الأصوات البشرية (3)

يمكن الوصول للأجزاء السابقة من هذا الموضوع عبر هذه الروابط:

الجزء الأول

___________________________________________________________________-

النطق الثانوي

في المقال السابق تحدثت عن حروف الصحة وأنواعها. الموضوع الأخير الذي أريد الحديث عنه هو النطق الثانوي secondary articulation.

معنى النطق الثانوي باختصار هو نطق أكثر من صوت في آن واحد. هذه الظاهرة هي شائعة في الكلام البشري.

ما يلي عرض سريع لأهم أنواع النطق الثانوي الشائعة في اللغات البشرية.

التغوير palatalization

كلمة palatalization هي مأخوذة من كلمة palate التي تعني “الحنك” (الحنك هو سقف الفم)، والمقصود بكلمة “حنك” في علم الصوتيات هو تحديدا الحنك الصلب (الحنك يتكون من قسمين، قسم أمامي عظمي صلب، وقسم خلفي عضلي رخو).

الحنك الصلب والرخو

 

المعنى الحرفي لكلمة palatalization هو إذن “التحنيك”، ولكن الكتاب العرب يسمون الحنك الصلب باسم “الغار”، وبالتالي الترجمة الصحيحة قد تكون “التغوير”.

أشهر صوت صحيح يخرج من الحنك الصلب أو الغار هو صوت الياء [j] (الصوت المقارب الغاري palatal approximant).

الغار هو أيضا مخرج الكسرة [i] (صوت العلة الأمامي المرتفع غير المدور high front unrounded vowel).

تغوير صوت ما يعني نطق هذا الصوت مع رفع اللسان نحو الغار في نفس الوقت.

مثلا تغوير الباء [b] يعني نطق الباء (التي تخرج من الشفاه) مع رفع اللسان نحو الغار في نفس الوقت.

رفع اللسان نحو الغار يعني عمليا نطق صوت الياء [j].

المحصلة هي أن تغوير الباء يعني نطق صوتي الباء والياء في نفس الوقت.

الصوت الناتج يكتب في الأبجدية الصوتية الدولية هكذا [] (رمز الباء b مضافا إليه رمز الياء j بخط صغير ومرتفع).

الأصوات الصحيحة المغوّرة هي شائعة في اللغة الروسية. الروس يسمونها الأصوات الصحيحة “اللينة” soft consonants، وهي تأتي قبل أحرف العلة التالية я, ё, ю, е, и, ь.

الإطباق velarization


كلمة velarization هي مأخوذة من كلمة velum التي تعني “شراع” والمقصود بها هو القسم الخلفي العضلي (الرخو) من الحنك.

الكتاب العرب يسمون الحنك الرخو باسم “طبق الحنك”، وبالتالي أنا ترجمت كلمة velarization إلى “إطباق” (سيبويه استخدم هذا المصطلح).

طبق الحنك هو مخرج لعدد من الأصوات المعروفة لدى العرب:

  • أولا، الأصوات الوقفية
    • صوت الكاف [k] (الصوت الوقفي الطبقي غير المجهور voiceless velar stop)
    • صوت الجيم المشبعة [g] (الصوت الوقفي الطبقي المجهور voiced velar stop)
  • ثانيا، الأصوات الاحتكاكية
    • صوت الخاء [x] (الصوت الاحتكاكي الطبقي غير المجهور voiceless velar fricative)
    • صوت الغين [ɣ] (الصوت الاحتكاكي الطبقي المجهور voiced velar fricative)

 

الطبق هو أيضا مخرج الضمة [u] (صوت العلة الخلفي المرتفع المدور back front rounded vowel).

الإطباق velarization يعني نطق الصوت مع رفع اللسان نحو طبق الحنك.

طبق الحنك هو مخرج للعديد من الأصوات كما بينا، ولكن الصوت الذي ينتج أثناء الإطباق هو النظير الطبقي لصوت الياء الذي يكتب هكذا [ɰ].

الصوت [ɰ] هو الصوت المقارب الطبقي velar approximant. هذا الصوت هو مجهور (كل الأصوات المقاربة approximants وأصوات العلة vowels هي مجهورة في الأحوال الطبيعية). الصوت [ɰ] هو شبيه بصوت الغين [ɣ] ولكنه أكثر انفتاحا. لهذا السبب الصوت [ɰ] كثيرا ما يكتب هكذا [ɣ̞] (رمز الغين وتحته العلامة [˕] التي تعني الفتح أو التخفيض).

الإطباق يعني نطق الصوت الصحيح في نفس الوقت مع الصوت [ɰ].

مثلا إطباق الباء [b] يعني نطق الباء والصوت [ɰ] في آن واحد.

الصوت الناتج يكتب في الأبجدية الصوتية الدولية هكذا [] (رمز الباء b مضافا إليه رمز الغين ɣ بخط صغير ومرتفع).

الصوت [] هو سهل النطق. هذا الصوت هو الصوت الأول من كلمة “بابا” كما تنطق في معظم اللهجات العربية.

قارن بين صوت الباء في “بابا” /bˠaːbˠaː/ وصوت الباء في كلمة “باب” /baːb/. الصوت الأول “أغلظ” من الصوت الثاني. هذه الغلاظة هي الإطباق velarization.

في كثير من اللغات الإطباق يعتبر نقيضا للتغوير. مثلا في اللغة الروسية الأصوات المغوّرة تسمى “لينة”، والأصوات المطبقة تسمى “قاسية”. الأصوات المطبقة في الروسية تأتي قبل أحرف العلة التالية а, о, у, э, ы.

البشر كثيرا ما يعتبرون الأصوات القريبة من الياء أو الكسر (أي من الغار) أصواتا رقيقة، ويعتبرون الأصوات القريبة من الواو أو الضم (أي من الطبق) أصواتا غليظة. لا أدري ما هو سبب ذلك. ربما يكون السبب هو أن الأصوات الغارية لها تردد أعلى من تردد الأصوات الطبقية (مقارنة ترددات الأصوات الغارية والطبقية موجودة مثلا في هذه الصفحة). بما أن أصوات النساء لها تردد أعلى من أصوات الرجال فمن الممكن أن البشر ربطوا بين الأصوات الغارية وأصوات النساء. هذه مجرد فرضية من عندي لا أعلم مدى صحتها.

في بعض اللهجات الإنكليزية هناك تمييز بين اللام المطبقة [] (التي تسمى “اللام الغامقة” dark L)، وبين اللام المجرّدة [l] (التي تسمى “اللام الفاتحة” light L).

في اللغة العربية الفصيحة هناك حرف مطبق واحد هو الواو [w].

أنا وصفت صوت الواو سابقا بأنه الصوت المقارب الشفهي bilabial approximant. هذا الوصف كان تقريبيا لأن الواو في الحقيقة تنطق مع الإطباق، أي أن صوت الواو هو مركب من صوتين:

  • الصوت المقارب الشفهي bilabial approximant (يكتبه البعض هكذا [ω]، ولكن هذا الرمز على ما يبدو ليس معتمدا في الأبجدية الصوتية الدولية)
  • الصوت المقارب الطبقي velar approximant (رمزه [ɰ])

 

صوت الواو في غالبية اللغات (ومن بينها العربية) هو مزيج من هذين الصوتين. لهذا السبب الواو تسمى “الصوت المقارب الشفهي-الطبقي” labiovelar approximant.

التشفيه labialization

كلمة labialization هي مأخوذة من كلمة labia التي تعني “الشفاه”.

الشفاه هي مخرج صوت الباء [b] (الصوت الوقفي الشفهي المجهور voiced bilabial stop)، وهي مخرج صوت [p] (الصوت الوقفي الشفهي غير المجهور voiceless bilabial stop). الصوت [p] هو صوت الحرف پ في الفارسية.

الأصوات الشفهية الاحتكاكية هي غير معروفة لدى العرب، ولكن المعروف لديهم هو الأصوات الاحتكاكية الشفهية-السنية labiodental fricatives التي هي صوتان:

  • صوت الفاء [f] (الصوت الاحتكاكي الشفهي-السني غير المجهور voiceless labiodental fricative)
  • صوت [v] (الصوت الاحتكاكي الشفهي-السني المجهور voiced labiodental fricative).

 

الصوت [v] هو صوت الحرف “و” في الكتابة الفارسية (وأيضا في الكتابة التركية العثمانية).

تشفيه الصوت الصحيح يعني نطقه مع ضم الشفاه، أي باختصار نطقه في آن واحد مع الصوت المقارب الشفهي.

تشفيه الأصوات الصحيحة لا يختلف عن تدوير أصوات العلة، ولكن الباحثين الغربيين يسمون الظاهرة الأولى تشفيها labialization والظاهرة الثانية تدويرا rounding (هناك من يستخدمون مصطلح labialization لأصوات العلة أيضا).

التشفيه بالمعنى الدقيق هو نادر. الشائع في لغات العالم هو التشفيه مع الإطباق labiovelarization (أي ضم الشفاه ورفع اللسان نحو الطبق في آن واحد مع نطق الصوت الصحيح).

رمز التشفيه (أو التشفيه مع الإطباق) في الأبجدية الصوتية الدولية هو رمز صغير مرتفع للواو w بجانب الصوت المشفّه. مثلا التاء المشفّهة تكتب هكذا []. هذه الكتابة تعني نطق التاء بشكل متزامن مع ضم الشفاه (والإطباق أيضا في الغالب). الصوت الناتج هو مزيج من التاء والواو.

التشفيه هو أشيع الأنواع النطق الثانوي في لغات العالم، وباحثو اللغويات يعتقدون أنه كان موجودا في اللغة الهندو-أوروبية البدائية ProtoIndoEuropean التي بدأت بالتفرع قبل حوالي 7000 عام إلى عدة لغات وأنتجت معظم اللغات المحكية حاليا في أوروبا بالإضافة إلى اللغات الإيرانية والهندية الشمالية والأرمنية، وقديما اللغات الأناضولية كالحتية Hittite واللوية Luwian.

اللغة الهندو-أوروبية البدائية في رأي غالبية الباحثين كانت تحوي ثلاثة أصوات طبقية مشفّهة (*kʷ، *gʷ، *gʷʰ) وأيضا ثلاثة أصوات طبقية مغوّرة (*kʲ، *gʲ، *gʲʰ).

الحرف الهندو-أوروبي المشفّه *kʷ يكتب في اللاتينية بهذا الشكل qu. هذا الحرف هو موجود مثلا في بداية ضمير الاستفهام qui (مصدر الضمير الفرنسي qui) وفي بداية العدد أربعة quattuor (مصدر كلمة quatre في الفرنسية).

الحرف الهندو-أوروبي *kʷ تحول في اللغات الجرمانية إلى حرف احتكاكي *xʷ (وفقا لقانون Grimm). هذا الصوت هو مزيج من الخاء والواو. في اللغة الإنكليزية هو يكتب هكذا wh (مثلا في بداية كلمة who وكلمة what إلخ). هذا الحرف ينطق حاليا كالواو المجردة [w] في معظم اللهجات، ولكن في أسكتلندا وأيرلندا ما زال هناك أناس يلفظونه بصوته الأصلي أو بصوت قريب منه. في الجنوب الأميركي الناس يلفظون هذا الحرف بصوت مميز يختلف عن صوت الواو المجردة.

حسب سيبويه وغيره من اللغويين المسلمين فإن التشفيه كان موجودا في العصر الإسلامي الباكر لدى متحدثي اللغة العربية. سيبويه تحدث عن ظاهرة صوتية سماها الرَّوْم (من رام يروم). هذه الظاهرة تحدث عند الوقف على حرف مضموم أو مكسور. وصفها لدى سيبويه وغيره هو غير واضح تماما، ولكن بعض الباحثين المعاصرين يرون أن المقصود بها هو التشفيه.

مثلا في عبارة “جاء زيد” عند الوقف على كلمة “زيد” بعض العرب كانوا يلفظون حركة الدال “بصوت خفي يسمعه القريب دون البعيد” وبحيث “يذهب أغلب صوت الحركة”.

بعض الباحثين يرون أن المقصود ربما هو أن بعض العرب كانوا يقولون /zajdʷ/ عند الوقف على كلمة زيد.

الروم عند سيبويه وغيره ليس مقصورا على الضم فقط بل يشمل أيضا الكسر. هل المقصود بروم الكسر هو التغوير؟ لو كان هذا صحيحا فهو يعني أن بعض العرب كان ينطقون كلمة “زيد” في حالة الجر هكذا /zajdʲ/ (مثلا في عبارة “سلمت على زيد”).

الزَّفْر aspiration

الزفر هو من أهم أنواع النطق الثانوي (رغم أن اللغويين على ما يبدو لا يعدونه من النطق الثانوي بل يدرسونه مع خاصية الجهر voice).

التعريف الرسمي للزفر هو نطق الصوت مع إطلاق زفرة قوية من الهواء.

بالنسبة لي فأنا أفهمه على أنه يعني نطق الصوت ممزوجا مع صوت الهاء [h].

في الأبجدية الصوتية الدولية علامة الزفر هي h صغيرة مرتفعة بجوار الصوت الصحيح.

مثلا صوت التاء المزفورة يكتب هكذا []. هذا الرمز يعني نطق التاء مع إطلاق زفرة من الهواء. أنا أفهمه على أنه يعني نطق التاء والهاء في آن واحد.

خاصية الزفر هي غالبا متناقضة مع خاصية الجهر. في معظم لغات العالم الأصوات المجهورة voiced لا تأتي مزفورة aspirated.

في اللغة الإنكليزية الزفر هو ظاهرة عامة في الأصوات غير المجهورة. مثلا في كلمة pin الحرف الأول يلفظ مزفورا [pʰɪn]، ولكن في كلمة bin الحرف الأول يلفظ بدون زفر [bɪn] (ولكن إذا جاء الحرف s مباشرة قبل الحرف غير المجهور فإنه يلفظ بدون زفر، مثلا spin تلفظ هكذا [spɪn]).

سيبويه اعتمد على خاصية الزفر لكي يميز بين الأصوات المجهورة وغير المجهورة. هذا يظهر واضحا في كلامه:

فالمجهورة: حرفٌ أشبع الاعتماد في موضعه ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجري الصوت.
[…]

وأما المهموس فحرفٌ أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه وأنت تعرف ذلك

إذا اعتبرت فرددت الحرف مع جري النفس.

ولو أردت ذلك في المجهورة لم تقدر عليه.


سيبويه يقول أن الأصوات المجهورة هي التي لا يجري معها النفس، والأصوات المهموسة (غير المجهورة) هي التي يجري معها النفس.

هذا التعريف يصلح في اللغة العربية واللغة الإنكليزية، ولكنه لا يصلح في لغات أخرى. هناك في العالم لغات تحوي أصواتا غير مجهورة وغير مزفورة.

سيبويه لو سمع مثل هذه الأصوات كان سيعتقد أنها مجهورة.

العرب عموما عندما يسمعون مثل هذه الأصوات يظنون أنها مجهورة، أو على الأقل هم لا يشعرون أنها مطابقة للأصوات غير المجهورة الموجودة في لغتهم.

مثل هذه الأصوات تكثر في لغات شرق آسيا.

مثلا في اللغة الصينية الأصوات التي تكتب بالأحرف اللاتينية (Pīnyīn) على أنها مجهورة (b, d, z, j, g) هي في الحقيقة غير مجهورة وغير مزفورة. أما الأصوات التي تكتب على أنها غير مجهورة (p, t, s, q, k) فهي غير مجهورة ومزفورة.

في اللغة الصينية خاصية الجهر ليس لها وجود. هناك فقط مقابلة بين الأصوات المزفورة وغير المزفورة. هذه المقابلة تعادل المقابلة الموجودة في اللغات الغربية بين الأصوات المجهورة وغير المجهورة.

معظم لغات شرق آسيا تشبه اللغة الصينية من حيث أنها تفتقد لخاصية الجهر. الأصوات الصحيحة في هذه اللغات هي موزعة في أزواج على أساس الزفر وليس على أساس الجهر.

اللغات التركية الشرقية (واللغة المنغولية القريبة منها) تتفق مع هذا النمط. في هذه اللغات لا يوجد جهر. ولكن في اللغات التركية الغربية هناك جهر. الباحثون لا يعرفون ما هو الوضع التركي الأصلي. بما أن أصول اللغات التركية تعود إلى شرق آسيا فمن الممكن أن اللغات التركية كانت في الأصل تفتقد للجهر وأنها اكتسبت هذه الخاصية بعدما تمددت غربا واحتك متحدثوها مع شعوب غرب آسيا، ولكن هناك باحثين يشككون في هذا الكلام ويقولون أنه ليس مثبتا.

اللغة السومرية كانت في الأصل تشبه النمط الصيني من حيث أنها تفتقد للجهر. أنا تحدثت عن هذا الموضوع سابقا وذكرت المصادر. الأصوات السومرية التي يكتبها المستشرقون على أنها مجهورة كانت في الحقيقة غير مجهورة وغير مزفورة، والأصوات التي يكتبونها على أنها غير مجهورة كانت في الحقيقة غير مجهورة ومزفورة. مثلا كلمة Dilmun في كتابة المستشرقين كانت في الحقيقة تلفظ /Tilmun/، وهذا يظهر بوضوح من الكتابة الأكدية Tilmun.

طالما أن اللغة السومرية كانت تتبع النمط الصيني فهذا يوحي بأن خاصية الجهر هي غريبة على القارة الآسيوية عموما. إذن من المستبعد في رأيي أن اللغة التركية الأم كانت تحوي خاصية الجهر. على ما يبدو فإن هذه الخاصية أتت إلى آسيا من أفريقيا.

بالنسبة لللغة الهندو-أوروبية الأم (الهندو-أوروبية البدائية ProtoIndoEuropean) فالباحثون يرون أنها كانت تحوي أصواتا مجهورة، ولكن هناك جدل كبير بين الباحثين حول التفاصيل. النظرة التقليدية ترى أن هذه اللغة كانت تحوي أصواتا مجهورة مزفورة إلى جانب الأصوات المجهورة غير المزفورة والأصوات غير المجهورة. مثلا الحرف الوقفي السني dental stop كان يوجد بثلاثة أشكال (*dʰ, *d, *t)، ونفس الأمر ينطبق على باقي الحروف الوقفية.

هذه النظرة هي محل جدل خاصة وأن الأصوات المجهورة المزفورة كالحرف *dʰ هي نادرة في لغات العالم.

البلعمة pharyngealization

كلمة pharyngealization هي مأخوذة من pharynx التي تعني “بلعوم”.

مبدأ البلعمة هو شبيه بمبدأ التغوير والإطباق. المقصود بالبلعمة هو نطق الصوت مع إحداث تضيق في البلعوم.

البلعوم واسع ولا يمكن سده بشكل كامل. لهذا السبب لا توجد أصوات بلعومية وقفية، ولكن توجد أصوات بلعومية احتكاكية أو مقاربة.

هناك صوتان احتكاكيان بلعوميان:

  • صوت الحاء [ħ] (الصوت الاحتكاكي البلعومي غير المجهور voiceless pharyngeal fricative).
  • صوت العين [ʕ] (الصوت الاحتكاكي البلعومي المجهور voiced pharyngeal fricative).

 

هذه الأصوات طبعا هي مميزة لللغات السامية. هي مميزة أيضا لللغات المحكية في القسم الشمالي من أفريقيا (حيث جذور اللغات السامية).

هناك خلاف بين الباحثين حول وصف صوت العين العربي [ʕ]. هذا الصوت يوصف عادة بأنه احتكاكي، ولكن هناك من يقولون أنه مقارب approximant.

لو صح وصف صوت العين بأنه صوت مقارب فهذا يعني أن البلعمة pharyngealization تعني نطق الصوت الصحيح مع صوت العين في آن واحد.

رمز البلعمة في الأبجدية الصوتية الدولية هو رمز العين ʕ صغيرا ومرتفعا.

مثلا صوت الدال مع البلعمة يكتب هكذا []. هذا الصوت هو صوت حرف الضاد بالنطق العربي الفصيح.

الأصوات المبلعمة هي نادرة عالميا، ولكنها موجودة بكثرة نسبية في اللغة العربية. هناك في اللغة العربية أربعة أصوات مبلعمة هي الطاء [] (تاء مبلعمة) والظاء [ðˤ] (ذال مبلعمة) والصاد [] (سين مبلعمة) والضاد [] (دال مبلعمة).

المستشرقون يسمون هذه الأصوات بالأصوات الصحيحة الموكّدة emphatic consonants. هناك من يضيفون إلى هذه الأصوات صوت القاف (على أساس أنه النظير الموكّد للكاف)، وهناك من يضيفون الحاء (على أساس أنها النظير الموكّد للهاء) والعين (على أساس أنها النظير الموكّد للهمزة).

في اللغة العربية (واللغات السامية عموما) الأصوات الصحيحة تتوزع على شكل ثلاثيات:

مجهور

غير مجهور

موكد

b

f

d

t

ð

θ

z

s

l

š

ǧ

k

q

 

كل ثلاثية تتألف من صوت مجهور وصوت غير مجهور وصوت موكّد (كتابة الأصوات الموكدة في هذا الجدول هي حسب اصطلاح المستشرقين).

بالنسبة للفاء العربية /f/ فهي كانت أصلا /p/، وبالنسبة للجيم (التي يكتبها المستشرقون هكذا /ǧ/ ويقصدون بها الجيم المعطشة /ʤ/) فهي كانت أصلا [g] (النظير المجهور للكاف)، وبالنسبة للشين (التي يكتبها المستشرقون هكذا /š/) فهي كانت في الأصل صوتا جانبيا هو على الأغلب الصوت الاحتكاكي الجانبي اللثوي غير المجهور /ɬ/ (هذا النطق للشين ما زال موجودا لدى المهرة وأشباههم).

الأصوات العربية الموكدة هي عموما بعيدة عن الأصوات السامية الأصلية. هناك أولا جدل حول طبيعة التوكيد في اللغة السامية البدائية ProtoSemitic. غالبية المستشرقين حاليا يرون أن الأصوات الموكدة في اللغة السامية البدائية لم تكن مبلعمة كما في العربية ولكنها كانت مهموزة glottalized (سأتحدث عن معنى هذا النطق الثانوي في الأسفل). اللفظ المهموز للأصوات الموكدة هو موجود اليوم في اللغات السامية الحبشية. قديما كان المستشرقون يرون أن الساميين الأحباش أخذوا هذا النطق من الأفارقة الكوشيين، ولكن بعدما تم اكتشاف اللغة المهرية وأخواتها تبين أن اللفظ المهموز موجود في هذه اللغات أيضا. لاحقا ظهرت دراسات عديدة للمستشرقين تدعم الفكرة القائلة بأن اللفظ المهموز هو اللفظ السامي الأصلي وأما اللفظ المبلعم السائد لدى العرب فهو بدعة.

اللغات التي تحوي أصواتا مهموزة تفتقد عادة للصوت الشفهي المهموز [pʼ] (النظير المهموز للباء). غياب الباء الموكدة عن اللغات السامية هو أحد الأدلة على أن التوكيد السامي الأصلي كان عبر الهمز glottalization.

الباحثون يرون أيضا أن الأصوات الموكدة في اللغة السامية البدائية كانت غير مجهورة. هناك أدلة كثيرة على هذا الكلام لا مجال لسردها الآن. في اللغة العربية هناك بعض الأصوات الموكدة المجهورة. مثلا حرف الظاء // (الذال المبلعمة /ðˤ/) هو مجهور. الباحثون يرون أن هذا الحرف كان في الأصل غير مجهور (ثاء مهموزة /θʼ/). سيبويه قال أن الطاء والقاف كلاهما مجهوران. هذا يتناقض مع اللفظ الفصيح المعروف حاليا لهذين الصوتين (كلاهما غير مجهورين في اللفظ الفصيح)، ولكن بالنسبة للقاف فهي الآن مجهورة في معظم الللهجات العربية بما في ذلك لهجة البدو (وهذا يدعم صحة كلام سيبويه).

سيبويه وصف الأصوات الموكدة وصفا دقيقا كعادته، ولكن الغريب في وصفه هو أنه لا يتناسب مع البلعمة:

ومنها [أي الحروف] المطبقة والمنفتحة.

فأما المطبقة فالصاد والضاد والطاء والظاء.

والمنفتحة: كل ما سوى ذلك من الحروف لأنك لا تطبق لشيءٍ منهن لسانك ترفعه إلى الحنك الأعلى.

وهذه الحروف الأربعة إذا وضعت لسانك في مواضعهن انطبق لسانك من مواضعهن إلى ما حاذى الحنك الأعلى من اللسان ترفعه إلى الحنك فإذا وضعت لسانك فالصوت محصورٌ فيما بين اللسان والحنك إلى موضع الحروف.

وأما الدال والزاي ونحوهما فإنما ينحصر الصوت إذا وضعت لسانك في مواضعهن.

فهذه الأربعة لها موضعان من اللسان وقد بين ذلك بحصر الصوت.

ولولا الإطباق لصارت الطاء دالاً والصاد سيناً والظاء ذالاً ولخرجت الضاد من الكلام لأنه ليس شيءٌ من موضعها غيرها.

هذا الكلام ممتاز وصحيح فيما لو كنا نتحدث عن الإطباق velarization (انظر في الأعلى)، ولكنه لا يتوافق مع البلعمة. سيبويه يتحدث عن رفع اللسان نحو الحنك الأعلى وليس عن تقليص البلعوم (كما هو السائد بين العرب الآن).

بعض الباحثين يشكون في أن الأصوات الموكدة التي يصفها سيبويه هي في الحقيقة أصوات مطبقة velarized وليست مبلعمة pharyngealized.

هذا الطرح في رأيي ليس مستحيلا، ولكن من الممكن أيضا أن سيبويه أخطأ في وصف البلعمة.

باحثو اللغات السامية حاليا يرون أن الإطباق velarization هو مرحلة انتقالية بين الهمز glottalization (كما في اللغة السامية البدائية ProtoSemitic) والبلعمة pharyngealization (كما في العربية المعاصرة). لو صح وصف سيبويه فيمكننا أن نتخيل أن الأصوات الموكدة في زمانه كانت ما تزال في هذه المرحلة الانتقالية.

من اللافت في كلام سيبويه قوله “ولولا الإطباق لصارت الطاء دالاً”. هذا الكلام يؤكد أكثر أن الطاء التي يصفها سيبويه كانت مجهورة (كصوت الضاد الفصيح المعروف حاليا []) ولم تكن غير مجهورة كالطاء الفصيحة المعروفة الآن.

من اللافت أيضا قوله “[ولولا الإطباق] لخرجت الضاد من الكلام لأنه ليس شيءٌ من موضعها غيرها.

هذه العبارة عن الضاد تؤكد أكثر أن الشين في زمن سيبويه لم تكن جانبية. هي فقدت طبيعتها الجانبية منذ ما قبل الإسلام.

الضاد في اللغة السامية البدائية كانت النظير الموكد للشين. الشين كانت ربما /ɬ/ (كما يلفظها المهرة الآن)، والضاد كانت النسخة المهموزة من هذا الصوت /ɬʼ/.

ولكن سيبويه يقول أن الضاد مجهورة. حاليا الضاد هي مجهورة بالفعل (سواء في اللفظ البدوي أم اللفظ الفصيح).

الضاد التي وصفها سيبويه وغيره من الكتاب القدماء قد تكون نفس الضاد الموجودة حاليا لدى المهرة وإخوانهم، أي /ɮ/. هذا الصوت هو النسخة المجهورة من /ɬ/. ولكن بما أن سيبويه يقول أن الضاد هي من الحروف المطبقة فالاحتمال الأرجح هو أنها كانت /ɮˤ/ (نفس الصوت ولكن مع البلعمة).

هذا الصوت /ɮˤ/ كان على وشك الانقراض في العصر الإسلامي الباكر. الكتاب المسلمون ذكروا أن كثيرا من الناس كانوا يبدلونه بالظاء. لهذا السبب حرف الضاد اكتسب سمعة أسطورية لدى الكتاب المسلمين إلى درجة أن اللغة العربية صارت تنسب له.

في اللهجات المدينية حرف الذال تحول إلى دال (مثلا كلمة “ذكر” أصبحت “دكر”). بما أن حرف الظاء هو النسخة المبلعمة من الذال فإن الظاء تحولت في اللهجات المدينية إلى دال مبلعمة // (مثلا كلمة “ظهر” أصبحت تلفظ بالدال المبلعمة /dˤahr/). بما أن صوت الضاد اندمج مع الظاء فإن صوت الضاد في اللهجات المدينية هو نفس صوت الظاء. الكتاب العرب المعاصرون (في القرن 19) عرفوا صوت الظاء الأصلي من البدو (أو من قراء القرآن)، ولكنهم لم يعرفوا صوت الضاد الأصلي لأن هذا الصوت مفقود. لهذا السبب هم استخدموا صوت الضاد الموجود في لهجتهم (الذي هو نفس صوت الظاء)، ولكن هذا الصوت هو بعيد جدا عن صوت الضاد القديم.

الهَمْز glottalization

كلمة glottalization هي مأخوذة من glottis التي تعني مدخل الحنجرة. الترجمة العربية لكلمة glottis هي “مزمار الحنجرة”. أنا لم أعرف كيف أترجم كلمة glottalization بشكل حرفي ولذلك استخدمت كلمة “هَمْز” التي هي ترجمة خاطئة ولكن ميزتها أنها تسهل على القارئ فهم المقصود من المصطلح.

هناك صوتان يخرجان من الحنجرة:

  • صوت الهمزة [ʔ] (الصوت الوقفي الحنجري glottal stop)
  • صوت الهاء [h] (الصوت الاحتكاكي الحنجري غير المجهور voiceless glottal fricative)

 

مبدأ الهمزة هو نفس مبدأ بقية الأصوات الوقفية. ما يحدث هو أن مدخل الحنجرة ينغلق (وبالتالي ينقطع الزفير ويتراكم الضغط داخل الحنجرة) ثم ينفتح مدخل الحنجرة فجأة ما يؤدي إلى صدور صوت انفجاري هو صوت الهمزة.

صوت الهاء يصدر بسبب مرور تيار الزفير عبر مدخل الحنجرة المفتوح جزئيا.

رمز الهمزة [ʔ] يشبه رمز العين [ʕ]. للتمييز بينهما تذكر أن اتجاه رمز العين هو نفس اتجاه حرف العين في الكتابة العربية “ع”.

معنى كلمة “الهمز” glottalization باختصار شديد هو نطق الحرف الصحيح مع صوت الهمزة.

هناك عدة أصناف من الهمز. من الممكن أن يكون صوت الهمزة سابقا لصوت الحرف الصحيح (preglottalization) أو تاليا له (postglottalization).

الهمز بالمعنى الدقيق يسمى “الطرد” ejection. كلمة “الصوت الصحيح الطردي” ejective consonant تعني نطق الصوت الصحيح مع الهمزة. رمز الطرد هو هذه العلامة [ʼ]. مثلا التاء الطردية تكتب هكذا [].

إلى جانب الطرد هناك ظاهرة أخرى تسمى “السحب” implosion (الترجمة تقريبية). مفهوم السحب هو عكس مفهوم الهمزة. في هذا الصوت الحنجرة تنفتح فجأة وتسحب الهواء (شهيق) بدلا من أن تطرد الهواء. الأصوات التي تنطق بشكل متزامن مع السحب تسمى “أصواتا صحيحة سحبية” implo­sive consonants.

هناك أصوات شبيهة نوعا ما بالأصوات المهموزة glottalized تسمى click consonants. هذه الأصوات توجد في لغات Khoisan في أفريقيا.

من الصعب على القارئ أن يتصور هذه الأصوات دون أن يسمعها. من يريد أن يسمع هذه الأصوات يمكنه ذلك على هذا الرابط:

https://en.wikipedia.org/wiki/Template:IPA_chart_non-pulmonic_consonants_with_audio

هذه الظواهر (glottalization و clicks) هي شائعة في أفريقيا. بما أن أصل اللغات السامية هو من أفريقيا فليس غريبا أن اللغة السامية البدائية كانت تحوي سلسلة من الأصوات الطردية ejectives. العرب غيروا هذه الأصوات إلى أصوات مبلعمة.

ما يلي روابط لسماع بعض الأصوات الجانبية التي تحدثت عنها في الأعلى:

كثير من الأصوات التي تحدثت عنها في المقال يمكن سماعها في ويكيبيديا.

رأيان حول “الأصوات البشرية (3)

  1. Glottalization أظن بانه بالإمكان تعريبها إلى كلمة (الحَنْجَرَة) بفتح الحاء والجيم والراء وسكون النون أو إلى (التَحَنْجُر) بفتح التاء والحاء وسكون النون وضم الجيم بدلاً من كلمة (الهمز) وهذا اجتهاد مني بناء على ما فهمته من شرح حضرتكم للموضوع والله اعلم..
    احتراماتي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s