا اياها مسئولية اعمال العنف والارهاب الذي تتعرض له سورية ، وكأ ن الفساد الذي كان مستشريا في النظام من قاعدته حتى راس النظام قبل اندلاع الازمة لم يكن له دور في تفجر الاوضاع في سورية ، وفي خلق بيئة حاضنة لهؤلاء الارهابيين ، او بتصعيد العمليات المسلحة ضد الجماعات المسلحة ، ان كافة هذه الاجراءات التي تتخذها سلطات البلدين بغية اجتثاث الارهاب ، واعادة الامن والاستقرار فيهما ،على اهميتها في التصدي للارهاب : لم تعد بنظر المواطن العادي كافية كي يتم القضاء على الارهاب وليعم بالتالي الامن والاستقرار ، بل ينبغي على سلطات البلدين ان تستكمل هذه الاجراءات عبر تفكيك العلاقة القائمة بين الجماعات الارهابية والبيئة المحلية الحاضنه لهم ، وحيث اثبتت مجريات المواجهة المسلحة بين الجيش النظامي للبلدين وبين الجماعات الارهابية المسلحة ، ان هذه البيئة تتعاطف معهم بالفكر و الممارسة ، ولا ترى في نشاطاتهم الارهابية الموجهة ضد الجيش ومنشاته ومعداته ، وضد المرافق العامة وحتى ضد الرموز العلمانية والتنويرية واليسارية والقومية والاقليات الدينية، سوى انها جهاد ضد ” النظام الشيعي الكافر ” والموالين له من الشيعة والاقليات الدينية ، وانه لاسبيل للتخلص من هذه الانظمة الخارجة عن ” الجماعة ” الا بالاطاحة بهذه الانظمة وباقامة دولة الخلافة الاسلامية بقيادة خليفة سني !!!

    كذلك اثبتت مجريات الاحداث الساخنة في القطرين ان هذه البيئة الحاضنة لم تكن تتشكل ويتعاظم التزمت الطائفي فيها الى حد تزويد الجماعات المسلحة بالمتطوعين ، والمؤن والمعلومات عن تحركات الجيش النظامي ، وحتى توفير ملاذات امنة فيها للارهابيين فيها ، لولا ان النظام القائم في العراق قد تبنى مبدا المحاصصة الطائفية في ادارة دفة الدولة ، بديلا لمبدأ المواطنة الذي لا يميز بين المواطنين على اساس الطائفة والعرق والدين ويحقق في نفس الوقت المساواة بينهم في الحقوق والواجبات ، ولولا ان النظام السوري قد اعطى الجماعات الدينية المتزمتة حرية الحركة في الوعظ والارشاد وخاصة في المناطق الريفية التي تعاني من تفشي الامية والبطالة ، بهدف كسب تاييد الانظمة الدينية القائمة في ايران والسعودية ومشيخات الخليج ، والحصول على دعمها المالي والسياسي .كما اقام علاقة حميمة مع حركة حماس تمثلت في تقديم كافة اشكال الدعم العسكري والاعلامي والسياسي لها ، اضافة الى منحها حرية الحركة على الساحة السورية ،فاستغلتها حماس وغيرها من الحركات الاسلامية من اجل نشر الفكر الوهابي عبر منابر المساجد والتكايا وما اكثرها ، وترسيخ هذا الفكر الظلامي في عقول قطاع واسع من الشباب السوري بحيث كانت المحصلة : انتشار هستيريا التحجب والتنقب بين غالبية الاناث حتى بين الاناث العاملات في قطاع التعليم والاعلام وهى ظاهرة لم يشهد لها العراق وسورية مثيلا لها الا في الحقبة العثمانية البائدة ، وايضا انتشار موضة ارتداء الذكور للازياء الطالبانية واطلاق لحاهم ، بموازاة انتشار هستيريا دينية في صفوفهم ، تمثلت بانقطاعهم الى الصلوات توهما منهم ان الاقتداء بطالبان والسلف الصالح هو الوسيلة الكفيلة بتحصين الشعب السوري ضد الفساد، وبتحقيق الرخاء والازدهار لسورية !! كما انعكست صحوتهم الطالبانية سلبا على النمو الاقتصادي لسورية ، فحدث تراجع في الانتاج وتصحرا في مجالات الابداع والابتكار والاختراع : وهل ثمة داع للابتكار حين تترسخ في عقول هؤلا الشباب الفرضيا ت الاخوانية التي تؤكد ان الله قد سخر الكفار للاختراع والابتكار والانتاج ’، فيما يكافىء الله تقرّب المؤمنين منه على مدار الساعة ، بالسجود والصلوات والابتهالات والدعاء على الكفار بالموت والابتلاء بالامراض الوبائية بثمار حضارة هؤلاء الكفار!! كانت الجماعات الاسلامية تمارس نشاطها الدعوي والتعبوي والتنظيمي دون ان يحرك النظام ساكنا للحد من تاثيرهم في عقول المواطنيين السوريين ، ولقد مارس النظام سياسة ” يعمل ودعه يمر ” مع هذه الجماعات وغض الطرف عن نشاطاتها : كسبا لولاء المؤسسة الدينية التي تعاظم تاثيرها على عقول ان لم يكن اغتيالها لهذه العقول ،بحشوها بالغيبيات وبمنظومة قيم عفا عليها الزمن ، ولا تمت للحداثة باي صلة ، مثلما غض الطرف عن رموز الفساد الذين تبواؤا مواقع قيادية في هرم السلطة ، وراكموا ثروات على حساب نهب المال العام او عن طريق استغلال الوظيفة بقصد الحصول على الرشوات والعمولات والذين لم تردعهم ضمائرهم الفاسدة حين اندلعت الثورة العرعورية ،من تقديم التسهيلات للجماعات الارهابية كي يسيطروا على مساحات شاسعة من الاراضي السورية ، بينما استشراء الفساد وتعاظم المد الاصولي كان يقتضي من جانب النظام اطلاق حملة لمحاربة الفساد وتطهير اجهزة الدولة من الفاسدين وايضا حملة توعية لمحاربة الفكر الظلامي لقد مارس النظام سياسة غض الطرف لبعض الوقت حيال هذه الشريحة من الشعب السوري تفاديا لاي مواجهة معها من شانها ، ولم يكن النظام العراقي اقل منه مرونة وتسامحا مع الجماعات الدينية ، ولعل الاسوأ من سياسة غض الطرف التي اتبعها النظام السورية حيال الفاسدين وحيال الجماعات الاسلامية المتطرفة ان النظام السوري ، ومثله النظام العراقي ولو بدرجة اقل ، قد ضيق الخناق على النخب التنويرية و التيارات اليسارية والعلمانية ، فاغلق منابرهم كما قلص من هامش التعبير على وسائل اعلامهم ان وجدت ، وفي حالات كثيرة اوعز الى اجهزته الامنية الى ملاحقتهم والزج بهم في السجون فيما اطلق العنان للمؤسسة الدينية لمحاربة مشروعهم التنويري عبر تكفيرهم تكفيرهم ، وها هو رئيس النظام السوري يعترف في اخر حوار اجرته معه صحيفة الاخبار اللبنانية بان حركة حماس قد غدرت به اكثر من مرة ، بدلا من ان يمارس نقدا ذاتيا فيعترف بانه قد اخطأ حين نسج علاقة حميمة مع حماس، رغم ادراكه انها حركة ظلامية مرتبطة فكرا وممارسة وبرنامجا باجندة التنظيم الدولى الهادفة الى الاطاحة بانظمة الدول شبه المدنية القائمة في اكثر من دولة عربية ، والقضاء على كافة اشكال الحداثة القائمة فيها تمهيدا لاقامة امارتهم الظلامية فيها ، وليس حركة تحرر وطني كما كانت اجهزة الاعلام السورية تروج لذلك حين كانت علاقة النظام مع هذه الحركة الظامية سمن على عسل . وبعد ان يمارس بشار نقدا ذاتيا لنهجه المتساهل حيال الجماعات الاسلامية المتشددة وحيال رموز الفساد الذي هيأ الاجواء للجماعات الارهابية بسط سيطرتهم على نصف مساحة سورية م مع تدمير بنيتها التحتية والفوقية ، يتخلى عن مقاليد السلطة كي يفسح المجال للشعب السوري انتخاب رئيس يمثل القطاعات المنتجة للشعب السوري، ويتبنى برنامجا تقدميا يضع سورية على طريق الحداثة والتطور ، ويوفر بيئة تزدهر فيها حقول المعرفة والابداع ، وفي نفس الوقت تضمحل فيها منظومة القيم الوهابية والغيبيات . ومادام الرئيس بشار ما زال مصرا على البقاء في السلطة لانه يحظى بتاييد حسبما تؤكد بعض استطلاعات الراي العام التي تجريها جهات رسمية ، ولا يتوفر من بين 22 مليون مواطن سوري من ينافسه في الخبرة والذكاء والعبقرية في ادارة دفة الحكم ، فان الفرصة لا زالت سانحة امامه للتعويض عن اخطائه القاتلة التي مهدت الطريق لهذه الغزوة الوهابية ، بان يبادر الى تغيير مناهج التعليم والاعلام باستبدالها بمناهج تتمشى مع متطلبات العصر والحداثة تطهيرا لعقول الشباب من ملوثات الفكر الوهابي ‘ فهذه المعركة لا تقل اهمية عن المعركة التي يخوضها الجيش النظامي ضد الجماعات الارهابية تطهيرا لسورية من رجسهم ولاعادة الامن والامان الى ربوعها ، وان يبادر في نفس الوقت الى اقامة وحدة فيديرالية بين سوريا والعراق تعزيزا للقدرات العسكرية والاقتصادية للبلدين ، وتحقيقا للتكامل الاقتصادي بينهما ، وتسريعا لوتائر النمو الاقتصادى الذي لا يمكن ان يتحقق كما اثبتت التجربة الاوروبية الا عبر التكامل بين فروع الانتاج والخدمات في القطرين ، وعبر السوق الواسعة والاستخدام الامثل للموارد البشرية والطبيعية ، عندئذ لن تجرؤ تركيا ولا اي دولة مجاورة للدولة الفيدرالية العراقية السورية ان تعتدي عليها ، اوتمس بسيادتها عبر ارسال الارهابيين : لانه في ظل الدولة الفيديرالية ستكون سورية ومثلها العراق اكثر قدرة في الردع، وفي التصدي للارهابيين ، وحتى في نقل المعركة الى اراضي الدول المجاورة المتورطة في دعم الارهابيين ، كما انه في ظل هذه الوحدة الفيدرالية ستكون حكومات القطرين ايضا اكثر قدرة واهلية على اعادة بناء ما دمرته جحافل الارهاب من مرافق اقتصادية وبنى تحتية : فهل يكفر بشار الاسد ومثله نوري المالكي عن اخطائهما القاتلة في ادارة دفة الحكم باقامة هذه الوحدة الفدرالية ، ام ان الاثنين يفتقدان الارادة السياسية لانجاز هذا المشروع الوحدوي ؟؟؟

  3. مرحبا، أشكرك على بحوثك المتقنة وتقديمها السلس. وأرغب بسؤالك: هل هناك تفاصيل أكثر عن مسألة “الصيحات الطويلة” المتعلقة بالـ “orangutan”، وتحديدا قدرة هذا “الصوت” الذي يصدره “الزعيم” على التأثير في “البنية البيولوجية” على الأفراد الآخرين؟ فلم أفهم كيف تتمكن الصيحات الصوتية للزعيم من منع ظهور الخدود الطوقية عند الباقين؟! وهل هناك حالة مماثلة بين الكائنات الحية ذات القدرة الصوتية، يؤثر فيها الصوت الصادر من أحد الأفراد على نمو أو ظهور أعضاء جسدية عند أفراد آخرين؟

    • أهلا بك… أنا لم أبحث في هذا الموضوع ولذلك أنا لا أعلم عنه الكثير… ما يلي هو مصدر معلوماتي التي أوردتها في المقال:

      http://pin.primate.wisc.edu/factsheets/entry/orangutan/behav

      There is some evidence that the long-call plays an important role in the suppression of development among adolescent and subadult males. When adolescent males hear long-calls, stress hormones are induced and rather than developing secondary sexual characteristics, development is arrested resulting in the unflanged appearance (Delgado & van Schaik 2000).

      حسب هذا الكلام فإن الصيحات الطويلة تؤدي إلى إفراز هرمونات الكرب stress hormones لدى الذكور المراهقين، وهذا يعيق ظهور الخصائص الجنسية الثانوية لديهم.

      إفراز هرمونات الكرب يتم تحت تأثير المنطقة المسماة hypothalamus (في الدماغ البيني). هذه المنطقة تشرف أيضا على إفراز الهرمونات الجنسية المسؤولة عن الخصائص الجنسية الثانوية والإنجاب. على سبيل المثال، الهرمونات الجنسية هي المسؤولة عن الدورة الطمثية لدى النساء. إذا ارتفعت نسبة هرمونات الكرب لدى الإناث فهذا قد يسبب انقطاع الطمث. هناك علاقة عكسية بين الكرب وبين النشاط الجنسي. أنا ذكرت في بعض المقالات أن حالة الكرب تؤدي لتنشيط الجهاز العصبي المتعاطف sympathetic، وهذا الجهاز هو مثبط للنشاط الجنسي والرغبة الجنسية.

      أنا لم أقرأ شيئا حول موضوع الصيحات الطويلة سوى هذين السطرين الذين أوردتهما في الأعلى، وللأسف أنني لا أملك الوقت حتى أرجع لمصادر أخرى وأتوسع في الموضوع. بناء على ما ورد في هذين السطرين وبناء على معرفتي بعمل الجسم البشري فإنني أظن أن الصيحات الطويلة تنشط حالة الكرب لدى الذكور المراهقين (ربما بسبب الخوف). تنشيط حالة الكرب يتم من منطقة hypothalamus. هذه المنطقة تنظم أيضا النشاط الجنسي والغرائز الجنسية. هناك عادة تعارض بين الكرب وبين النشاط الجنسي. بالتالي يمكننا أن نتخيل ما يلي: الصيحات الطويلة تسبب الكرب stress، وهذا يؤدي لتثبيط الهرمونات الجنسية وبالتالي تثبيط البلوغ الجنسي.

    • الخدود الطوقية هي من الخصائص الجنسية الثانوية secondary sexual characteristics. عند البشر هذه الخصائص تشمل مثلا نمو الشعر تحت الإبطين وحول الأعضاء التناسلية. ظهور هذه الخصائص يحصل بسبب ارتفاع نسبة الهرمونات الجنسية في الدم في زمن البلوغ الجنسي. ما يحصل عند الـ orangutan هو أن هرموناتهم الجنسية لا ترتفع في الدم بسبب حالة الكرب. سبب حالة الكرب هو الصيحات الطويلة.

  4. شكرا لك، لقد فهمت. فالتأثير المباشر للصيحات يتجه نحو صنع الشعور المحفز لإفراز الهرمونات التي تؤثر بالتالي على الخصائص الجنسية الثانوية، هذا معقول.
    كنت قد تصورت في البداية تأثيرا مباشرا، أي أن تكون الموجات الصوتية هي السبب المباشر في تثبيط أو تعطيل ظهور تلك الخصائص.
    أشكرك جزيلا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s